Share |
ديسمبر 2010
30
التسامح خلق رفيع
المصدر: الأهرام اليومى
بقلم:   اجلال النمر

التسامح دعوة للسلام النفسي الهادف إلي تقوية الروابط والترقي بالبناء الإنساني إلي أعلي المثل التي تحمل في مضمونها معاني العفو والصفح وكرم الأخلاق وبيان مظاهرها في سائرالمعاملات بين أبناء المجتمع الواحد.
وهذه المعاني تعبرعن الدعامات التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي المؤسس علي الترابط الأخوي، كما أن التسامح دعوة صادقة لكيفية إشاعة المحبة وروح الألفة والنهي عن الكراهية والبغضاء التي تتسلل إلي ما بين الأحبة وتنتشر كل فترة من الأيام لإشعال نار الفتنة ووغر النفوس بغير أسباب حقيقية إلا بهدف هدم كيان المجتمع وتقويض بنيانه. ومن أجل ذلك اعتني الإسلام أشد العناية بتوجيه الإنسان المؤمن وحثه علي تحمل المكاره بالصبر والحكمة وجعل لذلك قاعدة من أهم القواعد الإسلامية، ومنهجا محددا يقوم علي حسن الأسوة برسول الله صلي الله عليه وسلم، حيث يقول المولي عز وجل: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة"(سورة الأحزاب آية 21).
وكان الرسول صاحب الخلق العظيم يتسامح في أقسي المواقف وأشد الأزمات التي كانت تعترضه وليس ذلك التسامح استهانة بالنفس الإنسانية وإنما هو لرفعة قدرها بالعفو عند المقدرة ويقول الرسول صلي الله عليه وسلم: (ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) (رواه البخاري) فالإسلام وضع ضوابط دقيقة في كل المعاملات الحيوية في المجتمع الإسلامي تحول دون الخلاف، ودون الاستغلال لمنع المنازعات، والمشاحنات حرصا علي سلامة العلاقات الطيبة في مسالك الوحدة الاجتماعية، والترابط والتراحم الذي ألزم به كل مسلم ليحافظ الناس علي صلات الود فيما بينهم، سواء كانت بين الأقارب أو الأصدقاء والجيران والأخوة في الله والزملاء في العملاء والرفاق في الطريق وغير ذلك، ويقول الرسول صلي الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتي يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (رواه البخاري).
والمعني في ذلك محمول علي عموم الأخوة في الإسلام وغير الإسلام والمفهوم أيضا عن المحبة هي إرادة الخير والمنفعة استنادا إلي المحبة الدينية لا البشرية لأن النفس والطباع البشرية متقلبة وقد تكره حصول الخير للغير ولذلك كان علي الإنسان أن يخالف الطباع البشرية، ويدعو لأخيه ويتمني له ما يحب لنفسه بدعاء البر والإحسان وكلاهما فضيلتان من فضائل حسن التعامل في الإسلام التي أوصي بها الإنسان المؤمن، وأن يرتفع عن هفوات آحاد الناس ويبقي صدره متسعا بالرحمة والمشاعر الفياضة بالحلم وكرم الأخلاق والذي دائما يستميح الأعذار للقريب والبعيد ويتقبلها بالقول اللين والرفق بهم، حيث يقول المولي عز وجل: "قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذي والله غني حليم" (سورة البقرة آية 263).
فالتعامل بين الناس يتطلب دائما قدرا ميسورا من التسامح وإرخاء حبل الترابط دون تركه أو تمزيقه لأن التشدد في الأمور يقطع كل وسائل الاتصال، كما أنه يجهد جوارح الإنسان، ويثقل فكره بالهموم، ومهما قدر للإنسان في حياته، ومهما طالت فهي قصيرة، والأمر كله بين يدي الله تعالي حيث يقول: "وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل" (سورة الحجر آية 85).