Share |
ابريل 2011
1
الحرملك. اسرار والهام
المصدر: ديوان الأهرام
بقلم:   بهية حلاوة


لقرون عديدة سكتت المرأة أو أسكتت، والآن تتكلم، لتنتزع حق كتابة تاريخها, بعد أن توجب عليها لسنوات طويلة أن تخرج رأسها من «المشربية» وتلوى عنقها بإرادتها لتختلس نظرة أو ابتسامة أو كلمة وربما موعد فلقاء!
فى الحرملك، حيث العالم الذي يكتنفه الغموض وتلفه الأسرار والحكايات، كانت لنا جولة، فتحنا أستار التاريخ برفق، وبحثنا بين صفحات ديوانه عن تفاصيل السحر المحفز على الفضول والإلهام الذي دفع المستكشفين الأوربيين من قبل لاكتشافه وسبر أغواره وحاولنا تسجيل ما دونوه عن همساته ونبضات شرايينه، رغم أن مشاهداتهم الشخصية لم تتحقق إلا فى أضيق الحدود، وعبر وسطاء من الحريم أيضا.
الى هذا الحد كانت حياة الحرملك غاية فى السرية للدرجة التي جعلت «بريس دافين» يقول: محال أن نعلم شيئا عن النساء إلا من الأوربيات اللاتي يختلطن بهن، وانك لتسب المسلم سبا، اذا سألته عما يخص حريمه. كان ذلك فى القرن الـ19 أما الآن فقد تكلمت المرأة.
"البداية عثمانية":
كانت صورة مصغرة لما كان عليه الحريم السلطاني في الدولة العثمانية، لأن حكام مصر حتى مقدم محمد علي باشا كانوا من الأتراك العثمانيين الذين أشربوا التقاليد العثمانية كحاكمين لها نيابة عن السلطان العثماني وتشبهوا بسادتهم السلاطين ومن بينهم الحريم.
فقد كانت الحريم والجواري في (الحريم السلطاني) فى تركيا تخصص لهن أجنحة في القصر للسكنى ومنهن والدة السلطان الحاكم، وزوجات السلطان ثم بناته وأولاده الصغار ثم فئات من الجواري الحسان كن يعشن فى القصر. وكان للسلطان مقصورة خاصة وسط أجنحة الحريم وتحوى غرفة نومه وحمامات وقاعة استقبال كبيرة، وعند زيارته لأجنحة الحريم كانت تصحبه (الكايا) وهى من كبرى موظفات الحريم السلطانى ومن بين اختصاصها تنظيم الأوقات التى يقضيها السلطان مع ساكنات دوائر الحريم، وعلى نزهاته مع البعض منهن فى حدائق أجنحة الحريم، ولكي يتم الإعلان بوصوله إلى منطقة الحريم كان السلطان يرتدى صندلا من فضة كي يحدث صوتا على الأرض المكسوة بالرخام أما إذا فاجأهن السلطان بوجوده فى منطقة الحريم فانه كان من قواعد البروتوكول ألا تنظر السيدات والفتيات إلى وجه السلطان بل يغضضن من أبصارهن وينظرن إلى الأرض حياء.
حرملك على الطريقة المصرية
ولكن «الحريم المصري» اللاتي كن ينتمين إلى أصل تركي لم يكن يظهر عليهن شيء من مظاهر الأبهة والعظمة فكان الرجال الأوروبيون لا يكادون يسمعون كلمة حريم حتى ينصرف خيالهم إلى الرقص والغناء، ولكن من وقعت عيناه على الحريم فى مصر لم يجد فيهن شيئا من هذا الخيال، فالجواري عبارة عن فتيات يلبسن ملابس بسيطة ولكنها غير مغرية فالحريم بصفة عامة تسيطر عليهن امرأة وهى زوجة السيد أو أمه أو رئيسة الجواري
وفى كل هذه الحالات تحرص صاحبة السلطان على ألا تبدو الجارية أمام سيدها جميلة فالزوجة تفعل ذلك بدافع الغيرة، والأم حرصا على ألا يتزوج ابنها من جارية، ورئيسة الجواري طمعا فى أن تصبح هى السيدة، وعلى هذا فالجواري فى مصر لسن أداة للتمتع واللهو، وإنما هن خادمات وان كن أقل من الخادمات حقوقا فهن لا يتناولن أجرا عن خدمتهن ولا يستطعن مغادرة بيت المخدوم إلى بيت سواه.
