اكتوبر 2012
1
د. عبدالعزيز حجازي يتذكر: اقتصاد الحرب بوابة نصر أكتوبر
المصدر: الأهرام الإقتصادى


تواجه مصر الآن مأزقا اقتصاديا معقدا، فأحلام الثورة وتطلعات أبنائها كبيرة لكن واقعيا الامكانيات غير كافية بل تتعرض للتراجع.
هذا المشهد غير جديد علي مصر فقد تعرضت له تقريبا وبنفس التفاصيل في سنوات ما قبل حرب أكتوبر، فالخزانة العامة كانت خاوية ونفقات التسليح والاستعداد للحرب كبيرة ولم يكن أمامنا حل آخر، فكانت بداية ادارة المعركة الحربية من أرض الحرب الاقتصادية التي أدارها فريق من أبناء مصر يقودهم الدكتور عبدالعزيز حجازي نائب رئيس الوزراء في زمن الحرب.
كيف أدار حجازي ورفاقه اقتصاد المعركة وكيف بدأ أكتوبر من تدابير اقتصادية ومالية وكيف نستفيد من تجربة أكتوبر في التغلب علي المأزق الاقتصادي الراهن؟
هذا السؤال الكبير الذي حمله "الاقتصادي" ووضعه علي مائدة الحوار مع الدكتور عبدالعزيز حجازي فتدفقت الذكريات والارقام التي تشكل في مجملها شهادة حية علي اقتصاد الحرب "وروشتة" علاج للحالة الاقتصادية الراهنة.
التفاصيل في السطور التالية:
استطاع الدكتور عبدالعزيز حجازي رئيس وزراء مصر ووزير المالية في الفترة من 1968 الي 1975 أن يعبر بمصر من مرحلة شديدة الخطورة والحرج، فليس بعد الحرب صعوبة وليس بعد الحالة التي انتابت المصريين من إحباط بعد هزيمة 67 محنة ولكن الدولة المصرية استطاعت تجاوز هذه الهموم لان الهدف كان واحدا والارادة الشعبية كانت متحدة وعيون المصريين كانت تصبو الي تحقيق حلم النصر، فتحمل الشعب صعوبات نقص السلع الاساسية وحصار البلد عسكريا واقتصاديا وتولت القيادة الاقتصادية المهمة الصعبة في ادارة الازمة وكان علي رأس هذه القيادة د. عبدالعزيز حجازي الذي تشعر وأنت تتحدث معه أن حرب اكتوبر 1973 كانت بالامس وليست منذ 39 عاما مضت فهو يتذكر كل تفاصيلها وكيف أن الدول العربية وقفت الي جانب الشعب المصري ليرفع راية النصر وكيف أن الادارة الاقتصادية كانت تحمل كل التيارات، فهناك من يؤمن بالفكر الاشتراكي وهناك من ينتمي الي جماعة الاخوان المسلمين، وهناك من ينتمي الي الفكر الساداتي، ولكن الهدف كان واحدا، فكان النصر ولان الوحدة في الهدف ليست سهلة بل تحتاج الي تكاتف ونصرة الرأي الصحيح حتي لو اختلفنا معه، خرجت مصر بعد 1973 أقوي بل حققت ميزانيتها في هذا العام فائضا بلغ ثلاثة ملايين جنيه، ولم تتجه الدولة الي أذون الخزانة الا في أضيق الحدود حيث طرحت خلال سبع سنوات اذون خزانة بقيمة 350 مليون جنيه فقط وبما يعادل خمسين مليونا في العام.
