مارس 2011
14
ربط الحد الأدني للأجــور بالانتاجية وتكلفة المعيشـة
المصدر: الأهرام الإقتصادى

- تشكيل لجان صناعية تتكون من الحكومة وممثلي العمال ومنظمات الأعمال في كل صناعة للاتفاق
حول الحد الأدني للأجور المناسب لكل صناعة
- تعود مشكلة الأجور في مصر إلي أكثر من نصف قرن ، وكثيرا ما يشاع بأن الأجور لدينا ضعيفة لأننا لا نعمل جيدا، ولأن إنتاجية العمل هابطة، وبهذا يتم حذف الوجه الآخر للمشكلة ، فالمشكلة أكبر من إنتاجية العمل، حيث إننا متخلفون في وتيرة النمو المطلقة للأجور التي ظلت ثابتة لسنوات طويلة، كما أن مسألة الحد الأدني للأجور لم تعد اليوم مرتبطة بطبيعة نظام معين ولا بإيديولوجية معينة ، فالحد الأدني للأجور معمول به أيضا في الدول الرأسمالية وفي البلدان النامية الأكثر تطورا، كما أنها أصبحت اليوم من مستلزمات الدولة العصرية التي تنشد التنمية الاقتصادية بأبعادها الاجتماعية الإنسانية في إطار ما يسمي بالطريق الثالث أو اقتصاد السوق الاجتماعي.
فما هو الطريق لإصلاح الأجو ؟ وكيفية الاستفادة من تجارب الدول الأخري في هذا الشأن؟ وما هي الآليات التي اتخذت لتحديد الحد الأدني للأجور؟ أسئلة طرحناها علي الدكتورة منال متولي أستاذة الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية ومدير مركز البحوث والدراسات الاقتصادية والمالية ، وهي من الخبراء القلائل علي المستوي العربي في هذا الشأن - وتتناول كثيرا من القضايا المرتبطة بهذا الموضوع بمنهجية علمية.
- تختلف قيمة الحد الأدني للأجور والمحددة بالقانون عن القيمة الفعلية
التي يحصلعليها العاملون في القطاعين العام والأعمال العام ويرجع ذلك إلي العلاوات
الخاصة المضمومة بنسبة 200%
- بإلقاء نظرة علي متوسطات الأجور في مصر في ضوء البيانات الرسمية التي ينشرها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء نرصد التالي :
1
ارتفاع الأجر النقدي الحكومي في المتوسط عن القطاع الخاص
2
ارتفاع مستوي الأجور
( متوسط الأجور ) في المحافظات الساحلية عن
بقية المحافظات
3
ارتفاع متوسط أجور المهن الفنية عن نظيرتها غير الفنية
4
ارتفاع متوسط أجور الإدارة العليا ( وهذا معتاد ) عن
بقية متوسطات أجور
الشرائح الأخري
الهند لا تقوم بتعديل الحد الأدني للأجور بنفس قيمة معدل التضخم
بل يتم التمييز بين فئات الدخل المختلفة حيث يتم تعويض أصحاب الدخول المنخفضة بنفس
قيمة معدل التضخم
- من ثم أكدت في بداية الحوار علي أن الأجور تعد في مصر مصدر الدخل الأساسي لقطاع عريض من المجتمع ؛ وقد تزايد في الآونة الحالية الحديث عن أوضاع الأجور والمرتبات في المجتمع المصري، ناهيك عما تشهده الأسواق المصرية من ارتفاعات متتالية في المستوي العام للأسعار عموماً والسلع الغذائية علي وجه الخصوص. بحيث أصبحت المستويات الحالية للأجور تحتاج إلي إعادة النظر خاصة مع تزايد الاهتمام بدراسة هل تحدد الأجور وفقا للإنتاجية أم وفقا للتغيرات في مستويات الأسعار وما هو الدور الذي يقوم به الحد الأدني للأجور في هذا الشأن؟ عموما تكتسب دراسة العلاقة بين الأجور والإنتاجية وتكلفة المعيشة أهمية خاصة في كل من الدول المتقدمة والدول النامية علي حد سواء، ليس فقط بسبب الصلة القائمة بين المتغيرات من ناحية، وبين قضية التضخم من ناحية أخري، ولكن أيضًا بسبب اعتبارات أخري تتعلق بقضية توزيع الدخل، وبقضية الإسراع بعجلات التنمية قدمًا للأمام.فمن الملاحظ في بعض الدول وجود تباين بين معدلات نمو الأجور النقدية وبين معدلات نمو الإنتاجية، وتختلف الأسباب وراء ذلك من دولة إلي أخري، ويترتب علي التفاوت بين الأجور والإنتاجية كثير من المشكلات الاقتصادية سواء علي مستوي القطاع أو علي مستوي الاقتصاد القومي ككل، فارتفاع معدلات الأجور بنسب تفوق ارتفاع معدلات إنتاجية العمل يؤدي إلي:
- زيادة دخل العامل بنسبة أكبر من زيادة الإنتاج وبالتالي حدوث اختلال بين الطلب الإضافي والعرض الإضافي، وهذا يؤدي إلي ارتفاع الأسعار علي شكل (تضخم الطلب).
