Share |
اغسطس 2012
1
مغامرة فى عش الدبابير!
المصدر: مجلة الشباب
بقلم:   محمد شعبان


بينما يرقد أجدادنا الفراعنة فى سلام منذ آلاف السنين لا يتوقف لصوص القبور عن نبش مقابرهم ومعابدهم بحثا عن المساخيط التى اكتشفنا من خلال هذا التحقيق أن أسعارها وصلت لمستويات خيالية لا يصدقها أحد. هو بالفعل عالم ملىء بالأسرار من يحاول الاقتراب منه يشعر أنه دخل عش الدبابير بقدميه حيث يجد نفسه أمام عصابات متخصصة باحترافية عالية فى الكشف عن أماكن المقابر فى الجبال وفتحها والسطو على ما فيها من محتويات، وفى هذا العالم المساحات بين الخيال والمعقول شاسعة للغاية فتتحول الحقائق إلى أساطير ربما لا يقبلها عقل. لكننا فى السطور التالية حاولنا أن نقترب من هذا العالم لنرصد لكم ما يدور بداخله فاستطعنا التواصل مع إحدى شبكات الآثار فى منطقة مصر الوسطى وتحديدا منطقة آثار دشاشة قرب إهناسيا عاصمة مصر القديمة بمحافظة بنى سويف لنعرف كيف يقومون بتحديد أماكن المقابر وما هى وسائل السحر المتبعة فى فتحها وما حقيقة العثور على الزئبق الأحمر داخل المومياوات وما هى آخر الأسعار فى بورصة تجارة الآثار المصرية؟. التفاصيل فى السطور التالية:
البحث عن تجار الآثار وهواة نبش قبور الفراعنة ليس أمرا سهلا كما يتصور البعض فهذه التجارة المحرمة يتوارى خلفها آلاف العصابات والتشكيلات التى تتفنن فى البحث والتنقيب والتهريب والاتجار وتثمين القطع وتحديد قيمتها الأثرية والتاريخية وترتبط هذه المجموعات بشبكات تهريب دولية وهيئات آثار تابعة لدول خارجية ترسل مندوبيها للتعاون مع هذه العصابات من أجل فتح المقابر ونقل محتوياتها للمتاحف الخارجية.
خلال الاقتراب من هذا العالم الذى يبدو سريا إلى حد كبير حاولنا أن نفهم فكان هناك وسيط دلنا على اثنين من الناشطين فى هذه التجارة الأول: شيخ على اتصال بالعالم السفلى وصاحب خبرات طويلة فى التنقيب وفى تحديد الأماكن قبل الحفر، والثانى: شاب صاحب خبرة فى فتح المقابر وتثمين القطع الأثرية وتحديد قيمتها والاتفاق مع التجار.
كانت البداية لنا مع الشاب عادل والذى رفض أن يكمل بقية اسمه مقابل أن يتحدث إلينا حيث قال: أولا ليس شرطا أن تكون المقابر التى نكتشفها مقابر فرعونية فقط فهناك مقابر قبطية وأخرى رومانية وهناك أيضا مقابر من العصر الإسلامى وكل نوع من هذه الأنواع له قيمته، لكن المقبرة الفرعونية هى المليئة بالكنوز سواء كانت تماثيل ذهبية أو بازلت أو مومياوات والأهم والأخطر من كل ذلك هو الزئبق الأحمر والأسود والأبيض وكل قطعة لها ثمن فالتمثال البازلت متوسط الحجم قد يصل سعره إلى 50 مليون دولار، والجرام من الزئبق الأحمر الذى يسمى الزئبق الروحانى يصل سعره إلى 35 مليون دولار وعادة ما نجد هذا الزئبق فى حلق المومياء أو فى "المصارين" ونستخرجه ونبيعه لجهات خاصة تتولى الاتجار فيه وصناعة حقنة الحياة منه والزئبق الأسمر أندر جدا من الزئبق الأحمر وأغلى منه بـ5 ملايين دولار أما الزئبق الأبيض فهو الأرخص سعرا حيث يصل سعر الجرام منه إلى 10 آلاف دولار فقط، أما البرديات فليست منتشرة داخل المقابر الفرعونية فأحيانا نجدها وأحيانا لا نجدها وأسعارها ليست مرتفعة.
