Share |
سبتمر 2012
1
مشروع لصياغة الحقوق الاقتصادية - الاجتماعية في الدستور
المصدر: كراسات استراتيجية

تشكل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية المنصوص عليها في أي دستور، جزء أصيلا من العقد الاجتماعي بين الدولة التي يؤسس لها هذا الدستور، والمجتمع الذي وافق عليه وارتضاه أساسا للنظام السياسي - الاقتصادي - الاجتماعي، ومرجعا لكل القوانين التي تحكم العلاقات بين كل الأطراف السياسية والمجتمعية والشخصيات الحقيقية والاعتبارية، إضافة للمبادئ الحاكمة لعلاقة الدولة مع المؤسسات الدولية والدول الأخرى.
وإذا كانت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وطبيعة علاقات الإنتاج في أي مجتمع، تتحدد بطبيعة النظام السياسي - الاقتصادي - الاجتماعي السائد وتوازن القوى الاجتماعي الذي ينطوي عليه، فإنها علاقات يمكن أن تتغير وتتطور حتى في ظل النظام نفسه تبعا لحيوية القوى الاجتماعية المختلفة وقدرتها على الدفاع عن مصالحها، فما بالنا بحجم التغيير المتوقع في حالة انفجار ثورة شعبية كبرى لإسقاط النظام القديم وبناء نظام جديد ينطوي على اختلافات جوهرية عن طبيعة النظام القديم.
وإذا كانت بعض النظم الرأسمالية الحرة قد اضطرت تحت ضغط الطبقة الوسطى والفقراء والقوى السياسية المعبرة عنهم، إلى التحول إلى نظام اقتصاد السوق الاجتماعي الذي يتحول تدريجيا إلى منطقة وسطية بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي، فإن احتدام التناقضات داخل النظام دون استجابة ومرونة من القوى المسيطرة عليه يمكن أن يؤدي لانفجار الأوضاع السياسية والاجتماعية، والإطاحة بالنظام وإحلال نظام آخر محله، وهي عملية صعبة ومكلفة اجتماعياً، لكنها لا تحدث إلا عندما تمليها الضرورة الموضوعية، وعندما تصل التناقضات بين القوى الاجتماعية - السياسية إلى نقطة الانفجار، وذلك على نحو حدث في مصر التي ما زالت بعد مرور أكثر من عام ونصف من الثورة تراوح عند سياسات اقتصادية - اجتماعية لا تختلف جوهريا عما كان مُطبقا في عصر الديكتاتور المخلوع مبارك، الذي لا يزال رموز نظامه في مواقع حاكمة في الدولة وحتى في الوزارة الجديدة التي شكلها الرئيس الجديد د. محمد مرسي.
ومن المؤكد أن بناء الإطار الدستوري لأي نظام سياسي - اقتصادي - اجتماعي بصورة تنتصر للحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، وتعلي من شأن علاقات الإنتاج العادلة، وتستند لمبدأ توازن المصالح والعدالة الاجتماعية بين أطراف العملية الإنتاجية، يمكن أن تساعد على بناء استقرار مجتمعي حقيقي وقابل للاستمرار ومبني على التراضي وليس على السيطرة الأمنية التي لا يمكن لأي استقرار مبني عليها أن يدوم.
ومن منطلق الدور التاريخي لمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية في معالجة القضايا الأكثر حيوية لمستقبل الأمة وتقديم رؤيته بشأنها لكل المعنيين، فإنه يطرح هذه الدراسة المركزة لتحديد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي ينبغي أن يتضمنها الدستور الجديد لمصر كإطار مرجعي دستوري للقوانين التي ستصدر بعد ذلك لتنظيم تلك الحقوق بصورة تفصيلية.
وقبل طرح النصوص المقترحة، لابد من الإشارة إلى أن الدساتير القديمة وآخرها دستور 1971، كانت تتضمن مبادئ دستورية عظيمة وأخرى تحتاج للتعديل والبعض الآخر يحتاج للاستبدال، لكن حتى المبادئ الدستورية العظيمة، كانت القوانين تفرغها من مضمونها كما هو الحال فيما يتعلق بالحريات العامة والشخصية التي قضت عليها ترسانة بغيضة من القوانين المقيدة للحريات، وقانون الطوارئ الذي تحول لقانون دائم دونما ضرورة تفرضه، إلا استبدادية الدولة المخابراتية - العسكرية - البوليسية المعادية للحريات وللمشاركة السياسية - الاجتماعية.
كما أن المبدأ الدستوري الذي يقضي بقدسية واحترام الملكية العامة ووجوب الدفاع عنها (المادة 33 من دستور 1971)، قد تم سحقه من خلال قانون الخصخصة واللوائح الموجهة للكيفية التي يتم بها تقييم الأصول العامة المطروحة للخصخصة، وكلها أدت إلى الاعتداء على الملكية العامة وبيعها للقطاع الخاص المحلي والعربي والأجنبي بأقل من 10% من سعر الأرض في الكثير من الحالات في صفقات فساد مروعة أدت إلى إهدار المال العام. كذلك فإن المبدأ الدستوري الذي يقضي بوضع حد أقصى للملكية الزراعية وحماية صغار الفلاحين والعمال الزراعيين من الاستغلال، لم يتجسد في قوانين تحقق ذلك، حيث تم إطلاق الملكيات الزراعية في الأراضي الجديدة، ثم طبق هذا الإطلاق عمليا على الأراضي القديمة في الوادي والدلتا لمن استطاع زيادة ملكيته فيها. واللافت للنظر أن الدولة هي التي قامت بهذا الإطلاق للملكية الزراعية بالمخالفة للدستور، وبالسماح للأجانب بتملك الأراضي في مصر سواء كانت زراعية أو لأغراض التنمية الصناعية أو السياحية أو العقارية أو الخدمية عموما.
كما أن هناك ازدواجية فظة في المعالجة القانونية لبعض القضايا المتشابهة من خلال إجراءات متناقضة تماما، مثل إيجارات الأراضي الزراعية، فقد تم تحرير هذه الإيجارات وإقرار حق المالك في إنهاء العلاقة مع المستأجر وحقه في تحديد قيمة الإيجار وفقا لقانون العرض والطلب، ودون أي رقابة أو ترشيد لتلك العلاقة. وفي السياق ذاته، تم تحرير إيجارات المساكن الجديدة، لكن تم الإبقاء على إيجارات المساكن المؤجرة بالقانون القديم (الإيجار الدائم) كما هي عند نفس مستوياتها التي تم التعاقد عليها وبنفس الآليات القديمة لتوارث عقد الإيجار الدائم، وهو ظلم فادح لأصحاب العقارات المؤجرة بهذا النظام. وفي ظل هذا الازدواج صارت هناك عجائب من التناقضات الاقتصادية - الاجتماعية، فعلى سبيل المثال نجد أن مالك عمارة فخمة بمنطقة الزمالك بها 40 شقة تم تأجيرها منذ بداية سبعينيات القرن العشرين، يحصل على 600 جنيه كإيجار شهري، بينما يحصل "البواب" الذي يعمل في العمارة نفسها ويسكن فيها مجانا على خمسة أضعاف هذا المبلغ على الأقل من إجمالي أجره الشهري المقرر له من كل ساكن. كما أن المالك الجديد الذي يملك عمارة بها نفس عدد ومساحات الشقق التي تؤجر وفقا للقانون الجديد في الحي نفسه، يمكن أن يحصل على 300 مرة قدر ما يحصل عليه المالك الأول الذي أجر شققه إيجارا دائما وفقا للقانون القديم في فترة ما قبل صدور قانون الإيجارات الجديد المحدد المدة.
بل إننا لو أخذنا مالك عمارة أو عدة عمارات في حي عشوائي أو مدينة جديدة، بها شقق لها نفس مساحة الشقق الموجودة في عمارة المالك الأول (مالك عمارة الزمالك المؤجرة بنظام الإيجار الدائم القديم)، فإنه يمكن أن يحصل على إيجار شهري يبلغ 120 مرة قدر ما يحصل عليه مالك عمارة الزمالك. باختصار، هذه الازدواجية القانونية، أوجدت ظلما اجتماعيا فظا لا يمكن قبول استمراره اقتصاديا واجتماعيا وأخلاقيا، ونحن بصدد وضع دستور جديد.
صحيح أن هناك قطاعا واسعا من مستأجري العقارات بنظام الإيجار القديم في مختلف الأحياء من مختلف المستويات، هم من موظفي الدولة أو من يعملون بأجر والذين ساءت أحوالهم المالية والمعيشية كثيرا خلال الأربعة عقود الماضية، ولا يتحملون التحرير الكامل لإيجارات منازلهم، لكن بقاء الوضع الحالي هو بمثابة جريمة اقتصادية - اجتماعية ترتكبها الدولة، ولابد من وجود اتساق قانوني في معالجة القضايا المتشابهة. وفي حالة إيجارات المساكن بنظام الإيجار القديم، يمكن تحريك الإيجارات بمعدلات أسرع، مع تحمل الدولة التي صنعت أزمة الازدواجية والظلم بقوانينها، لجزء مهم من رفع تلك الإيجارات بصورة متناقصة في الأجل الطويل إلى أن يتم إدماج الإيجارات القديمة في نظام إيجارات جديد يتسم بالعدالة والمنطق بين الملاك والمستأجرين.
وتجدر الإشارة إلى أن قمم الإدارة السياسية والبيروقراطية في نظام مبارك، كانت ضمن المستأجرين بالنظام القديم، ولذا فإن المصالح الخاصة لتلك الفئة المهيمنة سياسيا وإداريا على الدولة، قد لعبت دورا رئيسا في تشكيل موقفها غير الأخلاقي من معالجة أزمة الإيجارات القديمة، بما خلف لنا مشكلة حقيقية لابد من حلها باستقامة وضمير عادل.
وإذا كانت النصوص الدستورية المتعلقة بسلطات رئيس الجمهورية، على سبيل المثال، قد وضعت أسس نظام الاستبداد والديكتاتورية، فإن النصوص الاقتصادية - الاجتماعية في الدساتير السابقة، وتحديدا في دستور 1971، لم تكن هي المشكلة الأساسية، دون نفي وجود هذه المشكلات. لكن المشكلة الأساسية كانت في القوانين التي تجاهلت النصوص الدستورية في بعض الأحيان (الخصخصة)، أو اتسمت بالازدواجية وعدم الاتساق (قوانين الإيجارات للأراضي والعقارات الجديدة والقديمة)، أو اتسمت بالجمود في واقع متغير مما حولها لمصدر للظلم الاجتماعي (قانون الأجور)، أو اتسمت بالتساهل مع جرائم الاعتداء على المال العام والآثار وتلويث المياه والأرض لحماية كبار المجرمين النافذين سياسيا الذين يقترفون تلك الجرائم.
على أي حال، فإنه إذا نظرنا للدساتير السابقة، خاصة دستور 1971 وتعديلاته اللاحقة، سنجد أن هناك بعض المواد المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، تستحق الاستمرار كما هي في الدستور الجديد، والمقصود بذلك هو عدد من المواد التي يتضمنها الفصل الثاني من دستور عام 1971، ونحددها في يلي:
المادة (24): "ترعى الدولة الإنتاج، وتعمل على تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية".
