يناير 2012
1
الجمعية التأسيسية لوضع الدستور.
المصدر: الديمقراطية

نتيجة لانتصار ثورة 25 يناير 2011 المباركة، وتنحية رئيس الجمهورية السابق، صدر بيان المجلس الأعلي للقوات المسلحة بتعطيل العمل بدستور 1971، ثم صدر الإعلان الدستوري بتاريخ 30 مارس 2011 محددا أسلوب عمل الدستور الجديد للبلاد، بالمادة (60) منه متضمنا دعوة المجلس الأعلي للقوات المسلحة الي عقد إجتماع للأعضاء غير المعينين بمجلسي الشعب والشوري في اجتماع مشترك، لانتخاب جمعية تأسيسية من مائة عضو، تتولي إعداد مشروع دستور جديد للبلاد، وأن يُعرض المشروع علي الشعب لاستفتائه في شأنه، ويُعمل به من تاريخ إعلان موافقة لشعب عليه في الاستفتاء. وطبقا لهذا النص يكون الأسلوب هو جمعية تأسيسية منتخبة مقرونة بالاستفتاء ( وهو من الأساليب الديمقرطية ) مع تحديد مواعيد لاختيار أعضائها ونهوها لأعمالها.
وفي هذه الدراسة سوف يتم تناول أساليب نشأة الدساتير سواء في الولايات المتحدة (الجمعية التأسيسة المنتخبة) أو فرنسا (الجمعية التأسيسية المقرونة بالاستفتاء) أو في مصر لتطبيق الأسلوبين.
الأساليب الديمقراطية لإنشاء الدساتير (الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا)
يقود منطق الديمقراطية ومبدأ سيادة الشعب الي ضرورة الأخذ بأسلوب شعبي في وضع الدستور. والأساليب الديمقراطية متعددة، لكنها أبرزها
صدور الدستور بواسطة جمعية نيابية أو تأسيسية منتخبة خصيصا لممارسة السلطة التأسيسية ووضع الدستور. وترجع أصولها الي أمريكا حيث تم بواسطتها وضع دساتير أغلب الولايات الأمريكية الشمالية، عقب استقلالها عن انجلترا سنة 1776 ثم دستور الإتحاد الفيدرالي سنة 1787بجمعية مماثلة عُقدت في فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا.
وانتقل هذا الأسلوب الي فرنسا التي طبقته في أول دساتير ثورتها سنة 1971، ثم في دستوريها سنة 1848وسنة 1875، فضلا عن دستور السنة الأولي في 24 يونية 1793 المعروف بالدستور الجبلي، وإن كان لم يُطبق، ودستور السنة الثالثة في 22 أغسطس 1795 حيث كان الاستفتاء الذي أُجري في الحالتين شكليا وكانت الكلمة الأولي والأخيرة للجمعية التأسيسية، ويُسمي البعض هذه الطريقة (جمعية تأسيسية تتخذ القرار بمفردها) حيث تصدت الجمعية للدستور بالاقتراح والمناقشة والتصويت والإصدار، أي أن نفاذه كان بإرادتها فقط. وقد كان لفلاسفة القانون الطبيعي وكتاب القرن الثامن عشر دور كبير في الدعوة لهذا الأسلوب. حيث اعتبروا الدستور تحقيقا لفكرة العقد الاجتماعي الذي يُنشيء الجماعة السياسية ويؤسس السلطة العامة فيها، ومن ثم يجب أن يضعه الشعب في مجموعه وليس أي سلطة أخري حتي التشريعية، ومن هنا جاءت ضرورة الجمعية التأسيسية المنتخبة، كما كان لأفكار (سييز) أثرها إبان الثورة الفرنسية بمرأي الأخذ بهذه الوسيلة لاستحالة جمع الأمة في صعيد واحد لوضع الدستور، وكذلك تطبيقا لفكرة التمثيل أو النيابة في المجال الدستوري، ويُصبح نافذا بمجرد وضعه بواسطة تلك الجمعية دون حاجة لعرضه علي الشعب للحصول علي موافقته.
وندرس فيما يلي: النموذجين الأمريكي والفرنسي لإنشاء الدستور بواسطة الجمعية التأسيسية المنتخبة، في مبحث أول، ثم النموذج الفرنسي لإنشاء الدستور بواسطة جمعية تأسيسية مقرونة بالاستفتاء.
النموذج الأمريكي لإنشاء الدستور (جمعية تأسيسية منتجة)
في ضوء التحول الجديد في الفكر السياسي السابق الإشارة اليه ، واستحالة اجتماع أفراد الشعب في مكان واحد لوضع دستورهم ، ظهرت طريقة الجمعية التأسيسيةConvention ومؤداها أن يختار الشعب عددا من النواب يوكلهم وكالة خاصة في وضع الدستور، وبهذه وضعت دساتير الولايات الشمالية بعد استقلالها عن انجلترا. وتكون مهمتها وضع الدستور وإصداره ليكون واجب النفاذ كأنه صادر عن الشعب مباشرة. دون أن تملك أي صلاحيات أخري، وبوضع الدستور ينتهي دورها وتزول من الوجود.
وقد كان لهذه التحديدات للجمعية فوائد كثيرة أهمها:-
1ـ أن تخصصها أتاح لها فرصة التركيز في عملها، مما وفر للدستور ما يستحقه من بحث ودراسة.
2ـ أن إقتصار واجبها علي وضع الدستور، أبعد مخاطر الاستبداد التي تنجم عن تركيز السلطة بيد أعضائها وتركِهم يعملون ما يشاءون تحت شعار كونهم نوابا عن الأمة. ولا شك أن توفر تلك التحديدات كان مُتأصلا في كل من تصدي للعمل العام
من الشعب الأمريكي حيث ثبت أن الشعب الأمريكي قد استفاد من الوثيقة البريطانية Bill of Rights الصادرة عام 1689ونقلها أولا الي دساتير الولايات الشمالية بعد استقلالها ثم الي الدستور الفيدرالي سنة 1787حيث اجتمعت الجمعية في فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا وأصدرت ذلك الدستور الذي جاء بمقدمته (نحن شعب الولايات المتحدة، رغبة منا في إنشاء اتحاد أكثر كمالا، وفي إقامة العدالة، وضمان الاستقرار الداخلي، وتوفير سُبُل الدفاع المشترك وتعزيزالخير العام وتأمين نِعم الحرية لنا ولأجيالنا القادمة، نرسم ونضع هذا الدستور للولايات المتحدة الأمريكية).