- ارتفاع تكلفة الوحدة المنتجة وهذا يؤدي إلي ارتفاع الأسعار علي شكل (تضخم تكاليف).
- اختلال في أسواق العمل حيث يوجد قصور في بعض المهن في نفس الوقت الذي يكون هناك فائض في مهن أخري مع ارتفاع معدلات البطالة بنوعيها.
ما هي العلاقة بين الأجور والإنتاجية ؟
د. منال متولي :إن إنتاجية المشتغل في القطاع الصناعي تبدو منخفضة في مصر ، حيث لا تزيد مثلا علي سدس نظيرتها في كوريا والأرجنتين، وقد لا تزيد علي ثمن أو عشر إنتاجية العامل الأوروبي في بعض الصناعات. وبمقارنة تكلفة العمل لكل وحدة قيمة مضافة في مصر وعدد من الدول الأخري، يتضح أنه بالرغم من تواضع مستوي الأجر في مصرفإن تكلفة وحدة القيمة المضافة بدلالة العمل أغلي كثيرًا حتي من التكلفة المناظرة في دول متقدمة مثل كندا وألمانيا. فمن المعروف أن التحسن في الإنتاجية يشجع علي زيادة استخدام عنصر العمل، وبالتالي ارتفاع أجره، بالإضافة إلي أن الأجر يولد الحافز والقدرة علي تحسين مستوي كفاءة العامل، فإذا كان التغير في أحدها يؤدي إلي تغير الآخر بنفس المعدل فلن تكون هناك مشكلة، ولكن المشكلة تظهر عندما يحدث انحراف بين المعدلين، حيث ينجم عن ذلك سلسلة من الآثار غير المرغوب فيها علي الاقتصاد القومي.
والتغير في الإنتاجية يترك أثره علي الأجر بطريقتين، الأولي طريق مباشر والثانية غير مباشر.فيتمثل التأثير المباشر في أن تحسن إنتاجية العمل يعتبر مبررًا مقبولاً للمطالبة برفع معدلات الأجور، حيث يمكن أن يوافق أرباب الأعمال علي زيادة الأجر، وتحمل التكلفة الإضافية مادام الإنتاج الكلي يتزايد، ولكن مدي التقارب أو التباعد بين معدل زيادة الأجر ومعدل تحسن الإنتاجية يتوقف علي قوة المساومة بين الطرفين، العمال والمنظمين.ومن ثم فمن المتوقع ـ عند حدوث زيادة معينة في إنتاجية العمل ـ أن ترتفع الأجور بمعدل أكبر في البلاد التي يتزايد فيها قوة نقابات العمال في مواجهة النفوذ الاحتكاري لأصحاب المشروعات.أما التأثير غير المباشر فيكون من خلال تغير الطلب علي العمل، وينبغي التمييز هنا بين المشروع الفردي وبين الاقتصاد ككل.