المادة (26): "للعاملين نصيب في إدارة المشروعات وأرباحها، ويلتزمون بتنمية الإنتاج وتنفيذ الخطة في وحداتهم الإنتاجية وفقا للقانون، والمحافظة على أدوات الإنتاج واجب وطني. ويكون تمثيل العمال في مجالس إدارة وحدات القطاع العام في حدود خمسين في المائة من عدد أعضاء هذه المجالس، وتعمل الدولة على أن يكفل القانون لصغار الفلاحين وصغار الحرفيين ثمانين في المائة في عضوية مجالس إدارة الجمعيات التعاونية الزراعية والجمعيات التعاونية الصناعية".
المادة (28): "ترعى الدولة المنشآت التعاونية بكل صورها وتشجع الصناعات الحرفية بما يكفل تطوير الإنتاج وزيادة الدخل. وتعمل الدولة على دعم الجمعيات التعاونية الزراعية وفق الأسس العلمية الحديثة".
المادة (29): "تخضع الملكية لرقابة الشعب وتحميها الدولة، وهي ثلاثة أنواع: الملكية العامة والملكية التعاونية والملكية الخاصة".
المادة (33): "للملكية العامة حرمة، وحمايتها ودعمها واجب على كل مواطن وفقا للقانون".
المادة (34): "الملكية الخاصة مصونة، ولا يجوز فرض الحراسة عليها إلا في الأحوال المبينة في القانون وبحكم قضائي، ولا تنزع الملكية إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض وفقا للقانون وحق الإرث فيها مكفول".
المادة (35): "لا يجوز التأميم إلا لاعتبارات الصالح العام وبقانون ومقابل تعويض".
المادة (37): "يعين القانون الحد الأقصى للملكية الزراعية، ويضمن حماية الفلاح والعامل الزراعي من الاستغلال". ويضاف إليها جزء من نص المادة 12 من دستور عام 1956، التي تنص على: "بما لا يسمح بقيام الإقطاع. ولا يجوز لغير المصريين تملك الأراضي الزراعية إلا في الأحوال التي يبينها القانون". هذه الفقرة مكررة في بند (6) لاحقا.
المادة (21) من دستور عام 1956 والتي تنص على: "للمصريين الحق في المعونة في حالة الشيخوخة وفي حالة المرض أو العجز عن العمل. وتكفل الدولة خدمات التأمين الاجتماعي والمعونة الاجتماعية والصحة العامة وتوسعها تدريجيا". على أن يستبدل تعبير "الضمان الاجتماعي" بكلمة المعونة.
إضافة إلى كل المواد السابقة، نطرح فيما يلي مجموعة من النصوص تشكل بالإضافة إلى المواد السابقة باب المنظمومة الدستورية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في الدستور الجديد. وتشكل الفقرات المظللة باللون الأسود النصوص الدستورية المقترحة، وما عدا ذلك يمثل شروحا لهذه النصوص لا تمثل جزءا من نص المادة المقترحة.
(1) "ينهض الاقتصاد المصري على أساس احترام الملكيات العامة والخاصة والتعاونية، وتعمل الدولة على تنمية وتطوير الاقتصاد من خلال استراتيجية تنموية يتم بناؤها بصورة ديمقراطية عبر التوافق المجتمعي واحترام المؤسسية في بناء الاستراتيجيات واتخاذ القرارات. هذه الاستراتيجية لها أهداف وجدول زمني لتحقيقها في الاقتصاد ككل وفي قطاعاته المختلفة من خلال خطط قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل. وتضع الدولة السياسات الاقتصادية الكلية والمالية والنقدية ونظم الحوافز الكفيلة بتنفيذ تلك الخطط من خلال قطاعها العام وهيئاتها الاقتصادية والقطاعين الخاص والتعاوني بكل أحجامهما".
وتجدر الإشارة إلى أن القرارات التي تحدد الخيارات الاقتصادية الإستراتيجية للدولة على الصعيدين الداخلي والخارجي مثل نوع النظام الاقتصادي، واستراتيجية توظيف الموارد الطبيعية، والإستراتيجية المائية في بلد تتزايد احتياجاته المائية بمعدل سريع، ولا تتوافر لديه موارد مائية داخلية فائضة، ونمط توزيع الدخل، والتوجهات الأساسية للسياسة المالية، فإنها قرارات أكبر من أن تُترك للحكومات القابلة للتغيير على ضوء نتائج الانتخابات العامة، وإنما توكل لمجلس اقتصادي - اجتماعي يضم أفضل الكفاءات العلمية والعملية الاقتصادية والاجتماعية، ويضم ممثلين للتيارات السياسية الرئيسة في المجتمع، على أن تكون القرارات والسياسات التي يضعها هذا المجلس ملزمة للحكومات، أيا كان الحزب أو الائتلاف الذي يشكلها، والتي تتولى تنفيذها من خلال الخطط الفرعية القصيرة والمتوسطة الأجل في مجالات الصناعة والزراعة والخدمات. أما السياسة النقدية التي يمكن من خلالها تحقيق الأهداف التي تتوخاها الدولة على كافة الأصعدة فإنها توكل للبنك المركزي الذي ينبغي أن يتمتع باستقلالية كاملة تمكنه من حماية مصالح الأمة والبعد عن تغطية فشل الحكومة بإجراءات تتحملها الحكومات والأجيال القادمة.
(2) "الموارد الطبيعية الناضبة مثل النفط والغاز وخامات الأسمنت والجبس والفوسفات والمنجنيز وغيرها، هي حق لكل الأجيال، وينبغي استخراجها بشكل معتدل يراعي حقوق الأجيال القادمة، على أن يتم استخدام العائدات التي يدرها هذا الاستخراج في بناء مشروعات إنتاجية عامة مملوكة للدولة تؤدي إلى رفع الناتج القومي ونصيب الفرد منه وإيجاد فرص للعمل، ويتم توريثها كمشروعات عامة متطورة وناجحة للأجيال القادمة، لتعويض الموارد الطبيعية الناضبة التي تم استنزافها بأصول متجددة القدرة على الإنتاج".
(3) "العمل قيمة إنسانية عظيمة شكلت ركنا أساسيا في تغيير مصائر الأمم وتقدمها ورفعتها وتحسين مستويات معيشتها ورفع مكانتها بين الأمم، وهو واجب اجتماعي ووطني لكل القادرين عليه، وهو حق لكل مواطن في سن العمل وقادر عليه ويرغب فيه عند مستويات الأجر السائدة. هذا الحق هو من أهم الحقوق الاقتصادية - الاجتماعية، لأنه يُمكن البشر من كسب عيشهم بكرامة. والدولة ضامنة لهذا الحق من خلال إيجاد فرص العمل الحقيقية بصورة مباشرة لدى القطاع العام والهيئات الاقتصادية والجهاز الحكومي، وبصورة غير مباشرة من خلال تهيئة البيئة الاقتصادية لتنشيط ورعاية الأعمال الخاصة الصغيرة والتعاونية والمتوسطة والكبيرة حتى تنمو وتزدهر وتتمكن من إيجاد فرص العمل الضرورية لتشغيل المؤهلين للعمل".
(4) "على العامل احترام وقت العمل ومتطلباته المهنية بصورة صارمة يتم ضمانها بالقوانين واللوائح من خلال آليات الرقابة والثواب والعقاب، بحيث لا يقوم بأي شيء آخر خلال العمل إلا واجبات وظيفته. ويمكن تخصيص ساعة للراحة وتناول الغذاء والصلاة، وإضافة ساعة عمل مكانها. ويُمنع العاملون لدى الدولة من ممارسة أي عمل آخر لدى الغير".
(5) "الدولة مسئولة عن مساندة العاطلين وتقديم إعانات اجتماعية مؤقتة لهم، إذا لم يجدوا فرصا للعمل لدى الدولة أو القطاعين الخاص والتعاوني، وذلك ضمن المسئوليات الاجتماعية للدولة، فضلا عن أنه نوع من الضغط المشروع على الحكومة لتطوير أدائها وتحسين بيئة الأعمال لمساعدتها على النمو والتطور وتعزيز قدرتها على إيجاد فرص العمل الحقيقية".
وكانت حكومات مبارك تدعي دائما أنه ليست لديها موارد لتقديم إعانات للعاطلين رغم أن ذلك حق لهم كجزء من نصيبهم في إيرادات الموارد الطبيعية والمشروعات العامة، وهو ادعاء مصدره التحيز الأيديولوجي، لأن تلك الحكومات نفسها قدمت عشرات المليارات من الجنيهات كدعم للرأسمالية الكبيرة في صورة دعم للطاقة والصادرات وغيرها، وهو دعم فاسد ومستمر حتى الآن سواء كان دعما حقيقيا أو حسابيا. ولو تأملنا سلوك دول نامية وأفقر من مصر كثيرا مثل الهند، حيث يبلغ متوسط نصيب الفرد فيها من الدخل نحو 58% من نظيره في مصر، سنجد أنها استدركت هذا الأمر وأصبحت تقدم إعانات للعاطلين منذ عام 2006، والأمر لا يتعلق في مصر بغياب الموارد وإنما بترتيب حكومات الديكتاتور المخلوع مبارك، ثم حكومات المجلس العسكري، للأولويات بصورة متحيزة أيديولوجيا تهتم بتدليل الرأسماليين الكبار من أصحاب النفوذ السياسي بالتحديد، قبل الوفاء بالاحتياجات الأساسية للمواطنين. وتعاني مصر من أزمة بطالة ضخمة تعتبر واحدة من المعضلات الأكثر صعوبة التي ينبغي مواجهتها فورا، ليس بتكديس المزيد من العاملين في المؤسسات الحكومية بما يخلق مشكلة بطالة مقنعة، بل بإيجاد وظائف حقيقية لهم. ولإدراك حجم الأزمة ينبغي عدم الوقوف عند البيانات الرسمية غير الواقعية عن حجم البطالة في مصر، إذ يتراوح معدل البطالة بين 12.4% من قوة العمل في نهاية عام 2011، وفقا للبيانات الرسمية، ونحو 27% وفقا لتقديرات تم إدراجها في الدراسة الخاصة بأداء الاقتصاد المصري في العددين السابقين (2010، 2011) من تقرير الاتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية الذي يصدره مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. أضف إلى ذلك أن سوق العمل المصرية تعاني من تشوهات جمة، بدءا من تغول أرباب العمل على العاملين لديهم وعدم التأمين على غالبية العاملين (53% من العاملين غير مُؤَمن عليهم وفقا لدراسة استطلاعية لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء)، وإجبارهم على التوقيع على استقالات غير مؤرخة قبل تعيينهم لاستخدامها في أي لحظة لطردهم من العمل، وتخفيض أجورهم بصورة مزاجية دفعت العديد منهم لتفضيل البطالة على الاستمرار في أعمال لا تغطي تكاليف الذهاب إليها والعودة منها والمصروفات الضرورية أثناء العمل، والاستغناء عنهم بلا أي تعويض.
(6) "تُدمج المادة 37 من دستور 1971، والمادة 12 من دستور 1956، مع تعديل محدود بحيث يصبح نص المادة الجديدة هو: "يعين القانون الحد الأقصى للملكية الزراعية بما لا يسمح بقيام الإقطاع، وبما يضمن حماية الفلاح والعامل الزراعي من الاستغلال. ولا يجوز لغير المصريين تملك الأراضي الزراعية مطلقا، إلا في حالة مواطني الدول العربية التي تقيم وحدة اندماجية كاملة مع مصر ويكون للمصريين فيها حقوق مماثلة على أراضي تلك الدول ولا تنتقل الحقوق بالبيع أو المشاركة لمواطني أي دولة أخرى، وتستثنى منطقة سيناء من هذا الأمر حيث تكون ملكية الأراضي فيها قاصرة على المصريين فقط".
