فبراير 2012
2
أطروحة للحوار من أجل إصلاح الإعلام
المصدر: الأهرام اليومى
بقلم:   محمود غزلان

د. محمود غزلان

أبدأ بالتأكيد على أن هذه الأطروحة ما هى إلا رؤية شخصية منى لا تحسب على جماعة الإخوان المسلمين ولا على حزب الحرية والعدالة إذ إننى لم أناقش واحدا منهما قط. ثم إنها دعوة للحوار المجتمعى حول هذه القضية الخطيرة،
لا سيما من المجتمع الإعلامى بخبرائه وأساتذته ورموزه، من أجل إنضاج الفكرة واستكمالها، أو تغييرها واستبدالها، المهم أن تتحرك المياه الراكدة، وتتلاقح الأفكار النيرة. إننى لم أقصد من وراء هذه الأطروحة ـ يعلم الله ـ إلا مصلحة هذا القطاع الحيوى الكبير الذى يشكل العقول ويوجه الرأى العام ومن ثم يحدد المواقف والأعمال.
وأود قبل الدخول فى صلب الموضوع أن أذكر نبذة تاريخية عن تطور الإعلام فى مصر، فقبل ثورة يوليو 1952 وبعدها بفترة كان الإعلام عبارة عن الصحافة والإذاعة فقط، والصحافة كانت صحافة خاصة، بيد أن جميع ملاكها كانوا صحفيين ولعلنا لا نزال نذكر (آل تقلا، وآل أبى الفتح، والأخوين أمين، وجورجى زيدان، والتابعى وغيرهم) أما الإذاعة فكانت حكومة، ثم أممت حكومية الثورة جميع الصحف وأصبحت ملكا للحكومة وإن سميت ملكية عامة للشعب وتحولت إلى نشرات حكومية وسيطر عليها التيار اليسارى وتدنى مستواها وأبعد عنها كثير من الصحفيين الأكفاء، ومع سياسة الانفتاح وحرية السوق ودخول الفضائيات سمح للأفراد بإصدار صحف خاصة وقنوات فضائية خاصة بجوار الصحف والقنوات الحكومية، ولو نظرنا هذه المرة لملاك الصحف والقنوات الفضائية الخاصة لو جدناهم جميعا بلا استثناء من رجال الأعمال، بعضهم تحوم علامات استفهام حول مصادر أموالهم، وترددت مقولات كثيرة حول الملاك الحقيقيين فى الباطن وراء أولئك البارزين فى الظاهرة، المهم أن الملاك هؤلاء من رجال الأعمال لكل منهم أجندته الخاصة التى يهدف للدفاع عنها أو لهدم خصومه أيا كانوا أفرادا أو جماعات أو أحزابا خوفا من فتح ملفاته، ولبعضهم أجندات مصالحية مرتبطة بدول أجنبية تتعارض مصالحها مع مصالح الوطن.
الخلاصة أنه أنشئت صحف وقنوات كبيرة أنفقت عليها أموال طائلة وظهرت فى أبهى الحلل والمظاهر الجاذبة ووظف فيها عدد كبير من فلول الإعلاميين الذين يقدمون خدماتهم لكل من يدفع بسخاء.
وكانت النتيجة المؤسفة أن خضعت الإدارة والتحرير للملكية حرصا على المكاسب والمنافع، الأمر الذى أثر تأثيرا سلبيا على استقلال هذه الوسائل الإعلامية، وإن كان الشعب المصرى ذكيا بفطرته ويستطيع أن يفرز الصادق من غيره، إلا أن (العيار الذى لا يصيب بيدوش) كما يقول العامة، كما أن نظرية «جوبلز» القائمة على أن تكرار الكذب يحوله إلى حقيقة فى نظر الناس لا تزال تعمل.
ومن هنا فكرت مليا وخرجت بهذه الأطروحة التى أرجو أن تتناولها الأفكار ولو بالنقد حتى نصل لأمثل التصورات لإصلاح الإعلام وتتمثل أطروحتى فيما يلي:
لا يسمح لشخص بمفرده أن يتملك وسيلة من وسائل الإعلام (صحيفة ـ إذاعة ـ قناة فضائية) كاملة وإنما تتأسس شركات مساهمة يسمح للفرد وأسرته أن يمتلكوا من أسهمها نسبة محدودة ولتكن 10% فقط، وبعد اكتمال الاكتتاب وتغطية رأس المال، تقوم الجمعية العمومية للملاك باختيار رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير اللذين يقومان بتعيين هيكل الإدارة والتحرير، ولا تتدخل الملكية فى الإدارة ولا التحرير، وإنما تقوم بالمحاسبة السنوية على الأهداف التى تتوخاها الملكية من وسيلة الإعلام.
