Share |
نوفمبر 2012
2
قوت القلوب الدمرداشية أديبة بروح متصوفة
المصدر: الأهرام اليومى

قوت القلوب طفلة صغيرة تنعم بحياة الارستقراطية

تذوقت ثمار اللارنج والليمون التى جادت بها أرض خصبة هى بعض ما تبقي من بستان عتيق منحه السلطان قايتباى إلى شيخه صاحب الكرامات الدمرداش المحمدى، لتأخذنى عيون المشربية المطلة على حديقة القصر. تلك المنمنات الخشبية التى كانت قوت الصبية تطل من ورائها على العالم الفسيح، وصوت أذكار الصوفية وابتهالاتهم فى مسجد أبيها الملحق بالقصر، والذي بناه فوق أنقاض زاوية جده الكبير المحمدى، التى يعود عمرها إلى 500 عام، تلك التكبيرات التى ما زالت ترتفع مساء كل خميس فى "محيا" الطريقة الدمرداشية. وصوت الآذان ينادي "حى على الفلاح" خمس مرات فى اليوم. ويشد الصبية من عالم الروحانيات صوت مربيتها الإنجليزية تدعوها لمواصلة دروسها. فوالدها الباشا رغم تصوفه كان حريصا على أن تلقى قوت القلوب تربية بنات الطبقة الأرستقراطية.
وعادت بى الشقوق التى تمكنت من جدران القصر المسجد أو المسجد القصر، وتسريبات المياه الجوفية التى هبطت بأرضية مسجد الدمرداشية إلى مرارة واقع إهمال الآثار والآوقاف لهذا الكيان التاريخي والأثري
ويشتد عود الصبية وتبدأ فى التمرد على أفكار قفص الحريم التى جعلتها تستشعر دوما حزن الأب لعدم إنجابه الذكر عنوان العزة والعزوة فى عرف الشرقيين. وتقرر قوت الإفراج عن تمردها وتمسك بالقلم لتخط روايتها "رمزة" التى تخرج إلى النور بعد أكثر من مائة عام على كتابتها فى فيلم يكتبه مصطفى محرم وتخرجه إيناس الدغيدى ليتعرف المصريون أخيرا على قوت القلوب الأديبة التى عرفها الغرب ولم نعرفها نحن قوت القلوب الدمرداشية. حكاية ثرية بالتفاصيل بداية من كونها تنتمى إلى عائلة أرستقراطية، يعرفها كل سكان العباسية كأسرة عريقة تمتد بجذورها إلى عصر المماليك، نهاية بوفاة تراجيدية ليسدل الستار على حكاية امرأة جمعت بين نعيم البرجوازية وروحانية الصوفية.
أما عائلة الدمرداش فتنسب إلى عبدالله محمد الدمرداش، الذي ولد فى تبريز بإيران سنة 1454 وتفقه فى علوم الدين، إلا أن اعتناقه المذهب السنى كان حائلا بينه وبين تولى المناصب العليا فى الدولة الشيعية، فرحل إلى مصر ودخل فى خدمة السلطان قايتباى، الذي كان يعتقد فى كرامات الشيخ الدمرداش، فأنعم السلطان عليه بقطعة أرض فى قرية الخندق التى عرفت بعد ذلك بقرية الدمرداش، وبنى فيها زاوية. ويذكر على باشا مبارك فى الخطط التوفيقية أن الشيخ الدمرداش المحمدى وهب الحقل المجاور لزاويته للفقراء، وعاش فى خص مع زوجته، ولم يذق طوال حياته من ثمار الحقل، لأنه أوقفه على الفقراء والمساكين رغم ما ورد فى طبقات الشعرانى: "لا يوجد فى مصر ثمر أحلى من ثمره".
توفى الشيخ الدمرداش بعد أن أرسي مبادىء الطريقة الدمرداشية التى تولى مشيختها أبناؤه وأحفاده وصولا إلى الشيخ عبدالرحيم الدمرداش، وهو علامة فارقة فى تاريخ الأسرة، وقد ولد فى زاوية جده بالعباسية 1270 م والتحق بالأزهر الشريف وأخذ التصوف عن والده وصاحب العلماء وجالسهم، ومنهم الإمام محمد عبده والشيخ مصطفى المراغى. وقد تولى مشيخة السادة الدمرداشية عام 1877 وعمره 24 عاما، وجدد زاوية جده وجعلها مسجدا كبيرا ماز الت مئذنته شامخة فى حى العباسية.
على المستوى السياسي كان الشيخ عبدالرحيم مواليا للإنجليز ويرى أن راحة مصر "فى مصادقتهم مصادقة تامة" وكان يدعو إلى ذلك صراحة على صفحات الإيجيبشيان جازيت، مما عرضه للنقد وعداء الخديو عباس حلمى الثاني.