(7) "تبني الدولة عبر النظم التعليمية والثقافية والإعلامية، ثقافة وطنية للادخار من أجل تمويل التنمية، وتعمل الدولة على رفع معدل الاستثمار الضروري والحاسم لتحقيق النمو والتطور الاقتصادي وتوسيع الجهاز الإنتاجي من جهة، وخلق فرص العمل الحقيقية وتحسين مستويات المعيشة من جهة أخرى، بما يعزز قدرتها على رفع مستوى التشغيل ومعالجة البطالة وضمان حق العمل كحق اقتصادي - اجتماعي أصيل، وذلك من خلال الاستثمار العام والخاص والتعاوني في كل المجالات الصناعية والزراعية والخدمية".
(8) "تعمل الدولة بصورة دورية ومتواصلة على قيادة المجتمع للاكتتاب في عدد كبير من المشروعات الجديدة الضرورية والتي يوجد طلب فعال على إنتاجها يسمح بالإنتاج الاقتصادي والمربح، ويمكن الاستدلال عليه من قائمة الواردات أو احتياجات الأسواق الإقليمية والدولية المؤكدة، بحيث يكون نجاحها مضمونا. وتكون هذه المشروعات خاصة ومملوكة لحملة الأسهم، ومن الجائز أن تشارك فيها الدولة بنسبة محدودة، إذا كان ذلك ضروريا لتشجيع المواطنين على الاكتتاب فيها، على أن تخضع الإدارة الخاصة لتلك المشروعات، أي المديرين التنفيذيين بها، لرقابة الأجهزة الرقابية للدولة، ولرقابة حملة الأسهم وجمعياتهم العمومية وشركات المحاسبة التي يستخدمونها لهذا الغرض".
(9) "تساعد الدولة على رفع معدل الاستثمار الضروري للنمو وتشغيل قوة العمل وتحسين مستويات المعيشة، عبر رعاية أعداد ضخمة من المشروعات الصغيرة في كل ربوع مصر، وذلك من خلال تكوين مؤسسة أو حضانة قومية مركزية وحضانات محلية في كل محافظة ومركز لرعاية المشروعات الصغيرة والتعاونية ومساعدتها على اختيار مجال العمل المرتبط باحتياجات المجتمع المحلي وبالخامات المتوافرة فيه كأولوية أولى وليست وحيدة، والمساعدة في إعداد دراسات الجدوى الاقتصادية، وتوفير التمويل الميسر لها من خلال أموال تخصص لها في الموازنة العامة للدولة كجزء رئيس من حصيلة الصناديق الخاصة التي ينبغي أن تحول لوزارة المالية، وإلحاق الصندوق الاجتماعي للتنمية بها، واستخدام التمويل المصرفي المُيسر، أو أموال المنح والقروض المقبولة الشروط لهذا الغرض، ورقابة ورعاية التزامها بالمواصفات القياسية لضمان التسويق الداخلي والخارجي، وربطها بمشروعات كبيرة لتنتج سلع وسيطة ومدخلات لها، وربطها بسلاسل تجارية أيضا لضمان التسويق والاستمرار، ومتابعتها خطوة بخطوة لضمان نجاحها وعدم تعثرها، وذلك بالتعاون مع الجمعيات الأهلية المحلية، لتتحول هذه المشروعات إلى رافد رئيس لتطور ونمو الاقتصاد الوطني، فضلا عن دورها الكبير في تحويل العاطلين إلى مشتغلين يكسبون عيشهم بكرامة ويساهمون في تطور اقتصاد بلادهم".
ووفقا للبيانات الرسمية فإن معدل الاستثمار في العام المالي 2011 - 2012 بلغ نحو 15.2% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنحو 15.4% في العام المالي 2010 - 2011، وذلك وفقا لبيانات مشروع الموازنة العامة للدولة في العام المالي 2011 - 2012. هذه المعدلات تعد متدنية للغاية ولا تكفي لتحقيق أي نهوض اقتصادي حقيقي أو خلق وظائف للعاطلين وللداخلين الجدد لسوق العمل. ويكفي أن نعلم أن الاقتصادات سريعة النمو والأعلى عالميا في معدلات نموها في شرق آسيا والمحيط الهادئ، تستند على أعلى معدلات للاستثمار في العالم، حيث تشير بيانات البنك الدولي إلى أن المتوسط العالمي لمعدل تكوين رأس المال، أي معدل الاستثمار الحقيقي بلغ نحو 40% في الاقتصادات السريعة النمو في شرق آسيا والباسيفيكي، ونحو 48% في الصين، ونحو 36% في الهند، ونحو 28% في مجموع دول الدخل المنخفض والمتوسط عام 2009. في هذا الإطار، لابد أن تقود الدولة عملية رفع معدل الاستثمار وخلق الوظائف الجديدة لمعالجة أزمة ضعف النمو الحقيقي وضعف آليات خلق الوظائف، سواء من خلال الاستثمارات العامة، أو من خلال تركيز جهودها على حفز وتنشيط المبادرات الادخارية والاستثمارية المجتمعية.
(10) "البنك المركزي المصري مؤسسة مستقلة ذات شخصية اعتبارية عامة، ويصدر بنظامه الأساسي قرار من مجلس الشعب بالأغلبية المطلقة، يلزم لإقراره، تصديق رئيس الجمهورية عليه، فإذا رفض، يُعاد مشروع النظام لمجلس الشعب لإجراء التعديلات المطلوبة لتصديق الرئيس عليه، أو تتم إعادة التصويت عليه في مجلس الشعب، فإذا حصل على أغلبية الثلثين من المجلس، يصبح القانون ساريا ولا يلزم موافقة الرئيس عليه. ويراعى في هذا النظام الأساسي أن يكون نافيا لأي شكل من أشكال تعارض المصالح أو منافذ المحسوبية.
فليس من المعقول أن يكون محافظ البنك المركزي الحالي (د. فاروق العقدة)، هو في نفس الوقت رئيسا للبنك الأهلي فرع لندن أي موظفا تابعا لرئيس مجلس إدارة البنك الأهلي الذي من المُفترض أن يكون خاضعا لرقابة البنك المركزي، وبما أن التابع لا يمكن أن يكون حرا في رقابة المتبوع، فإن رقابة البنك المركزي على البنك الأهلي بصورة جدية، تبقى محل تساؤل أو شك منطقي.
(11) "البنك المركزي هو المختص بإدارة السياسة النقدية لمصر بشكل مرن ومستقر وكفء، والإشراف والرقابة على كل البنوك العامة والخاصة المحلية والأجنبية العاملة في مصر، بما يحفز الادخار ويشجع الاستثمار والصادرات ويدعم التنمية الاقتصادية والتوازن في العلاقات الاقتصادية المصرية مع باقي دول العالم".
(12) "يُعين محافظ البنك المركزي ونائباه لمدة أربعة أعوام قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، بقرار من مجلس الشعب، من بين المشهود لهم بالكفاءة والخبرة والنزاهة، وتلزم موافقة الرئيس على المحافظ ونائبيه الذين اختارهم مجلس الشعب، فإذا رفضهم كلهم أو أحدهم، يختار مجلس الشعب مرشحا أو مرشحين آخرين للمنصب، أو يعيد التصويت على نفس الشخص أو الأشخاص، فإذا حصل على أغلبية الثلثين، لا تكون هناك حاجة لموافقة الرئيس. وإذا لم يحصل على هذه النسبة، وجب التغيير واختيار شخص أو أشخاص آخرين بدلا من المرفوض أو المرفوضين، مع إعمال الآليات السابقة لإقرار الاختيار. ويكون المحافظ والنائبان محصنين ضد العزل أو الإقالة. ويختص الرئيس بقبول استقالة أي منهم قبل انتهاء مدته. ويحصل محافظ البنك المركزي المصري على معاملة مالية مساوية للمعاملة المالية الخاصة برئيس الوزراء، بينما يحصل نائباه على المعاملة المالية للوزراء، ويخضع الثلاثة لرقابة تصرفاتهم المالية ومراجعة ذمتهم المالية ومحاسبتهم مثل الوزراء ورئيس الوزراء ورئيس الجمهورية".
(13) "يتكون مجلس إدارة البنك المركزي من 16 عضوا إضافة للمحافظ، والأعضاء هم النائبان، ورئيس هيئة الرقابة المالية بصفته، وممثل لوزارة المالية يختاره رئيس الوزراء بناء على ترشيح وزير المالية، وستة خبراء مشهود لهم بالكفاءة والخبرة والنزاهة، يختارهم رئيس الجمهورية من بين الخبراء في المجالات النقدية، والمصرفية، والمالية، والقانونية، والاقتصادية، والعلاقات الدولية، إضافة إلى ممثل لاتحاد رجال الأعمال في قطاع الصناعة، وممثل لاتحاد رجال الأعمال في قطاع التجارة والخدمات عموما، وممثل للمؤسسة القومية لرعاية المشروعات الصغيرة (مطلوب تأسيسها في هذا المشروع حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في الدستور)، وممثل لاتحاد الفلاحين، وممثل لاتحاد النقابات المهنية، وممثل لاتحاد العمال".
ويرجع إضافة كل هذه الفئات إلى ارتباطها بسياسات تعبئة المدخرات وتمويل التجارة والاستثمارات، وتعديل أسعار الفائدة الأساسية وسعر الصرف وإدارة الاحتياطي.
(14) "تُعطِي البنوك المملوكة للدولة والتي تعد ركيزة أساسية لتعبئة المدخرات وتمويل وتنشيط الاستثمارات في كل القطاعات وإنعاش حركة التجارة، أولوية لإقراض صغار ومتوسطي المقترضين والمستثمرين وبناة المشروعات التعاونية، كما تعطي أولوية لإقراض المستثمرين أيا كان حجم استثماراتهم كبيرة أو متوسطة في القطاعات الحيوية التي تلبي احتياجات الشعب، وينبغي ألا تقل نسبة الائتمان الموجه لتمويل المشروعات الخاصة الصغيرة والتعاونية والكبيرة ومشروعات القطاع العام والقطاع العائلي عن أربعة أخماس الائتمان الذي تقدمه البنوك، ويوجه ثلث هذه الأربعة أخماس للمشروعات الصغيرة والتعاونية".
وللعلم فإنه في ديسمبر 2011 بلغ الائتمان الممنوح للحكومة نحو 515.8 مليار جنيه توازي نحو 52.2% من إجمالي الائتمان البالغ 987.4 مليار جنيه في التاريخ المذكور، هذا فضلا عن نحو 38.8 مليار جنيه تم منحها كائتمان لشركات قطاع الأعمال العام، شكلت نحو 4% من إجمالي الائتمان الممنوح من البنوك، ليتبقى 326.9 مليار جنيه للقطاع الخاص بنسبة 33.1% من الائتمان، ونحو 105.9 مليار جنيه للقطاع العائلي بنسبة 10.7% من إجمالي الائتمان.
(15) "تلتزم الحكومة وقطاعها العام وهيئاتها الاقتصادية وكذلك شركات القطاع الخاص بنسبة 5% من فرص العمل لديها لذوي الاحتياجات الخاصة لإدماجهم في سوق العمل ليشاركوا حسب قدرتهم في صنع نهضة بلادهم، ولتمكينهم من مساعدة أنفسهم وكسب عيشهم بصورة كريمة، وتوضع عقوبات على الشركات العامة والخاصة التي لا تلتزم بهذه النسبة تتمثل في فرض غرامات تماثل النسبة المذكورة من مخصصات الأجور وما في حكمها في الشركة المخالفة، إذا كانت لا توظف ذوي احتياجات خاصة لديها كليا، أو غرامة تستكمل تلك النسبة إذا كانت تلتزم جزئيا بتوظيف بعض ذوي الاحتياجات الخاصة، وتخصص حصيلة تلك الغرامة في تمويل تقديم إعانة بطالة لذوي الاحتياجات الخاصة".