ويروى أحمد كيف يتم تحديد أماكن المقبرة وفتحها قائلا: أولا يجب أن يتم التنقيب والبحث فى منطقة أثرية كان لها تاريخ فرعونى ويتم تحديد المكان عن طريق مجسات أو باستخدام الجن من خلال شيخ، وبعد تحديد المكان بدقة نقوم بالحفر وعادة يكون مكان المقبرة مميزا من أعلى مثل حدوث هبوط أرضى أو وجود قطع من الأوانى الفخارية أو أحجار معينة فكل هذا يعطى إشارة إلى أن الكنز أسفل هذه الأرض ونقوم بالحفر والتنقيب وقبل الوصول للمقبرة عادة ما نجد طبقة فحم تعترض الحفر فنعرف أنها مقبرة فرعونية وهذه هى العلامة لأن الفراعنة كانوا يضعون هذه الطبقة حتى تمتص المياه وتمنعها من الوصول للمقبرة وبعد طبقة الفحم نجد درجات سلم تقود إلى باب المقبرة. والفراعنة كانوا يبتكرون طرقا وحيلا معينة لحماية المقابر وبعض هذه الحيل أو المقالب مميتة فمثلا هناك درج سلم "قلاب" بمعنى أنه يقلب الشخص ويبلعه ويذهب به لمكان آخر أسفله ملىء بالدم أو الحشرات وأحيانا يرى أشياء مخيفة فيتعرض للصرع ويموت فى الحال، وأحيانا يقود السلم لمكان وهمى ومضلل بعيد جدا عن المقبرة وأحيانا تكون هناك غازات سامة عند فتح المقبرة ومن يستنشقها يمت فورا، وعلى كل حال أحيانا يكون معنا خبير أجنبى من هيئة الآثار بأى دولة من الدول الخارجية وهذا الخبير يساهم كثيرا فى قراءة الرموز المكتوبة على باب المقبرة وبعد فتحها ندخل لنرى ما بداخلها.
ويقول عادل: إنه ليست كل المقابر تحتوى على كنوز وذهب فهناك مقابر تعود لأسر فرعونية فقيرة فلا نجد فيها إلا أحجارا كريمة وتماثيل حجرية وهناك مقابر كثيرة فتحناها فلم نجد بها شئيا وهناك مقابر كثيرة وصلنا إليها لكنها تعرضت للسرقة من زمن بعيد وأحيانا نفتح مقابر فنجدها عبارة عن معابد أسفل الأرض ونسير فى ممرات أشبه بالشوارع والغرف الداخلية على الجانبين، أما المقابر الرومانية فلا تحتوى على كنوز ولكن أحيانا كانوا يسرقون الذهب والتماثيل من المقابر الفرعونية ويضعونها معهم فى مقابرهم، أما المقابر القبطية فهى المقابر الأكثر فقرا وعادة لا نعثر على شىء ذى قيمة فيها، أما بالنسبة للآثار الإسلامية فليست هناك مقابر وإنما نجد أحيانا كنزا مدفونا يضم عملات ذهبية أو سيوفا أو فرعا من فروع بيت المال يكون مدفونا تحت الأرض.
ورفض عادل الكشف عن طريقة ونظام التعامل مع تجار الآثار واكتفى بأن ذكر لنا أن هناك شخصيات فى النظام السابق كانوا يتاجرون فى الآثار وكانوا يساعدون فى إخراجها من مصر والسفارات لها دور فى تهريب القطع الأثرية ويتعاونون مع رجال الآثار التابعين لهم ومن هنا تذهب الآثار غير مختومة إلى خارج مصر وتعرض فى متاحف عالمية.
اما الشيخ عبدالغفار فقد أكد لنا فى حديثه معنا أن الشيخ يأخذ الثلث من قيمة الآثار المستخرجة والثلثان لصاحب البيت أو لصاحب المكان حيث يقول: الفراعنة كانوا يخصصون حرسا شديدا من الجن ليحرس المقابر الخاصة بهم ويكون خادما للمكان وهنا يقوم الشيخ بفك هذه الحراسة بقراءة تعاويذ معينة كما يقوم الشيخ أيضا منذ البداية بتحديد المكان من خلال اتصاله بالعالم الآخر، والحفر عملية صعبة وأحيانا تكون المقبرة على عمق يصل إلى 25 مترا فى قلب الجبل وسبق أن حفرنا كل هذا العمق ولكن لم يستطع أحد أن يدخل لأنه كانت هناك غازات سامة فى المقبرة ومات أربعة داخلها، وكان واضحا أن هذه المقبرة مليئة بالكنوز لكننا لم نستطع أن نفك الخادم من عليها، وقديما كان الشيوخ المغاربة هم الأمهر فى فتح المقابر الفرعونية.
ويذكر الشيخ عبدالغفار أنه تم بيع تمثال من البازلت بـ50 مليون دولار مؤخرا لشخص من الإسكندرية وهذه القطع تخرج خارج مصر ويتم عرضها فى متاحف.