كيف تؤثر سياسات الحد الأدني للأجور علي معدلات الأجور؟
د. منال متولي : إذا رأت الدولة أن مستوي الأجر الذي يتحدد بقوي العرض والطلب في سوق العمل لا يتلاءم مع تكاليف المعيشة، ولا يسمح للعامل بمستوي معيشي معقول يمكنه من تأدية عمله بكفاءة وإشباع حاجاته الأساسية علي نحو مرضي، فهنا يمكن أن تتدخل بوضع حد أدني للأجر لا يجوز الانخفاض عنه،.لهذا تم الاهتمام بتحليل الانفاق الاستهلاكي للعاملين بأجر للمساعدة في وضع حد أدني للأجور.وفي مقابل ذلك اوضحت بعض الدراسات أنه إذا تم تحديد الحد الأدني للأجور وفقا لهذا المعيار دون أن نأخذ في الاعتبار إنتاجية العامل فسوف ينخفض مستوي التشغيل وخاصة في الصناعات التي تتسم بارتفاع مرونة الطلب علي عنصر العمل .وفي إطار ذلك أضافت الدراسات مدي أهمية وضع أكثر من حد ادني للأجور وفقا لمستوي المهارات وقدرة المنشأة علي الدفع ؛ حيث يسمح هذا بان تدفع بعض المنشآت قيما مرتفعة للحفاظ علي العمالة ذات الإنتاجية المرتفعة.وقد اهتمت العديد من المنظمات والهيئات المحلية والدولية بتحديد الحد الأدني للأجور ومنها الاتفاقية الدولية لتثبيت الحد الأدني للأجور والتي حددت المعايير الأساسية لذلك وهي:احتياجات العمال وأسرهم والمستوي العام للأجور في المجتمع وعلاقته بتكلفة المعيشة والعوامل الاقتصادية مثل إنتاجية العامل والرغبة في الحفاظ علي مستويات مرتفعة من التشغيل بالإضافة إلي متطلبات التنمية الاقتصادية.
ما هي أهم المحددات التي يجب مراعاتها عند وضع سياسة الحد الأدني للأجور؟
د. منال متولي : أن يساعد الحد الأدني للأجور في توفير مستوي معيشي مناسب للعمالة ذات الأجور المنخفضة، ألا يتم رفع الحد الأدني للأجور عندما يكون معدل البطالة مرتفعًا ويتركز في العمالة ذات المهارات الأقل، أن يحدد حد أدني للأجور يرتبط بتشغيل الشباب وقد يمثل نسبة 75% من قيمة الحد الأدني للأجور علي المستوي القومي، ويتم تحديد حد أدني للأجور يراعي التقسيم الجغرافي في كل دولة وبما يسمح بتعدد الحد الأدني للأجور وفقا لاختلاف كل منطقة عن الأخري ووفقا لظروف سوق العمل وإنتاجية العمال، حيث تتطلب المناطق ذات المعدل المرتفع للبطالة حداً أدني للأجور أقل من المناطق الأخري التي تتسم بانخفاض معدل البطالة، السماح بإعفاء المشروعات الصغيرة من تطبيق الحد الأدني للأجور تخفيضًا للتكاليف التي تتحملها وذلك في الدول التي ترتفع فيها قيمة هذا الحد.
وهناك معايير مستخدمة لتحديد الحد الأدني للأجور والفئات المستفيدة منه علي النحو التالي: مدي إمكانية تعدد الحد الأدني المستخدم . وتوضح العديد من الدراسات الاقتصادية انه تتفاوت الدول فيما بينها عند تحديد الحد الأدني للأجور ؛حيث اهتمت بعض الدول بتحديده علي المستوي القومي مثل البرتغال، أسبانيا، وبعض دول أمريكا اللاتينية مقابل اهتمام بعض الدول الأخري بتحديد حد أدني للأجور وفقا لنوع الصناعة كما في النمسا والدانمارك وفنلندا وألمانيا والسويد واليابان.كذلك اهتمت بعض الدول مثل كوستاريكا بالاعتماد علي مستوي المهارات في المجتمع عند تحديد الحد الأدني للأجور؛ ويتضح مما سبق حرص العديد من الدول علي وضع حد أدني للأجور علي المستوي القومي للاسترشاد به ولكنها تهتم بوضع هذا الحد وفقا للمناطق الجغرافية المختلفة ليعكس الاختلافات في مستوي التشغيل والنمو الاقتصادي في هذه المناطق بالإضافة إلي الاهتمام بوضع حد أدني للأجور في القطاع الصناعي.