(16) "نظام الأجور يجب أن يتسم بالاتساق والتوازن في المصالح بين أرباب العمل والعاملين لديهم لضمان عدالة اقتسام القيمة المضافة التي تم خلقها في العملية الإنتاجية، وأيضا لضمان فعالية ومرونة سوق العمل وحفز العمل والإنتاج والابتكار ونمو ونشاط الأعمال الخاصة والعامة. وينبغي أن يتضمن هذا النظام حدا أدنى للأجر يكفي لمتطلبات الحياة الكريمة للعامل، ويتغير سنويا بالقانون بنفس معدل ارتفاع أسعار المستهلكين (معدل التضخم) المعلن رسميا لضمان عدم تآكل قدرته الشرائية. وينبغي ألا تتجاوز كل الدخول الإضافية للعامل أو الموظف، نسبة 100% من الأجر الأساسي كقيد قانوني مساعد لتحقيق العدالة الاجتماعية ومانع للأبواب الخلفية للفساد في توزيع مخصصات الأجور وما في حكمها. كما ينبغي لنظام الأجور الخاص بالعاملين لدى الدولة أيا كانت الجهة التي يعملون فيها، أن يتضمن حدا أقصى للدخل الشامل لا يتجاوز ما يتراوح بين 15، و20 ضعف الحد الأدنى المطلق للأجر الشامل للعاملين لدى الدولة".
وتجدر الإشارة إلى أن الحد الأقصى للدخل الشامل المقترح يقترب من المعدلات المعمول بها في دولة رأسمالية كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وأعلى كثيرا من المستوى الموجود في اليابان حيث يصل الدخل الأقصى للعاملين لدى الدولة إلى 10 أضعاف الدخل الأدنى.
(17) "يُوضع توصيف وظيفي للعاملين لدى كل جهات الدولة (الجهاز الحكومي والهيئات الاقتصادية والقطاع العام)، يتم بناء عليه إعطاء أجور موحدة تقريبا مع هامش حركة لا يزيد عن ربع الأجر الأساسي، للذين يقومون بوظيفة واحدة ولديهم نفس سنوات الخبرة والكفاءة، لأن تعدد الأجور عن نفس العمل لدى الدولة، عند مستوى واحد من التأهيل العلمي والخبرة والكفاءة، هو ظلم وظيفي واجتماعي فادح".
ومن المعروف أن نظام الأجور، يشكل الآلية الرئيسية لتقسيم القيمة المضافة الناتجة عن العملية الإنتاجية، بين العاملين وأرباب العمل سواء كانوا من القطاع العام أو القطاع الخاص، وهو بالتالي آلية رئيسية لتحقيق العدالة في توزيع الدخول، إلى جانب الآليات الأخري مثل الضرائب ودعم الخدمات العامة والدعم السلعي والتحويلات التي تتحقق من خلالها كلها، العدالة الاجتماعية المنشودة التي تمثل مطلبا رئيسيا للشعب الذي أنجز ثورة 25 يناير 2011. وفي أكثر الاقتصادات الرأسمالية تحررا تبقى الدولة محتفظة ببعض الأدوار المرتبطة بالسلام الاجتماعي الحافظ لاستقرار النظام الرأسمالي نفسه، وفي مقدمتها، وضع حد أدنى للأجور لكل العاملين في البلد سواء كانوا يعملون في القطاع الخاص، أو يعملون لدى الدولة في قطاعها العام وجهازها الحكومي وهيئاتها الاقتصادية والذين تكون الدولة بمثابة رب العمل بالنسبة لهم، وتضع لهم أيضا حدا أقصى للأجور لضمان وجود توزيع عادل ومنطقي لمخصصات الأجور وما في حكمها. ومرفق في نهاية هذه الدراسة ملحق مركز حول نظام الأجور الراهن في مصر ونقاط الخلل فيه وكيفيه إصلاحه بدون تضخم.
(18) "تلغى نهائيا الكادرات الخاصة، ويُكتفى فقط بتحريك بدل طبيعة العمل ليتراوح بين ربع ونصف الأجر الأساسي بصورة متباينة بين المهن المختلفة تبعا للمخاطر المحيطة بها".
وتجدر الإشارة إلى أن الكادرات الخاصة خلقت حالة من العشوائية والظلم والاحتقان بين أبناء المهن المختلفة والتمييز الذي لا ينهض على أي أساس في نظام الأجور، بسبب فوضى البدلات والحوافز والعمولات والمكافآت وتوزيعات الأرباح. وأدت في الكثير من الأحوال إلى تمييز خريجين ومهنيين أقل تفوقا عن زملائهم الأكثر تفوقا. وعلى سبيل المثال، فإن كليات الشرطة والحقوق تأخذ الطلاب الحاصلين على درجات وتقديرات علمية أقل كثيرا من الطلاب الذين تقبلهم كليات الطب والهندسة والاقتصاد والعلوم السياسية، ورغم ذلك فإنهم إذا عملوا جميعا لدى الدولة، فإن الدخول الشاملة لخريجي كليات المتفوقين تقل كثيرا عن الدخول المناظرة لضباط الشرطة أو موظفي وزارة العدل أو وكلاء النيابة أو رجال القضاء.
ولا يجدي في تبرير هذا الخلل القول بأن هناك مهنا دون غيرها تحتاج لتحصين من يعمل فيها حتى لا يفسد. لأنه ببساطة إذا كان رجل الشرطة الموكل له خدمة وتنفيذ الأحكام القانونية وحماية الأمن، وإذا كان القضاة الموكل إليهم تطبيق القانون، يحتاجون لمتطلبات الحياة الكريمة بصورة تحصنهم ضد الانحراف، فإن الطبيب المتفوق علميا في الأصل والذي يرعى صحة أبناء الأمة في المستشفيات العامة ويتعرض لمخاطر العدوى يحتاج بدوره لمتطلبات الحياة الكريمة لتحصينه من الإهمال في أداء عمله المتعلق بصحة وحياة البشر، وإلا تكاسل وأهمل وبحث لنفسه عن وظيفة إضافية يحصل منها على دخل إضافي يستكمل به متطلباته. وكذلك فإن المدرس المسئول عن التشكيل العلمي والضميري لكل الأجيال الجديدة هو أيضا بحاجة للحصول على أجر كاف لحياة كريمة له ولأسرته بصورة تحصنه من الفساد المتمثل في الإهمال في أداء وظيفته، واللجوء إلى إعطاء الدروس الخصوصية، خاصة في ظل التدني المتعمد للكتب الدراسية الحكومية والمصنوع من قبل أساطين الدروس الخصوصية الذين يملكون بصورة مباشرة أو غير مباشرة هيمنة على وضع تلك الكتب المتدنية الجودة، بما يجبر الطلاب على اللجوء للكتب الخارجية والدروس الخصوصية. ولو انتقلنا لوظائف عمالية مثل عامل النظافة، فإنه بدوره يحتاج لأجر عادل يكفي لمتطلبات حياة كريمة، وإلا أهمل وترك الشوارع متخمة بالقمامة بكل تأثيراتها الضارة على الصحة العامة والصورة الحضارية والجمالية للمدن والقرى. باختصار، يمكن تبرير الخصوصية لأي مهنة، ولذا فإن الحل لن يكون أبدا بالكادرات المشوهة لنظام الأجور، بل بتوحيد نظام الأجور والتدرج المعتدل والعادل تبعا للمؤهل والمهنة حسب التوصيف الوظيفي، ووضع حد أدنى مطلق كاف لحياة كريمة للعامل، ونظام للعلاوات كمقابل للأقدمية والخبرة ومقابل غلاء المعيشة، يضمن الحياة الكريمة للعامل وأسرته، وحد أقصى للدخل الشامل يضمن العدالة الاجتماعية.
(19) "تضمن الدولة حرية واستقلال العمل النقابي، وحق العاملين لدى الدولة وفي كل المشروعات والمؤسسات العامة والخاصة في تشكيل لجانهم النقابية ونقاباتهم المستقلة الفرعية والعامة للدفاع عن حقوقهم في علاقات عمل وأجور عادلة. على أن تكون النقابة طرفا شريكا ومراقبا لعقود العمل التي يبرمها العمال مع الشركات العامة والخاصة على حد سواء، حماية لحقوق العاملين وللتوازن المطلوب في العلاقة بينهم وبين أرباب العمل".
(20) "تضع الدولة ونقابات العاملين ومنظمات أرباب الأعمال ومنظمات المجتمع المدني المعنية، قواعد عامة وموحدة لعقد العمل بحيث يتضمن حقوق وواجبات العامل أو الموظف إزاء رب العمل، ويكون العقد مضمونا من الدولة ممثلة في وزارة القوى العاملة، ولا يُعترف بأي استقالة للعامل إلا إذا قدمها هو شخصيا واعترف بها في وقتها لمكتب العمل"
الهدف من ذلك هو إنهاء السلوك غير الأخلاقي لبعض رجال الأعمال الذين يجبرون العاملين لديهم على التوقيع على استقالة غير مؤرخة قبل أن يتسلم عمله، لاستخدامها في أي لحظة يعن لهم فيها الاستغناء عن العامل دون إعطائه أي حقوق.
(21) "كل العمالة التي تعمل بشكل دائم في وظائف حقيقية، لابد أن يتم تعيينها لأن بقائها تعمل بشكل دائم من خلال تعاقدات مؤقتة، هو اعتداء على حق العامل في ديمومة العمل وما يستتبعه من استقرار وظيفي واجتماعي وحقوق في التأمين الصحي والاجتماعي عليه، طالما أن العامل يعمل بالتعاقد في عمل دائم وليس موسميا".
(22) "التأمين الصحي حق أصيل لكل المواطنين لضمان الرعاية الصحية للعاملين والفلاحين، ولحماية الصحة العامة وقدرة الشعب على الإنتاج والتمتع بالحياة".
(23) "التأمين الاجتماعي حق أصيل لكل العاملين لدى الدولة والقطاع الخاص، وللمرأة التي تعمل كربة منزل وللفلاحين باختيارهم، ويمكن رفع سن المعاش إلى 62 سنة كحد أقصى".
وبالتالي فإن قانون التأمينات الذي أعده يوسف بطرس غالي، وزير مالية مبارك، ينبغي أن يتم إلغاؤه قبل أن يدخل حيز التنفيذ لأنه قانون ظالم للعاملين وأسرهم على كافة الأصعدة، وبالذات فيما يتعلق بسن المعاش. وللعلم فإن الدول التي اتجهت مؤخرا لزيادة سن المعاش إلى 65 عاما، ومن بينها بعض الدول الرأسمالية المتقدمة، لم تأخذ بهذا الاتجاه إلا بعد أن وصل متوسط العمر المتوقع للشخص عند الولادة في تلك الدول إلى 80 سنة في المتوسط، بينما يصل متوسط العمر المتوقع للشخص عند الولادة في مصر إلى 71 سنة فقط حسب بيانات البنك الدولي المأخوذة من بيانات رسمية مصرية.