ويمكن بالنسبة للمؤسسات القومية الضخمة القائمة الآن أن يتم تحويلها إلى شركات قابضة تتفرع عن كل منها شركات مساهمة كل شركة منها تمتلك صحيفة أو أكثر من الصحف التى تصدرها أو تمارس نشاطا من الأنشطة التى تباشرها سواء فى مجال النشر، أو الإعلام، أو التعليم أو التدريب. إلى آخره، ويتم تقييم كل شركة منها تقييما أمينا حقيقيا وتقسم القيمة إلى أسهم تعرض أولا على العاملين فى كل مؤسسة للتملك سواء بالشراء المباشر أو التقسيط عليهم، حيث أنهم أولى بالتملك ثم تطرح الأسهم الباقية للاكتتاب العام، وبالتالى نحقق ضخ مبالغ كبيرة فى كل شركة منها تستخدم فى التطوير والتحسين، ثم تكون العلاقة بين الملكية والإدارة والتحرير مثلما ذكرناه بالنسبة للوسائل الإعلامية الخاصة، كما نؤكد على الالتزام بسقف الملكية أيضا لهذه الشركات بحيث لا يتعدى نسبة 10%، كما يمكن إنشاء صحف جديدة أو أنشطة جديدة داخل كل شركة قابضة فى صورة شركات مساهمة جديدة تستوعب عددا من الصحفيين أو العاملين المكدسين الآن داخل المؤسسات القومية ويمثلون بطالة مقنعة ويسهمون فى تخفيض دخولهم ودخول غيرهم، كما يؤدى ذلك إلى تواضع مستواهم المهنى وتواضع طموحاتهم، ومما لاشك فيه أن تقريب الفوارق فى الدخول بين المستويات العليا والدنيا فى المؤسسة الإعلامية الواحدة يوجد الإحساس بالولاء والانتماء ويدفع للعمل والبذل والإجادة بل إننى أطالب بمحاسبة أولئك الذين استجابوا لمقولة الرئيس السادات «أنا سايب لكل واحد منهم عزبة يبرطع فيها كيفما شاء» وراحوا يتقاضون الملايين شهريا بينما زملاؤهم الصغار يتقاضون المئات فقط، واستعادة ما أخذوه بغير وجه حق.
إضافة إلى حق الحكومة وكل حزب من الأحزاب أن تكون لهم وسائلهم الإعلامية التى تعبر عنهم وتنشر أخبارهم. أما بالنسبة للصحفيين فأنا أبغى تحريرهم من كل قيد وضغط عدا ضمائرهم والقانون والأخلاق والنظام العام حتى لا نرى عميلا لمباحث أمن الدولة ولا صحفيا يبيع قلمه لمن يدفع، ولا يبتز بقلمه أصحاب الأموال ولا يغير جلده عند كل منحني، وذلك برفع مرتباتهم ودخولهم لمستوى حياة كريمة، وإتاحة مصادر المعلومات لهم بغير قيود، اللهم إلا قيود الأمن القومي، وفى ذات الوقت احترام حريتهم الكاملة فى التعبير عن آرائهم، ومن البدهى أن هناك فرقا بين حرية الرأى وانتهاك أعراض الناس أو الافتراء عليهم، فالأخيران لا يقرهما الشرع ولا القانون ولا ميثاق الشرف الصحفي، كما يجب رفع مستواهم المهنى بالدراسات والبعثات والدورات التدريبية على نفقة المؤسسات الإعلامية، بذلك تكون أجهزة الإعلام وسائل بناء ورقابة وملاحقة للفساد تضاف إلى دور مجلس الشعب فى الرقابة والمحاسبة، ومازلنا حتى الآن نذكر دور الصحفيين الأمريكيين فى كشف فضيحة (ووترجيت) التى أطاحت بالرئيس الأمريكى الأسبق نيكسون.