وكلما علا شأن البيوت زاد عدد الجواري فيها لأن التقاليد في الحريم المصري تقضى بالا تقوم السيدة بعمل ما، ولو كان في متناول اليد فتقديم القهوة له نظام خاص، وحمل الملابس على اليد له نظام خاص، وتقديم كأس من الماء له نظام خاص أيضا، ولهذا قد يرى الإنسان كثيرا من الجواري منهمكات ولا يرى عملا يؤدى.
فهناك مثلا (سفرجى كالفة) ووظيفتها الخدمة على مائدة الطعام فقط، وهناك (قهوجي كالفة) وعملها تقديم القهوة فقط، وهناك (شمورجى كالفة) ووظيفتها تحضير الملابس للسيد، وعملها ينحصر بين الحمام وغرفة الزينة وغرفة النوم.
ولذلك ترى السيدة (هانم أفندي) فيهن الخطر، كل الخطر لكثرة احتكاكهن بالبك أو الباشا، ولكى تأمن السيدة شرهن تغدق عليهن الهدايا، لتكسب مودتهن أو تنزل بهن سخطها لتجعلهن من غضبها على حذر، على أن النتيجة فى كلتا الحالتين غير مضمونة. لهذا تهتم بعض السيدات بخدمة أزواجهن بأنفسهن إما بدافع الحب أو بدافع الحذر، وخاصة إذا كانت هذه السيدة أصلها جارية، ثم أصبحت (هانم أفندي) فإنها تعرف كيف تبعد الجواري عن زوجها.
وكان البك أو الباشا رمزا للسيادة فقط، ولكنه فى الواقع لا يعرف شيئا مما يحدث فى داخل الحرملك ولا يهتم بمعرفته فاذا دخل البيت يلقاه الجميع بالخضوع الواجب وابتسامة لا تفارق الثغور والويل لمن تتقدم له بشكاية، فان هذا يعكنن مزاج البك، وما وجد الحريم الا ليدخل على نفسه السرور، هذا فضلا عن أنه لا يستطيع أن ينفع الجارية بشيء إذا شكت إليه بل ربما جلبت شكايتها له آلاما جديدة.
ولم تكن نساء الحريم تفهمن الأمومة على حقيقتها بل كن يعتبرن الأولاد وسيلة لتوطيد مركزهن ودرء الخطر عنهن من طلاق عاجل أو زواج بأخرى فالأطفال فى نظرهن درع تقيهن شر الضرة، على أن الخطب قد يهون اذا كانت الضرة من داخل الحريم، فهناك عين ترى وأذن تسمع وفرصة للكفاح واسترداد الزوج بالتحبب اليه أو الطعن فى الزوجة الأخرى.
فظل مجتمع حريم مصر مغلقا وغامضا على الأوروبيين لم يتعرفوا عليه سوى من خلال زوجات القناصل، فكن بمثابة عيون لهم في الداخل.
ولما كانت المرأة المصرية أسيرة الحرملك فقد أصبحت هدفا يراود كل الفنانين والأدباء الرومانسيين الاستشراقيين بغية الوقوف على ما تخفى من أسرار، ومن هنا كان اختيار بعض المصورين أو الرحالة لهذا النمط تعبيرا عن المرأة الشرقية أو المصرية أمرا خاطئا ومضللا، وسواء زار المستشرق الشرق أو لم يزره فقد كان يصوره من وجهة نظر أجنبي غريب، إذ أنه مهما طالت الفترة التي يقضيها بالبلاد ومهما كان عدد المواطنين الذين تعرف عليهم أو صادقهم فإنه يظل شخصية غير مرغوبة من المجتمع الذي يحل عليه، ولهذا اقتصرت الموضوعات التي يطرقها المصورون المستشرقون على المشاهد العامة في الطريق أو مواكب الحجيج أو الاحتفالات الدينية دون السماح بولوج عالم المواطنين الخاص، كما حالت التقاليد الاجتماعية والدينية دون اتصالهم بالمرأة الشرقية المسلمة.
وبرغم هذه الحقيقة الواضحة للعيان لم يتوقف أدب الاستشراق وفنونه عن اعتبار الحرملك هو الملجأ الوحيد للمرأة الشرقية.
وإذا لم يكن مباحا لغير أفراد الأسرة التردد على الحرملك، فقد صوره الغربيون حصنا منيعا يقف دونه الحراس والديدبانات وتخيلوه سجنا أكثر منه مسكنا، ومن هنا كان تصورهم الخاطئ المغرض للحرملك وقاطناته اللواتي لا شغل لهن في الحياة - في نظرهم - سوى الاسترخاء.