(24) "أموال التأمينات هي أموال خاصة مملوكة للمؤمن عليهم سواء كانوا ممن عملوا أو يعملون لدى القطاع الخاص، أو ممن عملوا أو يعملون لدى الحكومة والقطاع العام والهيئات الاقتصادية العامة. ولا يجوز للدولة أن تسيطر على أموال التأمينات، أو تستغلها بأسعار فائدة أقل من أسعار فائدة أذون الخزانة. ويدير أموال التأمينات مجلس أمناء مدته ستة أعوام غير قابلة للتجديد. ويتكون هذا المجلس من المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة والذين ترشحهم النقابات المختلفة للعمال والمهنيين، ويتم انتخاب العدد المطلوب منهم من خلال الجمعية العمومية لأرباب المعاشات. ويخضع مجلس الأمناء المذكور لرقابة شركة محاسبة متخصصة، إضافة إلى الجهاز المركزي للمحاسبات. ولا يجوز لمن تم اختيارهم في مجلس الأمناء أن يعملوا هم أو أقاربهم حتى الدرجة الثالثة في أي مؤسسات تم استثمار أموال التأمينات فيها لمدة خمسة أعوام بعد انتهاء مدتهم في مجلس الأمناء. وتتولى الدولة ترتيب رد كل أموال التأمينات وفوائدها المقررة والمستحقة إلى صناديق التأمينات".
(25) "تكفل الدولة حق الضمان الاجتماعي الكافي لحد أدنى من حياة كريمة للفقراء عموما وذوي الاحتياجات الخاصة من غير القادرين على العمل، وكذلك الأمر بالنسبة للمرأة المُعِيلة. كما تكفل الدولة مصابي وأسر شهداء الثورة والحروب بشكل كريم ولائق بما قدموه من تضحيات من أجل الأمة كلها. كما تساند الدولة وتكفل مصابي وضحايا الكوارث الطبيعية".
وتجدر الإشارة إلى أن دور الدولة في هذا الصدد لا يحقق في الوقت الراهن التضامن الاجتماعي الحقيقي، ولا يساعد على مكافحة الفقر والبؤس، حيث بلغت مخصصات معاش الضمان الاجتماعي الذي يتم تقديمه لـ 1.5 مليون أسرة يبلغ تعداد أفرادها في حدود 7.5 مليون نسمة، نحو 2.7 مليار جنيه في الموازنة العامة للدولة للعام 2012 - 2013، بواقع 150 جنيها للأسرة في المتوسط، أو أقل من 30 جنيها للفرد شهريا في المتوسط. وينبغي على أي حكومة تنتمي لروح الثورة فعليا أن ترفع هذا المعاش إلى ثلاثة أضعاف مستواه الراهن. ومن المهم الإشارة إلى أن هذا المعاش ليس منة أو منحة من أحد، بل هو حق للفقراء في إيرادات الموارد الطبيعية والمشروعات العامة القديمة لبلادهم. وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة في مصر، ومن ورائها بعض الاقتصاديين التابعين لها ولأي سلطة، يتحدثون دائما عن ارتفاع نسبة الدعم والتحويلات في مصر، وهذا غير حقيقي، لأنه وفقا للبيانات الحكومية الواردة في مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2012 - 2013، فإن مخصصات الدعم والتحويلات بلغت في مجملها 145.8 مليار جنيه توازي نحو 8.3% من الناتج المحلي الإجمالي المتوقع في العام المالي المذكور. هذه المخصصات تذهب غالبيتها للطبقة الرأسمالية الكبيرة في صورة دعم للطاقة والصادرات وغيرها من أشكال الدعم، بينما يذهب الجزء الأصغر منها لدعم الفقراء أو كتحويلات لهم. وبالمقارنة فإن الدعم والتحويلات كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بلغ نحو30% في الدانمرك، ونحو 25.7% في فرنسا وألمانيا، ونحو 29% في إيطاليا، ونحو 24.6% في بريطانيا، ونحو 16.3% في الولايات المتحدة، ونحو 14.3% في المتوسط العالمي.
(26) "تضمن الدولة حق السكن لمواطنيها كحق اقتصادي - اجتماعي أصيل، وذلك من خلال قيام شركات الدولة ببناء وتوفير المساكن الشعبية والاقتصادية اللائقة والصحية والمتناسبة مع دخول الفئات التي تحتاجها من الفقراء ومحدودي الدخل. إضافة لذلك تقوم الدولة بمد البنية الأساسية على أسس اقتصادية مدروسة لمناطق جديدة لتوسيع رقعة العمران وتنمية مناطق سكنية وصناعية وزراعية وخدمية جديدة، وتقدم تسهيلات لحفز المواطنين على الخروج من الوادي والدلتا إلى تلك المناطق الجديدة".
ومن الضروري الإشارة إلى أن حق السكن قد تم الاعتداء عليه لأربعة عقود، تخلت خلالها الدولة عن دورها في هذا الصدد، وتخلت حتى عن تخطيط النمو العمراني وتركت كما هائلا من عشوائيات الطبقة الوسطى وعشوائيات البؤس التي تستوعب الفقراء، تنمو على تخوم المدن الكبرى وعلى رأسها القاهرة. كما تركت الرأسمالية العاملة في قطاع العقارات تنهب المواطنين من طالبي السكن، لأن تلك الشركات اعتمدت على مبيعاتها للمصريين العاملين بالخارج التي تكفلت بتنشيط أعمالها وتحقيق معدلات ربح جيدة. كما قدمت الدولة - وما زالت - دعما يُفترض أنه يذهب لإسكان محدودي الدخل، وتم تخصيص 1.5 مليار جنيه له في موازنة العام المالي الجاري 2011 - 2012، بدلا من 1.3 مليار في التقديرات الخاصة بالعام المالي 2010 - 2011، ونحو 1.4 مليار جنيه في عام 2009 - 2010. ولم تقل لنا وزارة المالية إنها غيرت النظم التي يتم تقديم هذا الدعم من خلالها والتي أفضت طوال الفترة الماضية إلى تقديمه للرأسماليين الكبار من أصحاب الشركات الخاصة التي تنفذ المشروع وليس للمستفيدين الذين هم أيضا ليسوا من محدودي الدخل أصلاً. فقد تم منح الأراضي لعدد من الرأسماليين أو رجال الأعمال ومنهم المرشدي ومحمد حسن درة وسميح ساويرس بسعر عشرة (10) جنيهات للمتر بدون المرافق، أو بسعر 70 جنيها للمتر بالمرافق الخارجية كاملة، مع دعم حكومي قدره خمسة عشر ألف جنيه على كل وحدة سكنية مساحتها 63 مترا مربعا، بواقع 238 جنيه لكل متر. ورغم أن كل الحسابات المعتدلة تشير إلى أن سعر بيع الشقة الجاهزة 63 مترا بمستوى التشطيب الذي يتم فعليا، بعد كل الدعم الذي حصل عليه الرأسماليون من الدولة، ينبغي ألا يزيد على 45 ألف جنيه تتضمن ربحا جيدا لهم، إلا أن سعر بيعها الفعلي يبدأ من 103 آلاف جنيه ويصل إلى 140 ألف جنيه حسب درجة التميز، بما يعني أن معدل الربح يبدأ من 170%، وهو معدل بالغ الارتفاع ويعبر عن حالة من الاستغلال الاحتكاري للشباب والفقراء والاستغلال الأسوأ لما تم منحه لهم من أراض مرفقة ومنح مالية من المال العام، وهو فساد حقيقي تشارك فيه إدارة البرنامج القومي للإسكان التي لا تقوم باشتراط أي تحديد لأسعار الشقق التي تم تقديم دعم كبير لها من المال العام، وهو ما يطرح ضرورة تغيير آلية تنفيذ المشروع واستبعاد رجال الأعمال نهائيا من تنفيذه. وعلى الدولة أن تقوم بتنفيذ المشروع بنفسها بحيث لا يتجاوز القسط الشهري للشقة، ربع مرتب العامل أو الموظف، أو تمنح المزايا للمواطنين المستحقين لهذا الإسكان بصورة مباشرة.
(27) "تنهض العلاقة بين الملاك والمستأجرين للأراضي الزراعية والعقارات على أسس واحدة وبشكل يتسم بالاتساق والعدالة والتنظيم الذي يشارك في إعداده وتطويره ممثلون للملاك والمستأجرين والدولة، بصورة تحقق النفع العام والتوازن والعدالة بين الملاك والمستأجرين".
وفي هذا السياق لابد من معالجة عادلة ومتوازنة لمشكلة العقارات المؤجرة بشكل دائم وفقا لقانون الإيجارات القديم (الإيجارت الدائمة بمقابل ثابت)، والمؤجرة مقابل إيجارات هزيلة ولا قيمة لها بمعايير الأسعار في الوقت الراهن، والتي تم تأجيرها قبل صدور قانون الإيجارات الجديد الذي حرر العلاقة بين الملاك والمستأجرين وترك للمالك حرية تحديد مدة عقد الإيجار بالاتفاق مع المستأجر الذي يكون عادة في وضع إذعان.
(28) "تفرض الضرائب بقانون، ولا يجوز فرض أي ضرائب أو رسوم أو غرامات أو إتاوات إلا بقانون، ولا يجوز تعديلها إلا بقانون، وتصب حصيلة الضرائب والرسوم والغرامات والإتاوات وأية متحصلات بحكم السيادة في الخزانة العامة للدولة، تحت ولاية الحكومة ممثلة في وزارة المالية، وليس لأي صناديق خاصة. ويراعى في قانون الضرائب أن يكون هناك إعفاء للفقراء ومحدودي الدخل من أداء الضريبة على الدخل، وإعفاء للمشروعات التعاونية والصغيرة ومتناهية الصغر من الضرائب والرسوم، إلى حد معين من الدخل والأرباح، وبعد أن تخرج من نطاق المشروعات الصغيرة، تفرض عليها ضرائب بالمعدلات التي يحددها القانون. ويكون النظام الضريبي متعدد الشرائح وتصاعديا بالنسبة للأفراد والشركات، بصورة متناسبة مع المقدرة التكليفية للممولين. وينظم القانون طريقة جباية الضرائب، بصورة محكمة وميسرة، وتفرض عقوبات صارمة على المتهربين من أداء الضريبة باعتبار التهرب الضريبي جناية تهرب من أداء حق المجتمع والدولة".
ومن المؤكد أن قانون الضرائب الفاسد الذي تم وضعه في عام 2005، يحتاج لتغيير كلي، فهناك ضرورة لرفع الحد الأدنى للإعفاء من الضرائب إلى 18 ألف جنيه سنويا (بدلا من 12 ألف جنيه حاليا)، بما يعني أن من يبلغ دخله 1500 جنيه شهريا أو أقل، يتم إعفاؤه من الضرائب، مع وضع شرائح متعددة وتصاعدية للضريبة، وجعل الشريحة العليا من الضريبة على دخل الأفراد عند 40% لمن يزيد دخله عن مليون جنيه سنويا، أي 167 ألف دولار، بدلا من نسبة الـ20% المعمول بها حاليا والتي تطبق على كل من يبلغ دخله 40 ألف جنيه حتى 10 ملايين جنيه سنويا. أما الضريبة على الشركات فيمكن أن تكون في حدود 10% على الشركة التي يتراوح دخلها بين 40 ألف جنيه، ومائة ألف جنيه، وترتفع إلى 15% على الشركة التي يتراوح دخلها بين 100 ألف جنيه، و250 ألف جنيه، وترتفع إلى 20% على الشركات التي يتراوح دخلها بين 250 ألف جنيه، و500 ألف جنيه، وترتفع إلى 25% على الشركات التي يزيد دخلها عن 500 ألف جنيه ويقل عن مليون جنيه، وترتفع إلى 30% على الشركات التي يبلغ دخلها أكثر من مليون جنيه، ويقل عن 10 ملايين جنيه، وترتفع إلى 35% على الشركات التي تحقق دخلا أكبر من 10 ملايين جنيه في العام.