- توليت المسئولية في مرحلة حرجة فما هي الأسس التي ركزت عليها في ادارة الازمة وقت حرب اكتوبر المجيدة؟
في فترة الحرب كانت هناك رؤية محددة وتكاتف من القائمين علي الدولة، كان هناك كتاب فلسفة الثورة وميثاق العمل الوطني الذي صدر عام 1962 وبيان 30 مارس 1968 ثم دستور 1971 وورقة أكتوبر 1974، وكانت كل هذه الوثائق المهمة لها دورها في مسيرة العمل الوطني بمصر، بالاضافة الي أن الرؤية المحددة للدولة كانت تتابع بكل دقة، فهناك فريق عمل يتابع ما تم انجازه، وما هو المطلوب خلال المرحلة القادمة وكانت مرحلة الحرب أيضا بعد تغيرات كثيرة مرت علي مصر فقد جربنا نظام الرأسمالية قبل ثورة يوليو وفي عهد الملك فاروق، ثم الاشتراكية في عهد جمال عبدالناصر، وكان لدينا اربعة اهداف هي:
ـ تمويل المعركة حيث خرجنا من نكسة 1967 ونحن خاسرون لأكثر من 90% من الجيش المصري بالاضافة الي خسائر مالية تبلغ مليار جنيه فهذه الاولوية الاولي في الانفاق فلاشيء يعلو فوق صوت المعركة.
ـ استمرار التنمية، فقبل 1967 كان أكبر معدل تنمية حدث في مصر بالخطة الخمسية عامي 1960ـ 1965 ومعدلات التنمية المرتفعة هي التي أقلقت العدو وكان من الضروري أن تستمر خطوات التنمية بالتوازي مع الخطط العسكرية حتي لا تفقد مصر ما حققته.
ـ التكافل الاجتماعي حيث كان لابد من استمرار دور الدولة في تحقيق هذا التكافل من دعم السلع وتعيين الخريجين وتحقيق العدالة الاجتماعية.
- اما الهدف الرابع فيتمثل في الافصاح والشفافية حيث كان لابد أن يتوافر للقائمين علي البرنامج الاقتصادي لمصر كافة البيانات التي تمكنهم من وضع الخطط الاقتصادية للدولة.
- وهل كان هذا الافصاح يحدث فعلا؟
بالطبع فقد كنت أقوم بنفسي بمراجعة خطة كل وزير يأتي للوزارة وما قام به وما لديه من خطط مستقبلية ونتابع بعد ذلك مع الوزير الذي يليه وهكذا. كان ذلك حتي عام 1975.
- ما هو التغيير الرئيسي الذي حدث في ادارة الدولة في ذلك الوقت؟
هناك تغيير رئيسي حدث في تلك المرحلة وهو الاستعانة باساتذة الجامعات في المناصب الحكومية ومردود ذلك هو انسحاب المؤسسة العسكرية وبداية مدنية الدولة من خلال منح المناصب لاصحاب الخبرة والكفاءة، وظهر اثر ذلك في الادارة الاقتصادية للبلد وفي هذه الفترة تم بناء السد العالي بكوادر وخبرات عملية وعلمية.
- كيف كنتم تحصلون علي الموارد في هذه الفترة الصعبة؟
كل ما ذكرناه كانت بنود تصب في جانب الانفاق، اما الموارد فكنا نعتمد بشكل اساسي علي الدعم العربي وبدءا من قمة الخرطوم التي دعمها الملك فيصل رغم كل ما كان بينه وبين جمال عبدالناصر من خلافات الا أنه فضل مساعدة مصر علي قناعاته الشخصية كذلك قمنا في هذا الوقت بفرض ضريبة الجهاد، وفي الحقيقة ان ما حصلنا عليه من تبرعات وقتها كان اكبر من حصيلة هذه الضريبة، لان الهدف كان ساميا، كذلك اتجهنا الي اصلاح نظم الضرائب الموجودة في مصر من خلال فرض نظام الخصم عند المنبع الذي جعلنا نحصل علي الضريبة اولا بأول وكان وقتها نظاما جديدا، كذلك قمنا بإنشاء وحدات الضرائب النوعية مثل المهن الحرة والغزل والنسيج والسياحة لوحدها.