ما هي أهم الدروس المستفادة من خلال هذه التجارب؟
د . منال متولي: حرص العديد من الدول علي تحديد حد أدني للأجور يستفيد منه كل العاملين علي أن تكون الإعفاءات في نطاق محدود مثل المتدربين أو غير القادرين مع إعفاء المشروعات الصغيرة والمتوسطة الحجم باستخدام اتفاق كتابي بين العمال وأصحاب الأعمال. أيضًا اتجهت بعض الدول الي تحديد حد أدني للأجور لتشغيل الشباب بحيث يكون أقل مما تم تحديده علي المستوي القومي كما في أستراليا وأمريكا وتايوان .وتهتم الدول بتحديد حد أدني للأجور علي المستوي القومي للاسترشاد به مع إمكانية تعدد هذا الحد وفقا للمناطق الجغرافية المختلفة ليعكس الاختلافات في مستوي التشغيل والنمو الاقتصادي في هذه المناطق بالإضافة إلي الاهتمام بوضع حد أدني للأجور في القطاع الصناعي . واهتمام العديد من الدول بمراجعة الحد الأدني للأجور من خلال الاعتماد علي الاتفاقات الجماعية بين العمال وأصحاب الأعمال. اما آليات تحديده ومراجعته في القطاع الصناعي فمن خلال اللجان الصناعية التي يتم تشكيلها من أعضاء المجالس الإقليمية التي تتركز فيها هذه الصناعة بالإضافة إلي ممثلي العمال ومنظمات الأعمال في كل صناعة. ويتم تحديد الحد الأدني للأجور وفقًا لتكلفة المعيشة ومتوسط أجور العمال في كل صناعة وقدرتها علي الدفع عند الحد المقترح.
وحرصت العديد من الدول علي تطبيق آليات محددة للمحافظة علي القيمة الحقيقية للحد الأدني للأجور حتي لا تتآكل بمرور الوقت، ولهذا تقوم بمراجعته بصفة دورية من خلال الآليات التالية:
- إعداد الرقم القياسي لتكلفة المعيشة ليعكس الاحتياجات الأساسية للعامل وهي الطعام ـ الوقود ـ الملابس ـ النقل، وأي احتياجات أخري، وقد تم تحديد 47 بنداً في اندونيسيا لذلك . ويستخدم هذا الرقم عند مراجعة الحد الأدني للأجور.
- أن تكون قيمة الحد الأدني للأجور أعلي من القيمة المطلوبة لصندوق المساعدات الاجتماعية وإعانات البطالة وأقل من متوسط الأجر في كل مقاطعة أو صناعة.
- أن يتكون الحد الأدني للأجور من مكونين أساسيين؛ الأول يتسم بالثبات،والمكون الثاني متغير والذي يتم ربطه بمعدل التضخم كما في الهند ؛ حيث يرتفع المكون المتغير مع ارتفاع المستوي العام للأسعار بنفس القيمة لكل المهن ومما يخفض من الفروق بين الأجور عبر الزمن. وقد أقرت لجنة شئون الأجور بأن العمالة ذات الأجور المنخفضة يجب أن يتم تعويضها تعويضًا كاملاً عن الارتفاع في الأسعار، أما المهن الأخري فتحتاج إلي تعويض أقل.