وكان وصف بعض الغربيين للمرأة المصرية ومنهم
(سونينى) فقد وصفها بالجمال سواء المسلمات أو القبطيات يضعن جميعا الكحل في أعينهن ويتزين بالحناء وأنهن أكبر حجما من نساء فرنسا، كما أثنى على غيرة الرجل الشرقي وحرصه على المحافظة على الفضيلة.
وقد ذكر (بريس دافين): «محال أن نعلم شيئا عن النساء إلا من الأوروبيات اللواتي يختلطن بهن وأنك لتسب المسلم سبا إذا سألته عما يخص حريمه فهو لا يذكر أبدا اسم زوجته في مجلس عام ولا يتحدث مطلقا في مجلس خاصه عن شئون بيته».
الجواري والرقيق:
فعالم الجواري جزء من الحريم في الطبقة المتوسطة والعالية أو الراقية لكنه يتصل بتجارة الرقيق التي عرفها العالم منذ عصور سحيقة قبل الإسلام.
وقد عمل الإسلام على محو هذا الإرث من نفوس المسلمين، فأوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيرا بالرقيق خيرا، وحض على عتق من وقع في الرق، ووعد بالثواب الجزيل من الله - تعالى - على هذا العتق، ولكن المسلمين بعد القرون الأولى انغمسوا في أسباب الترف مما أدى بهم إلى إباحة استرقاق المرأة المسلمة عن طريق البيع والشراء.
فأقبل فقراء المسلمين في الكرخ والقوقاز يبيعون أولادهم باختيارهم عسى أن يتتزوج بناتهم من بك أو باشا أو والي أو من سلطان وإن كانوا ذكورا ربما ترقوا إلى أعلى المراتب فأصبحوا أمراء جيوش.
كما كان الرقيق يجلب من افريقيا سواء من الحبشة أو سنار أو من كردفان فالقوافل تأتي إلى مصر محملة بالعبيد حيث يتجمعون في أسيوط ثم يعرض الرقيق في الأسواق ولكل منهم سيد يتبعه، ويتم فحصهم والكشف عليهم للتأكد من خلوهم من الأمراض.
وتجدر الإشارة إلى أن القوافل الواردة من الحبشة والسودان لم تتوقف أثناء الحملة الفرنسية على مصر رغم الاضطرابات التي عانى منها الصعيد، وازدهرت تجارة الرقيق في عهد
(مينو) الذي حرص على مراسلة حكام الحبشة وسلاطين سنار لتكوين قوات من الرقيق وتدريبهم على حمل السلاح.
وقد أشار الرحالة للعبيد من الخصيان الموكول إليهم حراسة الحريم ومراقبتهن، والخصيان هم الرجال الوحيدون الذين يجوز لهم دخول حجرات النساء باعتبار أنهم الحراس الذين أقامهم الأزواج على عفة زوجاتهم، وهم حريصون على كسب ثقة الأزواج والزوجات.
والحقيقة أن مهمة الخصيان كانت حراسة الحريم واستخدامهم يرجع إلى الأزمان القديمة، وأكد الطبيب الفرنسي (كلوت بك) أن الملكة (سميراميس) هي التي ابتكرت خصي الرجال واقتدى بها ملوك آسيا، ومع أن الشريعة الإسلامية تحرم الخصي إلا أن المسلمين استمروا في إتباع هذه العادة السيئة.
عملية إخصاء الرقيق تتم في أسيوط وجرجا وقد وصفهم الطبيب (كلوت بك) قائلا: «إن هؤلاء الناس أصبحوا عارا على الدين وخزيا ووصمة مزرية للإنسانية لما يترتب على الصناعة التي يباشرونها بغير رحمة ولا حياء وهي جريمة ضد الإنسانية».
وتتم هذه العملية في زاوية الدير القريبة من أسيوط حيث تم إخصاء ما يزيد على ثلاثمائة عبد، ويتم اختيار الضحايا من بين صغار العبيد الذين تتراوح أعمارهم بين ست و تسع سنوات أتت بهم قوافل الجلابة من سنار ودارفور.
وتتم عملية الجلب في فصل الخريف باعتبار أنه أوفق فصول السنة لنجاحها، فلا يكتفى ببتر أعضاء التذكير وإنما يصبون الزيت المغلي على مكان الجرح مع مسحوق الحناء، ثم يدفنون الفتى في الأرض إلى ما فوق البطن بعد أن يتركوه أربعا وعشرين ساعة ويستخرجونه من التراب ويدهنون مكان الجرح بعجينة من الطين والزيت.
وكثير من الغلمان يفقدون حياتهم بعد هذه العملية، ومن يبقى على قيد الحياة يعرفون بمظهرهم الخارجي حيث يكون أمرد سليب اللحية والشاربين.