تقدير أسلوب الجمعية التأسيسية:
أن هذه الطريقة أكثر ديمقراطية من غيرها، ولعل أهم مميزاتها أنها كجمعية نيابية منتخبة تكون بعيدة عن التأثر بمراكز السلطة الفعلية في الدولة، التي قد تحاول توسيع اختصاصاتها من خلال نصوص الدستور، أن هذا الأسلوب علي الرغم من أنه يعدّ تطبيقاً سليماً للديمقراطية النيابية, إلا أنه يؤخذ عليه أنه يؤدي إلي تحجيم دور الشعب وحصره في إطارٍ ضيق يقتصر علي المساهمة السلبية التي لا تتجاوز اختيار أعضاء الجمعية التأسيسية دون أن يتدخــل الشعب في تحديد اتجاهات الجمعية أو التأثير بالإيجاب في مضمون الدستور الذي يتحدد مصيره بالكامل من قبل أعضاء الجمعية النيابية المنتخبة.
ويري البعض ضرورة توافر شروط معينة ليكون الدستور الذي تضعه الجمعية التأسيسية ديمقراطياً, وهي:
1ـ يجب أن تكون الجمعية التأسيسية منتخبة بواسطة الشعب.
2ـ أن يكون الانتخاب ديمقراطياً, وتحت إشراف ورقابة القضاء.
3ـ ولكي يكون الانتخاب حراً, فإنه من الضروري وجود خيارات متعددة أمام الناخبين. وهذا ما توفّره الأحزاب السياسية.
4ـ يجب أن تكون الحريات العامة مصانة ومكفولة, بعيدا عن جوٍ القمع والكَبْت للحريات.
5ـ أن تُمارس الجمعية عملها بحريّةٍ وحيادٍ وبمنأي عن الضغوط السياسية التي قد تؤثر في عملها، قد تفتقر الجمعية المنتخبة الي الكفاءات الفنية اللازمة للتصدي للأمور المعقدة التي تتضمنها أحكام الدستور
ويمكن تلافي ذلك بضم عناصر من ذوي الخبرة الي الجمعية، وتكوين لجان استشارية لمساعدتها، وإزاء الخشية من استبداد الجمعية المنتخبة، علي أعمال السلطات الأخري في الدولة، كما حدث في الجمعية الفرنسية سنة 1792 في عصر الثورة، يري البعض إمكانية تلافي ذلك بتحديد اختصاصاتها ومدة عملها بزمن محدد
ثانيا النموذج الفرنسي لإنشاء الدساتير:
تندرج هذه النماذج تحت أسلوبين:
1ـ أسلوب إنشاء الدستور بواسطة جمعية تأسيسية منتخبة علي النمط الأمريكي.
2ـ أسلوب إنشاء الدساتير بواسطة جمعية تأسيسية منتخبة مقرونة بالإستفتاء الشعبي، ونخصص مطلبا لكل منهما.
أـ إنشاء الدستور بواسطة جمعية تأسيسية منتخبة:
انتقل هذا الأسلوب الي فرنسا بعد قيام ثورتها سنة 1792 وذلك عند وضع أول دساتير الثورة في عام 1971 ثم أخذت به عند وضع دستوري سنة 1848 وسنة 1875. غير أن الجمعيات المنتخبة كانت تُمارس، نيابة عن الشعب الفرنسي، صلاحية السلطة التشريعية أي وضع وتعديل الدستور) وأُطلِق عليهاConvention بدلا من الإسم الأمريكي .Assemblee Constituante
وهذا النوع من الجمعيات التأسيسية له مضارٌ لا تُحمد عقباه، فمن ناحية أولي، يمكن أن يشتّت الدور الإضافي الذي تنهض به الجمعية التأسيسية جهودها ويؤخّر بالتالي انجازها لعملها الأساسي المتمثل في وضع الدستور وإقراره، ومن ناحية أخري، فإن تركيز السلطات التشريعية والتأسيسية بين أيدي نفس الأشخاص قد يؤدي إلي ديكتاتورية الجمعية.
وقد عمِل رجال الثورة الفرنسية علي تسجيل أسس المجتمع الجديد وما يجب أن يسود فيه من مباديء، في وثيقة حتي يتاح لكل فرد حاكم أو محكوم أن يتعرف علي فلسفة النظام الجديد ومبادئه وما للفرد من حقوق وما عليه من واجبات، حتي تسود الثقة والإستقرار بين الفرد والجماعة، كما عملوا علي صياغة الفلسفة السياسية للثورة ومبادئها بعد انهيار الملكية المطلقة في وثيقة إعلان حقوق الإنسان، التي أقرتها الجمعية الوطنية سنة 1789محتوية علي نوعين من الأحكام:
1ـ الحقوق الأساسية للأفراد.
2ـ بيان مباديء نظام الحكم السياسي كمبدأي سيادة الأمة وفصل السلطات. وقد أعتُبِرت أشهر إعلانات الحقوق وأكثرها أثرا في نشر الحرية والديمقراطية داخل وخارج فرنسا. كما وضعت في مقدمة دساتير 17941و1946و1958.
