المشاركة المجتمعية وتطبيق العدالة. أسس تحقيق الأمن فى المجتمع
Share |
يناير 2013
4
المشاركة المجتمعية وتطبيق العدالة. أسس تحقيق الأمن فى المجتمع
المصدر: الأهرام اليومى

المواجهات الأمنية وحدها لا تكفى للقضاء على عصابات السطو المسلح

فى ظل حالة الانفلات الأمنى الذى تعانى منه البلاد الذى تزايد بشكل ملحوظ بعد ثورة 25 يناير، وظهوره فى أشكال متعددة كالسرقات بالإكراه، والسطو المسلح على البنوك والمحال التجارية، وأعمال العنف والبلطجة، لدرجة جعلت الناس يخافون من السير فى الشوارع، أكد علماء الدين أهمية إقامة العدل بجميع أشكاله، وتحقيق الإخاء والمساواة والتراحم بين الناس ليسود الأمن مرة أخري، وتوفير المناخ الملائم لجذب الاستثمارات ودوران عجلة الإنتاج.
وطالب علماء الدين بنشر ثقافة المحبة ومراعاة حقوق الغير، وتضافر جهود الجهات الأمنية فى الدولة مع مؤسسات وهيئات المجتمع المدنى بمشاركة أفراد الشعب أنفسهم، لإشاعة الأمن فى المجتمع، ونشر ثقافة الأخوة بين الناس. وأكد العلماء أن أمن المجتمع هو احد المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية، وأن الأجهزة الأمنية والقضائية لا تستطيع وحدها القيام بتلك المهمة الجليلة التى باتت فى حاجة ملحة الى تضافر كل الجهود.

