Share |
مايو 2009
16
زيارة إلي التاريخ مع العماد مصطفي طلاس الناصري الذي لم ينل مقابلا عن حبه للزعيم
المصدر: الأهرام العربى

يوصد العماد مصطفي طلاس أبواب حياته علي أهله وأصدقائه المقربين وعلي كتبه وأوراقه مبتعدا عن الإعلام بـ‏180‏ درجة‏.‏ غير راغب في الحديث إلي الصحف والفضائيات‏،‏ عازفا عن حياة الشهرة والبريق‏،‏ لكن الذين كان لهم دور في التاريخ لا تتركهم الصفحات والفضائيات ليعيشوا في الظل‏،‏ فقد لعب العماد مصطفي طلاس عدة أدوار في تاريخ سوريا‏،‏ وفتحت عليه النيران من كل جانب حتى تردد أنه كان يوقع علي حكم إعدام لـ‏150‏ شخصا كل أسبوع في سوريا‏ -‏ حسب صحيفة دير شبيجل الألمانية ‏-‏ وقد شارك في حركة الضباط الأحرار في حمص وحلب عام ‏1962،‏ وشارك في الحركة التصحيحية التي قادها الرئيس حافظ الأسد عام ‏1970،‏ وفي ‏1973‏ عين وزيرا للدفاع ثم نائبا للقائد العام للجيش والقوات المسلحة‏،‏ كما عين نائبا للقائد العام للجيش والقوات المسلحة‏،‏ كما عين نائبا لرئيس المجلس العسكري الأعلى للجيش والقوات المسلحة المصرية السورية في ‏20/8/1973،‏ وهو المجلس الذي كلف بوضع خطط حرب أكتوبر ‏1973،‏ إضافة إلي ذلك فللعماد مصطفي طلاس ما يزيد علي الـ‏46‏ مؤلفا في السياسة والأدب والعسكرية‏.‏
‏" الأهرام العربي"‏ انفردت بلقاء الرجل الصامت والذي لا يجري حوارات صحفية ليتحدث عن دوره السياسي ورؤيته للوحدة المصرية‏ -‏ السورية وذكرياته مع الرئيس جمال عبد الناصر ومؤلفاته ورؤيته للصراع العربي ‏-‏ الإسرائيلي‏.‏
دار جزء من الحوار في بيته‏،‏ وجزء في سيارته الجيب التي تحمل رقم ‏2273‏ ثم في دار النشر الخاصة به ليحكي ما تحمله جعبة الذاكرة من ذكرياتها العتيقة‏.‏
ولد طلاس في بلدة الرست في محافظة حمص في ‏11/5/1932‏ وتحمل ذاكرته العديد من الذكريات‏ "الذاكرة تحمل الكثير من ذكريات الطفولة‏،‏ وبلدتي الرست تعني باليوناني‏ "هاري توسا"،‏ والميثولوجيا اليونانية تقول إنها الحورية الحسناء التي تطلع من الماء‏،‏ وباعتبار أن الرست تنام علي كتف نهر العاصي‏،‏ فمن هذا المنطلق أحب بلدي وأحب طفولتي فيها‏،‏ وهناك مقولة صينية أؤمن بها‏ "حياة المرء تقاس بمقدار شعوره بطفولته"،‏ فإذا كنت لا تزال تعيش طفلا فمعني ذلك أنت تعيش حياة حقيقية‏،‏ أما إذا كنت تري نفسك وأنت طفل كأنك كهل فتلك مصيبة عظمي".‏
الروائي غائب طعمة فرمان‏،‏ يري أن لحظات الطفولة هي أنقي اللحظات التي تمر بعمر الإنسان‏،‏ وطلاس ظل في بلدته الرست حتى عام ‏1948،‏ لذا يتبقي الكثير من ذكريات أيام الدراسة لديه‏.‏ يقول‏:'‏ درست في الرست حتى عام ‏1945‏ ثم ذهبت إلي حمص‏،‏ درست في مدرسة خالد بن الوليد الثانوية‏،‏ ثم ثانوية الكهراوي حتى أنهيت دراستي الثانوية‏،‏ وعشت ذكريات جميلة هناك‏،‏ ولم أهتم بأصدقاء الطفولة فقط بعد ما ترقيت في مناصب الدولة بل واهتميت بأساتذتي الذين علموني‏،‏ وعندما كنت وزيرا للدفاع دعوت ‏22‏ معلما وأستاذا أسهموا في تعليمي‏،‏ وقلت لزوجتي أم فراس‏:‏ اليوم سأكون مستمعا لأساتذتي ولن أتحدث‏،‏ وكانت النتيجة أنني كنت المتكلم الوحيد‏،‏ فكل أستاذ كنت أذكره كيف كان يتحدث؟ وكيف كان يرتدي وكيف كان يعلمنا ؟