كيف نقيم سياسة الحد الأدني للأجور في مصر ؟
د . منال متولي: يمكن تقييم هذه السياسة باستخدام العناصر التالية :
أ - نسبة الحد الأدني للأجور إلي متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، لقد انخفضت هذه النسبة في مصر من حوالي 60% في عام 1984إلي 19.4% في عام 1992/91 ثم إلي 13% عام 2007. وتعد هذه النسبة منخفضة للغاية عند مقارنتها بغالبية الدول.
ب - نسبة الحد الأدني للأجور الي خط الفقر، كلما اقتربت قيمة الحد الأدني للأجور من خط الفقر فانه يسهل رفع قيمة هذا الحد وبما يساعد الفقراء في الخروج من دائرة الفقر. أما في مصر فتتسم هذه النسبة بالانخفاض الشديد لتصل الي 0.05 . وهو ما يشير إلي كبر حجم الارتفاع المطلوب في قيمة الحد الأدني للأجور المحدد بالقانون ليقترب من خط الفقر الأعلي. ومن هنا يثار التساؤل عن المعايير التي سيتم الاعتماد عليها في تحقيق ذلك وما هي القيمة التي ستتمتع بالقبول بين كافة الأطراف الفاعلين في سوق العمل وهم العمال وأصحاب الأعمال والحكومة؟ وهل يمكن أن تساعد آلية الحد الأدني للأجور في الحد من الفقر في مصر ؟
ج ـ مدي التفاوت بين كل من الحدين القانوني والفعلي للحد الأدني للأجور ، وفي حين أن الحد الأدني للأجور وفقا للقانون يبلغ حاليا 53 جنيه شهريا، إلا أن ما يحصل عليه العامل فعليا سواء في الحكومة أو القطاعين العام والأعمال العام أو القطاع الخاص يختلف تماما عن ذلك. ويوضح متوسط الأجر الأساسي الذي تم تحديده قانونا للعاملين بالدرجة السادسة ؛ حيث تبين أن هذه القيمة تتراوح بين 35-52 جنيها شهريا وفقا للأقدمية . إلا أن مقارنتها بالقيمة الفعلية لهذا الأجر تشير إلي تزايد الفرق بينهما ليصل الي مايتراوح بين 70-104 جنيه شهريا. ويرجع ذلك إلي العلاوات الخاصة المضمومة بنسبة 200%.وتختلف قيمة الحد الأدني للأجور والمحددة بالقانون عن القيمة الفعلية التي يحصل عليها العاملون في القطاعين العام والأعمال العام ويرجع ذلك إلي العلاوات الخاصة المضمومة بنسبة 200% بالإضافة إلي العلاوة الاجتماعية وحافز الإثابة بنسبة 25% محسوبة علي الأجر الأساسي في 1-7-2007 ،وفقا لجدول أجور العاملين المدنيين في الدولة (القائمين بالعمل). ومن ثم فان العامل في القطاعين العام والأعمال العام عند أدني درجة مالية (الدرجة السادسة ) يصل الحد الأدني الفعلي للأجور إلي 188جنيها شهريا ً في 1-7-2007.وبالنسبة للعمالة في القطاع الخاص ، فوفقا للبيانات المتاحة من الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة في عام 2005فقد تبين ما يلي :
- يشير الرصد الواقعي للحد الأدني للأجور إلي وجود حدين أدني وأقصي للحد الأدني للأجور؛ حيث تتراوح الحدود الدنيا والقصوي للحد الأدني للأجور علي مستوي المحافظات والمناطق بين (87 و550 ) جنيها شهريا وهذا يختلف عما تم تحديده قانونا (53 جنيها شهريا).
- وجود قدر من التفاوت بين المحافظات والمناطق الصناعية حول قيمة متوسط الحد الأدني الفعلي للأجور (الثابت والمتغير) ليتراوح بين 69.5 جنيه شهرياً في محافظة السويس الي 74.5 جنيه شهرياً في محافظة القليوبية. وعلي الرغم من أن الحد الأدني الفعلي للاجور بعيد تماما عما تم تحديده وفقا للقانون فإن مراجعته وتعديله وفقا للرقم القياسي للأسعار المعلن رسميا توضح تآكل قيمته الحقيقية.