وقد تبنت الجمعية دستور السنة الأولي وهو دستور 24يونية 1793 المعروف بالدستور الجبلي لكنه لم ينفذ وساد فرنسا إرهاب لا مثيل له لمدة عامين، ثم وضعت الجمعية دستور السنة الثالثة للثورة في 22 أغسطس 1795 ورغم أن هذين الدستورين قد تم استفتاء الشعب علي كل منهما، فإن ذلك الإستفتاء كان إجراء شكليا، حيث كانت الكلمة الأولي والأخيرة للجمعية. وبالمثل كان دستور سنة 1848 قد وضعته وأقرته جمعية تأسيسية منتخبة كان لها القرار النهائي، وكذلك الأمر بالنسبة لانتخاب الجمعية التأسيسية سنة 1871 لوضع دستور واستغرق عملها أربع سنوات حتي أُقِرَّ سنة 1875 وهو المعروف بدستور الجمهورية الرابعة.
ب ـ الجمعية التأسيسية المقرونة بالإستفتاء
من سمات الجمعية التأسيسية المقرونة بالاستفتاء ولجمع بين طريقة الاستفتاء الشعبي التي تُمثل أعلي درجات الديمقراطية في وضع الدساتير، وطريقة الجمعية التأسيسية المنتخبة التي تُحقق الإستفادة من مزايا طريق الجمعية حيث يأتي الاستفتاء الشعبي بعد ذلك ليضفي شاهدا دستوريا بالموافقة الشعبية علي ما انتهت اليه اللجنة، وبذلك تكون الإرادة الشعبية قد شاركت في وضع الدستور مرتين، مرة بانتخاب اللجنة التي تباشر مهمة وضع الدستور، ومرة بالموافقة علي ذلك الدستور.
ويؤكد البعض- بحق- هذه المشاركة بين الجمعية والشعب أو هيئات حكومية أخري، وأنها أصبحت الأسلوب الأكثر انتشارا في عالم اليوم، مشيرا الي أنه في فرنسا أعدت جمعية وطنية تأسيسية منتخبة مشروع الدستور سنة 1946، ثم عرض علي الشعب الفرنسي. وكان ذلك أفضل من أسلوب وضعه بمعرفة لجنة حكومية، ثم عرضه علي الاستفتاء الشعبي كما حدث بالنسبة لدستور سنة 1958 لأنه في مثل هذه الحالة غالبا ما يُعتبر دستورا أوتوقراطيا تغلفه الحكومة بالديمقراطية عن طريق طرحه علي الإستفتاء الشعبي، خاصة لدي الشعوب التي لم تصل الي درجة من الوعي تُمكنها من الحكم علي محتوياته، وعندئذ تكون الإجابة دائما (نعم) وهي معني كلمة pebliscite اللاتينية الأصل. ومن هنا تأتي أهمية العمل علي رفع درجة وعي الشعب ليتفاعل مع ما يُطرح حول مشروع الدستور من آراء تطرحها الأحزاب والتنظيمات السياسية والشخصيات البارزة وخبراء القانون الدستوري والعلوم السياسية، وقد تجلي ذلك في الإستفتاء الأول علي مشروع دستور سنة 1946 الذي رفضه الشعب ثم عليه وافق عليه في الإستفتاء الثاني (46).
وفي المقابل يري البعض عدم صحة القول باشتراك الجمعية والشعب في وضع الدستور، لأن معني الإشتراك امتلاك جزء من سلطة القرار، وهو مالا يتوافر في هذا الأسلوب، حيث أن نفاذ وإصدار دستور1946 قد اعتمد علي ما يُقرره الشعب في الإستفتاء دون أدني اعتداد برأي الجمعية التأسيسية، منتهيا الي أن النظرة الصحيحة تقضي باعتبار الاستفتاء طريقة مستقلة وليست شكلا من أشكال أسلوب الجمعية التأسيسية (47). والواقع أن صاحب رأي أسبق في مسألة دمج طريقة الجمعية والإستفتاء ويراهما طريقتين متميزتين لعدة أسباب:-
1ـ أن الإستفتاء لا يأتي دائما في أعقاب جمعية منتخبة بل قد تضع الدستور لجنة حكومية غير منتخبة أو يضعه حاكم فرد.
2ـ أنه في حالة الإعداد بواسطة جمعية منتخبة، لا يكون الدستور من وضع الجمعية، بل من صُنع الشعب الذي لولا موافقته لسقط واعتبر كأن لم يكن، كما حدث في دستور 1946 الذي رفضه الشعب ثم أعد بواسطة جمعية جديدة فوافق عليه في الاستفتاء.
3ـ أن طريق الاستفتاء هي تطبيق لفكرة الديمقراطية المباشرة، أما طريقة الجمعية التأسيسية فهي تطبيق للنظام النيابي، وهنا نكون أمام: إذا كانت الجمعية غير منتخبة فلا توجد مشكلة، بينما إذا كانت الجمعية منتخبة نكون بصدد وسيلة مركبة تجمع بين الاسلوب النيابي أو غير المباشر (وهو الجمعية المنتخبة) وبين الأسلوب المباشر، وهو الاستفتاء- ويري أن الأسلوب الأسلم والأقرب الي تحقيق الحكم الديمقراطي والذي يتلافي الإنتقادات الموجهة الي اللجان الحكومية التي لا تُمثل الشعب، هو أن تُعد مشروع الدستور لجنة منتخبة بواسطة الشعب، تمثل اتجاهاته، وتنوب عنه، تنحصر مهمتها في إعداد المشروع وصياغته باعتبارها الأقدر من الشعب فنيا وتأهيلا علي مواجهة المشاكل الدستورية وايجاد الحلول الملائمة، ثم يُعرض علي الشعب في استفتاء عام. وبذلك تكون المشاركة فعلية ويكون الشعب صاحب الرأي الأول والأخير. وهنا يمكننا أن نقول أن هذا الرأي (الأخير) ينطلق من امكانية الدمج بين الطريقتين إذا توفرت الشروط التي وضعها، وهو ما يعني ـ في رأيناـ الأخذ بالوسيلة المركبة المشار اليها، وقد أُخِذ بها في مجالات أخري كالنظام المختلط من كل من النظامين البرلماني والرئاسي المطبق في فرنسا في ظل دستور 1958 وفي مصر في ظل دستور 1971 المعطل، ويبقي الأهم وهو الإلتزام بأسس وقواعد كل من الطريقتين. وحتي يكون الإستفتاء ترجمة صادقة لإرادة الشعب صاحب السيادة، يُسرِد البعض الضمانات التالية:
1ـ انقضاء فترة زمنية معقولة بين إعداد مشروع الدستور وبين إعلانه علي الشعب وتاريخ الإستفتاء عليه، حتي يمكن دراسته وتحديد الموقف بشأنه.