وبذلك يصبح النظام الضريبي عادلا نسبيا ويتلاءم معدل الضريبة فيه مع دخل الممول أو مع المقدرة التكليفية للممول، بحيث لا يتم تحميل العاملين للجزء الأكبر من الضرائب، بينما تتضاءل حصة أرباب العمل وأصحاب حقوق الملكية عموما في مدفوعات الضرائب كما هو الحال في الوقت الراهن. كما ينبغي إلغاء الإعفاء الضريبي لمشروعات جهاز الخدمة الوطنية بوزارة الدفاع لضمان عدالة المنافسة، إلى أن يتم إلحاق هذه المشروعات بالقطاع العام لأنه ببساطة لا يجوز أن يكون هناك اقتصاد خاص لأي وزارة سواء كانت وزارة الدفاع أو غيرها، لا يخضع للرقابة ولا توجد أي شفافية بشأن توزيع الدخل المتأتي منه، علما بأن المشروعات المذكورة هي لإنتاج المياه والمكرونة والمبيدات الحشرية وتعليب الخضر ودور المناسبات (صالات حفلات الزفاف) وشركة مقاولات. إلخ، بما يعني أنها لا علاقة لها بالأمور العسكرية.
ولابد من الإقرار بأن الإنفاق الدفاعي في مصر منخفض للغاية، وتنبغي زيادته للضعف على الأقل من الموازنة العامة للدولة، بدلا من السماح بوجود شركات خاصة بالوزارة لأن هذا منطق تفكيكي للدولة، ويغري الوزارات الأخرى على أن تسلك نفس المسلك الذي يضرب وحدة الاقتصاد العام للدولة. كما ينبغي إلغاء الإعفاء الضريبي لأرباح منشآت إنتاج الدواجن والنحل وتربية الماشية وتسمينها ومصائد الأسماك ومراكب الصيد، لأنها كلها تبيع إنتاجها بأسعار مرتفعة تزيد في بعض الحالات عن ثلاثة أضعاف السعر العالمي كما في حالة اللحوم. وللتدليل على أن الشريحة الضريبية العليا المقترحة تتسق مع المعدلات المناظرة في الدول الرأسمالية المتقدمة والنامية نشير إلى أن معدل الضريبة على الشريحة العليا من الدخل في الولايات المتحدة الأمريكية، بلغ نحو 35% على الأفراد الذين يزيد دخلهم على 373 ألف دولار في العام يتم دفعها للحكومة الاتحادية، ويُضاف إليها نحو 8% يتم دفعها لحكومة الولاية، بينما بلغ معدل الضريبة على الشركات نحو 40%. وبلغ المعدل في اليابان 50% على من يزيد دخله الفردي عن 182.1 ألف دولار في العام، بينما بلغ المعدل على الشركات 41%. وبلغ المعدل في ألمانيا 45% على الفرد الذي يزيد دخله عن 334.5 ألف دولار في العام، بينما بلغ 29% على الشركات. وبلغ المعدل في فرنسا 40% على من يزيد دخله الفردي على 92.9 ألف دولار، بينما بلغ المعدل على الشركات 33%. وبلغ المعدل في 40% في بريطانيا على من يزيد دخله الفردي على 66.1 ألف دولار، بينما بلغ المعدل على الشركات 28%. وبلغ المعدل في إيطاليا 43% على من يزيد دخله الفردي على 100.3 ألف دولار، بينما بلغ المعدل على الشركات 31%. وبلغ المعدل في الدانمرك 62% على من يزيد دخله الفردي عن 62.3 ألف دولار، بينما بلغ المعدل على الشركات 25%. وبلغ المعدل في السويد 57% على من يزيد دخله الفردي عن 66.4 الف دولار، بينما بلغ المعدل 26% على الشركات. وبلغ المعدل في هولندا 52% على من يزيد دخله الفردي عن 73.3 ألف دولار في العام، بينما بلغ المعدل على الشركات 26%. وبلغ المعدل في الصين التي تعد أكبر دولة ناهضة مستقبلة للاستثمارات الأجنبية وتحتل دائما واحدا من المراكز الثلاث الأولى على العالم في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بلغ المعدل فيها 45% على من يزيد دخله الفردي عن 175.5 ألف دولار في العام، بينما بلغ 25% على الشركات. وبلغ المعدل في تايلاند 37% على من يزيد دخله الفردي عن 113.2 ألف دولار، بينما بلغ المعدل 30% على الشركات. وبلغ المعدل في ناميبيا 37% على من يزيد دخله الفردي عن 90.4 ألف دولار، بينما بلغ المعدل على الشركات 35%. وبلغ المعدل في جمهورية جنوب أفريقيا 40% على من يزيد دخله عن 63.3 ألف دولار في العام، بينما بلغ المعدل 35% على الشركات.
(29) "تضمن الدولة من منطلق مسئوليتها الاجتماعية، عدالة العلاقات بين المنتجين والمستهلكين والتجار بحيث تكون الأرباح المتحققة فوق تكلفة الإنتاج، معتدلة ولا تمثل تعديا على حقوق المستهلكين، وأن يتم توزيع تلك الأرباح بين المنتجين والتجار بصورة عادلة ومتناسبة مع طبيعة الدور الذي يؤديه كل طرف. ويمكن للدولة القيام بهذا الدور من خلال لعب دور "التاجر المُرجِح" في أسواق المدخلات أي البذور والشتلات والأسمدة والمبيدات، والمحاصيل والخضر والفاكهة، ويتمثل دور هذا التاجر المرجح في التدخل في السوق لتحقيق التوازن السعري، وحماية الفلاحين من استغلال التجار والسماسرة، وحماية المستهلكين أيضا من استغلال التجار من خلال طرح السلع فيها بأسعار عادلة للجميع تدفع قوى السوق إلى المحاذاة على تلك الأسعار العادلة، وضمان توزيع عادل للعائد من العملية الإنتاجية بين الأطراف المشاركة فيها وفي التجارة الخلفية والأمامية المرتبطة بها".
وتعد علاقات المنتجين والتجار في الريف المصري، نموذجا فظا لتحكم التجار في المنتجين والتعدي على حقوقهم، حيث يتعرض الفلاحون لاستغلال مزدوج من تجار ومستوردي المدخلات الزراعية، ومن تجار الحاصلات الزراعية والخضر والفاكهة الذين يشترون المحاصيل والخضر والفاكهة من الفلاحين بأسعار متدنية، تكون في بعض الأحيان أقل من تكلفة جمعها من الأرض في بعض المواسم. هذا الاستغلال يجعل شريحة اجتماعية عملاقة مثل المنتجين الزراعيين الصغار والمتوسطين، تتعرض لظلم اجتماعي كبير، حيث يسيطر الوسطاء، أي التجار، على الجانب الأعظم من عائد عملية الإنتاج الزراعي، بينما يحصل المنتجون الحقيقيون على الفتات.
(30) "لا يجوز منح احتكار إنتاج أو استيراد أو الإتجار في سلعة أو خدمة، إلا للدولة وبقانون خاص وبصورة مؤقتة. وتمنع الدولة كل أشكال الاحتكار الإنتاجي أو التجاري بتأثيراته الضارة على المنافسين والمستهلكين، وذلك من خلال قانون رادع، يعتبر الاحتكار الضار بالمنافسين وبالمستهلكين جناية ذات عقوبات غليظة".
(31) "تتمتع الأجهزة الرقابية التي تراقب التصرفات في المال العام والذمة المالية للرئيس والوزراء ورئيس الوزراء وكل القيادات السياسية والبيروقراطية، باستقلالية كاملة عن باقي السلطات، ويتم الترشح لقيادة الأجهزة الرقابية بصورة شخصية من الراغبين في شغل المنصب والذين تتوفر فيهم شروط الكفاءة والنزاهة والقدرات القيادية، وأيضا يحق لمجلس الشعب أن يطرح مرشحا واحدا، والمجلس الأعلى للقضاء أن يطرح مرشحا واحدا، ومن بين هؤلاء المرشحين، تختار المحكمة الدستورية العليا خمسة مرشحين نهائيين يتضمنون مرشح مجلس الشعب ومرشح المجلس الأعلى للقضاء ومرشح الجمعية العمومية للجهاز الرقابي، على أن يتم انتخاب رئيس أي جهاز رقابي من خلال انتخابات حرة ونزيهة يصوت فيها أعضاء الجهاز الرقابي المعني لاختيار رئيسه من بين المرشحين، بنظام الاقتراع السري. وتدار الأجهزة الرقابية من خلال قيادة جماعية تمنع تسلط رئيس أي جهاز أو انفراده باتخاذ القرارات الحيوية، ويكون لهذه الأجهزة الحق في النفاذ لكل المعلومات المتعلقة بالتصرفات في الأموال والموارد والأصول العامة المملوكة للأمة سواء كانت ملكية عامة خاصة، أو بالمشاركة مع القطاع الخاص المحلي أو الأجنبي. ويكون من حق الأجهزة الرقابية بصورة منفردة، أن تقدم قضايا الفساد بشأن المال العام التي اكتشفتها إلى القضاء والرأي العام مباشرة، دون الرجوع لأي سلطة أخرى".
(32) "تعارض المصالح هو إحدى البوابات الرئيسية للفساد، ويصل إلى ذروته في حالة وجود الرأسماليين في مراكز الحكم بما يتعارض مع أبسط قواعد الشفافية والمنافسة العادلة، حيث يعلم الرأسمالي الموجود في الحكم بالتطورات المؤثرة على السوق قبل باقي زملائه، مما يجعله يستفيد من هذا العلم المبكر ويحقق أرباحا غير مشروعة على حساب نظرائه من الرأسماليين، بل إنه يمكن أن يستخدم سلطته ونفوذه من أجل صناعة القرارات الحكومية في الاتجاه الذي يحقق مصالحه على حساب نظرائه وعلى حساب الشعب عموما. ومن مجمل التجارب التاريخية، فإن وجود الرأسماليين في السلطة التنفيذية أو السلطة التشريعية بصورة مباشرة ينطوي على تعارض فظ بين المصالح الشخصية للرأسمالي الموجود في الحكم أو حتى في السلطة التشريعية، ومصالح باقي الرأسماليين والشعب عموما، وهو ما يستوجب منع سيطرة الرأسماليين على الحكم، ووضع ضوابط صارمة لوجود أعمال خاصة لأي مسئول سياسي".
(33) "الاقتصاد المصري هو اقتصاد دولة مستقلة تنتمي لوطنها العربي ولحوض النيل ولمحيطها الأفريقي والمتوسطي، وتقيم مصر أو تتجه لإقامة علاقات تفضيلية متوازنة مع الدول الشقيقة والصديقة والشركاء الاقتصاديين التاريخيين. وهناك أولوية للعلاقات الاقتصادية مع باقي الدول العربية ودول حوض النيل والدول الأفريقية والمتوسطية، دون المساس بضرورة توطيد العلاقات الاقتصادية الشاملة مع باقي اقتصادات دول العالم وبالذات الدول الصديقة على أسس عادلة ومتكافئة".