ويلاحظ أن الغلمان في سن الخامسة عشرة أكثر الفئات ارتفاعا في السعر سواء داخل أفريقيا أو في أسيوط، كما ترتفع أسعار الفتيات من 500 إلى 700 قرش داخل أفريقيا ثم يرتفع السعر في أسيوط من 900 إلى ألف قرش.
ومن بعض المواقف الطريفة وصف (بيلون) إحدى حفلات الزفاف التي حضرها والتي اندهش فيها من النساء اللواتي يطلقن الزغاريد طوال فترة الاحتفال، وإستاء من تلك الأصوات وأصر على أن يقدم لقارئه الفرنسي صورة عنها، فذكر أن المرأة تفتح فمها إلى أقصى اتساع فتنبعث أصوات غريبة، وتحرك لسانها بين أسنانها ثم تسحبه إلى الخلف فتطلق الأصوات المزعجة.
"العوالم والغوازي":
للعوالم مجتمع خاص بهن وهن يتقن الغناء والرقص ولا يوجد احتفال يتم في مصر دون غناء أو رقص العوالم، ويرقصن على نغمات الطبول وينشدن الأشعار والمواويل، حتى الأتراك أعداء كل الفنون - على حد قول (سافاري) - يجدون متعة في الاستماع لغناء العوالم، ولابد من وجود عالمة في حفلات الزفاف، وترقص الغوازي سافرة الوجه في الشوارع العامة وفي ساحات المنازل وفي بعض المناسبات كالاحتفال بمولد طفل أو زواج ولا يرحب بهن في الحريم حسن السمعة وهن أكثر النساء خلاعة.
وقد نفى محمد علي باشا العوالم خارج القاهرة، وفي عام 1834 منع رقص الفتيات في الشوارع وفرض على مخالفة ذلك عقوبة خمسين جلدة.
وللعوالم عدة رقصات سجلها الرحالة، فمنها البدوية حيث ترقص العالمة وهي تضع أسلحتها على رأسها، وكذلك سجل (برديو) ما عرف برقصة النحلة حيث تتظاهر العالمة بدخول نحلة في ملابسها فتبدأ فى الرقص وكأنها تبحث عنها بين ملابسها.
ومن أشهر العوالم «كوتشك هانم» وهي سورية الأصل من دمشق، نفاها عباس باشا إلى إسنا، كانت شديدة الجمال وكانت تؤدي رقصة النحلة بنفسها كما أنها دربت بعض الفتيات على الرقص في إسنا.
"الأزياء وزينة المرأة المصرية":
كان حريم الأسرة العلوية والطبقة الوسطى يحرصن على ارتداء الملابس المصنوعة من أقمشة باهظة الثمن، أما نساء الطبقة الفقيرة فتكون ملابسهن من الكتان. ترتدي المرأة القميص ثم اليلك وهو ثوب طويل فضفاض وتحرص نساء الطبقة العليا على لف الخصر بشال من الكشمير حافتة مذهبة.
وفوق اليلك ترتدي الجبة المصنوعة من الحرير، أما ملابس التجوال فهي التزييرة أو الثوب أو السبلة ولابد أن تضعه المرأة عند خروجها في الطريق العام، كما تغطي المرأة نفسها بعد كل ذلك بالحبرة أو الملاءة وهي من اللون الأسود للمتزوجات ومن الحرير الأبيض للفتيات.
وقليل من النساء يرتدين الجوارب بينما ترتدي الكثيرات المز أو الحذاء الداخلي المصنوع من الجلد المراكشي الأصفر أو الأحمر المطرز بالذهب وفوق المز البابوج، وقد يستعملن القباقيب الخشبية المرتفعة أربع أو خمس بوصات عن الأرض وتكون مزينة باللؤلؤ والفضة.
وتزين المرأة رأسها بالطربوش والفردية التي تقوم بلفها حول الطربوش وتحرص على تزيين الطربوش بأقراص من الألماس المرصع بالذهب أو بالقمرية وهي صفيحة ذهبية مزخرفة وتتدلى من القمرية سبع قطع ذهبية مسطحة وتزين أذنها بأقراط من الألماس والذهب وتختال بالعقد أو القلادة في رقبتها وبالأساور في معصمها. أما نساء الطبقة الدنيا فزينتهن تبدو رخيصة تفتقر إلى الذوق، يضعن الخزام في أنوفهن وهو نحاس يضم ثلاث خرزات ملونة حمراء أو زرقاء، ويمر عبر المنخر الأيمن ويتدلى جزء منه أمام الفم.