2ـ اتاحة الفرص المتكافئة لكل القوي والإتجاهات للتعبير عن آرائها فيه.
3ـ أن يجري الإستفتاء دون ضغوط مادية أو معنوية علي إرادة الجماهير.
4ـ أن الضمانة التي تكفل للدستور الاحترام والاستقرار أن يأتي ملائما لظروف البيئة وقوة الرأي العام ومدي تمسك الأمة بمبادئه وفيم تبديه من الغيرة والبأس لحمايته بأسا يخشاه الحاكمون.
ثالثا: النماذج المصرية لإنشاء الدساتير:
أـ طرق انشاء الدساتير المصرية قبل ثورة 25 يناير 2011
1ـ دستور 1882:
يعتبرالبعض أن هذا الدستور صدر عن جمعية وطنية Convention لأن مجلس النواب سنة 1881 المنتخب من الشعب هو الذي أملاه علي النحو الذي إرتآه.
2 ـ دستور 1923:
رغم ماهو ثابت في غالبية مؤلفات الفقه الدستوري بأنه قد صدر كمنحة من الملك للشعب المصري يقول البعض أنه ليس من عمل الحكومة، وأن لجنة الثلاثين الي أعدته كانت هيئة مستقلة، حيث:
دعت الحكومة جميع الأحزاب للإشتراك في وضعه، وتُرِكت للجنة مطلق الحرية في وضع ما تراه من مباديء. ولم يكن امتناع حزبي الوفد والوطني إلا لإصرارهما علي أن يتم وضعه بطريقة انتخاب لجنة وطنية لعمله، وإن اللجنة ضمت الكثير من صفوة رجال البلد ورجال حزب الأحرار الدستوريين. وعندما أرادت الحكومة تعديل بعض مواده لتوسيع سلطة الملك، ثار الرأي العام عليها، فأعلنت أنها لم تمس المباديء الدستورية التي وضعتها لجنة الثلاثين، وأن صُلب عملها انحصر في صياغة المباديء القانونية التي وضعتها اللجنة وترتيبها.
- أنه في أول جلسات اللجنة، وبحضور رئيس الحكومة
- طلب أحد أعضاء اللجنة أن يعترف بأن الدستور ليس منحة من الملك، وإنما هو ثمرة من ثمار جهاد الأمة، وأن للأمة السيادة التي يجب أن تكون بارزة في نصوصه، وعلي هذا الأساس يُشارك في العمل. وقد أجاب رئيس اللجنة بأن كل هذه المباديء سلم بها رئيس الوزراء. ويقول البعض ـ بحق ـ أنه ليس من حق الحاكم استرداد الدستور وسحبه في أي وقت، بدعوي أنه منحة، إذ أنه تقرر فيه مبدأ سيادة الأمة كما نص صراحة علي اجراءات وشروط تعديله، ولذلك لا يستطيع الملك أن ينفرد بهذا التعديل، أو تعطيله، ومن باب أولي لايملك سحبه أو إلغائه . ورغم ذلك، فما كاد الدستور يُكمل عامه السابع حتي تعرض للإلغاء بأمر ملكي ووضع دستور جديد هو دستور سنة 1930.
دستور 1930 :
اتفق الفقه علي أنه قد صدر بطريقة المنحة، حيث:
أ- انفردت الحكومة بوضع مشروعه، ولم تدع الأحزاب للمشاركة.
ب - اتفاق ديباجته مع مثيلاتها في دساتير المنحة.
ج - اتجه الي تدعيم سلطات الملك وتدعيم مركزه علي حساب البرلمان.
د - سعي الجماهير للتخلص منه والذي انتهي بالغائه وإعادة العمل بدستور 1923.
- دستور 1956:
أ- بدأت خطوات إعداده بتشكيل لجنة سميت (لجنة الخمسين) سنة 1953، وقد ضمنت الاتجاهات المختلفة لإعداد مشروعه. ثم عُدِّلت الفكرة الي عقد جمعية تأسيسية تُنتخب بالاقتراع العام المباشر لتقوم بمناقشة المشروع وإقراره، ثم عُـهِد بالمهمة الي لجنة حكومية باشرت عملها حتي يناير 1955 ثم عهد رئيس مجلس الوزراء الي مكتبه الفني لإعداد مشروعه بعد أن حدد له فلسفته، وقد أُعِد باستشارة ذوي الرأي.
ب - عُرِض المشروع علي مجلس قيادة الثورة ، ثم علي مجلس الوزراء .
ج ــ في 23 يوليو 1956 طُرِح للإستفتاء مقرونا بترشيح جمال عبد الناصر رئيسا للجمهورية، وجاءت النتيجة 99.64% وأصبح نافذا.
ويري البعض أنه كان استفتاء سياسيا بمظهر للديمقراطية المباشرة لدعم سلطة الحاكم.
هذا ويري البعض ـ بحق ـ أنه استفتاء شعبيا وليس شخصيا، وأنه أول دستور يصدر بهذا الأسلوب وانتهي العمل به في 21 فبراير 1958 بقيام الدولة العربية المتحدة بين مصر وسوريا.
الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة 1958 :
أعلنه رئيس الجمهورية في دمشق بعد الوحدة مابين مصر وسوريا بقرار جمهوري يوم 5 مارس 1958 حتي يتم اتخاذ اجراءات وضع الدستور الدائم.
الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة 1964
في 23 مارس 1964 أصدره رئيس الجمهورية باعلان دستوري ليُعمل به من 25 مارس1964 ونُصَّ في مقدمته علي أن يقوم مجلس الأمة المنتخب بوضع مشروع الدستور الدائم وطرحه علي الشعب للإستفتاء.