(34) "الاقتصاد المصري هو اقتصاد مندمج في الاقتصاد العالمي وعضو فاعل في المؤسسات المالية والاقتصادية والتجارية الدولية، وتعمل مصر من خلال وجودها في هذه المؤسسات على تحقيق أقصى استفادة للاقتصاد المصري، وعلى دعم وتطوير تلك المؤسسات لتصبح أكثر ديمقراطية واحتراما لسيادة الدول ولمتطلبات تنمية اقتصاداتها في ظل ظروفها ومستويات تطورها، وأكثر عدلا وموضوعية فيما تقوم به من أدوار اقتصادية عالمية وما توصي به من سياسات تؤثر على كل اقتصادات العالم. ويقيم الاقتصاد المصري علاقات اقتصادية مع دول العالم على أسس عادلة ومتكافئة تنهض على قاعدة المعاملة بالمثل، وبما يخدم متطلبات التنمية الاقتصادية في مصر".
- ملحق
اختلالات نظام الأجور المصري وكيفية إصلاحه بدون تضخم كأحد أسس العدالة الاجتماعية
أولا: نظام الأجور الراهن ونقاط الخلل فيه
تواجه مصر أزمة حقيقية واحتقانات وإضرابات كثيرة للعمال والموظفين، تتركز مطالبها الأساسية في تحسين أو إصلاح نظام الأجور الراهن الفاسد والمُفسد. وتتركز مساوئ نظام الأجور الراهن في خمس نقاط أساسية: الأولى هي ضعف الحد الأدنى للأجر الذي لا يكفي لأي حد أدنى من حياة كريمة للعامل أو الموظف سواء في القطاع العام والهيئات الاقتصادية العامة والجهاز الحكومي، أو في القطاع الخاص، مما يضطر غالبية العاملين للتحايل واتباع طرق ملتوية وفاسدة لاستكمال ضرورات حياتهم. وحتى عندما أعلنت الحكومة عن رفع الحد الأدنى للدخل الشامل للعامل أو الموظف إلى 684 جنيها، فإنها لم تُلزم القطاع الخاص بهذا الحد الأدنى، وحتى الجهاز الحكومي لم يلتزم به فعليا، فضلا عن أنه غير كاف لتحقيق حد أدنى من حياة كريمة للعامل.
الثانية: هي ضعف الأجر الأساسي الذي يشكل أقل من 20% من مخصصات الأجور وما في حكمها بالنسبة للعاملين لدى الدولة، ونفس الأمر بالنسبة للقطاع الخاص. وبينما تتسم الأجور الأساسية بالانضباط النسبي، فإن توزيع "ما في حكم الأجر" من بدلات وعمولات ومكافآت وأرباح وحوافز، هو باب ملكي لفساد توزيع الدخل بالذات لدى العاملين لدى الدولة.
الثالثة: عدم وجود توصيف وظيفي وتعدد الأجور لدى الدولة عن العمل الواحد لحاملي نفس المؤهل الدراسي ونفس السنة ونفس الكفاءة بحيث يصل الأجر الشامل لبعض العاملين لدى الدولة إلى أكثر من 10 أضعاف نظرائهم في مؤسسات عامة أخرى.
الرابعة: عدم وجود حد أقصى للدخل الشامل كأساس لتحقيق العدالة الاجتماعية والإنصاف في توزيع مخصصات الأجور. بحيث يوجد لدينا رواتب شاملة تبلغ أكثر من ألف ضعف الحد الأدنى للأجر الشامل.
الخامسة: وجود نظام الكادرات الخاصة، وهو نظام تمييزي، بدأ بحالات استثنائية، وانتهى بحالة عامة من العشوائية والتخبط وسوء توزيع الدخل وافتعال الأسباب للخصوصية بصورة تلفيقية لا مبرر لها.
وقبل تناول العناصر الأساسية التي ينبغي ان يتضمنها أي نظام عادل للأجور حتى يكون فعالاً اقتصاديا، لابد من الإشارة إلى أن الناتج المحلي الإجمالي المصري، بلغ نحو 1373 مليار جنيه في العام المالي 2010 - 2011، وبلغ متوسط إنتاجية العامل في العام المالي نفسه، نحو 50.7 ألف جنيه (8450 دولارا) في العام أو نحو 4225 جنيها شهريا، وهو ما يعني أن رفع الأجور المستهدف لن يتم من خلال الاستعانة بموارد إضافية في القطاع العام أو الخاص، بل بإعطاء العاملين حقوقهم في القيمة المضافة التي أنتجوها، مع التأكيد على أنه ينبغي تطوير تلك الإنتاجية من خلال تحديث الآلات والنظم الإدارية. وكان متوسط أجر العامل في قطاع الصناعة التحويلية في مصر قد بلغ 2210 دولارات في العام خلال الفترة من عام 1980 إلى عام 1984، في وقت كانت القيمة المضافة لكل عامل في هذه الصناعة، نحو 3691 دولارا. (راجع: The World Bank، World Development Indicators 2006، p. 66.). أي أن الأجر كان يوازي نحو 60% من إنتاجية العامل في الصناعة التحويلية، في حين أن متوسط أجر العاملين يوازي 26% من متوسط الإنتاجية في مصر حاليا. وهذا التغير يعكس التدهور الشديد في عدالة توزيع الدخل بين العاملين وبين أرباب العمل.
ثانيا: الحدان الأدنى والأقصى وإصلاح نظام الأجور
هناك مبادئ عامة يمكن أن يتم إصلاح نظام الأجور على أساسها. ويمكن تركيز هذه المبادئ فيما يلي:
- الحد الأدنى للأجر لابد أن يكون كافيا لتحقيق حياة كريمة للعامل من خلال قدرته على مواجهة احتياجاته من مأكل وملبس ومسكن وانتقالات وإنفاق صحي، وأن يتغير هذا الحد الأدنى تلقائيا كل عام بنفس نسبة معدل التضخم المعلن رسميا، حتى لا تتراجع قدرته على شراء السلع والخدمات. وأن تتم مراجعة الحد الأدني للأجر كل ثلاث سنوات لمعالجة الآثار المحتملة لارتفاع الأسعار بأكثر من معدلات التضخم المعلنة رسميا التي يتم رفع الحد الأدنى للأجور على أساسها سنويا. وحتى يكفي الحد الأدنى للأجر الأساسي للعامل لحياة كريمة، فإنه ينبغي أن يكون في حدود ستة ونصف (6.5) جنيه في الساعة، بواقع 1500 جنيه شهريا لمن يعمل ثماني ساعات كما هو حال عمال مصر، و1150 جنيها لمن يعمل ست ساعات كما هو حال العاملين في الجهاز الحكومي، علما بأن إيجار سكن متواضع يزيد على 350 جنيها شهريا، ومأكل متقشف يتكلف 450 جنيها شهريا، وملبس متواضع يتكلف 100 جنيه شهريا، وانتقالات ونثريات تتكلف 250 جنيها شهريا، دون حساب أية نفقات صحية أو مدخرات صغيرة لتدبير متطلبات الزواج الذي من المنطقي أن يستعد له العامل بعد استلام عمله. ومع تدرج راتب العامل وفقا لأقدميته فإنه يصبح بالكاد كافيا لإعالة أسرته بعد تكوينها في ظل معدل الإعالة الذي بلغ 3.6 فرد لكل شخص يعمل عام 2010.
- تسوية مرتبات العمال القدامى على أساس الحد الأدنى الجديد بزيادة 5% عن كل عام من الأقدمية بحد أقصى 50 جنيها سنويا. وتتم زيادة معاشات العمال المحالين للمعاش بنسبة موازية للنسبة التي ارتفعت بها الأجور، ويتم تمويل الزيادة من الموازنة العامة للدولة ضمن خطة شاملة لاستعادة فوائد أموال التأمينات من الحكومة بعد أن ظلت لسنوات طويلة لا تدفع عنها سوى فوائد ضئيلة للغاية نسبتها 2%، ثم 4%، ثم 6% في وقت كانت أسعار الفائدة تتراوح خلاله بين 12%، و18%.
- يرتفع الأجر الأساسي للعامل سنويا بنسبة أقصاها 7% كمقابل للخبرة والأقدمية، يضاف إليها نسبة تعادل معدل التضخم المعلن رسميا ويرتفع بها الأجر الشامل كله، دون أن توضع أي حدود قصوى لقيمة الزيادة في الأجور الأساسية بناء على هذه النسب.
- وضع حد أقصى للدخول الشاملة (الأجر الأساسي مضافا إليه كل البدلات والعمولات والحوافز والأرباح والمكافآت) لكل العاملين والموظفين في القطاع العام والهيئات الاقتصادية والجهاز الحكومي، بحيث لا يتجاوز أعلى دخل شامل لأي مستوى وظيفي (خمسة عشر ضعفا) 15 ضعف الحد الأدنى للأجر الشامل للعامل في الدولة، وإنهاء فوضى "المستشارين" والمد لمن تجاوزوا سن المعاش والذين تبلغ مخصصات دخولهم الشاملة لدى الدولة قرابة سدس مخصصات الأجور وما في حكمها، وهو ما سيوفر الكثير من الأموال التي كانت تذهب بشكل غير عادل لفئة محدودة من القيادات العليا، بحيث يمكن استخدامها في إصلاح نظام الأجور عموما.
- يكون الأجر الأساسي للعامل هو أساس دخله من العمل، ولا تزيد الدخول الإضافية من بدلات وحوافز وعمولات ومكافآت شهرية عن 100% من هذا الراتب الأساسي.
- توحيد الأجور الأساسية في الجهاز الحكومي والهيئات الاقتصادية والقطاع العام وفقا للتوصيف الوظيفي، بدلا من التفاوت الرهيب وغير العادل في دخول العاملين في مهنة واحدة حسب الجهة الحكومية التي تقوم بتشغيلهم.
- إنهاء الأبواب الخلفية التي تتضخم عبرها بعض الدخول لتصبح أسطورية، مثل الصناديق الخاصة التي أنشأتها الوزارات والمحافظات والهيئات والجامعات لتخزين الفوائض وحصيلة الغرامات والمخالفات والرسوم والإتاوات، ويتم الصرف منها على الحفلات والدعاية ومكافآت كبار المسئولين، بلوائح خاصة بدلا من إعادتها لوزارة المالية. كما أن ضباط المباحث والمرور يحصلون على مكافآت من الأحياء والهيئات الواقعة في نطاق عملهم، وكذلك أعضاء الأجهزة الأمنية والمحاسبية الذين يشرفون على رقابة القطاع الاقتصادي مثل قطاع البترول والكهرباء والجمارك والجوازات، وهي دخول غير مشروعة، فضلا عن أنها تخلق تعارض مصالح يؤدي إلى ضعف أو انعدام فعالية دورهم الرقابي.
- إلغاء الكادرات الخاصة نهائيا، خاصة إنها خلقت حالة من العشوائية والظلم والتمييز كما ورد في موضع سابق، وطالما تم وضع نظام عادل للأجور يكفل حياة كريمة للعامل وأسرته، فلن تكون هناك حاجة لهذه الكادرات، ويُكتفى فقط بتحريك بدل طبيعة العمل ليتراوح بين ربع ونصف الأجر الأساسي بصورة متباينة بين المهن المختلفة تبعا للمخاطر المحيطة بها.
