ابريل 2012
14
ماكى سال. التلميذ يتفوق على معلمه
المصدر: الأهرام اليومى


رائدة الديمقراطية فى القارة السمراء. «باريس» القارة السوداء. دولة إفريقية بنكهة اوروبية. بهذه الكلمات نستطيع ان نصف دولة السنغال التى شهدت مطلع الشهر الجارى إنتخابات رئاسية سادها جو من الهدوء والإستقرار والديمقراطية أسفرت عن فوز ماكى سال الرئيس الجديد بنسبة 65.80% من الأصوات مقابل 34.20% لمعلمه واستاذه ورئيسه السابق عبدالله واد محرزا تفوقا ملحوظا أعتبر إنتصارا للديموقراطية فى افريقيا. إذ انتقل سال خلال 12 عاما من مدير لحملة الرئيس السابق عبدالله واد الانتخابية فى 2007 إلى منافس رئيسى له على سدة الحكم طوال خمس سنوات ثم خليفة له فى رئاسة السنغال.
ماكى سال، الرئيس الرابع فى السنغال يبلغ من العمر 51 عاما، حاصل على دبلوم فى الهندسة الجيولوجية من معهد علوم الأرض بجامعة «الشيخ انتا جوب» فى دكار. وقد إستكمل دراسته فى فرنسا بالمدرسة الوطنية العليا للبترول بالمعهد الفرنسى للبترول. وبدأ سال عمله السياسى عام 1983 مناضلا فى الحزب الاشتراكى السنغالى ثم فى النهاية معارضا لنظام الرئيس عبدالله واد. وبعد انتخاب الأخير رئيسا للسنغال عام 2000، شغل ماكى سال عدة وظائف فى الدولة منها مديرا عاما لشركة النفط السنغالية ووزيرا للمعادن والطاقة عام 2001 ثم وزيرا للداخلية وناطقا باسم الحكومة عام 2003. وفى سنة 2004 عين رئيسا للوزراء وبعدها انتخب سال عام 2007 رئيسا للبرلمان السنغالى. وفى تلك الفترة دخل فى صراع مع الرئيس عبدالله واد على إثر مطالبته، فى إطار مراقبة عمل الحكومة، التحقيق مع نجل الرئيس كريم واد حول تسييره مواد للهيئة المكلفة بالتحضير للقمة الإسلامية التى عقدت فى دكار عام 2007، وهو ما اعتبره الرئيس عبدالله واد تصرفا عدائيا من ماكى سال. فقام فى نوفمبر 2007 بإقالته من منصبه فى الحزب الديمقراطى السنغالى الحاكم. وفى سبتمبر 2008 قامت الحكومة بتعديل المادة 62 من الدستور بتقليص مدة رئيس البرلمان من 5 سنوات الى سنة واحدة، وهو ما كان له أثر فورى فى إخراج ماكى سال من رئاسة البرلمان. وعلى اثرها أعلن سال فى نوفمبر 2008 استقالته من حزب واد وأسس حزب التحالف من أجل الجمهورية. وانهمك ماكى سال منذ عام 2009 فى التحضير للانتخابات الرئاسية وتحالف مع حركة 23 يوليو الشبابية المطالبة بالإطاحة بعبدالله واد وبعدم دستورية ترشحه لفترة ثالثة.
فى حقيقة الأمر، كان قبل شهرين فقط يسود جو من الخوف والقلق مما ستئول إليه الإنتخابات الرئاسية فى السنغال خاصة فى ظل الإحتقان السياسى الشديد الذى تزامن مع إعلان عبدالله واد الترشح للرئاسة. وكانت التوقعات تشير الى دخول السنغال فى عدم شرعية الإنتخبات غير أن الأحداث خالفت كل التقديرات وجرت الإنتخابات بصورة ديمقرطية ونزيهة وخرج عبدالله واد من الرئاسة بكل هدوء ليسلم قيادة بلده إلى الرئيس ماكى سال لتصبح السنغال نموذجا للديمقراطية يحتذى بها فى جميع الدول الأفريقية. وليس غريبا على السنغال هذا المشهد اليمقراطى الحر. فهو نظام انتهجته السنغال منذ أول رئيس لها بعد استقلالها عن فرنسا عام 1960 ليوبولد سيدار سنجور.
وكان هذا الأخير رئيسا متميزا ليس على نطاق إفريقيا فحسب ولكن على نطاق العالم كله. كان شاعرا مرموقا ومفكرا انسانيا وهو الذى صاغ كلمات النشيد الوطنى السنغالى وانسحب بهدوء من الحياة السياسية بمحض اختياره عام 1980 ليخلفه الرئيس الأسبق عبده ضيوف فى منصب الرئاسة، ثم أعقبه عبدالله واد عام 2000 ليشغل المنصب لفترتين ثم طمع فى فترة ثالثة رغم أن عمره تجاوز الخامسة والثمانين ورغم أن الدستور يحدد بقاء رئيس الجمهورية فى منصبه فترتين رئاسيتين فقط، فترشح لفترة رئاسية ثالثة استنادا إلى حكم من المحكمة العليا، وبالرغم من ذلك كانت انتخابات حرة نزيهة خالية من التزوير فاز بها ماكى سال فى سابقة هى الأولى من نوعها فى القارة السمراء.
وبذلك لحقت السنغال بقطار الديمقراطية على يد رئيسها ماكى سال، المقاوم الجمهورى، وبعثت للعالم رسالة واضحة فى التحول السلمى والديمقراطى باعتراف عبدالله واد بهزيمته فى الانتخابات. وبالنظر لتوجهه الليبرالى.
أكد سال فى أول خطاب له بعد توليه الحكم أنه لن يتراجع عن الخيار الاستراتيجى لانفتاح الاقتصاد السنغالى الذى انطلق بقوة منذ تولى الليبراليين الحكم عام 2000 بعد أربعة عقود من النظام الاشتراكى.