- ولماذا هذا الاجراءات وما هي فوائدها؟
يحقق الانفصال بوحدات الضرائب مزيدا من السيطرة علي وحدات الانتاج والحصيلة وهو موضوع هام تم الغاؤه بعد ذلك لأن مأموريات الضرائب تريد تنويع النشاط، كان هناك ايضا تحويلات المصريين بالخارج التي زادت في هذه الفترة نتيجة إلغاء الضرائب المفروضة عليها وكذلك نتيجة شعور المصريين بالخارج بالانتماء وروح الحرب والرغبة في النصر، واتخذنا إجراء غريبا وقتها وهو الاستيراد بدون تحويل عملة يعني ان رجل الأعمال الموجود في أي دولة يستوردها بالعملات المتاحة وأنشأنا ايضا في هذه الفترة بنك ناصر الاجتماعي الذي بدأ بمليون جنيه واليوم يبلغ رأسماله مليار جنيه وانشأنا ايضا المصرف العربي الدولي الذي يهدف الي ضخ الأموال الأجنبية، وقال لي السادات وقتها انا أريد بنكا علي جزيرة يدخل الناس ويخرجون منه وقتما يشاءون فكان هذا البنك.
- لو عاد بك الزمان هل توافق علي انشاء بنك مثل المصرف العربي الدولي لايخضع لرقابة البنك المركزي؟
ولم لا فالاستثمار يحتاج الي ضمانات حتي يأتي لمصر، فالحسابات في هذا البنك سرية ولا تخضع للرقابة وبالتالي تساعد علي شعور المستثمر بالأمان.
هناك ايضا موضوع توظيف الاموال الذي استطاع ان يخدم الاقتصاد المصري مع كل ماحدث فيه من مخالفات فقد استطاعت شركات توظيف الاموال ان تقدم للاقتصاد الكثير الي ان بدأت تتجه نحو المضاربات واستخدام الدين في الاقتصاد وهنا بدأت المشكلة، وقد بدأنا في السبعينات انشاء البنوك الاسلامية وكان لمصر الدور الأكبر.
كذلك قمنا بناء علي بيان 30 مارس باعادة هيكلة القطاع العام الذي لعب دورا هاما في وقتها ويمكن القول ان مجموع ما صدر من تشريعات اقتصادية وقتها ساعد في تجاوز الأزمة، فقد قمنا بانشاء قانون الموازنة العامة للدولة، وقانون للخطة، وقانون لصندوق الودائع والتأمينات علي ان تستخدم هذه الاموال لصالح أصحاب المعاشات بعيدا عن وزارة المالية، فقد رأيت هذه التجربة في فرنسا، وشاهدت كيف يستخدمون أموال التأمينات من خلال قوانين منفصلة في خدمة أصحاب المعاشات، وبالفعل عدت لتنقية هذا القانون، الغريب في هذه الفترة أن مجموع ما أصدرناه من أذون خزانة كان 350 مليون جنيه فقط في سبع سنوات عجاف مرت علي مصر، فقد كان الاتجاه دائما نحو الداخل ومحاولات البحث عن أموال بعيدا عن الاستدانة، كذلك قمنا باصلاح النظام الوظيفي للدولة فالمشكلة القائمة الآن بين الحكومة والعمال هي عدم وجود إطار مؤسسي يسير عليه الموظف ويعرف ماله وما عليه، ويعرف انه في هذا العام سوف يحصل علي مزايا.
- هل هناك قرارات أخري خارجية ساعدت في هذه الفترة لتمويل النفقات؟
طبعا فهناك قرار هام قامت به الدول العربية وعلي رأسها السعودية في عدم ضخ البترول للدول المختلفة مع مصر والمعادية لها في ذلك الوقت، هذا الضغط ساعد مصر علي تجاوز المحنة وأدي أيضا إلي رفع أسعار البترول في كل الدول العربية، لذلك أنا دائما أقول ان مصر شريك لهذه الدول في ثروتها لأنه لولا توقف ضخ البترول لما ارتفعت اسعاره بهذا الشكل واستطاعت هذه الدول ان تحقق ثروات طائلة، ومن الأمور التي ساعدتنا ايضا الحديث عن خط أنابيب البترول، قمنا بعمل زيارة الي ايران في 1974 وحصلنا علي مليار جنيه دعما، وقمنا بجولة في كل دول الخليج للحصول علي دعم، وهنا يبرز دور المسئولين في كيفية التعامل مع الدول المناحة، فقد حصلت علي وسام الملك عبدالعزيز آل سعود وكان يثق في تمام الثقة.