فى 5 من فبراير 1930 توفى الشيخ عبدالرحيم الدمرداش، وجهزت له جنازة مهيبة وصل فيها عدد المشيعين إلى 15 ألف نسمة وكما ذكرت اللطائف المصورة الجنازة "وقد سار رفات الفقيد محمولا على الأعناق يحف به رجال البوليس وأرباب الطرق الدينية يحملون أعلام طرقهم، وقد حضر الجنازة محمد محمود باشا وأحمد لطفى السيد وأحمد خشبة باشا وصفية هانم زغلول ومندوب النحاس باشا ومجموعة من الوزراء".
ولأن رئاسة الطريقة تظل محصورة وفق تقاليدها فى الدمرداشية، فعندما رحل الباشا ولم يكن قد أنجب ذكورا انتقلت زعامة الطريقة إلى أبناء ابنته قوت القلوب، حيث يتولاها حاليا أحد أبنائها الدكتور أحمد الدمرداش.
- صوفية المنشأ والنشأة
ولدت قوت القلوب فى قصر والدها عبدالرحيم باشا الدمرداش عام 1892 ونشأت نشأة إسلامية صوفية. فقد تربت على صوت الآذان الذي ينطلق خمس مرات فى اليوم وأصوات تكبير الصوفية فى حلقات الذكر التي تقام أسبوعيا فى مسجد عائلتها اللصيق بالقصر. وهو ما تحدثت عنه فى مقدمة روايتها "ليلة القدر" التى أهدتها لوالدها "لقد ولدت تحت قدم مئذنة ومنذ بدأت أرى فإن إصبعي أشار إلى السماء. ومنذ بدأت أسمع فإن اسم الله الذي يذاع خمس مرات فى اليوم قد دخل قلبى". لكن هذه النشأة الدينية الصوفية لم تجعل الشيخ يحبس ابنته داخل الحرملك. بل لقد تربت كسائر بنات الطبقة الأرستقراطية وتلقت تعليما جيدا، وكانت مهتمة بالفنون والآداب حريصة على حضور حفلات الأوبرا والباليه والكوميدى فرانسيس والموسيقى الكلاسيكية. كما كانت تحب السفر والرحلات وتقضي إجازاتها السنوية فى أوروبا بين فرنسا والنمسا. وأثناء الحرب العالمية الثانية وتوقف المواصلات إلى أوروبا لجأت إلى السياحة الداخلية فى الغردقة والقصير والواحات.
لم ينغص على قوت القلوب هانم حياتها سوى زواجها الذي لم يستمر طويلا لكنه أثمر ثلاثة أولاد وابنة واحدة، وكانت حريصة على تعليمهم تعليما جيدا، فقد درس أحمد وعبدالرحيم الهندسة ودرس مصطفي الحقوق ومحسن الطب. كما حصلت ابنتها الوحيدة زينب على البكالوريا، وتزوجت من على أمين الكاتب الصحفى الراحل، وكانت أم كلثوم هى التى قدمته للأسرة.
- سيدة البر والإحسان
فى العباسية حى كامل يخلد اسم الدمرداشية أصحاب الطريقة الصوفية المعروفة من 500 سنة، والتى كما يقول حسن البططي أحد النقباء الإثنى عشر للطريقة: لها تقاليد موروثة منها عدم إقامة فروع لها فى الأقاليم، ومن خصائص الطريقة الاقتداء بلجوء النبي إلى الغار ثلاثة أيام خلال هجرته من مكة إلى المدينة، فيقومون بالاعتكاف داخل خلوات مسجد الدمرداش حيث يقضون فيها ثلاثة أيام صائمين لا يفطرون إلا على أرز بزيت سيرج، وهو أنقى أنواع الزيوت إلى جانب عصير الليمون. فى الدمرداش أيضا المستشفي التى ما زالت تحمل اسم العائلة، حيث تبرع عبدالرحيم باشا عام 1928 بمبلغ 250 ألف جنيه وتبرعت زوجته بمبلغ 25 ألف جنيه ومساحة من الأرض تبلغ 15 ألف متر مربع ليبني عليها المستشفي الخيري. وقد قامت قوت هانم بمواصلة مشوار والدها الخيري، فكانت تتبرع بألف جنيه سنويا لكلية طب عين شمس للإنفاق على البحوث التى كان يجريها الدكتور بول غليونجى على الغدد الصماء. كما فتحت مكتبتها الخاصة التى تضم 8 آلاف كتاب لطلاب الجامعة. كما كانت تنفق على بعض الطلاب لإتمام تعليمهم، وتبرعت بألفى جنيه لإنشاء مكتبة طبية فى مستشفي الدمرداش.
- مغمورة هنا مشهورة هناك!
