Share |
اكتوبر 2011
28
د. مبروك عطية: فقه الأوطان. يحل مشكلة الأديان
المصدر: الأهرام اليومى

صورة ضوئية لأحدى صفحات الكتاب بخط يد المؤلف.

من منطلق أن الدين لله والوطن للجميع، يأتى كتاب «فقه الأوطان فى الإسلام» الذى ما زال مخطوطا بخط اليد ولم يطبع بعد، لينير الطريق أمام الكثيرين حول مفهوم الأوطان الصحيح الذى ذكر فى القرآن الكريم، والذى يسمح بالعيش المشترك لكل من يقيم فيه، مشددا على حرمة إخراج أى إنسان من وطنه، لأن قتل النفس أهون من مغادرة شخص لبلده الذى ولد وتربى فيه، موضحا أن تطبيق فقه الأوطان من الممكن أن يحمى مصر من كوارث محققة خلال الفترة المقبلة، وأن لا أمان لمصر إلا بتحسن أوضاعها، وتوفير الغذاء لساكنيها ومن يفد عليها من البلاد الأخرى، فلا يظن ظان أن مصر آمنة بنص قرآنى دون عمل، لذلك ذهبت صفحة «الفكر الدينى» إلى الدكتور مبروك عطية مؤلف الكتاب ـ أستاذ الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر بسوهاج لمعرفة المزيد عن فقه الأوطان ، فكان هذا الحوار.
- ما هو دافعك لتأليف هذا الكتاب؟
السبب الرئيسى فى تأليف هذا الكتاب هو أننى وجدت الخطاب الدينى فى حاجة شديدة إليه حيث أصبح الحديث عن الأوطان أقرب إلى السياسة منه إلى الدين عند كثير من الناس، والحق أن الحديث عن الأوطان من طلب هذا الدين، ومن جوانب خطابه فالله عز وجل أقسم بالبلد، كما أقسم بالقرآن الكريم، وحياة رسوله الأمين ـ صلى الله عليه وسلم ـ «ولعمرك إنهم لفى سكرتهم يعمهون» كما أقسم بالفجر والشمس وضحاها، وغير ذلك قال تعالى «لا أقسم بهذا البلد» وقال عز وجل «وهذا البلد الأمين». وأن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولد بمكة المكرمة وبها بعث، ومنها هاجر، وعليها زرفت عيناه الدمع، يوم هاجر أصيل الغفارى ـ رضى الله عنه ـ وسئل: كيف تركت مكة؟ فقال: تركتها وقد ابيضت أباطحها إلى آخر ما وصف من جمالها وأزهارها ونباتاتها. فبكى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال: أمسك يا أصيل ـ كفى، دع القلوب تقر! ومن حديث القرآن عن الأوطان أن الذين استكبروا من قوم فرعون قالوا له: «لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن فى ملتنا، قال أولو كنا كارهين».
- إذن ما هى مشروعية إجبار الإنسان على الخروج من وطنه؟
المرء يكره أن يخرج من وطنه، وفى السيرة النبوية العطرة أن خديجة ـ رضى الله عنها ـ حين صحبت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى ورقة بن نوفل بعد نزول الوحى عليه أول مرة فى غار حراء قال له ورقة: إن هذا هو الناموس «الوحى» وانه سوف يكون النبى الخاتم، وان قومه سوف يعذبونه، ويكذبونه، ويخرجونك، فما كان من النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ من تعقيب على التعذيب أو التكذيب، وانما غضب على الإخراج من وطنه فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما روى البخارى فى صحيحه «أومخرجى هم» وذلك لما فى الخروج من الوطن من معاناة نفسية حقيقية على من خرج منه مكرها لا سيما أنه لم يخرج منه إلا أنه قال «ربى الله».
- وكيف ينقذ تطبيق فقه الأوطان مصر خلال المرحلة المقبلة؟
اليوم نحن فى أشد الحاجة إلى فقه الأوطان حتى نصون وطننا العزيز مصر من كوارث محققة نتيجة غياب هذا الفقه، أو تناوله من الناحية الإنسانية، البعيدة عن الموضوعية والتحقيق ونتيجة اختلاف الرؤى والآراء والتناحر، وما تؤدى إليه المظاهرات السلمية من كوارث بالنسبة إلى ما يدخل فيها من الأدعياء والطامعين ومن يسمون «البلطجية»، والقاعدة الفقهية المعروفة تقول: «درء الأذى مقدم على جلب المنفعة» والناس فى حاجة إلى موعظة دائمة، ومن أجل ذلك شرعت خطبة الجمعة، تتكرر كل أسبوع لتذكر الناس بشرع الله الذى غايته أن يسعد الناس فى الدنيا والآخرة، ولا سعادة للناس فى الدنيا مع اضطراب الأوطان، وتمزقها، وإشعال النار فيها، والقضاء على الأخضر واليابس، الأمر الذى يهلك الاقتصاد، والمال، كما قال العلماء عصب الحياة وقوامها، ومن قديم قالوا: إذا ذهب مال المرء فقد ذهب عقله.