-. دستور 1971:
لم يكن من إعداد جمعية منتخبة، وإنما قامت باعداد مشروعه لجان مختلفة، بعضها منبثق من مجلس الأمة، وبعضها شكلتها الحكومة، بحيث يمكن القول بأن الذي طُرح في استفتاء سبتمبر1971 من إعداد الحكومة. فنتيجة لإعلان رئيس الجمهورية في 23 مارس 1964 تكليف مجلس الأمة بإعداد الدستور الدائم لعرضه في الإستفتاء، شكل المجلس لجنة تحضيرية أعدت دراسات أولية كما عقدت جلسات استماع موسعة ومفتوحة لمعرفة رأي فئات الشعب، وفي مايو 1967 أعدت مسودتها. ثم وقعت حرب 1967 فتوقفت الإجراءات. ثم أصدر رئيس الجمهورية البيان السياسي المعروف ببيان 30 مارس 1968 متضمنا تفويض المؤتمر القومي العام للإتحاد الإشتراكي العربي بوضع المشروع ليُعرض في استفتاء. واقترح أن يُـنـَص في مواده عشرة خطوط عامة أساسية.
وبعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر وتولي السيد الرئيس محمد أنور السادات، كلف مجلس الأمة في 20 مايو 1971 بوضع مشروع الدستور، مع طلب بعض المباديء التي يجب أن يتضمنها، والتي ورد كثيرا منها في بيان 30 مارس، وزاد عليها مباديء وأفكار. ثم قرر تغيير اسم مجلس الأمة الي ( مجلس الشعب ).
وفي تاريخ 24 مايو 1971 قرر المجلس أن يكون المجلس بأكمله هو لجنة الدستور، وتنبثق منه لجنة تحضيرية يكون لها الإستعانة بمن تشاء من رجال القانون ومن كل فئات الشعب، ثم تعرض المسودة التي تنتهي اليها علي المجلس لمناقشتها قبل 23يوليو1970 وفي 25 مايو وافق المجلس علي أن يكون أعضاء في اللجنة جميع من أبدي الرغبة وعددهم 80 عضوا وضُمت اليها مجموعة من رجال الفكر والخبرة ومن رجال الدين والقضاء.
وأدخلت اللجنة التحضيرية بعض التعديلات ووافق المؤتمر القومي العام للإتحاد الإشتراكي (المنتخب) وفوض لجنته المركزية في صياغة المشروع وفقا للمباديء التي وافق عليها كل من المجلس والمؤتمر القومي. وفي 11 سبتمبر 1971 وافق الشعب في الاستفتاء العام وأصدره الرئيس في ذات التاريخ.
ومما سبق يتبين أن معظم دساتير الثورة صدرت بقرارات جمهورية عدا دستور سنة1971 الذي صدر بطريقة تركت للشعب وممثليه في البرلمان دورا في صياغته وإصداره. وأن هذه الطريقة الديمقراطية تضمنت مشاركة شعبية مزدوجة: أ ـ حين قام بوضع المشروع كل من مجلس الأمة، ثم اللجنة المركزية للإتحاد الاشتراكي العربي، وهي هيئات منتخبة. بــ حين أقر الشعب مشروع الدستور في الاستفتاء العام.
رابعا: المقترحات والمعايير المتعلقة بالدستور الجديد
علي أثر صدور الاعلان الدستوري الذي جاء به نص المادة 60 بالدعوة لانتخابات جمعية تأسيسية لإعداد مشروع الدستور الجديد للبلاد ـ ثار جدل كبير بين القوي السياسية النخبة نعرضها في الآتي
الرأي الأول:
1ـ تكون الجمعية التأسيسية المنتخبة، جمعية توافقية لا تقتصر علي مكونات الأغلبية البرلمانية فحسب وإنما تعبر عن كل الفئات.
2ـ تشكل من مائة عضو من ممثلي الأحزاب السياسية والمستقلين في مجلسي الشعب والشوري ومن غيرهم من ممثلي الهيئات القضائية وأعضاء هيئات التدريس بالجامعات والنقابات المهنية والنقابات العمالية واتحادات الفلاحين المنتخبة وممثلي الجمعيات الأهلية والتعاونية والجمعيات النسائية واتحاد الكتاب ونشطاء حقوق الإنسان وممثلي اتحادات الغرف التجارية والسياحية والصناعية والاتحادات الرياضية وممثلي القوات المسلحة والشرطة والطلاب والأزهر والكنائس المصرية ورجال القانون والقطاعات المهنية والسكانية والاجتماعية الأخري.
3ـ يصدر مجلس الشعب في أول انعقاد له قانونا بقواعد وإجراءات ترشيح واختيار أعضاء الجمعية التأسيسية, ويختار الأعضاء المنتخبون من مجلسي الشعب والشوري ـ بأغلبية ثلثيهماـ أعضاء الجمعية وفقا للضوابط المشار إليها بالبند السابق من بين المرشحين الذين ترشحهم هيئاتهم ومنظماتهم.
4ـ يراعي عدالة تمثيل مختلف أطياف الشعب المصري في تشكيل الجمعية، ومن ثم تتألف من ممثلي القوي والتيارات السياسية، والمهنية والدينية والاجتماعية والثقافية، وقادة الفكر ورموز العلم والفن، والقطاعات النوعية للمواطنين بنسب متساوية توزع كالآتي: ثمانون عضوا من ممثلي النقابات المهنية (يختارهم مجالس النقابات) الاتحادات العمالية (يختارهم مجالس النقابات العمالية) الفلاحون (يتم اختيارهم من اتحادات الفلاحين المستقلة) الجامعات (يختارهم المجلس الأعلي للجامعات بالتشاور مع نوادي أعضاء هيئة التدريس) الجمعيات والمؤسسات الأهلية والاجتماعية والنسائية والمعوقون (يتم اختيارهم من الائتلافات النوعية لهذه المنظمات، ويكون ممثلو المعوقين منهم) الجمعيات والمنظمات الحقوقية (يتم اختيارهم من الائتلافات النوعية لهذه المنظمات)، الشباب (يتم اختيارهم من اتحادات الطلاب، ومراكز الشباب والأندية الرياضية) المصريون في الخارج (عبر اتحاداتهم)، المجلس القومي لحقوق الإنسان، المؤسسات والطوائف الدينية (شيخ الأزهر والمفتي + أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت ويهود، منتخبين من مجالسهم الملية) الجمعيات العلمية (تختارهم مجالس إدارتها)، الهيئات القضائية (يتم اختيارهم عبر الجمعيات العمومية للهيئات القضائية "محكمة النقض + مجلس الدولة + المحكمة الدستورية العليا + هيئة النيابة الإدارية + هيئة قضايا الدولة" المناطق الجغرافية النوعية ذات الخصوصية الثقافية (سيناء + النوبة + الوادي الجديد + حلايب وشلاتين) الاتحادات النوعية (الغرف التجارية + الاتحادات الصناعية + رجال الأعمال) القوات المسلحة والشرطة، الأحزاب السياسية المشهرة رسميا.
