مارس 2011
14
الحد الأدني للأجور. والأجر العادل. وقنون العمل
المصدر: الأهرام الإقتصادى


يدور قانون العمل، والعقود الخاضعة له (الفردي والجماعي) تدور أولا وأخيرا، حول المقابل الذي يحصل عليه العامل، من جراء عمله، ولذلك لانري غضاضة في اطلاق اسم "قانون الأجر" علي قانون العمل، حيث يمكن القول، أنه "قانون تنظيم الاجر وموضوعات أخري" اشارة الي مايمثله الاجر من أهمية، تجعل كل موضوعات علاقات العمل مرتبطة ارتباطا وثيقا لا انفصام فيه: أن تحديد ساعات العمل والاجازات، والتدريب المهني، والرعاية الاجتماعية، كلها موضوعات تتصل بالأجر بصفة خاصة، وبالتكلفة الاقتصادية لليد العاملة، بشكل عام.
والأجر ، له علاقة مباشرة بالانتاج: فالأجر له تأثير مباشر علي الانتاج من حيث الجودة والكم، والانتاج له بدوره تأثيره علي الاجر.
ونظرا لأن الأجر، هو الدخل الرئيسي ـ إن لم يكن الوحيد ـ الذي يعول عليه العامل في معيشته، فليس من المستغرب ، أن يكون الاجر هو الشغل الشاغل للعامل، أكثر من أي موضوعات أخري ينظمها عقد العمل بنوعيه (الفردي والجماعي).
وتجدر الاشارة في هذا الصدد ، الي أن كم الاجر الذي يحصل عليه العامل ، ليس له في حد ذاته دلالة كبيرة: فالأجر لايقاس مستواه بعدد "الجنيهات" التي يحصل عليها العامل، وإنما تتحدد قيمة الأجر، بما يضمنه للعامل من "مستوي معيشة" والأمر في هذه الصدد يتوقف علي العديد من العوامل، أهمها قياس قيمة الاجر بما يعرف بـ "سلة المستهلك" وما يطرأ علي أسعار السلع التي تتضمنها السلة من ارتفاع ، وبمعني آخر، فإن الأجر يقاس مستواه بما يضمنه للعامل من قوة شرائية.
ومن هنا، تبدو أهمية قواعد تحديد الاجر، خاصة أن هذا التحديد لايخضع فقط لارادة المتعاقدين ، بل أن الدولة تتدخل، وهو أمر طبيعي، باعتبارها الحارس المنوط به تحقيق السلام الاجتماعي لتحديد الحد الادني للأجر.
ولكن هذا الحد الادني لايعدو أن يكون احدي درجات الاجر ويظل هناك فوق هذا الحد الادني الأجر المناسب والاجر العادل وهاتين الصورتين لا تتحددان الا بالاتفاق بين طرفي علاقة العمل ، عن طريق المفاوضة الجماعية.
(أ) الحد الادني للأجر:
أن تحديد أجر العامل، أمر يتنازعة اعتباران، أحدهما اقتصادي ، والآخر اجتماعي: أما الاعتبار الاقتصادي ، فهو أن الاجر عنصر هام من عناصر تحديد تكلفة الانتاج ، ومدي الاعباء التي تقع علي عاتق صاحب العمل، وأما الاعتبار الاجتماعي فهو أن يحصل العامل ، مقابل عمله، علي دخل يضمن له الحد الادني اللازم من المعيشة ، في ضوء أسعار الاحتياجات الاساسية للانسان ، من مأكل ومشرب وملبس وتعليم وصحة وترفيه وهو مايطلق عليه سلة المستهلك.
ولابد عند تحديد الحد الادني للأجر، من مراعاة التوازن بين الاعتبارين المشار اليهما بحيث لايهمل أحدهما لصالح الآخر والا ترتب علي ذلك نتائج وخيمة علي الصعيد الاقتصادي، اذا حددت أجور العمال بصورة مبالغ فيها مما يترتب عليه احجام اصحاب رأس المال عن الاستثمار وخلق فرص العمل، أو علي الصعيد الاجتماعي، اذ حددت أجور العمال علي نحو لايضمن لهم متطلباتهم الاساسية، مما يؤدي الي وقوع اضطرابات اجتماعية.