يقول الدكتور سعد الدين الهلالى أستاذ ورئيس قسم الفقه بجامعة الأزهر إن الأمن هو أساس حياة الإنسان مع الغذاء، يقول تعالي: "الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف"، فحياة الإنسان مرتبطة بين هذين الأمنين، الأمن الغذائي، والأمن الاجتماعي، وهذا هو ما دعا به إبراهيم ربه أن يحمى ذريته التى تركها فى بيت الله الحرام قبل إعماره، يقول تعالى: "رَبَّنَا إِنِّى أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ" سورة إبراهيم، 37 وعندما بين الله عز وجل قدر مصر ومنزلتها، كان من أهم صفاتها الأمن، يقول عز وجل "ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين"، فالأمن هو الأساس فى جذب الاستثمارات، وجذب كل أسباب الحياة، حتى إن الله جعل المسجد رمزا لهذا الأمن ولو كان لغير المسلم، يقول تعالي: "وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ"، وهكذا كانت رسالة الإسلام الأولى بث الأمن وتطمين الناس وتأمينهم، فبالأمن يستطيع الإنسان أن يمارس عقيدته وشعائر دينه، وأن يمارس نشاطه الاقتصادى وقبل كل ذلك يستطيع أن يعيش إنسانيته.
ويضيف أن الأمن مسئولية الإنسان للإنسان، فهو حالة جماعية إنسانية، فعندما خاطب النبى صلى الله عليه وسلم الأمة فى حجة الوداع قال لهم: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام"، فجاء الخطاب جماعيا وينص على أن الأمن مسئولية البشر أنفسهم، ولهم أن يعاقبوا الخارجين عن أمنهم، وهذا ما جعل الفقهاء يقولون إن رد الصائل (وهو المعتدى على مال أو عرض أو حقوق الغير) حق لكل إنسان استدلالا بقوله تعالى: "ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه"، وهذا ما يعرف فى القانون بحق الدفاع الشرعي، وقد أخرج مسلم فى صحيحه: (أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن جاءنى رجل يأخذ مالي، قال: لا تعطه، قال: أرأيت إن قاتلنى، قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني، قال: أنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته: قال: هو فى النار)، ويقول صلى الله عليه وسلم أيضا: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد، ومن قتل دون أرضه فهو شهيد)، فتحقيق الأمان واجب اجتماعي، فتقوم الدولة بإنشاء جهاز الشرطة مثلا، ولكن هذا الجهاز لا ينجح إلا بمعاونة الناس جميعا، فالحالة الأمنية المستقرة لا تكون من جهاز شرطة وقضاء فقط، وإنما تكون من الأمة والشعب بأسره، فالمجتمع المدنى له دور والمؤسسى له دور آخر، وعلى الكل أن يتعاون لتحقيق الحالة الأمنية للبلاد.
دور علماء الدين
ويرى الشيخ محمود عاشور عضو مجمع البحوث الإسلامية أن إشاعة الأمن فى المجتمع تتطلب نشر ثقافة الإخوة والمحبة بين الناس، وأن ما ينال أحدهم ينال الجميع، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى شيئا تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، أما الآن خاصة بعد ثورة 25 يناير فقد تزايدت حالة الإنفلات الأمنى فى مصر، بعد انطلاق من كانوا فى السجون ليثيروا الفزع والخوف فى نفوس الناس، وبالرغم من أن دور الجهات الأمنية كبير لمواجهة تلك الظاهرة، إلا أنه لا يكفى وحده، ولذلك فعلى علماء الدين وأئمة المساجد نشر ثقافة المحبة والمودة والتلاقى ومراعاة حقوق الجار بين الناس، بالإضافة إلى أهمية أن يشعر الناس بالعدل، فلا يجوز أن يئن رجل من الظلم ولا يجد من يقدم له يد المساعدة، ثم نطالبه بعد ذلك بالحفاظ على الأمن، وكما قالوا قديما فالعدل أساس الملك، وهو فريضة من الفرائض، يقول تعالى: "إن الله يأمركم بالعدل والإحسان" وبذلك فلن نجد مجرمين وإرهابيين وقتلة، وإنما سنجد مجتمعا عادلا مستقرا.
ويضيف أن فى عهد الخليفة عمر بن عبدالعزيز أرسل إليه أحد ولاته يشتكى كثرة اللصوص فى المدينة ويطلب منه بناء سور حولها لمنع اللصوص من الدخول، فقال له عمر بن عبدالعزيز: حصنها بالعدل ونقى طرقها من الظلم، فلن تجد فيها لصا ولا سارقا، وهذا هو الذى ينبغى أن يكون فى مجتمعنا حتى نحقق العدل والأمان والطمأنينة فى المجتمع، فعندما نخاف الله فى كل أفعالنا وأقوالنا يتحقق الأمن بكل أشكاله، وهذا هو دور المسجد فى تعميق هذا المعنى فى نفوس الناس.
مسئولية الحاكم ومؤسسات الدولة
من جانبه يؤكد الدكتور نبيل السمالوطى أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر وعميد كلية الدراسات الإنسانية السابق ان الأمن مطلب إنسانى وكان أول توجيه للرسول فى بناء أول دولة إسلامية فى المدينة المنورة قبل العقيدة وإعمال الشريعة، وقال عليه الصلاة والسلام: (افشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام)، فالتنمية والاستقرار الاجتماعى وبناء الأسر المتكاملة لا يتم دون وجود الأمن، فهو قضية جوهرية فى المجتمع، ولا تتم الأمن إلا بإقامة العدل، ولا عدل دون تحقيق المساواة بين الناس.
وأوضح أن المسئول عن إقامة الأمن النظام الحاكم فى المجتمع الذى يقيم العدل ويحقق الإخاء والمساواة، وتكافؤ الفرص ويحول دون وجود تمييز بين الناس على أساس دينى أو لغوى أو لوني، فلا أمن دون تحقيق مواطنة كاملة، والمواطنة لها أبعادها القانونية والاقتصادية والسياسية والأمنية، إذن فالمسئول عن تحقيق الأمن هو النظام السياسى الحاكم والنظام الإقتصادى المطبق داخل المجتمع الذى يحقق العدالة.
وأضاف قائلا: يعد الاستقرار الأسرى أيضا مسئولا عن الأمن، فكفالة أسرة مستقرة ووجود تأمين لها والتزام الدولة بتوفير النفقات لحمايتها من الاعتداء عليها بأى شكل من أشكال الجريمة يحقق هذا الاستقرار، كما أن الأمن مسئولية هيئات المجتمع المدنى أيضا، فهى مسئولة إلى جانب الدولة عن القضاء على مشكلة البطالة والفقر والعنوسة، والتفكك الأسرى، وأطفال الشوارع والذين يقدرون بنحو مليونى طفل يعدون تفريخا لكل أنواع الجرائم من مخدرات ودعارة وسرقات وبلطجة وسطو، والتى تعد من أكبر المشكلات التى تهدد الأمن فى المجتمع.
ويضيف الدكتور نبيل السمالوطى أن الفرد أيضا مسئول عن الأمن من خلال الالتزام الأخلاقى والقيمى، والذى يمنع الإنسان من الغش وأخذ الرشاوى على أداء وظائفه، وان يراعى الإنسان نفسه حقوق الآخرين وأولهم جاره، وان يعطى الطريق حقه وأن لا يكون معتديا على حقوق وملكية الآخرين، فالالتزام الخلقى يسهم دون شك فى إشاعة الأمن فى المجتمع، وعلى الفرد أن يقوم بالإبلاغ عن كل ما يهدد أمن المجتمع، وأخيرا المنوط بالأمن أيضا فى المجتمع أجهزة الأمن من الشرطة، والقضاء العادل وأجهزة الرقابة المختلفة فى الدولة.