- يصل متوسط الحد الأدني الفعلي للاجور(الثابت والمتغير) في غالبية الأقسام والأبواب المهنية الي 154جنيها شهرياً في كل من مدينتي السادس من أكتوبر والعاشر من رمضان باستخدام عينة تشمل العاملين بهما . ويلاحظ ان هذه القيمة تقل عن نظيرتها في القطاعين العام والأعمال العام والتي تصل إلي 188جنيها شهرياً.
- تختلف الأنشطة الاقتصادية فيما بينها وفقا للحد الأدني الفعلي للأجر الثابت ، والذي يشير إلي ارتفاع قيمة هذا الحد في القطاع الصناعي مقارنة بالأنشطة الأخري. بالإضافة إلي انه يعكس أهمية وجود أكثر من حد أدني للأجور.
ويتضح من التقييم السابق مدي أهمية رفع الحد الأدني للأجور بالإضافة إلي أهمية تبني مفهوم وجود أكثر من حد أدني للأجور وبصفة خاصة في القطاع الصناعي للحفاظ علي جاذبية فرص العمل في هذا القطاع ولاستخدام الحد الأدني للأجور كأحد الآليات للحد من الفقر خاصة مع ارتفاع نسبة الفقراء في القطاع الصناعي .ما هي المعايير المستخدمة لتحديد ومراجعة الحد الأدني للأجور في مصر ؟
د. منال متولي: لقد اهتمت بعض الدراسات في الاقتصاد المصري بمناقشة سياسة تطوير الحد الأدني للأجور ووضع المقترحات حول هذا التطوير؛ حيث توصلت الي اقتراح بعض القيم استنادا الي بعض المعايير ومنها معدل التضخم ، ونسبة الحد الأدني الي متوسط الأجور أو مضاعفة خط الفقر للأسرة المكونة من فردين.وقد اهتمت الدراسات السابقة بتقدير الحد الأدني للأجور. حيث ركزت علي استخدام معيار واحد بينما اتفقت التجارب الدولية ومنظمة العمل الدولية علي أهمية استخدام أكثر من معيار عند التحديد والمراجعة. بالإضافة إلي ذلك فانه لم يؤخذ في الاعتبار إنتاجية العامل وبالتالي قد لا تتسم هذه التقديرات بالقوة القانونية اللازمة لقوة نفاذها ؛ حيث قد يرفضها قطاع الأعمال أو قد يضطر إلي تخفيض مستويات التشغيل ومما يؤدي إلي تزايد أعداد الفقراء في المجتمع باعتبار أن الحصول علي فرصة عمل من أهم المحددات للفقر في المجتمع.
وبدلا من الزيادات السنوية للحد الأدني للأجور والتي تقررها الحكومة بموجب القانون ، من الممكن تحديد ومراجعة هذا الحد من خلال العمل علي مواءمة الحد الأدني للأجور مع التغير في كل من الانتاجية والمستوي العام للأسعار ومتوسط الأجور في المجتمع . وفي إطار تجارب العديد من الدول التي تم مراجعتها فقد تبين أنه لا يتم الاعتماد علي التغير في المستوي العام للأسعار عند مراجعة الحد الأدني للأجور فقط بل يتم استخدام بعض المعايير الأخري مثل إنتاجية العامل ومستوي التشغيل والأوضاع الاقتصادية للدولة ،بالإضافة إلي قدرة كل صناعة علي دفع الأجور عند حدها الأدني المقترح.