- علي أي شيء كان يعتمد الاقتصاد المصري في هذه الفترة؟
الاقتصاد كان موجها لدول شرق أوروبا، فكل السلاح كان قادما من هذه الدول فالاقتصاد كله كان معتمدا علي الاتحاد السوفيتي وشرق اوروبا، وقد ذهبت الي روسيا لجدولة الديون العسكرية لأن الديون الاقتصادية كانت تسدد أولا بأول واستطاعت مصر في سنة الحرب وتحديدا في موازنة 1973 أن تحقق 3 ملايين جنيه فائضا وهنا أتذكر قصة خط أنابيب البترول، حيث قمت بالترتيب مع دول مثل الكويت والامارات وحصلت علي موافقتهم لتمويل الخط بنسبة 50% وذهبت للملك فيصل وقال أعطوا لمصر ما تحتاجه من قروض إلا أنني رفضت وقلت له نحن نحتاج للتمويل وليس للقروض "انا مش جاي آخذ قرض" فصمت قليلا ثم قال موافق، وبالتالي وافقت كل الدول الأخري وعندها قلت له إننا لانملك الـ50% الأخري فقال اعطوا لحجازي ما يريد.
- وما هي فائدة هذا الخط؟
الخط هام جدا في فترة الحرب حين كنا ننقل من خلاله البترول ونأخذ عليه رسوما فهو كان بمثابة العبور الحقيقي وساعدنا كثيرا.
- هل كنت تعلم بقرار الحرب وكيف عرفت موعد البداية؟
كنت في النمسا وأخبروني أن زوجتي ذهبت الي لندن لعمل جراحة في القلب وطلبوا مني ان أذهب لرؤيتها وبالفعل ذهبت الي هناك وبعد أن خرجت من حجرة العمليات تطلب الأمر بعد الاجراءات الخاصة مثل ترتيب مكان للسكن فيه بعد خروجها ولكنهم اتصلوا بي وطلبوا مني العودة الي مصر فورا وعندما ابديت اعتراضي قالوا لي السفارة المصرية في لندن سوف تتولي كل الأمور، وبالفعل يوم 4 أكتوبر، كان الرئيس السادات قام بتوزيع الاختصاصات وكان ممدوح سالم للأمن الداخلي وانا للاقتصاد واشرف غبريال للإعلام وسيد مرعي رئيس مجلس الأمة وقتها وحافظ اسماعيل وعبدالفتاح عبدالله لشئون الرئاسة وبدأنا تجهيزات حرب أكتوبر وكنت وقتها نائب رئيس الوزراء للشئون المالية والاقتصادية والتجارة الخارجية واعطي كل منا صلاحيات كاملة.
- هل كنت تتوقع قرار الحرب؟
نعم كلنا نتوقعه وكنا نعمل معا بشكل يومي علي متابعة المخزون من السلع الاستراتيجية وكان السادات في مايو 1973 طلب أخذ رأيي في الحرب وكنا نعمل من خلال غرفة عمليات الحرب التي تم فتحها قبل الحرب. وما هو دور غرفة العمليات؟
دورها متابعة كل الأزمات التي تواجه البلد منها ادارة للأزمات بكل وزارة وكل جهة لها اختصاص محدد.