كانت أمسية من أروع الأمسيات في نادي ضباط دمشق‏،‏ إضافة إلي ذلك كل أستاذ من أساتذتي كنت أرعاه وأولاده‏،‏ وأضع كل شاب منهم في المكان الذي يريده‏،‏ وقلت لكل شاب من أبناء أساتذتي‏:‏ افترض أن والدك هو وزير الدفاع فما المكان الذي تحب أن تعمل فيه ؟ وكان يختار كل منهم المكان الذي يريد العمل به‏.‏ وأنا أؤمن بالحظ مثل نابليون بونابرت‏،‏ فحين كان يرغب بونابرت في تعيين قائد فيلق أو قائد فرقة أو قائد جيش يسأله‏:‏ هل أنت محظوظ ؟ فيقول له‏:‏ كيف جناب الإمبراطور؟ فإذا قال له إني محظوظ‏،‏ يضعه في وظيفة مناسبة‏،‏ أما إذا أخبره بأنه ليس محظوظا وأنه إنسان بائس يقول له بونابرت‏:‏ لا أستطيع أن أضع تحت حمايتك وفي إمرتك ‏20‏ ألف جندي وأنت بائس هكذا‏،‏ وأقول إنني صاحب حظ لأن كل المعلمين الذين علموني كانوا نخبة في سوريا‏،‏ منهم الدكتور ماجد الشوا والدكتور ماجد النحاس والدكتور عبدالله الدايم وسامي الدروبي‏،‏ وكلهم متميزون وكان لهم دور كبير في الفكر والثقافة السورية والعربية‏".‏
اتبع العماد دورة قائد كتيبة دبابات في القاهرة حتى ‏28/9/1958‏ واشترك في حركة الضباط الأحرار في حمص‏،‏ واستفاد كثيرا من القاهرة‏ "كنت رئيس أركان كتيبة دبابات رغم وجود أربعة أقدم مني من القطر السوري‏،‏ وكذلك سبعة من القطر المصري‏،‏ وعرفت في القاهرة الرئيس جمال عبدالناصر الذي اندهش من هذا‏،‏ وكان اللواء مرتجي رئيس هيئة التدريب‏،‏ وكنت مقربا منه لأني كنت الأول علي الضباط السوريين والمصريين وحين زار عبدالناصر سوريا‏،‏ وكان عبدالحميد السراج وزيرا للداخلية وهو المسئول عن الأمن في سوريا‏،‏ قال لي‏:‏ صحيح أنك الضابط الأحدث رتبة بين تسعة ضباط‏،‏ لكنك المكلف شخصيا بحراسة عبدالناصر‏،‏ فقلت له‏:‏ إذن سآخذ بندقية رشاشة بدلا من مسدسي‏،‏ وكنت ومحمود الجيار علي باب جمال عبدالناصر‏،‏ وجاء هو والمشير عبد الحكيم عامر وعبدالحميد السراج‏،‏ فقال لي السراج‏:‏ لا تخبر أحدا بموعد سفر الرئيس عبدالناصر إلي القاهرة حتى يصل إلي القاهرة بالفعل‏،‏ وذهبنا بسيارة بيجو إلي مطار حلب ومن مطار حلب أخذ طائرة الرئاسة وسافر إلي القاهرة‏،‏ ولم أتحدث حتى سمعت إذاعة القاهرة تعلن وصوله إلي القاهرة‏،‏ فأخبرت زملائي وأصدقائي‏،‏ والحقيقة أنني أكن لعبد الناصر صداقة حقيقية‏،‏ وآخر مرة التقينا في بيته بحضور سامي الدروبي لساعات خمس‏،‏ وكان هناك لقاء بعد وفاة الفريق عبد المنعم رياض‏،‏ حيث سافرت إلي القاهرة لأخذ العزاء فيه‏،‏ والتقيت ناصر بعد لقائه بالعاهل الأردني‏،‏ وأكلنا في تلك الجلسة أرز بايت‏،‏ وقلت له كيف يأكل رئيس الجمهورية أرز بايت ؟ فقال لي‏:‏ وما المشكلة ؟‏.‏ ضعه في البراد يطلع ساخن‏.!