ج: آلية مقترحة لتمويل رفع الحد الأدنى وتغيير نظام الأجور بلا تضخم
حتى يتم تمويل إصلاح نظام الأجور بدون تضخم، فإنه ينبغي أن يتم بالأساس من خلال عمليات إعادة توزيع للدخل، دون اللجوء للإصدار النقدي الجديد، مع توفير آليات حقيقية لحماية المستهلك ولمنع الارتفاعات غير المنطقية في أسعار السلع والخدمات. ويمكن تركيز الآليات الرئيسية لتمويل رفع الحد الأدنى للأجر وتغيير نظام الأجور كلية على النحو التالي.
- تحقيق العدالة في توزيع مخصصات الأجور وما في حكمها بين العاملين في الجهاز الحكومي والقطاع العام والهيئات الاقتصادية العامة، من خلال جعل أعلى أجر شامل لا يزيد عن 15 ضعف أدنى أجر شامل مما سيوفر جزءا كبيرا من الأموال المطلوبة لرفع الحد الأدنى وإصلاح نظام الأجور.
- إنهاء فوضى "المستشارين" ومن تجاوزوا سن المعاش لتوفير مخصصاتهم التي تبلغ قرابة سدس مخصصات الأجور وما في حكمها، وهو ما سيوفر هذه الكمية الضخمة من الأموال التي كانت تذهب بشكل غير عادل لفئة محدودة من القيادات العليا التي يتم إبقاؤها غالبا لأسباب تتعلق بالمحسوبية، بحيث يمكن استخدامها في إصلاح نظام الأجور عموما، حيث ستوفر أكثر من ربع متطلبات إصلاح نظام الأجور وفقا للحد الأدنى البالغ 1500 جنيه شهريا والذي يشكل المطلب الراهن للعاملين.
- إلغاء دعم الطاقة المقدم لشركات الأسمنت والأسمدة والحديد والألومنيوم والسيراميك وغيرها من الشركات التي تبيع إنتاجها بالأسعار العالمية. وإذا كانت مخصصات دعم الطاقة في موازنة عام 2011 - 2012 قد بلغت 95.5 مليار جنيه فإن ما لا يقل عن 75 مليار جنيه منها يذهب للرأسمالية الكبيرة المحلية والأجنبية العاملة في مصر بدون وجه حق، ويستحق الإلغاء الفوري أو المتدرج.
- الجدية في تحصيل الضرائب من كبار الرأسماليين وشركاتهم، حيث إن هناك 63 مليار جنيه من المتأخرات الضريبية المستحقة على كبار العملاء، ويصل الرقم إلى 126 مليار جنيه لكل المتهربين من الضرائب.
- تحسين حصيلة إيرادات الضرائب من خلال تعديل قانون الضرائب الحالي لمراعاة قاعدة التصاعد وتعدد الشرائح الضريبية بصورة متناسبة مع المستويات المختلفة من الدخول، كأسس راسخة ومتعارف عليها للعدالة الضريبية في البلدان الرأسمالية، بدلا من القانون الفاسد الحالي الذي يساوي بين كبار الرأسماليين الأثرياء وبين الطبقة الوسطى في معدل الضريبة عند مستوى 20% على الدخول التي تزيد عن 40 ألف جنيه في السنة حتى 10 ملايين، وبعدها يرتفع المعدل حسب التعديل الذي أجراه وزير المالية الأسبق د. سمير رضوان إلى 25% ويظل ثابتا حتى لو وصل دخل الفرد أو ربح الشركة إلى عدة مليارات في العام. وهناك ضرورة لفرض ضريبة على المكاسب الرأسمالية وأبرز صورها الأرباح المتحققة في البورصة، وهو إجراء تتبعه الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة والنامية على حد سواء. ومن الضروري أيضا فرض ضريبة أخرى على تحويل الأجانب لأرباحهم في البورصة المصرية إلى الخارج. وتجدر الإشارة إلى أن معدل الضريبة على الشريحة العليا للدخل للأفراد عام 2009، بلغ 62% في الدانمارك، و57% في السويد، و52% في هولندا، 50% في بلجيكا والنمسا واليابان، و45% في كل من أستراليا وألمانيا والصين وكرواتيا، و42% في البرتغال، و41% في سلوفينيا، و40% في كل من شيلي وبولندا وبريطانيا وجمهورية جنوب أفريقيا وفيتنام، و37% في تايلاند، و36% في المجر، و35% في كل من الولايات المتحدة والأرجنتين وإيران وتركيا وإندونيسيا وباكستان وكوريا الجنوبية، و34% في فنزويلا.
- فرض ضريبة على أرباح المتعاملين بالبورصة مماثلة للضرائب على دخول المشروعات التجارية والصناعية، وفرض ضريبة صغيرة في حدود 0.5% على التعاملات في البورصة كما تفعل غالبية البورصات في العالم. وهذه الضريبة ستوفر نحو 5 مليارات جنيه. وستكون في مصلحة البورصة والمتعاملين فيها لأنها ستؤدي إلى تهدئة سخونة المضاربات وإلى تقليل ما ينزحه الأجانب من أموال من مصر من خلال نشاط طفيلي هو المضاربة التي يسهلها عدم وجود ضرائب على التعاملات.
- تطوير أداء وحدات القطاع العام والهيئات الاقتصادية ووضع قيادات مشهود لها بالكفاءة والنزاهة على رأسها، ووضع ضوابط صارمة لمنع الفساد فيها، حتى يتحسن الأداء ويكون هناك فائض محول منها إلى الموازنة العامة للدولة يمكن استخدامه في تمويل نظام الأجور الجديد بناء على تحسن حقيقي في الإنتاج والإنتاجية.
- تعديل اتفاقيات تصدير الغاز للدول الأخرى لوضع أسعار عادلة للثروة الطبيعية المملوكة لكل أبناء الشعب بالتساوي. ولو وضعت أسعار عادلة للغاز المصدر للكيان الصهيوني وأسبانيا وتركيا والأردن، فإن ذلك سيضيف قرابة 15 مليار جنيه كإيرادات للموازنة العامة في السنة قابلة للتصاعد مع تزايد أسعار الغاز. وسيكون من السهل على مصر أن تغير أسعار الغاز للتماشى مع الأسعار العالمية وتكون متغيرة سنويا بناء على تغير تلك الأسعار، لو تبنت منطقا واضحا يشير إلى أن العقود السابقة فاسدة والأسعار المتدنية للغاز فيها بالمقارنة مع الأسعار العالمية عند إبرامها، تعد مؤشرا قاطعا على فسادها. كما أن الذي أبرمها هو نظام فاسد بالاتفاق مع دول وشركات كانت طرفا في عملية الفساد، التي تؤدي في النهاية إلى نهب أموال الشعب المصري الفقير لصالح شركات ودول أغنى من مصر كثيرا.
- الحصول على عائد عادل للثروات الطبيعية وبالذات منتجات المحاجر والنفط والغاز. ويجب تعديل اتفاقيات التنقيب والاستكشاف والاستخراج للنفط باعتبار أن الاتفاقيات القديمة عقدها نظام فاسد وأهدر من خلالها حقوق الشعب المصري، ويمكن فرض ضريبة ثروة ناضبة على كل إنتاج النفط والغاز ومنتجات المحاجر والثروة المعدنية لاستعادة حقوق مصر حتى بدون تغيير الاتفاقيات مع الشركات الأجنبية، على أن يُخصص العائد من هذه الضريبة لسداد فوائد وأقساط الديون الداخلية الهائلة لنظام الديكتاتور المخلوع مبارك، وأيضا لبناء رصيد مالي واستثماري للأجيال القادمة. وعلى سبيل المثال ينبغي مضاعفة رسوم (ضريبة) محاجر الأسمنت إلى مائتي جنيه على الأقل عن كل طن (200 جنيه) في ظل حقيقة أن التكلفة الراهنة للطن قبل فرض هذه الضريبة تقل عن 220 جنيها بينما تبيعه الشركات الأجنبية بنحو 580 جنيها محققة أرباحا احتكارية استغلالية دون ان يتم ردعها. وستكون حصيلة هذه الضريبة في حدود 8 مليارات جنيه في العام. ولن تستطيع تلك الشركات رفع أسعار الأسمنت سواء لأنها تبيع إنتاجها بأعلى من الأسعار العالمية التي تشكل الحد الأعلى للمدى السعري الذي يمكنها التحرك فيه، أو لأن الدولة يمكنها أن تنشئ مصانع جديدة ومضمونة الربح للأسمنت لتخفيف الوضع الاحتكاري للشركات الأجنبية وللوفاء باحتياجات الدولة والمجتمع من الأسمنت بأسعار معتدلة.
- مكافحة الغلاء غير المنطقي وأسبابه المختلفة وعلى رأسها الاحتكار الإنتاجي والتجاري واحتكار الاستيراد، والعمل على تعزيز حماية المستهلكين وأجورهم الحقيقية من خلال قيام الحكومة بدور المنتج والتاجر المرجح وتوفير السلع المحلية والمستوردة في مجمعات حكومية تدار بشكل كفء ونزيه وتخضع لرقابة شعبية عامة ومحلية صارمة، وتبيع السلع بأسعار معتدلة.
- إعادة النظر في دعم الصادرات المقدر بـ2.5 مليار جنيه في الموازنة الأخيرة، نظرا لما تكشف من سوء توزيعه خلال السنوات الماضية، وتوجيه مخصصاته لدعم الصحة والتعليم وإصلاح نظام الأجور.
- بالنسبة للعاملين في القطاع الخاص، فإن الالتزام بالحد الأدنى الجديد للأجر وبتسوية أوضاع العاملين القدامى، يمكن أن يتحقق من خلال قبول الرأسماليين بمعدلات ربح معتدلة، وهو لن يمثل أزمة حقيقية لمن يريد العمل على أساس علاقات عمل عادلة وأخلاقية. وهذا الالتزام بالنظام الجديد للأجر سيشكل آلية لتحسين توزيع القيمة المضافة في العملية الإنتاجية بين العاملين وأرباب العمل، بكل تأثيراتها الإيجابية على الطلب الفعال وعلى حوافز النمو الاقتصادي المتواصل في الاقتصاد، وأيضا على ضرورات الدفاع الاجتماعي والسلام والاستقرار في المجتمع.
وعندما يكون إصلاح نظام الأجور قائما على تعديل توزيع القيمة المضافة بين العاملين وأرباب العمل من خلال نظم الأجور والضرائب، فإن هذا الإصلاح لن يضيف أي قوة تضخمية للاقتصاد، طالما لم يتم التمويل من خلال إصدار المزيد من أوراق النقد لتمويل هذا الإصلاح. كما أن مصر دولة مندمجة في الاقتصاد العالمي وبالتالي فإن أسعار السلع في الأسواق الدولية محملة بتكاليف النقل والتأمين، تشكل سقفا سعريا لا تستطيع الرأسمالية المحلية أو الأجنبية العاملة في مصر، رفع الأسعار عنه، لأنه إذا حدث ذلك سيتم التحول عن استهلاك ما تنتجه للاستيراد من الخارج، خاصة لو كانت الدولة حاضرة ومستعدة لحماية المستهلكين وليست متواطئة مع الرأسمالية المحلية والأجنبية، أو لو توافرت درجة من المرونة والمنافسة والقدرة على الاستيراد دون التعرض لأذى أو عراقيل من الرأسمالية المحلية والأجنبية العاملة في مصر وعصابات الاحتكار التي شكلتها.
- هوامش:
The World Bank, World Development Indicators 2011, p. 222- 224.
World Bank, World Development Report 2012, p. 392-393.
World Bank, World Development Indicators 2011, p. 238-240, 242-244.
- The World Bank, World Development Indicators 2010, 312-314.