ففي الصين مثلا، يتم تحديد الحد الأدني للأجور ومراجعته وفقا للمعادلة التالية :
المعدل الجديد للحد الأدني للأجور= المعدل الحالي * الرقم القياسي لتكلفة المعيشة + الرقم القياسي لمتوسط الأجر + الرقم القياسي لإنتاجية العمل - 3 معامل الترجيح (والذي يعكس اختلاف المناطق الجغرافية وفقا لظروفها الاقتصادية ) ويمكن استخدام هذه المعادلة لتحديد الحد الأدني للأجور في مصر سواء علي المستوي القومي أو وفقا لكل نشاط اقتصادي ؛ حيث يفضل استخدام أكثر من حد أدني للأجور في الاقتصاد المصري .ويستند هذا الاقتراح إلي اختلاف إنتاجية العامل من قطاع الي آخر. وقد قامت الدراسة بتقدير الحد الأدني للأجور في بعض الأنشطة الاقتصادية باستخدام الصيغة المستخدمة في الصين وبالتطبيق علي صناعة الغزل والنسيج باعتبارها من الأنشطة الكثيفة الاستخدام لعنصر العمل .كما تم التطبيق علي صناعة الخشب ومنتجاته والصناعات الهندسية والكترونية والكهربائية لارتفاع انتاجية العامل في الصناعات الأخيرة مقارنة بالأولي . ويتضح مدي اختلاف الحد الأدني للأجور المقدر بين بعض الأنشطة الاقتصادية والذي يمكن تفسيره بالاختلاف فيما بينها من حيث انتاجية العامل وظروف التشغيل وتكلفة فرص العمل ومتوسط الأجر.
كذلك يمكن اقتراح وضع حدين:أدني وأقصي للحد الأدني للأجور في بعض القطاعات أسوة بالعديد من الدول مثل الصين واليابان . وتتضح أهمية هذا المقترح في ضوء أن نظام التأمينات الاجتماعية المصري يستخدم الحد الأدني للأجور باعتباره الأجر التأميني لاشتراكات هذه التأمينات . ومن ثم فان رفع قيمته تؤدي الي تزايد الأعباء التأمينية علي كل من العامل وصاحب العمل وخاصة في ظل ارتفاع معدل الاشتراكات في مصر . ولذلك تعد احد المتطلبات لوضع سياسة جديدة للحد الأدني للأجور تساعد في تخفيف الأعباء علي أصحاب الأعمال هو تخفيض معدل الاشتراكات في التأمينات الاجتماعية.
هل هناك آلية معينة للمحافظة علي القيمة الحقيقية للأجر؟
د. منال متولي: إن إحد الركائز الأساسية في تطوير السياسة الحالية للحد الأدني للأجور أن تتم مراجعته بشكل دوري لضمان المحافظة علي قيمته الحقيقية . ويمكن اقتراح أن تتم المراجعة كل عامين في إطار اتجاه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء نحو إصدار بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك كل عامين. وترتبط هذه المراجعة بتحديد المعيار المستخدم ليعكس التغيرات في المستوي العام للأسعار ومما يتطلب التفكير في إعداد الرقم القياسي لتكلفة المعيشة ليعكس الاحتياجات الأساسية للعامل وأسرته، حيث إن الرقم القياسي لأسعار المستهلكين يشمل 90% من الإنفاق الاستهلاكي علي كل السلع والخدمات في المجتمع ويحتاج الي مراجعته بصفة دورية. ولهذا فان مراجعة الحد الأدني للأجور وربطه بالمستوي العام للأسعار تتطلب إعداد الرقم القياسي لتكلفة المعيشة أسوة بتجارب العديد من الدول. ونؤكد في هذا الصدد علي أن بعض الدول مثل الهند لا تقوم بتعديل الحد الأدني للأجور بنفس قيمة معدل التضخم بل يتم التمييز بين فئات الدخل المختلفة حيث يتم تعويض أصحاب الدخول المنخفضة بنفس قيمة معدل التضخم أما أصحاب الدخول المرتفعة فيتم تعويضهم بنسبة أقل وذلك لتحقيق الاستقرار في الهيكل النسبي للأجور في المجتمع ودرءاً للمخاطر التضخمية.