ويطلق البعض بحق علي الحد الادني للأجر حد الدفاع الاجتماعي، وتفصيل ذلك أن الحد الادني للأجر ، يتحدد بـ الاحتياجات الاساسية للانسان وهي حاجات لا يمكن الاستغناء عنها (المأكل والملبس والسكن والتعليم والصحة) فاذا كان دخل الفرد لايكفيه لسد هذه الحاجات فانه ـ نظرا لعدم امكانية الاستغناء عن إحداها ـ سيلجأ الي الفجوة بين دخله واحتياجاته ويمكننا أن نتصور دون عناء وسائل سد هذه الفجوة وهي تتدرج بين وسيلة شريفة ولكنها ضارة بالعامل والمجتمع (أن يعمل أكثر من عمل) ووسيلة تتنافي وكرامة الانسان (أن يعيش علي الاحسان) وأخيرا الوسائل غير الشريفة، (الرشوة أو الانحراف أو التطرف).
(ب) الأجر المناسب والأجر العادل:
وبصدد الحديث عن الاجر يتعين التفرقة بين الحد الادني للأجر وفكرة الاجر المناسب والوضع الامثل في توزيع الدخل القومي التي تنعكس في مبدأ الاجر العادل الذي يضمن الرفاهية بقصد التقريب بين مستويات معيشة المواطنين والحد من اسباب الصراع الطبقي والاضطرابات الاجتماعية.
والاجر المناسب هو الاجر الذي يحصل عليه العامل والذي يتفق (أو يناسب) ماحصل عليه من مؤهلات ومدي الخبرة التي اكتسبها وطبيعة العمل الذي يقوم به.
ومن الواضح أن الاجر المناسب، علي هذه الصورة لايمكن أن يكون واحدا (كما هو الحال بالنسبة للحد الادني للأجر) بالنسبة لكافة العاملين فهؤلاء يختلفون فيما بينهم من حيث المؤهلات، والخبرة، وطبيعة العمل والاقدمية بحيث يجب أن يحصل كل منهم علي أجر مناسب ووضع العامل ومؤهلاته وخبرته.الخ.
ويلاحظ بالنسبة للأجر المناسب (والعناصر الداخلة في تحديده) مرتبط بالضرورة ، بسوق العمل، وبأعمال قانون العرض والطلب في هذا السوق: فلو أخذنا مثلا الوضع في مصر لقلنا ـ دون تردد ـ أن سوق العمل في مصر، يعاني خللا واضحا، يتمثل في زيادة اعداد خريجي الجامعات(في أغلب التخصصات) عن احتياجات السوق، وندرة الكوادر الفنية اللازمة للصناعة ومناحي الانتاج الاخري، وهو مايترتب عليه، انخفاض اجور "الجامعيين" بالقياس للاجور التي يحصل عليها "اصحاب الحرف الفنية".
والأجر المناسب، ومايقوم عليه من عناصر، لايمكن أن يتحدد بقرار مركزي، ولكنه لابد أن يكون نتاج الاتفاق بين العامل وصاحب العمل في نطاق عقد العمل الفردي أو المفاوضات الجماعية (وهو الاغلب) بين نقابات العمال واصحاب الاعمال.
أما الأجر العادل ، فهو يعبر في النهاية ، عن صورة من صور الأجر، لم تصل اليها إلا المجتمعات الصناعية المتقدمة، أو مجتمعات الرفاه، حيث أدرك الناس (عمال واصحاب أعمال) انه لا انفصام بين التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية فصاروا يطلقون عليهما تسمية واحدة . التنمية الشاملة، حيث لاحظت هذه المجتمعات ـ بجميع طبقاتها ـ أنه كلما تقدم مستوي معيشة الفرد، زاد انتاجه، وكلما ازداد الانتاج سمح بزيادة مستوي المعيشة للناس جميعا: لأن توزيع الناتج القومي يتم بطريقة عادلة: فالارباح التي يحققها اصحاب رأس المال، لم تتحقق بفضل مجهودهم فحسب، بل أيضا جهود عمالهم، فمن العدل إذن ، أن يحصل هؤلاء العمال ، علي قدر من هذه الارباح ، سواء علي مستوي المنشأة (مشاركة العمال في أرباح المنشأة) أو علي المستوي القومي (عن طريق الضرائب وإعادة توزيع الدخل القومي بتقديم خدمات للطبقات العاملة في صورة تأمينات اجتماعية، وتعليم ورعاية صحية).
وهنا أيضا فإن الوصول الي صورة الاجر العادل لايمكن أن يقع بقرار مركزي بل يتطلب ايضا الاتفاق بين العمال ، واصحاب الاعمال ، عن طريق المفاوضة.
من هذا العرض، تبدو الفوارق ، واضحة بين الحد الادني للأجر من جهة، والاجر المناسب والعادل من جهة أخري:
1) إن الحد الادني للأجر "حد الدفاع الاجتماعي" حق لكل من يعمل ، بغض النظر عن مؤهلاته وخبرته.الخ.
