ديسمبر 2012
27
حق الاختلاف
المصدر: الأهرام اليومى
بقلم:   رامى عطا

رامى عطا

يقول المفكر المصرى قاسم أمين فى كتابه (كلمات) الصادر بالقاهرة سنة 1908 عقب وفاته مباشرة «الحرية الحقيقية تحتمل إبداء كل رأى ونشر كل مذهب وترويج كل فكر»، ومن الأقوال المتوارثة بيننا جيلاً بعد جيل قولنا «الاختلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية»، وهو قول شهير ينسبه البعض لأستاذ الجيل أحمد لطفى السيد.
ولكن واقع الحال فى مصرنا اليوم يُشير - وللأسف - إلى أننا كثيرا ما نحيد عن تراث التنوير، كما نبتعد عن ميراث الإسهامات الثقافية المُستنيرة التى خلفها مفكرون وإصلاحيون وكُتاب وصحفيون أجلاء عاشوا بيننا وساهموا بنصيب وافر فى بناء العقل فى مصر الحديثة، ذلك أن المتابع للمشهد الحالى الذى يسود المجتمع المصري، وبالأخص تلك الأوضاع والأحداث السياسية المتلاحقة، من حقه أن يقلق كل القلق على حاضر ومستقبل حالة التعددية والتنوع والحق فى الاختلاف، كما يُلاحظ أحياناً غياب الكثير من أدبيات الحوار فى بعض المواقع، وهو ما يبدو جلياً فيما تقدمه بعض - وليس كل - وسائل الإعلام، المكتوبة منها والمرئية والمسموعة، فضلا عما تزخر به شبكات التواصل الاجتماعي - وبالأخص الفيس بوك وتويتر وغيرهما من أشكال الإعلام الجديد - من مشاركات غزيرة لأصحابها تحمل كما غير قليل من السُباب والإساءة فى بعض الأحيان. إن كل طرف بات يظن أنه يمتلك الحقيقة المطلقة التى لا تحتمل الخطأ، وما عداه خاطئ كل الخطأ، وليس فيه أدنى ذرة من صواب، حتى أصبحنا أمام حالة من حالات نفى الآخر وإقصائه بعيد - خارج الإطار الوطنى من منطلق أن من ليس معنا فهو ضدنا وعدو لنا. إننا نحتاج اليوم وربما أكثر من أى وقت مضى إلى تأكيد قيم ومعانى الحق فى الاختلاف وقبول الآخر المختلف واحترام الاختلاف، أياً كان مجاله، ذلك أن حق الاختلاف هو حق أصيل لكل إنسان، والله سبحانه وتعالى هو وحده الحقيقة المطلقة فى هذا العالم،. وفى ظنى أننا جميعاً مسئولون عن نشر ثقافة الاختلاف، وتحريره من دعاوى التحريم التى يمارسها البعض إن كان بالفعل أو بالقول أو بكليهما معاً. فمن المهم نشر وترسيخ ثقافة الاختلاف ليس فقط بين الكبار ولكن من المهم أيضاً تربية النشء الصغير على قبول الآخر واحترام الاختلاف معه، بل والإيمان بحقه فى الوجود وأهمية وجوده، ففى التعددية تنوع وثراء يفيد المجتمع ولا يضره متى تمت إدارة الاختلاف بحكمة وتدبير.
وهنا ينبغى الحديث عن دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية فى نشر ثقافة الاختلاف والالتزام بأدبياته، حيث الأسرة والجامع والكنيسة والنادى ومركز الشباب وقصر الثقافة والمدرسة والجامعة، فضلاً عن منظمات المجتمع المدني. الخ، بما يمكن أن يُنقل مجتمعنا من حالة الإقصاء والاستبعاد التى يُمارسها البعض ضد البعض الآخر إلى حالة الدمج والمشاركة، ومن ثم تأكيد معانى التعاون والعمل الجماعى البناء والعيش المشترك والسعى نحو تحقيق الخير العام الذى يشترك فى صناعته كل أعضاء الجماعة الوطنية المصرية بتنوعهم الخلاق، هؤلاء الذين يعيشون فى وطن واحد ويجمعهم مصير مشترك.