- ما هي الدروس المستفادة من حرب أكتوبر؟
أهم درس ان تمنح القرار وتكون قادرا علي اتخاذه في نفس الوقت وان يكون هناك إدارة اقتصادية جيدة قائمة علي كل الافكار فقد كنت نائبا لرئيس الوزراء للشئون المالية والاقتصاد والتجارة الخارجية وكان يعمل معي كمال ابوالمجد وعبدالعزيز كامل واسماعيل صبري عبدالله وكلنا نعمل من اجل هدف واحد.
- وكيف استطاعت هذه التوليفة من التيارات المختلفة ان تتفق معا؟
كان لدينا القدرة علي احترام الاراء والاستفاده من الخبرات حتي أننا بعد حرب أكتوبر بدأنا عملية الانفتاح الاقتصادي، وكان هذا الانفتاح ضرورة ولو كان عبدالناصر حيا لقام به وفعل مثلما فعل السادات لان المرحلة كانت تتطلب هذا الانفتاح ونحن لا نستطيع ان نتخلف عن ركب الدول المتقدمة.
وكنا نحاول ان نحقق التقدم الاقتصادي مع العدالة الاجتماعية جنبا إلي جنب فعلي سبيل المثال كان هناك تمويل لبنك ناصر الاجتماعي من شركات القطاع العام بنسبة 2% وتم الغاء هذا البند بعد ذلك رغم انه كان يحقق للبنك موارد تجعله يمارس مهامه.
وتمثل الموازنات التقديرية السنوية البرنامج المالي للخطة عن عام ضمن اطار خطط خمسية او عشرية وذلك اعتمادا علي مجموعة من الاهداف والسياسات تترجم في برامج محددة ويحكمها عدد من التشريعات التي تنظم العمل الوطني بكل ابعاده، كما تعبر الحسابات الختامية عن نتائج الانجازات التي تتم، وتمثل تقارير الرقابة المالية التي تعرضها اجهزة الرقابة المالية والإدارية تقييما لنتائج التطبيق سواء كانت إيجابية أو سلبية مع بيان مدي مصداقيتها في تحقيق الأهداف الموجودة وقد تأثر اعداد هذه الموازنات والحسابات عبر خمسين عاما بمجموعة من العوامل من أهمها:ـ
أولاـ الزيادات السكانية ومعدلات النمو التي تحققت، والذي يراجع التطور منذ عام 1952 حتي 2002 سوف يجد أن حجم السكان قد تصاعد بمعدلات تعتبر مرتفعة اذا ما قيست بالمعدلات التي تسود في الدول المتقدمة، وقد بلغ عدد السكان في بداية الثورة حوالي 21.5 مليون نسمة ثم تدرج في عام 1967 الي 30 وفي عام 70 الي 33 وفي عام 72 الي 35.6، وفي عام 80 كان 41 وفي عام 90 (50) إلي ان وصل إلي 67.7 مليون في عام 2002 ـ ولاشك أن لهذا التزايد في العدد وما يصاحبه من توزيع لفئات العمر أو الجنس أو التوزيع الجغرافي بين الحضر والريف آثاره علي مطالب الجماهير وما يفرضه ذلك من ضرورة توفير الاعتمادات اللازمة لتحقيق الكفاية والعدل الاجتماعي.
ثانيا ـ التطور في الهيكل الاداري للدولة بداية من حكومة مركزية تضم عددا من الوزارات لاتتجاوز (11) في عام 1952 إلي حكومة مركزية تضم (33) وزارة في عام 2002 وحكم أو ادارة محلية تمارس اختصاصاتها في عدد من المحافظات (26) في عدد محدود من مجالات الخدمات طبقا للتشريع المنظم لأعمالها في هذا الشأن، وتستقل بموازناتها اما بما يتوفر لها من تمويل من مواردها المحلية أو ما توفره لها الدولة من الموازنة المركزية ـ ولم يقتصر التغيير علي الجهاز الاداري للحكومة بل استلزمت مقتضيات الاصلاح الاداري والمالي والاقتصادي في السنتين الماليتين 70- 71. 71- 72 إلي تحول بعض الهيئات الاقتصادية (العامة أو النوعية) التي أصبح لكل منها نظامها المالي واستقلاليتها.