وحول نظام العمل فى البحث عن الآثار يقول الشيخ عبدالغفار: أولا الموضوع كله رزق وأكل عيش والبارتيتا أو المجموعة التى تبحث عن الآثار تتكون من 40 نفرا ولا يدخل ضمن البارتيتا خريجو الآثار لأنهم يتفلسفون وليس لهم أمان، وليست كل المقابر فيها خير فهناك مقبرة نفتحها ونجد فيها علب كانز وسجائر وهناك مقابر لا نجد فيها شيئا على الإطلاق وهناك مقابر نجد بها مياها جوفية.
وبهذا الطريقة تتشكل المئات من عصابات البحث عن الآثار وعادة ما يكون هناك وسيط بينهم وبين التاجر أو المشترى النهائى ويرى المشترى النهائى القطعة الأثرية من خلال سى دى أو صور فوتوغرافية ثم يتم اللقاء لإتمام الصفقة بعد التأكد من أن القطعة أصلية وعادة ما يكون هذا التاجر على اتصال بمهربى الحدود أو العاملين فى السفارات الأجنبية حيث يتم تهريب الآثار إلى الخارج ليتم عرضها فى معارض أو متاحف الآثار المصرية أو يتم الاتجار فيها مرة أخرى.
هذا الكلام ربما يبدو غريبا للكثيرين عند سماعه لأول مرة، لكنه مطابق للحقيقة فى مواضع كثيرة منه، هذا ما يؤكده لنا الخبير الأثرى محمد أحمد على مفتش الآثار بالهيئة العامة للآثار حيث يقول: فى الأدبيات العلمية ليس هناك اعتراف بتوظيف الفراعنة للجن فى حراسة المقابر لأن أغلب هذه الأدبيات التى ندرسها فى كليات الآثار هى فى الأصل عبارة عن دراسات وكتابات غربية والغرب لا يعترفون كثيرا بذلك ويعتبرون الحديث عن السحر مجرد خرافات لكن معروف لدى كل من يعملون فى حقل الآثار أن الفراعنة بالفعل كانوا يستخدمون السحر فى حماية مقابرهم من اللصوص وفى تأمينها حتى تنتقل بهم إلى عالم الخلود حسب اعتقاداتهم وكانوا أيضا يستخدمون الحيل فى إغلاق هذه المقابر مثل عمل باب أو سرداب وهمى يقود إلى مكان ما بعيد عن غرفة الدفن فى حين يتم عمل الباب الحقيقى للمقبرة فى مكان خفى، أما عن حقيقة استخدام الغازات السامة فى المقابر فهذا ليس دقيقا ولكن المعروف علميا أن هذه المقابر مغلقة منذ آلاف السنين وبالتالى فالهواء الداخلى بها عبارة عن مركبات فاسدة بفعل الزمن حيث ترتفع نسبة ثانى أكسيد الكربون بدرجة عالية فى فضاء المقبرة ومن يستنشق هذه الهواء يتعرض للاختناق سريعا وربما الموت.
وحول حقيقة الزئبق الأحمر يضيف أنه من المتعارف عليه أن الفراعنة توصلوا لهذا الإكسير ولكنه لم يكن شائع الاستعمال حيث كان يتم وضعه فى المومياوات الملكية فقط بهدف أن يدفع بها إلى الحياة بعد البعث ولا يزال هناك اختلاف كبير بين الأثريين وحتى بين العلماء حول حقيقة هذا الزئبق وكيفية تركيبه.
ومن الناحية الدينية حول حقيقة استخدام الفراعنة للجان والسحر فى حراسة وتأمين المقابر تقول الدكتورة آمنة نصير: أولا يجب أن نعلم أن الحضارة الفرعونية 70% من أسرارها لا تزال غامضة وغير واضحة حتى الآن وهذا الغموض يترك مساحات واسعة للتأويل والخيال، لكن من الثابت كما هو واضح فى القرآن الكريم أن الفراعنة كانوا قوم سحر وكانت تلك معجزتهم فجاء سيدنا موسى وتحداهم فى هذه المعجزة بعصاه لأن المعجزة هى نوع من أنواع الدعم الإلهى يعطيه نبيا من الأنبياء مما يعجز به القوم من جنس ما يبهرهم وهذا ما حدث فى قصة موسى وسحرة فرعون بتوظيف الفراعنة للسحر، إذًا أمر ثابت بنص القرآن الكريم لكن كما ذكرت الحضارة الفرعونية مليئة بالأسرار غير الواضحة حتى الآن والعلم اليقينى يحتاج لدلائل مادية حتى يقر حقيقة معينة وهذا أمر صعب فى دراسة بعض القضايا مثل لعنة الفراعنة وتسخير الجان وحقيقة الروح وغيرها من القضايا التى تتسع فيها مساحة الخلاف.