- معنى ذلك أن كتاب فقه الأوطان مرتبط بالواقع الفعلى الذى نعيشه حاليا؟
بالفعل هو كذلك، فقد خصصت الفصل الأول من الكتاب عن «الأوطان بين الحب ومقتضاه» وبينت فى هذا الفصل أن حب الأوطان ليس قصيدة من شعر، ولا رواية من نثر، ولا إعلان أفواه، وإنما هو عمل على ازدهاره، ودرء الفتنة عنه، والنهوض به إلى أعلى المستويات فى شتى المجالات، اجتماعيا، وسياسيا، واقتصاديا، وأهم تلك المجالات الناحية الاقتصادية، لأن الله ـ عز وجل ـ يقول فى سورة التوبة «كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة» ويقول فى سورة الكهف «إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم فى ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا». أى أن أعداءنا أعداء الوطن وإن غلبونا اقتصاديا فلن يرحمونا، أما نحن إذا غلبناهم فسوف نرحمهم، وقد روى البخارى فى صحيحة قول النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ من يزرع زرعا أو يغرس غرسا فيأكل منه إنسان أو حيوان أو طير كان له به صدقة». والتعبير بـ«الإنسان» بالتنكير يدل على العموم والشمول أى مسلم أو غير مسلم.
- وما هو مفهوم الوطن كما جاء فى فقه الأوطان؟
ذكرت فى الكتاب «الأماكن فى حياة النبى ـ صلى الله عليه وسلم» ومنها الأماكن والبلاد واهتمام النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ بها وبأهلها، ومعاهدتهم على سلامتها وسلامة المدينة المنورة، وذكرت المساجد التى بناها ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى طريقه إلى تبوك، وهى «17» سبعة عشر مسجدا، وبينت أن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يغير أسماء الناس التى تتنافى مع العقيدة مثل «عبدالحجر» وسماه: عبدالله، أو الذوق العام مثل «عاصية» سماها: «رافدة» إلا الأوطان، تركها على المعهود من أسمائها لشدة حاجة الناس إلى السفر فيما بينها، وما ذلك بمستغرب، وقد كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ خلقه القرآن، والقرآن يقول: «ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة» وبدر: اسم رجل كافر حفر البئر فسميت باسمه ولم يغير اسمه ربنا تعالى ـ فى كتابه الكريم، وبعض الناس فى زماننا يفرح برفع اسم من على شارع ووضع اسم جديد، مثل أسماء الصحابة والتابعين، وتلك ليست قضية، ورفع الأسماء عن الأماكن وإحلال غيرها محلها لا يسبب مصلحة، ولا يوقع بأسا، إذ من المقاصد الشرعية العظيمة والقواعد الفقهية المفيدة أن العبرة بالمحتوى لا بالظرف وبالمسمى، وأن الذى يريد أن يغير اسم حارة أو شارع أو مدرسة أو بلد واسع لا يفيد اسمه، وإنما يفيد حالته الكئيبة وفقره وذل ساكنيه، يدخل فيه الماء وإن كان منه محروما، يعلم الأولاد على منهج علمى وتربوى شديدين، حتى وإن كان اسم المدرسة لا يرضيه أو لا يتفق وثقافته.
