مارس 2013
25
حوكمة الحكومة
المصدر: الأهرام الإقتصادى

د. سعيد عبدالخالق

تزخر الأدبيات المعاصرة - خاصة في العقود الثلاثة الاخيرة - بالعديد من المفاهيم المعبرة عما يعتري العالم من تطورات او تحولات بنيوية في مختلف مجالات التنمية، ومن اكثر هذه المفاهيم تداولا مفهوم "الحوكمة" Governance بتطبيقاتها في السياسة والاقتصاد والادارة والاجتماع.
فمصطلح "الحوكمة" يعبر في جوهره عن نظام شامل، لا يتضمن فقط الادارة الاقتصادية والسياسات او الاجراءات الادارية، والمتغيرات السياسية، بل انه يخضع ايضا لتأثير العوامل الثقافية والاجتماعية.
وتتجلي "الحوكمة" - في مضمونها الادق - في حسن ادارة الحكم، او الحكم الرشيد بمقتضياته وموجباته وآليات تطبيقه. وبهذا المعني تعد الحوكمة مرادفا للادارة السليمة علي جميع الاصعدة، بما يتضمنه ذلك من نظم محاسبية ملائمة، وسياسات مالية رشيدة، وإطار قانوني عادل وفعال، يعمل في مناخ يتسم بالشفافية.
وبالرغم من الاتفاق العام علي ان الحوكمة او الادارة الرشيدة هي قوام التنمية فإن ماهية الحوكمة، والعوامل التي تشكلها لم تتحدد بعد بشكل نهائي وحاسم، وبالتالي تتعدد تعاريف الحوكمة لاسيما علي المستوي الاجرائي.
ويشير البرنامج الانمائي للامم المتحدة UNDP في تقريره عن التنمية البشرية عام 1993 - الي الحكم الرشيد بأنه يتضمن، ضمن اشياء اخري، المشاركة والشفافية والمساءلة، وهو بهذا نظام منصف وفعال ويعزز من سلطة القانون، ويتطلب تطبيقه تحديد الاولويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة بما يستجيب لمصالح الغالبية العظمي من المواطنين.
ويعرف البنك الدولي في تقرير له عام 1989 الحوكمة بأنها الاسلوب الذي تمارس به السلطة إدارة الموارد الاقتصادية والاجتماعية للدولة من اجل تحقيق التنمية. وبالتالي تتمثل الحوكمة الرشيدة في كفاءة تخصيص الموارد عبر إطار تنظيمي ومؤسسي مناسب يهدف الي تأمين نمو طويل المدي، وتوزيع عادل لمخرجاته من السلع والخدمات بما يحقق مصالح المواطنين كافة.
العلاقة وثيقة - إذن - بين النمو الاقتصادي من ناحية، وكفاءة الادارة الحكومية من ناحية اخري. لذلك لم يعد من الحكمة إغفال دور الادارة العامة في عملية التنمية، حيث اصبح شكل النظام وقدراته وطريقة ادائه من اهم معايير تقييم التجربة التنموية، ويتصل بذلك اسلوبه في اتخاذ القرار باعتباره عملا مدروسا واختيارا واعيا من مجموعة بدائل متاحة يجري الترجيح فيما بينها لاختيار افضلها مع الاخذ بعين الاعتبار ان اي قرار هو - في نهاية الامر - تعبير عن الحل الانسب في ظل ظروف معينة.
وتؤكد تقارير البنك الدولي - من واقع الخبرة العملية - ان بعض المشروعات التي اسهم في تمويلها قد اخفقت في تحقيق النتائج المرجوة منها لاسباب ترتبط بضعف كفاءة الاداء الحكومي الناتج عن غياب الالتزام، وضعف الادارة، ونقص القدرات السياسية والفنية لصياغة وتنفيذ السياسات والبرامج. وهو ما تؤيده اغلب الابحاث الاكاديمية التي انتهت الي ان فشل الحكومات يرجع عادة الي وجود خلل في النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية.
واذا اتفقنا علي ان الادارة الاقتصادية الرشيدة هي شرط لازم لتحقيق الاستقرار المجتمعي، والنمو السريع والمستدام، كان من الضروري العمل علي تطوير اطار نظري لفهم اعمق لمكونات الحوكمة الرشيدة، وكيفية تطويرها.
ويمكن ايجاز اهم العناصر العملية التي يصعب دونها الحديث عن إدارة رشيدة للاقتصاد القومي فيما يلي:
1 - كفاءة تخصيص الموارد البشرية والمالية والمادية في المجالات والانشطة الاكثر جدوي والاعلي عائدا، بما يعزز انتاجية الاقتصاد القومي وتنافسيته، ويضمن سرعة وتواصل عملية النمو، وتفاعلاتها علي مستوي المجتمع.
2 - ملاءمة صياغة السياسات اللازمة لتوجيه مسارات التنمية بما يكفل تحقيق العدالة التوزيعية، ويسمح بالحراك الاجتماعي.
3 - تنفيذ السياسات بالطريقة التي تأخذ بعين الاعتبار المحيط او السياق الذي تعمل فيه وتتفاعل معه.
4 - الموازنة بين احتياجات الاجيال الحالية والاجيال المستقبلية لضمان استدامة التنمية.
5 - التنمية المتوازنة جغرافيا بتحديد الاطر الاساسية التي تتحرك في نطاقها الجهود الانمائية بما يحقق التوزيع الانسب للسكان والانشطة الاقتصادية علي الحيز الوطني في فترة زمنية محددة.
6 - تعميق العلاقات التشابكية القطاعية - المكانية داخل مختلف الاقاليم، وفيما بينها لتحقيق اقصي مردود اقتصادي واجتماعي ممكن من الاستثمارات المستهدفة.
7 - اتاحة المزيد من الشفافية في اطار تداول المعلومات، وتعدد مصادرها مما يزيد من قدرة المجتمع علي الاستجابة بشكل سليم لمختلف المصالح، اضافة الي سرعة الاستجابة للمتغيرات.
8 - القابلية للمحاسبة علي جميع المستويات، حيث تستوجب السلطة المساءلة والرقابة والمحاسبة.
9 - اتساع دوائر المشاركة المجتمعية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بشكل حقيقي وأصيل. ان حركة الاقتصاد القومي في سياق الحوكمة تفتح افاقا جديدة وعريضة للنمو، فتعثر جهود التنمية غالبا ما يأتي نتيجة لفشل تطبيق الحوكمة - سواء لغياب البصيرة او ضعف الخبرة - اكثر من كونه نتيجة لنقص الموارد. واستجلاء واقع الحوكمة في مصر يجعلنا علي يقين من حاجتنا الي حوكمة اكثر رشدا للحكومة.