كما كان يحب لحم العجل مع الكوسة والجزر‏،‏ وكان يضع علي الطاولة بضع حبات موز حتى إذا جاءته أزمة السكر يتناول حبة‏،‏ وكان يقول عني إنني الناصري الوحيد الذي لم يحصل علي مقابل لحبه لجمال عبدالناصر‏،‏ وكان يقول إنني ناصري أولا وبعثي ثانيا‏،‏ ففي المؤتمرات التي كنا نلتقي فيها كان يجلس معي وزير الدفاع المصري ليخبرنا بالترتيبات ويقول لنا‏:‏ إنكما تكملان بعضكما البعض‏،‏ فكنت آخذ بتوجيهاته وأنفذها بالحرف مع وزير الدفاع المصري سواء كان الجمسي أم سواه‏،‏ وكنت دائم الذهاب إلي بيته بعد رحيله وألتقي السيدة هدي ابنته وأسرته التي تربطني بها علاقة صداقة دائمة‏.‏
هذا عن الرئيس عبدالناصر‏،‏ أما الرئيس السادات فللعماد وجهة نظر أخري‏ "علاقتي بالرئيس السادات لم تكن جيدة‏،‏ ذلك لأني كلما سافرت إلي مصر تأتي إلي فاكسات علي فندق الهيلتون الذي كنت أقيم به مكتوب فيها‏ "اتصل بمنزل جمال عبدالناصر"،‏ وأجد مع مفتاح غرفتي أربع رسائل يطلب فيها الاتصال بمنزل جمال عبد الناصر‏،‏ فالسادات يتضايق من كم هذه الرسائل التي تطلب مني ذلك‏،‏ وكنت دائم الذهاب لبيت الرئيس
عبدالناصر‏،‏ وكنت صديقا لجميع أولاد الرئيس الراحل‏.‏ فعبدالناصر شخص لا يكرره التاريخ‏،‏ كما أنه من الصعب تكرار شخصيات مثل حافظ الأسد وبومدين والملك فيصل‏،‏ لأن القادة الخالدين لا يمنحهم لنا التاريخ مرة أخري إذا لم نقدر قيمتهم ونستفيد من خطواتهم".‏
اعتقل طلاس مع بعض رفاقه وظل في السجن حتى ثورة ‏8‏ آذار مارس ‏1963،‏ حيث شاركت في حركة الضباط الأحرار في حلب‏،‏ لكن بعض الإخوان المتحمسين يوم الوحدة مع مصر أذاعوا من إذاعة حلب‏‏ "هنا الجمهورية العربية المتحدة‏.‏ سيطرنا علي الوضع‏،‏ أرسلوا لنا قوات‏"،‏ فقلت لعبدالله عمراية الذي أذاع البيان إن المطالبة بإرسال قوات تعني أننا ضعاف‏،‏ لذلك فشلت الحركة ودخلت السجن‏،‏ وقال كل رفاقي في السجن إن الذي كان رئيسا للحركة النقيب مصطفي طلاس‏،‏ وبذلك حوكمت وسجنت رغم أنني فندت كل الأقاويل وكنت واثقا من أن هناك حركة عسكرية ستحدث في البلاد وبالفعل حدثت ونحن في السجن‏".‏
لكنه بعد ذلك عمل نائبا لوزير الدفاع أثناء الوحدة العربية المصرية ‏-‏ السورية‏،‏ ومن هنا تأتي شهادته المهمة علي هذه الوحدة وأسباب فشلها‏.‏ يقول للأهرام العربي‏: "السبب الحقيقي وراء فشل الوحدة المصرية‏ -‏ السورية عقلية المخابرات المصرية وقتها‏،‏ حيث جاءوا إلي سوريا بعدد كبير من الضباط حوالي ‏96‏ ضابطا كان يري كل منهم نفسه جمال عبد الناصر‏،‏ يعاملون السوريين بتعال لدرجة مثيرة‏،‏ ولو جاء عريف مصري وأراد أن يقوم بانقلاب لوقف الجميع معه‏،‏ ذلك لأن الإهانات التي تلقوها من الضباط المصريين تفوق التحمل البشري"‏ يرجع طلاس سبب هذه الإهانات إلي العقلية المتغطرسة‏"‏ كأن سوريا مستعمرة تتبع مصر‏!.‏ كما أثرت الخلافات بين عبد الناصر وعبد الحكيم عامر علي هذا الأمر‏،‏ وحدث خلاف كبير بين عبدالحكيم عامر والسراج‏،‏ لأن عبدالحكيم كان يريد أن يكون رقم‏1،‏ ومن ثم حدثت خلافات كبيرة بينهما‏،‏ وكانت النتيجة التذمر الكبير بين أفراد الشعب السوري‏،‏ وأحس الشعب أنه يعامل بكبر وتعال واستهجن الأمر‏،‏ لأن الشعب السوري قدم الوحدة علي طبق من فضة‏،‏ فلماذا تتم المعاملة بهذا الشكل؟ وأذكر أن أكرم الحوراني كلفني الاتصال بأحد الرجعيين‏،‏ وهو رشدي الكيخيا‏،‏ ونقلت له طلب أكرم الحوراني لإسقاط الوحدة‏،‏ فقال لي‏:‏ اتركه فعبد الناصر ساقط لحاله دون الحاجة إلي تخطيط‏،‏ فتصور أنهم كانوا يتوقعون فشل الوحدة‏،‏ والأدهى من ذلك أن أمريكا والاتحاد السوفيتي وإسرائيل وكل الدول العربية المجاورة لنا كانت ضد الوحدة‏".‏
الحلقة المقبلة
عبد الحكيم عامر كان يعيش حالة خدر أمام أفلامه الخاصة لأجل الوحدة‏.!‏
نعم‏.‏ أحبطت انقلاب شقيق الأسد علي أخيه
لو أني أعدم ‏150‏ كل أسبوع لانتهى السوريون
لن تقطع سوريا علاقتها بإيران
وقفت بجوار نزار قباني حين تخلي عنه الجميع
محمد الماغوط أناني ويدعي أكثر مما يعرف