عرفت قوت القلوب طريقها إلى الأدب فى سن متأخرة نسبيا. فقد بدأت الكتابة وقد تجاوز عمرها الخامسة والأربعين، ونشرت كتابها الأول عن دار المعارف باللغة الفرنسية عام 1937 تحت عنوان "مصادفة الفكر". وفى العام نفسه نشرت روايتها "حريم" دار جاليمار الكبري وهى الدار نفسها التى نشرت فى العام نفسه ترجمة "الأيام" للدكتور طه حسين.
وكان لقوت القلوب إنتاجها الأدبي المتميز والذي عرفه العالم كله وقد قدم كتبها للجمهور الفرنسي عضو الأكاديمية الفرنسية والأديب المعروف فرانسوا مورياك، وتمت ترجمة بعض كتبها إلى الألمانية وقام كبار الكتاب فى فرنسا بالتقديم لرواياتها لأنها رسمت فيها صورة لعالم الشرق الساحر فى لغة فرنسية سليمة، وربما للسبب نفسه ظلت قوت الأديبة غير معروفة فى مصر، فقد كتبت إنتاجها الأدبي باللغة الفرنسية التى كانت تجيدها العائلات الأرستقراطية. ولهذا انتقدها د. طه حسين قائلا: "إن موهبة قوت القلوب يعرفها قراء الفرنسية ولن يعرفها قراء العربية وستعرفها باريس ولن تعرفها القاهرة، ولو عرفها القراء فلن يتعرفوا على أدبها وفكرها لأنها تكتب بالفرنسية". وظلت قوت القلوب كأديبة مجهولة فى مصر حتى قام المترجم دسوقى سعيد بترجمة روايتيها "رمزة" و"زنوبة" إلى العربية، وقد قدمت قوت القلوب خمس روايات معروفة لدى الجمهور الأوروبي عامة والفرنسي خاصة هى: حريم (1937) زنوبة (1947) ليلة القدر (1954) رمزة (1958) حفناوى الرائع.
- وكما يقول ابنها الدكتور أحمد الدمرداش: انعكست النشأة الدينية على إنتاج قوت القلوب الأدبي حتى إنها كانت تبدأ رواياتها بآيات من القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، وكانت المرأة محور كتاباتها خصوصا ما يمس أوضاعها فى المجتمع الشرقي، ومعاناة الأنثى فى مجتمع ذكورى كان يفضل إنجاب الولد، وهو ما لمسته بنفسها مع أبيها الذي كان معتنقا كغيره من الرجال عقيدة تنتصر لميلاد الذكر بوصفه الحامى والوريث والامتداد. ونجدها قد كتبت فى مقدمة روايتها "رمزة": "لقد تورطت فى هذه القضية منذ نصف قرن فرزت فيها أسوار الحريم، تمردت وثرت على عادات القرون الماضية، ووضعت أمام الرأى العام قضية الحرية وحقوق المرأة، وخضت حربا ضد المحافظين على التقاليد القديمة وسددت مدافع الأفكار الجديدة".
ونظرا لحبها الشديد للأدب قامت قوت هانم بتخصيص جائزة للأدب الجديد فاز بها عام 1940 أديبنا الكبير نجيب محفوظ كأول جائزة يحصل عليها وقيمتها عشرون جنيها.
وكان بيتها مزارا لكل كتاب العالم الذين أتوا إلى مصر مثل: فرانسوا مورياك، المؤلف الفرنسي جون كوكتوز، الأديب الفرنسي روجيه كابو، الذي استضافته على وليمة مستوحاة من كتاباته: البامية، تورتة الشيكولاتة على شكل صخرة سيزيف.
- ستارة النهاية
عندما قامت ثورة يوليو كانت قوت هانم من أبرز مؤيديها من الأرستقراطيين لكن شهر العسل لم يدم طويلا بين الهانم والعسكر، وحدث الجفاء الذي تحول إلى عداء. وكما يروى ابنها الدكتور أحمد الدمرداش: بدأت إجراءات الثورة ضد والدتى التى كانت من أغنى اثنتى عشرة شخصية فى مصر، وكانت تمتلك أجود الأراضى الزراعية. وتم اتهامها بتهريب مائة ألف جنيه من أموالها. ثم قام عبداللطيف البغدادى بهدم قصرها بميدان التحرير الذي كان يوجد بجوار قصر الأمير كمال الدين حسين "وزارة الخارجية حاليا". وكان والدها قد أهداها هذا القصر عند زواجها بعد أن اشتراه من قطاوى باشا. ومكان القصر تم تشيد نفق السيارات "نفق الشهيد كمال الدين صلاح".
لم تجد قوت القلوب أمامها سوى الهجرة إلى إيطاليا حيث كان موعدها مع القدر حيث لقيت حتفها عام 1968 بطريقة مأساوية أثناء مشاجرة مع ابنها مصطفي الذي كان دبلوماسيا سابقا طرد من الخدمة، بعد أن تخلص منه عبدالناصر كسائر أبناء الطبقة الأرستقراطية.