Share |
اكتوبر 2012
21
قصر محمد على. ينهار
المصدر: الأهرام اليومى
بقلم:   وجية الصقار

ترميمات خاطئة لحقت بقصر محمد على

يعتبر قصر محمد على بشبرا الخيمة من الآثار المتميزة معماريا وتاريخيا، بناه محمد على باشا فى عام 1808 وأطلق عليه أسم (الجوسق أو الكوشك) وسط بستان للأشجار النادرة، متخذا الطراز الأوروبى نموذجا بسقوف تبلغ نحو 13 ألفا و530 مترا مربعا. وبادرت وزارة الثقافة فى نهاية القرن الماضى لإصلاح وترميم هذا القصر غير أنه بعد تسليمه بنحو 3 سنوات فوجئ المشرفون عليه بسقوط بعض أجنحته وظهور إهمال شديد فى تركيبة وعلاج هذه الأجنحة.
التقارير الأولية للواقعة كشفت عن أن الوزارة أسندت المشروع الى إحدى شركات المقاولات الكبرى وهى شركة غير متخصصة فى ترميم الآثار وأسندته بدورها إلى شركة أخرى من الباطن وهى مؤسسة أسوان للإنشاءات وتعد هذه الشركة المسيطرة على كل مشروعات الآثار بالقاهرة التاريخية، حيث تشير الاتهامات إلى عدم تخصصها فى عمليات الترميم التى شملت معظم أرجاء القصر، مع احتمال وجود انهيارات أخرى متوقعة برغم أعتماد نحن 56 مليون جنيه لهذا المشروع، فى الوقت الذى امتنعت فيه الإدارة الهندسية للآثار الإسلامية والقبطية بالمجلس الأعلى للآثار عن استلام تلك المشروعات حتى بعد افتتاحه فى عام 2009.
الباحث الأثرى رضا عبدالله زين الدين خبير الترميم الدقيق بوزارة الآثار أكد أن ما حدث هو نتاج لأخطاء متتابعة من جانب وزارة الثقافة نفسها.
كما أن الدراسة الفنية أو المقايسة والمواصفات الهندسية للمشروع قام بها مكتب غير مؤهل لهذا العمل العملاق فضلا عن خصوصيته المعمارية، خاصة أن الانهيارات التى حدثت للقصر كانت فى عناصر إنشائية بحتة مما يدل على عدم أهلية الاستشارى والمكتب المقدم للدراسة. وكذلك فى الاهتمام المبالغ فيه جدا فى الأسوار والبويات والحدائق وأعمال (اللاندسكيب)، وترك الهدف الأساسى للمشروع وهو الحفاظ على القصر أثريا ومعماريا وتوصيفيا وهو ما لم يحدث، فضلا عن استخدام أساليب بدائية غير مطابقة للمواصفات أو القوانين الهندسية الإنشائية والمعمارية ومنها على سبيل المثال وليس الحصر استخدام رقائق وألواح الرصاص الثقيلة جدا لعزل الأسقف مما زاد من الضغط على الأخشاب الحاملة للسقف "الجمالوني" وهذا يعد أحد أسباب الانهيار الذى من المتوقع أن يحدث فى باقى المواقع.
أضاف خبير الترميم زين الدين أن الشركة المنفذة للأعمال استخدمت أساليب ترميم غير دقيقة بل هى خاطئة تماما وفق قوانين ومواثيق ومبادئ الترميم المحددة عالميا خاصة فى الزخرفة اللونية للأسقف والصور الملحقة بالقاعات والطرقات التى يمكن اكتشافها بسهولة.
وبلغ الاستهتار أوجه عندما قامت الشركة المنفذة باستبدال الوحدات الإضائية (النجف الأثري) المستورد أثناء بناء القصر من بلجيكا وإيطاليا إلى أخرى زجاجية ومحلية، غير مطابقة للمواصفات أو للأصل والأثر، فالنجف الأصلى الأثرى التى تم رفعه لا يعرف أحد أين ذهب حتى الآن فى غياب دور إدارة التفتيش الأثرى الذى يخضع له القصر أثريا.