عشرون عضوا من الشخصيات العامة التوافقية من الخبراء والفقهاء والدستوريين المستقلين والشخصيات السياسية العامة ورموز الفكر والفن والعلم.
5 ـ للمجلس الأعلي للقوات المسلحة قياسا علي سلطة رئيس الجمهورية الاعتراض علي تشكيلها إذا خالفت المعايير السابقة.
6ـ تضع الجمعية قواعد وإجراءات عملها، علي أن تراعي في تسيير عملها مبادئ العلانية، وعقد جلسات استماع للتواصل مع شرائح المجتمع، وتوثيق هذه الأعمال ونشرها، وعرض مشروع الدستور للحوار المجتمعي قبل الاستفتاء عليه بشهر علي الأقل.
الرأي الثاني:
في إطار رؤية وجود صلة بين نتائج المرحلة الأولي للانتخابات التشريعية، وقرار المجلس العسكري بإنشاء المجلس الاستشاري، وأن المجلس العسكري ومخاوفه من هيمنة اتجاه وحيد هو الاتجاه الإسلامي علي عملية صياغة الدستور وتشكيل لجنته التأسيسية، سيؤدي إلي نشوب مستويات متعددة من الصراع السياسي والاجتماعي، وربما الطائفي، كانت خطوة تشكيل المجلس الاستشاري محاولة لموازنة النفوذ الانتخابي للتيار الإسلامي بقطاعات أخري.
وأن اختيار ممثلين للإخوان المسلمين وحزبهم "الحرية والعدالة" وأبرز الأحزاب السلفية في المجلس الاستشاري بمثابة تأكيد من المجلس العسكري علي أن يكون مجلس الشعب الجديد نموذجاً لما يتصوره للجنة التأسيسية لوضع الدستور، والتي تضم جميع الأطياف السياسية في البلاد بغض النظر عن وزنها الانتخابي أو تنظيمها الحزبي. فوضع الدستور الجديد للبلاد، يجب أن يتم بالتوافق وليس بالأغلبية، وهو ما يجب أيضاً أن يكون معيار تشكيل اللجنة التأسيسية ومنهج عملها.
وأنه رغم إدراك الجميع أن عملية صياغة الدستور يجب أن تؤخذ بقدر أكبر من الحكمة والمسؤولية السياسية وبعيداً عن الحسابات والمكاسب الانتخابية، فإن التوافق المطلوب لوضع الدستور وتشكيل لجنته لم يُحسم. فلايزال لدي بعض القوي الإسلامية وأنصارها الاقتناع بحقها كقوي منتخبة في البرلمان من أغلبية المصريين، يؤهلها، إن لم يكن للانفراد بتشكيل لجنة الدستور وصياغته، فعلي الأقل أن تحظي فيها بنفس نسبة تمثيلها في البرلمان.
كما أنه لاتزال لدي معظم القوي المدنية تخوفاتها العميقة من الهيمنة الإسلامية علي لجنة الدستور وصياغته. وفوق كل ذلك، لم يتحقق بعد، التوافق حول معايير التشكيل والمبادئ الرئيسية حولها. وأن هناك احتمالاً واقعياً بتجدد هذه الأزمة بصورة أخطر بعد اكتمال انتخابات مجلس الشعب بما قد يهدد المسار المتفق عليه للمرحلة الانتقالية ونقل السلطة ديمقراطياً إلي الشعب المصري.
من هنا، فإن جميع القوي السياسية، خاصة الأكبر منها والفائزة في الانتخابات البرلمانية حتي اليوم، مطالبة بالسعي السريع إلي التحاور فيما بينها وبين المجلس العسكري من أجل التوصل لآلية واقعية لإنجاز تشكيل لجنة الدستور وصياغته بما لا يخل بالتوافق الوطني في البلاد.
الرأي الثالث:
1ـ لا يقتصر حق كتابة الدستور علي الحزب الفائز في الانتخابات. لأن الهيئة التأسيسية لها مواصفات مختلفة عن الهيئة التشريعية. والصلاحية لإحداهما لا تجعله صالحا للأخري.
2ـ إذا عُهد إلي البرلمان بكتابة الدستور يوجد تضارب للمصالح، لأن الدستور يحدد صلاحيات المجلس فلا يمكن أن يحدد أعضاؤه صلاحياتهم بأنفسهم. كما ليس متخيلا موافقة العمال والفلاحين علي إلغاء شرط تخصيص نصف مقاعده لهم. وإذا كان للأغلبية السياسية الفائزة في الانتخابات حق فرض برنامجها السياسي علي الأقلية. فليس من حقها أن تكتب الدستور وفقا لإرادتها بمعزل عن مصالح الآخرين لأن الدستور يجب أن يعبر عن كل أطياف الشعب حتي من خسروا الانتخابات ومن لم يشتركوا فيها، خاصة وأن في مصر قطاعات كثيرة لابد للدستور أن يعبر عن مصالحها. وأن يحترم حقوقهم واحتياجاتهم. وكانت آخر محاولات المجلس العسكري وثيقة الدكتور علي السلمي نائب رئيس الوزراء السابق التي احتوت علي مبادئ حاكمة للدستور تتضمن مدنية الدولة ونصت لأول مرة علي الطريقة الصحيحة لتشكيل اللجنة التأسيسية، بالانتخاب من قطاعات المجتمع المختلفة، لكن الوثيقة جاءت مشوهة وفاسدة حيث إن طريقة تكوين اللجنة وضعتها بالكامل تحت رحمة المجلس العسكري الذي يملك السلطة المطلقة علي الدستور والذين يكتبونه.