- وهل تطرقت إلى العلاقة بين الوطن والمواطن فى الكتاب؟
لقد طوفت فى كتب الفقه المعتمدة كى أستخرج منها الأحكام الشرعية الخاصة بالأوطان، وهذا من العمل النادر الذى جعلنى أبحث عن الأحكام التى يكون فيها الوطن هو «العمدة» لا المواطن، وعلى سبيل المثال: زكاة الزروع والثمار، تكون العشر إذا سقيت الأرض بماء السماء « المطر» أو بالراحة، وتكون نصف العشر إذا كانت الأرض تسقى بالتكلفة، وهنا أتوقف قليلا عند قول الله تعالى: «والذين هم للزكاة فاعلون» لأقول: علينا أن نفعل من أجل أن تكون زكاة زروعنا العشر بأن نوفر الماء، وأن نسقى أراضينا بالراحة، وكيف نوفر الماء إلا بدراسات علمية جادة وعمل دءوب، لا أن ننصرف عن هذا وذاك فى كلام تعطيل للزرع والصنع، وحركة الحياة بصفة عامة، ومن تلك الأحكام أحكام اللقطة، والبيوع، والمزارعة، وغيرها، وقد زادت بالتفصيل عن ثمانين حكما شرعيا، ومنها أن لكل بلد مواقيته ومطالبه، فنحن نصلى مثلا الظهر فى وقت ويصلى فيه أخوة لنا بعدنا أو قبلنا، والوطن هو العمدة فى ذلك، حيث إن زوال الشمس عندنا على غير زوالها عند غيرنا، ومن الأحكام الشرعية المتعلقة بالأوطان، أن رجلا لو بنى فى الطريق العام كان لكل واحد أن يخاصمه، ليستوى فى ذلك المسلم وغير المسلم، قال السرخسى فى المبسوط (23-192) لأن له من المنفعة مثل الذى للمسلم، فتصور كيف يكون الوطن ملكا للجميع بالبحث والتحقيق، لا بإطلاق عبارة يظنها من لا علم عنده من باب المجاملة ويزعم أن الوطن وطنه دون سواه.
- وهل تضمن الكتاب ذكر الأوطان فى القرآن الكريم؟
بالفعل قد خصصت فصلا كاملا عن «الأوطان فى القرآن الكريم» وذكرت فيه أن الله ـ تعالى ما كلف نفسا إلا وسعها، وليس فى وسع الإنسان أن يخرج من وطنه، ذلك فوق طاقته، ولذا قال سبحانه فى سورة النساء «ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم» فانظر كيف جعل الله الإخراج من الأوطان صنو قتل النفس، بل إن قتل النفس أهون من الخروج من الوطن، وبينت أن الله عز وجل نسب الوطن إلى من يسكنه، فقال سبحانه وتعالى فى سورة النمل «حتى إذا أتوا على وادى النمل» ونحن أقرب من الوديان: وادى النيل الغالى، ووادى النطرون، فهلا عرفنا «وادى النمل» قال المفسرون نسب سبحانه وتعالى الوادى إلى النمل لما سكنه النمل، فما المستغرب أن ينتسب إلى أى مواطن وطنه ما دام يعيش فيه، ولم يعتبر بعضنا بعضا غرباء، أو دخلاء، أو غير شركاء فى الوطن، مادام هذا البعض قد ولد على أرضه، وعليها عاش، ثم إن الله تعالى ـ جعل لكل جار فى الوطن حقا «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى والجار الجنب»، والجوار حق أى حق، والمواطن فيه عمدة، وليس معناه قرب الديار أو تقاربها، وإنما مقتضاه الحماية والرعاية، والحرص عليه حرص المرء على داره وماله وعرضه، وبإجماع فقهاء الأمة: (مال الذمى «غير المسلم» كمال المسلم، وعرضه كعرضه)، وقد جاء ذكر الأوطان فى القرآن الكريم فى تضامينه وفى أسماء سوره، مثل سورة البلد، وسورة سبأ، وسورة الحجر، جاء ذكر الأوطان فيما يتعلق بها من شجرة الزيتون فى سيناء، ومن البقر، والغنم، والمنازل، والبحار، والأنهار، وغير ذلك.
- وكيف يمكن استثمار فقه الأوطان فى الدعوة والخطاب الديني؟
يمكن استثمار هذا الموضوع فى الدعوة والخطاب الدينى من أكثر من طريق، ومن ذلك فى خطب الجمعة والندوات والمحاضرات، والبرامج الدينية والثقافية، لتوعية الناس، لأن سلامة الوطن من العلل والآفات والضياع، سلامة للدين من حيث أمرنا الله أن نقيمه، وقال تعالى: «أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه». وأننا لا نستطيع أن نقيم الدين فى وطن غير آمن، كما أننا لا نستطيع بناء بيت ونحن غير مطمئنين على أرض معطوبة، ومن ثم أطلق على الصلاة فى ميادين القتال: صلاة الخوف، لأننا على خطر المواجهة مع الأعداء، وهم يودون كما قال الله عز وجل ـ «أن يميلوا عليكم ميلة واحدة» ثم قال الله بعد صلاة الخوف فى سورة النساء «103» "فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا" فصلاة المقاتل تختلف عن صلاة المقيم المطمئن، والقتال فى الإسلام استثناء والأصل السلام والاطمئنان، كما أن الأصل الإقامة فى الأوطان، والسفر عارض تقتصر فيه الصلاة، ويدخل فيها بأن يفطر الصائم فى رمضان، والناس فى حاجة إلى خطب جمعة ودعوة تسعدهم، لأن غاية هذا الدين إسعاد الناس، قال تعالى «طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى» وما دام الله تعالى ـ لم ينزل كتابه ليشقى به عباده فقد أنزله لإسعادهم.