لأنه من غير المقبول، ألا يحقق عمل الانسان، دخلا يضمن لصاحبه، الحد الادني من مستويات المعيشة.
أما الأجر المناسب، والاجر العادل ، فهما يتحددان بموجب اتفاق بين العامل (أو العمال) وصاحب العمل.
2) نتيجة لذلك، فإن الحد الادني للأجر، يتحدد في ضوء مستوي الاسعار والمعيشة، ولايتدخل في تحديده أي عناصر أخري، كالخبرة والمؤهل ، أو كم الانتاج، أو الظروف الاقتصادية، فتلك عوامل لها اعتبارها في تحديد الاجر المناسب، والاجر العادل فقط، دون الحد الادني للأجر.
3) ترتيبا علي ذلك، يكون مفهوما، أن الدولة وإن كانت مطالبة (باستشارة) طرفي علاقة العمل، بشأن تحديد الحد الادني للأجر، فأنها ـ باعتبارها مسئولة عن تحقيق السلام الاجتماعي ـ تصدر قراراتها بتحديد الحد الادني للأجر، في ضوء ما أسفرت عنه استشارة طرفي العمل ، ودون أن تكون ملزمة باتباع ماتوصلوا اليه ، أو بالخضوع لرأي أحد طرفية، فالحد الادني للأجر، حد مرتبط بتحقيق السلام الاجتماعي، وهو وسيلة دفاع اجتماعي عن المجتمع، تتمتع الدولة بصدده، بحرية واسعة، حفاظا علي أمن المجتمع وسلامته.
علي العكس من ذلك، وفي نطاق تحديد الأجر المناسب، والاجر العادل ، يتعين علي الدولة أن تساعد طرفي علاقة العمل، علي الوصول الي حلول تقوم اساسا علي اتفاقهما ، عن طريق المفاوضة الجماعية، ويجب علي الدولة أن تحترز من التدخل للضغط علي أحد الاطراف، الا عند الضرورة القصوي وخاصة عند وقوع ظروف اقتصادية استثنائية ، أو اضطرابات اجتماعية.
ج) القضاء علي فوضي مسميات الأجور والحوافز الموروثة عن القطاع العام:
وينبغي في سياق الحديث عن اصلاح الاجور في مصر، أن تتم مراجعة "لوائح الاجور" التي ورثناها من القطاع العام، فكما سبق البيان ، ورغبة من الدولة في الحفاظ علي "النظام الاكتواري" لقانون التأمينات الاجتماعية، لجأت الدولة الي "زيادة دخل العامل عن طريق زيادة الاجر المتغير" وكانت النتيجة أن صار الاجر المتغير أكثر اهمية وقيمة من "الاجر الثابت" كما أنه قد ترتب ، علي محاولة "زيادة دخل العامل" دون زيادة "الاجر الأساسي" أن تعددت مسميات عناصر الاجر والحوافز الي حد لم يعد من الممكن حصره" فلقد تضمنت لوائح القطاع العام ، العديد من "الحوافز" مثل "حافز تحقيق الخطة، حافز تجاوز الخطة، حافز وضع الخطة" بالاضاف الي "حافز الانتاج" والحوافز "الاستثنائية" وكم لاينتهي من المنح:
منحة العيد الصغير والعيد الكبير، منحة رمضان ، منحة دخول المدارس
هذا بالاضافة للصور المعروفة للأجر من بدلات ، وساعات عمل اضافية.الخ. ولكن المشكلة في هذه الصورة ليست فقط في تعدد "صور ومسميات الاجر" بل الاغرب أن بعض هذه المسميات، فقدت "معناها الحقيقي" وأكبر دليل علي ذلك الحوافز: فالحافز معناه اللغوي هو التشجيع علي الاداء الحسن فالحافز في قانون العمل هو مكافأة تمنح للعامل نتيجة لجده واجتهاده ومساهمته في زيادة الانتاج، الاصل اذن أن الحافز لايمنح الا للعامل المجتهد الذي ـ بفضل جهوده ـ زاد الانتاج ولكن العمل في القطاع العام ادي ـ للأسف ـ لتفريغ الحافز من مضمونه ووظيفته، وأصبحت الحوافز توزع علي الكافة ـ المجتهد وغير المجتهد ـ بالمساواة واصبح الحافز "ثابتا" بغض النظر عن زيادة أو نقص الانتاج.
وهذه الاوضاع المتعلقة بالاجر إن كانت قد قبلت في ظل النظام المركزي ، فأنها لم تعد صالحة في ظل "اقتصاديات السوق"