ومن بين وسائل إنقاذ الثورة كذلك، يقترح قبول وثيقة الأزهر كأساس للدولة الديمقراطية، والإتفاق علي طريقة انتخاب لجنة تأسيسية لا تتجاهل أعضاء البرلمان وتضمن التمثيل الكامل لكل طوائف المجتمع.
الرأي الرابع:
إن التصور لتشكيل الجمعية التأسيسية علي أسس سليمة، هو أن تكون في جوهرها وغالبياتها ممثلة للتيارات السياسية، وأن يكون بها قلة قليلة أخري من المتخصصين الفنيين لصياغة أحكام الدستور من النواحي القانونية والاقتصادية والاجتماعية، فيكون 80 علي الأقل إن لم يكونوا 90 معبرين عن التيارات السياسية، ويكون 20 علي الأكثر أو 10 فقط من ذوي التخصصات الفنية والعلمية اللازمة للصياغة والإعداد. وذلك لأن صناعة الدستور هي في الأساس مسألة سياسية، إنها تتعلق برسم العلاقات بين قوي المجتمع الشعبية والسياسية وإدارة شأن المجتمعات من خلال تشكيل مؤسسات الحكم التي تدير المجتمع، ومن خلال تحديد علاقات هذه المؤسسات بعضها ببعض، وبين حدود العلاقات التي تجري بين الدول في عمومها وجماعات الشعب وتشكيلاته الجماعية وأفراده. مسألة الدستور هي مسألة سياسية في الأساس ثم ترد بعد ذلك الصياغات القانونية الفنية، ولأن عكس هذا التصور يجعل الجمعية التأسيسية هيئة فنية بحتة ويحتكر الحاكم الشأن السياسي والقرار السياسي من خارج الجمعية لتجعلها "لجنة فنية" تنفذ ما يرسم من سياسات من خارجها، كما أشار الرد الي جوانب أخري سياسية وقانونية.
الرأي الخامس:
أول ما يتمثل في المشاركة الشعبية حق الشعب في إقرار التشريعات التي تنظم الحياة العامة ووضع ضوابطها الملزمة للحكام والمحكومين، وعلي رأسها "الدستور" الذي يبين هيكل السلطة ويحدد المؤسسات المختلفة التي تدير أمور الجماعة، بتفويض من الشعب صاحب السيادة، وتوصف هذه السلطة التي تتولي وضع الدستور بأنها السلطة التأسيسية Pouvoir Constiuant تمييزا لها عن السلطات التي تنشئها نصوص الدستور والتي تعتبر هيئات مؤسَّسَة (بفتح السين) .
رابعا: تشكيل ومهام لجنة وضع الدستور:
فيما يتعلق بتشكيل اللجنة:
1ـ أن تشكل من أعضاء من خارج مجلسي الشعب والشوري:
نحن نستخلص هذا الشرط من عنصرين:
أ- خلو نص المادة (60) من الإعلان الدستوري السابق الإشارة اليه، من أي معايير لإختيار الأعضاء.
ب - مبدأ التفرقة بين القوانين الدستورية والقوانين العادية. ويطلق علي السلطة التي تضع القوانين الدستورية السلطة المؤسِّسة، وما تصدره يكون هو المصدر لجميع السلطات (تشريعيةـ تنفيذية ـ قضائية) + المجلس الأعلي للقوات المسلحة، بينما يُطلق علي السلطة التشريعية (المؤٍسَّسة) التي تسن القوانين وعليها احترام القوانين الدستورية، بل إنها لا تستطيع أن تُشرِّع إلا في الحدود التي رسمتها لها هذه القوانين الدستورية. وحتي عندما يُفوض الدستور للسلطة التشريعية حق تعديل القوانين الدستورية تُصبح مقيدة بشروط خاصة غير تلك التي تسن بمقتضاها القوانين العادية.
وبالإضافة الي ذلك فإن المجلس الأعلي للقوات المسلحة ليس سلطة مؤسِّسة، حيث أنه وفقا للمادة (56) من الإعلان الدستوري لا يُمارس إلا السلطتين التشريعية والتنفيذية، أما السلطة المؤسِّسة فهي للشعب صاحب السيادة طبقا للمادة (3) من الإعلان الدستوري الذي يُمارسها من خلال الإستفتاء. ويمكن للجنة أن تستعين بخبراء في التخصصات المختلفة لمعاونتها.
كما نستبعد فكرة التمثيل علي أسس فئوية أو مهنية أو دينية أو طائفية.الخ، التي جاءت بالوثيقة المسماة (وثيقة السلمي) حيث ثبت أن نظام التمثيل علي هذه الأسس، حتي بالنسبة للبرلمانات لم تأخذ به غالبية الدول الحديثة، بسبب ما اعتراه من عيوب، ولجأت الي انشاء بعض الهيئات والمجالس الفنية غير النيابية التي تمد السلطات العامة في الدولة بكافة الأبحاث العلمية والفنية التي تعينها علي القيام بوظائفها المختلفة.