وأخذت هذه الهيئات والمؤسسات أشكالا متعددة، إلي أن تم فصل المؤسسات الاقتصادية عن الموازنة العامة للدولة في عام 1979 وبدئ اخيرا في ظل الخصخصة في تشكيل بعض الشركات القابضة والتابعة مع التحرر الاقتصادي وتطبيق نظام السوق، وذلك بدعوي وقف نزيف خسائر القطاع العام التي تتحملها الدولة أو رفع كفاءة الاداء وتحقيق عائد اقتصادي مجز للأموال المستثمرة فيها ـ ومع هذا مازالت أعباء عجز بعض هذه الهيئات تلقي بثقلها علي الموازنة العامة للدولة.
ثالثاـ اتبعت مصر التخطيط المركزي اساسا لوضع الموازنات المالية والنقدية السنوية، واعتمدت في البداية الخطة العشرية (60- 1961ـ 69- 1971) ولكن نتيجة للضغوط التي ظهرت قرب منتصف الخطة العشرية الأولي اضطرت السلطات الاقتصادية المسئولة الي ترك الخطة والاعتماد علي برامج استثمارية سنوية تباطأ فيها معدل النمو قليلا وذلك في محاولة لتخفيف العجز المتفاقم في ميزان المدفوعات والتضخم في الاجور والاسعار ورغم ان تقييم الخطة الخمسية الأولي (60- 65) حققت معدلا مرتفعا للنمو بلغ حوالي 5- 6% ومع وقوع حرب 1967 واستمرار فترة التعبئة والاستعداد للحرب في السنوات التي تلتها واتباع منهج اقتصاد الحرب استمرت عمليات تخطيط التنمية لبرامج استثمارية سنوية تراعي ضرورة تحقيق التوازن الصعب بين متطلبات التنمية ومطالب الحرب ـ ومع بداية العقد الثامن من القرن العشرين أعد جهاز التخطيط المركزي خطة خمسية جديدة أطلق عليها تجاوزا الخطة الخمسية الثالثة، لم يقدر لها أن تخرج إلي حيز التنفيذ وأجري تعديلها إلي أن تقرر وضع خطة عشرية ثانية بدأت مع بداية توحيد السنة المالية في دول اتحاد الجمهوريات العربية في يناير 19731 وتشمل الفترة 1973- 1982 واستمرت الخطط الخمسية تتتابع بعد ذلك (82- 87) (87- 92) (92- 97) (97- 2002).
ويتم الاعتماد في اعداد الخطة علي قانون الخطة (رقم 70 لسنة 1973) الذي صدر في 14- 8- 73 علي إجراء تقديرات للتوازن الكلي للاقتصاد والذي يضم تقديرات الناتج القومي الإجمالي والاستيراد من ناحية، والاستهلاك والتصدير والاستثمار من ناحية أخري، آخذين في الحسبان الموارد من كافة الأوعية الادخارية ومعدلات الادخار والتضخم وإمكانيات الاقتراض والحصول علي المنح والمعونات وحجم القوي العاملة وغيرها من العوامل المؤثرة علي أداء الاقتصاد القومي.
رابعاـ جري العرف علي أن يتم الاعتماد في إعداد الموازنة العامة للدولة علي المبدأ النقدي (موازنة اعتمادات عن سنة مالية) وتشمل جميع الاستخدامات والموارد لأوجه نشاط الدولة سواء كانت وزارات أو وحدات الإدارة المحلية أو الهيئات العامة وصناديق التمويل الخاصة وأي أجهزة يصدر بها قرار من رئيس مجلس الوزراء ـ وتقسم أبواب الموازنات إلي مجموعات اربعة هي (جارية، استثمارية، وتحويلات، وخزانة عامة) والذي يستعرض أرقام الموازنات عبر سنوات الثورة من 1952 إلي 2002 متخذين في ذلك محطات لها دلالتها في تاريخ ثورة يوليو وهي موازنة 1952 ثم 1966- 1967 (قبل النكسة) ثم 1969 - 1970 (رحيل عبدالناصر) ثم 80- 81 (رحيل انور السادات) ثم 2002- 2003 ليتضح حجم الانفاق المتزايد (جدول رقم1).