- ألوان رخيصة
وأشارت التقارير الأثرية، إلى أن الشركة المنفذة للمشروع قامت بأعمال الترميم بألوان من الانتاج المحلى الرخيص فى علاج الصور الشخصية الخاصة بأسرة محمد على وأولاده (البورتوريهات) فضلا عن أن الترميم تم بطريقة خاطئة وهذه الصور تمت سرقتها منذ أكثر من عام ومزقت وعثر عليها بجوار القصر ولم يحاسب أحد على ذلك برغم تحديد شخصية المسئول الأول عنها فى الحكومة، كما أن إدارة مشروع القاهرة التاريخية أضافت بنودا للمشروع تسببت فى إنفاق وتبديد مبالغ كبيرة مثل بند الستائر الذى أضيف وهى غير أثرية ومخالفة لقانون الآثار الإسلامية والقبطية، والأكثر من ذلك أن هذه الستائر ممزقة الآن لأنها ليست جيدة وغير معالجة ضد الحرائق وغير آمنة لدرجة أن إحداها سقطت وحطمت العديد من الآثار الرخامية وحذر خبير الترميم رضا عبدالله من خطورة الامطار قائلا إن اللجنة المتابعة لانهيارات القصر وجدت أماكن لتسريب مياه الأمطار ببعض الزوايا فى الأسقف الزخرفية مما أدى لانفصال الطبقات للألوان بكل أسطح القصر الى جانب شروخ فى الزوايا التجميعية للأضلاع المكونة لشكل القصر من الداخل ومما يشير الى خطورة متوقعة ولانهيارات تالية سوف تحدث فى داخل القصر، والأكثر من ذلك أن الوزارة نفسها وأثناء افتتاح الرئيس السابق للمشروع عام 2008 قدمت عرضا احتفاليا مبالغا فيه جدا وملأت الفسقية بالمياه تماما وتركتها لمدة 3 أشهر ثم أفرغت هذه المياه، مما نتج عنه خلل بأساسات القصر وتشبع المواد العضوية بالمياه خاصة الأخشاب.
ويعد قصر محمد على بشبرا الخيمة أحد ابرز الآثار المهمة وسجل فى عداد الآثار الاسلامية برقم 602 تحت مسمى سراى محمد علي، وبنى على الطراز الاوروبى بداخله 4 أبواب متقابلة وتوسطه بركة ماء كبيرة (فسقية) بها نافورة من الرخام الابيض الشاهق المستورد من إيطاليا تحملها تماثيل على هيئة تماسيح رخامية تخرج من أفواهها المياه،
وفى حوار مع مسئول كبير بآثار القاهرة أكد أن هناك بالفعل أخطاء شديدة وواضحة فى ترميم قصر محمد على تكشفت مع سقوط أحد أركانه فوق النافورة، ومن المتوقع أن تسقط جميع الأسقف لأن الخطأ واحد للأسف فالشركة المنفذة ليست متخصصة، والدراسة التى أعدتها كلية الهندسة جامعة القاهرة للترميم ركزت فقط على الجوانب الزخرفية ولم تهتم بدراسة الجوانب الإنشائية، مما تسبب فى الكارثة، فلم يدركوا أن السقف الخشبى "الجمالون" منذ عهد محمد على وأن قدرته على التحمل منخفضة جدا مع احتمال وجود تسوس فى هذه الاخشاب فوضعوا عليها عازلا من الرصاص وزنه أضعاف أوزنا الخشب ننتج الانهيار الأول بمساحة 5x5 أمتار مربعة وعندما أتى الخبراء للموقع كشفوا أن هناك عوامل أساسية منها ضعف الخشب وثقل الرصاص وعدم التركيز على الانشاءات ووضع طبقة خرسانية ثقيلة. وأضاف المسئول الكبير أن الوزير أقام مناقصة لعمل "صلبات" جديدة وإنقاذ ما يمكن انقاذه مع تشكيل لجنة فنية لدراسة الأخطاء ووضع الحلول، وندرس حاليا - والكلام للمسئول الكشف عن تركيبة الخشب ومدى نحمله من خلال لجنة فنية وعرضه على معامل للتأكد من خلوه من السوس والغريب أن الوزارة تسلمته بكل هذه الأخطاء منذ نحو 5 سنوات وهنا قرر الوزير إحالة كل المسئولين عن هذه الجريمة إلى النيابة وإيقاف المخطئين عن العمل.