2ـ أن يكون أساس التقدم لعضوية اللجنة التأسيسية هو الترشيح الاختياري
لأداء هذه المهمة فقط، وأن تتضمن الآلية اللازمة الترشيح عن طريق الجهات التي لها علاقة وخبرة بوضع الدساتير والشئون السياسية، كأن يتم بتزكية من: المجلس الأعلي للقضاءـ مجلس الدولةـ المحكمة الدستورية العلياـ الجامعات ـ مراكز البحوث الإجتماعية ـ مراكز الدراسات السياسية والاستراتيجية، بالإضافة الي الأحزاب والنقابات المهنية ). وأن يتم استعراض قائمة المرشحين بجلسة (أو جلسات) علنية، مشتركة لمجلسي الشعب والشوري ليعقبها بعد مرور فترة معقولة للفحص من قِبل الأعضاء، إجراء التصويت السري من الأعضاء المنتخبين الحاضرين (في جلسة مشتركة أيضا) ويتم اختيار أعضاء اللجنة من بين المرشحين وبأغلبية الأعضاء.
3ـ فيما يتعلق بتوقيتات بدء ونهاية أعمال اللجنة:
من المقترح أن يتضمن جدول أعمال اللجنة توقيتاً زمنياً محدداً وملزماً لبدء وانتهاء أعمالها؛ وأن يوضع أسلوب لمتابعة سير أعمالها، لتذليل ما قد يعترضها من عقبات، وكل ذلك بعيدا عن أي شبهة قد تُحول المتابعة الي مراقبة لأعماها.
4ـ فيما يتعلق بموضوعات عمل اللجنة:
أــ استرشادا بما حدث عند إعداد مشروع دستور 1971 (المعطل) حيث اقترح الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ثم من بعده الرئيس الراحل أنور السادات، أن يتضمن المشروع موضوعات معينة علي النحو السابق الإشارة اليه، وبالمِثل يُمكن للسيد المشير رئيس المجلس الأعلي للقوات المسلحة أن يقدم للجنة التأسيسية مسودة بموضوعات معينة توضع تحت نظرها أثناء إعداد مشروع الدستور.
بــ التزاما بالواجب الذي ورد في مقدمات الوثائق الدستورية المصرية السابقة، التي يمكن أن تُشكل قاعدة فوق الدستورية، عن مسئولياتنا الوطنية والقومية والدولية، والعرفان بحق الله ورسالاته، وبحق الوطن والأمة، وبحق السماء والمسئولية الإنسانية، أن يكون عملنا في مجالات الحياة، خاصة المجالين الاقتصادي والسياسي، نابعا من وجود استراتيجية قومية تحقق كفاءة المواجهة والتكوين والانطلاق لربط الحاضر بالماضي، ورفع كفاءته التي تمكنه من الانطلاق الي حاضر أفضل ومستقبل واعد ومشرق بما يضمن تنامي رفاهية الشعب ليُصبح إشعاعا في محيطها الاستراتيجي (عربياـ إسلامياـ افريقياـ دوليا).
5ـ افساح المجال للمعارضة الفعالة:
إذا كان وجود حكومة في الدولة أمر لا مفر منه لتنظيم شئونها ورعاية مصالحها، فإن وجود المعارضة بالمعني الشكلي متمثلة في الهيئات التي تراقب الحكومة وتنتقدها وتستعد للحلول محلها، وبالمعني المادي أو الموضوعي متمثلا في نشاطها في الرقابة والانتقاد، وذلك الاستعداد؛ فإن الاعتراف الرسمي بالمعارضة المنظمة يجعل الرأي العام متابعا ومشاركا في كشف أخطاء الحكومة وبذلك يتسع إطار التنظيم الدستوري للدولة، ولا يحتاج تغيير الحكومة الي اغتيال أو ثورة أو عصيان، أو إقامة تنظيمات سرية، أو مناهضة الحكومة في الداخل أوالخارج. وتقوم احزاب المعارضة بهذا الدور، وحينئذ تعتبر كل من المعارضة والحكومة أجهزة تعمل في إطار التنظيم الدستوري للدولة مستهدفة الصالح العام.
كما يجب إتاحة الفرصة كاملة للمواطنين ببمارسة المعارضة السلمية بوسائل متعددة أهمها: حق التصويت ـ الأحزاب ـ جماعات الضغط ـ الصحافة والنشر ـ الطعون القضائيةـ المواقف السلبية والمقاطعة.
وتفعيلا لدور الجماهير بدءا من المشاركة في طرح ما تراه بشأن الدستور الجديد، نقترح قيام اللجنة التأسيسية بفتح موقع أو حساب علي الإنترنت للتواصل مع الجماهير.
6ـ محاذير تتطلب الإهتمام بتلافيها في عملية إعداد مشروع الدستور:
أــ يقوم رجال القانون عادة بالدور الحقيقي في وضع نصوص الدساتير المكتوبة، وقد تجنح بهم طبيعتهم الفقهية الي الإغراق في التفاصيل والجزئيات، وقد تغلب عليهم النزعة المحافظة فيُحجِّرون الحياة السياسية للبلاد عند مفاهيم قانونية خالصة.
ب ـ أن كثيرا من الدساتير التي توضع في أعقاب تغيرات سياسية مفاجئة، تُسيطر علي واضعيها الملابسات المصاحبة لها، وقد تكون عابرة، فتأتي النصوص معبرة عنها وحدها، ومن ثم تُصبح عاجزة عن تحقيق الإستقرار بعد زوالها.
ج ـ إغراق واضعي الدساتير في التفصيل، والتوسع في ذكر الجزئيات، ما يجعلها مستعصية علي التعديل عند الحاجة، أو أن تتراخي التعديلات زمنا بسبب صعوبة إجراء تعديل الدساتير الجامدة، وتكون نتيجة ذلك إتساع الفجوة بين الحاجات الحقيقية للجماعة والنصوص الدستورية التي تحكمها مما يفتح الباب أمام الثورات والهزات السياسية.
ونقترح أن تُعد وثيقة توافقية تُحدد أهداف ثورة 25 يناير 2011 المباركة، وأن تؤكد التمسك بها والعمل علي تننفيذها نصا وروحا، استرشادا بوثيقة الأزهر الشريف، وأن تتبناها مقدمة الدستور الجديد، علي غرار ما قام به الشعب الفرنسي بالنص علي وثيقة إعلان حقوق الإنسان والمواطن في مقدمة دستور سنة 1946 ودستور سنة 1958.