- هل تقصد أن رجال الدعوة غير مرتبطين بالواقع فى خطبهم؟
أود أن يسمع الناس فى خطب الجمعة علما ينتفعون به، ولن يكون ذلك إلا إذا كان الموضوع يتصل بحياتهم، وليس مثل موضوع الأوطان موضوع أشد اتصالا بحياتهم، إذ فيه مستقرهم، ومستودعهم، وعماد حياتهم، وفى صونهم إياه صون لأموالهم وأنفسهم وأعراضهم، وللأوطان حرمتها فى هذا الدين بدءا من البيت الصغير الذى أوجب الإسلام على زائره ألا يدخله دون استئذان وسلام، بل إن قال له رب البيت: إرجع، رجع وهو أزكى له، «وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم»، وانتهاء بالوطن الكبير، الذى وعد النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ من حرس فيه ثغرا ليلة واحدة كان من أهل الجنة، وهذا من الأحاديث النادرة الصحيحة التى رواها ابن عبدالبر: حيث جاءت جنازة رجل ليصلى عليها النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يشهد له أحد بخير، فقال عليه الصلاة والسلام أما رآه أحدكم على خير أبدا؟ فسكت الناس، ونطق رجل فقال: أنا يا رسول الله رأيته، فقد حرس معنا ليلة كذا ثغر كذا، فصلى عليه ودعا له، وقال إن أصحابك يشهدون أنك من أهل النار وأنا أشهد أنك من أهل الجنة.
وأبشر الذين حرسوا منازلهم وأحياءهم إبان الثورة بأنهم كانوا فى سبيل الله، وأقل لهم: إننا ما زلنا وما دمنا أحياء فى رباط، ويجب أن نكون كذلك من باب الدين الذى دعانا إلى فقه الأوطان، ومواجهة المارقين الخارجين عن النظام الشرعى الذى أساسة الأمن والأمان والسلام، وليس الخوف والرعب وتخريب الأوطان، فالله أمرنا باستعمار الأرض أى تعميرها، ودعانا بعد قضاء الصلاة إلى الانتشار فى الأرض، والابتغاء من فضله، فقال سبحانه «فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله».
- إذن ما نصيحتك المبنية على فقه الأوطان لقادة الرأى فى المجتمع؟
على خطيب الجمعة والداعية والأستاذ والإعلامى، وكل من له منبر يتحدث من خلاله أن يبين للناس أنه لا انتشار فى الأرض وهى نار، ودمار، ولا ابتغاء من فضل الله والمصالح معطلة، والطرق مقطوعة، وذكرهم أن الصحابة مع النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانوا يهتفون وهم يعملون، لا وهم يسدون الطرق «اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا» فإن هتفت وأنت فى عملك فقد راعيت حرمة وطنك، ووصل صوتك وأنت منتج، وإن هتفت وقد عطلت عملك فما تسعى إليه من مكاسب أقل بكثير جدا من خسارة التعطيل للعمل والطرقات التى هى من فقه الأوطان، حيث جاء فيها «حق الطريق أن تغض البصر، وتكف الأذى، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وترد السلام على من عرفت ومن لم تعرف» وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، فكيف تكون مأمورا برفع الأذى عن الطريق وتكون أنت الأذى فيه.
وهنا أقول إن يوسف ـ عليه السلام ـ ما قال لأهله: «ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين» إلا بعد أن زرعها، وحفظها الله به من الجوع والهلاك، فلا أمان لمصر ولا غيرها إلا بتحسن أوضاعها، وتوفير الغذاء لساكنيها ومن يفد عليهم من البلاد الأخرى، فلا يظن ظان أنها آمنة بنص قرآنى دون عمل، فهذا من المعانى الغائبة، والمفسرون يذكرون أن القرية التى كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان هى مكة، قال الله تعالى «وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون»، وهذا منهج الله، وتأمل نسبه الكفر إليها مع أن الكافر أهلها، وقل فى نفسك لا أحب أن أكون فى وطن كافر، والوطن يكون كافرا بكفر مواطنيه، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ـ «لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» لم يقل تعبدون الأصنام، وإنما قال يضرب بعضكم رقاب بعض، والدمار أعظم حرمة عند الله من حرمة الأوطان، وحرمتها من حرمة الأوطان، حمى الله مصر وأهلها، وجعلها بلدا أمنا مطمئنا بأن يثبت القلوب على حبها عملا لا قولا، واجتهادا لا نوما وتواكلا، إنه رب العباد والبلاد وولى ذلك والقادر عليه.