"الاعتقاد في الخرافات":
تعتقد المرأة المصرية في الخرافات وتعتقد أن الجن يسكنون الأنهار والحمامات ولذلك ترتدي المرأة الحجر الأزرق للوقاية من شر الحسد والعين، كذلك تستخدم حجر الشب لنفس الغرض فتزين به قلنسوة الصبي وتعلق النساء على الأبواب نبات الصبار، كما تميل لعلم التنجيم لجلب الحظ.
وتقضي المرأة أوقاتا طويلة في الحمامات العامة في كل أسبوع ساعات طويلة ليستعرضن ترفهن وعطورهن ويسلمن شعورهن لتضفر وتصفف فيها صفائح ذهبية أو فضية. وفي الحمام يأكلن ويستمتعن بأوقاتهن بجلب بعض المطربين المكفوفين لسماع الأغاني وتعلق ستارة تدل على أن باب الحمام مغلق دون الرجال، وإذ ذاك يترك جميع خدم الحمام مكانهم للخادمات.
"طراز المنازل بمصر والمشربيات":
ترجع أقدم النماذج الإسلامية من أعمال المشربيات إلى العصر الأيوبي (1171ـ 1250م). أما أوج التطور فقد تحقق في القرون من الرابع عشر إلى التاسع عشر التي كانت المشربيات تغطي معظم نوافذ البيوت في القاهرة وهي ستر بغرض التغلب على مشكلات التهوية والإضاءة بجانب أنها تقوم بوظيفة الشرفة وتحقق تقليد حجاب السيدات فتتمكن نساء المنزل من رؤية من بخارجه دون رؤيتهن من عابري الطريق لذا فهي تحجب أهل المنزل عن عيون الغرباء، وفي نفس الوقت يستمتعن بمشاهدة حفلات الغناء والرقص التي تجري في القاعات المجاورة دون أن يراهن أحد.
كما أن أوعية الماء ذات المسام المصنوعة من الفخار كالقلل كثيرا ما توضع عليها حتى تبرد بفعل الهواء وتوضع على مشكاة صغيرة نصف مستديرة تبرز من وسط المشربية ولذلك اشتق اسمها من الفعل يشرب.
"الرجل الشرقي. تجاهل متعمد":
من الملاحظ أن صورة الرجل الشرقي أو الأب ظلت غائبة عن تصاوير الاستشراقيين الأسرية، فلكي يشبع المصور الأوروبي نهم ولعه باستراق النظر إلى الأماكن المحرمة، أحجم عن تصوير الرجل الشرقي (ممثل القوة والسيطرة) في المشاهد الأسرية، مادام الرجل الغربي قد حرم من الدخول إلى منازل الشرقيين، كأن إغفاله في اللوحات وإحلال الرقيق والأغوات محله بمثابة عملية استبعاد رمزي أو فكري للرجل الشرقي يقوم بها المصور الغربي عن عمد للإعراب عن إلغاء وجوده، ومن ثم الإحساس بالتفوق والسيطرة.
غير أن المصورين الاستشراقيين ما لبثوا أن اعترفوا على مضض بوجود المرأة المصرية أو الشرقية خارج الحرملك، وبحقها في مغادرة مضجعها والخروج من دارها بحرية.
وخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين أدرك الإستشراقيون زيف تفسيراتهم السابقة محاولين استبعاد الخرافات التي سبق لهم اعتناقها، فاستعادت المرأة الشرقية كبرياءها في لوحات التصوير الاستشراقي من خلال نضالها في سبيل الحصول على حقوقها والمساواة بالرجل.
وقضية المرأة بما كان عليه وصفها فى مصر والمشرق العربي كله في طريقا الآن إلى الاندثار، وان كانت قد تركت فى نفسية المرأة آثارا مدمرة.
فنظام الحريم الذي ساد فترة طويلة من الزمن سلب المرأة إنسانيتها، وأحالها إلى متاع، وتمثلت خطورته في أنه استمر بحيث جعل المرأة تتقبل السجن المادي والمعنوي المفروض عليها.
ولمدة قرون ظلت المرأة تدور في دائرة مفرغة وكل قدراتها الإنسانية تنصرف في محاولة دائمة ومريرة لنيل الحظوة عند الرجل.
وفى أواخر القرن التاسع عشر بدأ نظام الحريم ينهار في مصر نتيجة لتغيير النظام الاقتصادي للمجتمع، والمرأة التي استقلت اقتصاديا ما زالت -إلى حد كبير - تدور عاطفيا ونفسيا في الدائرة المفرغة التي كانت تدور فيها جدتها في عصر الحريم.