- متي تركت الوزارة؟
بعد الحرب طلب مني السادات تشكيل الحكومة وبالفعل بدأت في تشكليها ولكني فوجئت بتكليف ممدوح سالم، وطلب مني المشاركة ولكني رفضت وانسحبت، ولكن ممدوح سالم لم يتركني في حالي فظل يحاربني عندما قررت العودة إلي مكتبي في وسط البلد، كنت وقتها قد اوقفت العمل به طوال فترة وجودي في الوزارة حتي لا نخلط العمل الحر بالعام فعدت إلي مكتبي وكان معاشي 200 جنيه ومنحوني مكافأة 600 جنيه فقط، وطلبت من السادات شقة مجاورة لي في العمارة كانت تابعة للقطاع العام وغير مستخدمة حتي أقوم بتوسعة مكتب المحاسبة، وكنت اود أن اشتريها ولكن ممدوح سالم رفض وظل يحاربني ويمنع عن مكتبي العمل إلي أن انتقلت للزمالك وبدأت من جديد.
- في رأيك ما هي الروشتة التي يمكن ان تعطيها لمصر بعد تجربه استمرت خمسين عاما في إعداد الموازنات؟
مصر تحتاج الي تعديل اهدافها وفقا للمتطلبات الاقتصادية والمالية والإدارية الجديدة وذلك من خلال عدة نقاط من أهمها التركيز علي دعم برامج التنمية الاقتصادية لتعظيم الانتاج القومي بمعدلات تفوق ما تم في الماضي لانها مازالت اقل من طموحاتنا للوفاء بمتطلبات الاستهلاك والتصدير والادخار، وإعطاء المزيد من الاهتمام بتحقيق العدالة الاجتماعية من خلال تقديم الخدمات والدعم الذي تقدمه الدولة طواعية لمحدودي الدخل، ولابد ان يستمر توفيره خاصة ان حجم هذه الفئات مازال يشكل عبئا علي المجتمع. والاستمرار في توفير مستلزمات الامن القومي التي تصاعدت رغم انتصار أكتوبر نظرا لأن المنطقة العربية مازالت في خطر نتيجة الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية والعربية من ناحية والنزاعات القائمة بين الدول العربية من ناحيه أخري.
ونظرا لانخفاض مستوي المدخرات المحلية رغم النمو المستمر في الناتج القومي الاجمالي تضطر الحكومة شأنها شأن حكومات الدول النامية بل والصاعدة إلي الاقتراض الداخلي والخارجي. كذلك العجز المستمر في الميزان التجاري وميزان المدفوعات يستدعي العمل علي تعظيم حجم الصادرات وترشيد أرقام الوردات وخاصة من السلع الاستهلاكية غير الضرورية.
جدول رقم (1)
جدول يوضح تطور الموازنة من 52 إلي 2003
الباب الأول (الاجور)
الثاني (النفقات الجارية)
الثالث (الاستثمارات)
الرابع (التحويلات الرأسمالية)
الانفاق العام
51- 52 فعلي مليون جنيه
68.70
85.00
23.80
2.10
179.60
66- 67 فعلي مليون جنيه
216.90
318.80
47.10
20.00
602.80
70- 71 موازنة مليون جينه
362.5
730.4
326.4
150.9
1570.2
1973 موازنة مليون جنيه
474.90
943.20
430.00
189.50
2037.60
80- 81 مليون جنيه
1527.00
4179.70
3800.00
1095.10
10601.80
2002- 2003 مشروع موازنة مليار جنيه
34.8
72.9
19.3
14.6
141.6.