ما هو الإطار اللازم لوضع الحد الأدني للأجور ؟
- د. منال متولي : لقد تم إنشاء المجلس القومي للأجور في مصر عام 2003 للقيام بمهام عديدة أهمها وضع الحد الأدني للأجور علي المستوي القومي. ولقد تبين من تجارب العديد من الدول ورصد المستويات الفعلية للحد الأدني للأجور في مصر مدي أهمية وجود أكثر من حد أدني للأجور سواء علي المستوي القومي أو وفقا لنوع النشاط الاقتصادي. ومن ثم نحتاج الي وجود آليات أخري مكملة لدور المجلس القومي للأجور . ويمكن في هذا الصدد ان نؤكد علي ما يلي:
1- أن يتم تشكيل لجان صناعية تتكون من الحكومة وممثلي العمال ومنظمات الأعمال في كل صناعة للاتفاق حول الحد الأدني للأجور المناسب لكل صناعة، وذلك أسوة بتجربة اليابان؛ حيث تتباين الصناعات في مصر وفقا لمستوي الإنتاجية والقيمة الفعلية للحد الأدني للأجور ؛حيث تشير البيانات إلي أن متوسط اجر العامل يختلف من قطاع صناعي الي آخر.
2- ضرورة تفعيل آليات التفاوض الجماعية وإعادة النظر فيها لتوضيح طبيعة الشركات المساهمة فيها، وقواعد المشاركة، وآليات التنفيذ المستخدمة، وضمان مشاركة العمال فيها.وذلك لإرساء قواعد المشاركة العمالية ومن جانب أصحاب الأعمال في تحديد الحد الأدني للأجور .
3- نحتاج إلي سياسات أخري مكملة لسياسة الحد الأدني للأجور لتفعيل استخدامها للحد من الفقر بين المشتغلين . وتتمثل أهم السياسات المطلوبة فيما يلي:
1- وضع سياسات تدعم الطلب علي العمل في القطاع الصناعي من خلال تخفيض تكلفة عنصر العمل غير الأجرية ؛ حيث إن احد التخوفات من رفع الحد الأدني للأجور في القطاع الصناعي أن يؤدي إلي ارتفاع أعباء الأجور ومن ثم تخفيض مستوي التشغيل. ولهذا يقترح استخدام السياسات التي تحفز الطلب علي العمل وخاصة بالنسبة لتشغيل الشباب أو العمالة التي يتم تشغيلها عند الحد الأدني للأجور. ويمكن ان تقدم الحكومة البرامج التدريبية اللازمة لرفع إنتاجية العمال ، الحاجة إلي تطبيق سياسات جديدة تساعد في تمكين الفقراء ومنها سياسة الائتمان الضريبي لدخل العمل ؛ حيث تفضل العديد من الدول استخدام هذه السياسة لأنها تعتمد علي معيار الأسرة بدرجة أكبر من الفرد. وتتمثل هذه السياسة في تقديم الدعم النقدي للأسر ذات الدخول المنخفضة وبغض النظر عن التزاماتها الضريبية. وتطبق العديد من الدول هذه السياسة حتي تتجنب رفع الحد الأدني للأجور الي مستويات مرتفعة ومما يؤدي الي تخفيض مستوي التشغيل بالنسبة لأصحاب الدخول المنخفضة.
2- أن يتم تبني السياسات التي تحقق العدالة في توزيع الدخل وتساعد في تمكين الفقراء؛ حيث يجب أن تهدف هذه السياسات الي دعم التنمية الزراعية وزيادة الأسعار النسبية للسلع الزراعية وكذلك اجور العمالة غير الماهرة بالإضافة الي تحسين الخدمات الاجتماعية التي يحصل عليها الفقراء.
3- أن تتم مراجعة نظام التأمينات الأجتماعية وبما يسمح بتخفيض معدل الاشتراك والذي يصل الي 40% من الأجر الأساسي و35% من الأجر المتغير . ويدفع ارتفاع هذا المعدل اًصحاب الأعمال الي تفضيل العمالة المؤقتة أو العمالة غير الرسمية ومما يؤثر علي حصول أصحاب الدخول المنخفضة علي فرص عمل دائمة ومن ثم تنخفض قدرتهم علي الاستفادة من تطوير سياسة الحد الأدني للأجور.