Share |
اكتوبر 2012
21
احذروا. الفقراء
المصدر: الأهرام المسائى
بقلم:   محمد خراجه

محمد خراجة

الفقراء. وما أدراك ما الفقراء!
إنهم من تُسرق منهم أنبوبة البوتاجاز ورغيف الخبز. وهم من يبحثون عن لقمة العيش وكل همهم أن يكون لديهم قوت يومهم، وليس البحث عن رفاهية الحياة. إنما كل أمنيتهم أن يعيشوا بكرامة. إنهم يمثلون نحو 63% من سكان هذا البلد.
إن الفقر من المشكلات الأساسية التي تواجه المجتمع المصري، لما له من أبعاد خطيرة علي كافة المستويات. والفقير - وفقًا لمعايير البنك الدولي - هو من ينخفض دخله عن دولارين يوميًا.
ومن أسباب الفقر عدم فعالية التشغيل، وضعف الإنتاجية، وعدم المساواة الاجتماعية، وتفاوت الدخول، والاستخدام الخاطئ للقوي البشرية، وعدم استغلالها بالشكل الأمثل، وهو ما أدي إلي انتشار البطالة والسرقة وغيرها من الجرائم. وللأسف! غاب الإعلام المصري عن مشكلة الفقر منصرفًا عنها إلي قضايا أقل أهمية.
هل ينظر العقلاء من المدرسين والأطباء والصحفيين والصيادلة والبيطريين والمحامين والقضاة إلي عواقب تلك الاحتجاجات علي شعور المواطن المصري بصفة عامة، وعلي الفقراء بصفة خاصة؟. إنهم يريدون الحصول علي مكتسبات خاصة، دون النظر إلي حال الفقراء!.
- ألا يعلمون أن ذلك يسبب احتقانًا لدي الفقراء الذين لو خرجوا لحدثت كارثة كبري، خاصة أن بالقاهرة وحدها أكثر من خمسين منطقة عشوائية، تمثل حزامًا حولها؟!. وحدِّث ولا حرج عن قري مصر ونجوعها. ألم يفكر هؤلاء جيدًا قبل أن يعتصموا أو يحتجوا؟!
إن فاتورة الاضطرابات والصراعات التي تقوم بها تلك الفئات المثقفة باهظة، يدفعها الشعب المسكين الذي فرح بالثورة وباركها، واعتبرها المنقذ، لكن للأسف تغلبت المصالح الشخصية والنظرة الضيقة وغياب الضمير لدي البعض، الأمر الذي جعل الفقراء يكرهون اليوم الذي قامت فيه الثورة، لأنهم لم يحصلوا علي أبسط حقوقهم، وهي رغيف الخبز، وأنبوبة البوتاجاز، والعلاج، وغيرها من الحقوق التي تقوم عليها معيشتهم اليومية.
وتؤكد تقارير رسمية أن 71% من فقراء مصر لا يشعرون بالرضا عن حياتهم اليومية. وأن 86% من الأسر الفقيرة تـئن من الأوضاع الاقتصادية الصعبة. فأين تلك النخب من هؤلاء الذين لا يجدون ثمن الخبز، ولا ثمن الكتاب المدرسي، ولا قيمة الكشف عند الطبيب، أو حتى شراء أرخص الأدوية؟!.
إنه لمن الغريب أن تسيطر آفة الاحتجاجات والمظاهرات علي نفوس هذه الفئات التي خرجت عن الاعتدال في الرأي والفكر. لقد تناسي أصحاب الكرافتات والأرواب ورجال العدالة وأصحاب الأقلام وأصحاب الرسالة التعليمية أن هناك غالبية عظمي تسكن معهم في هذه الأرض الطيبة.
لم نسمع من قبل أن الأطباء والصحفيين والمعلمين والمحامين والقضاة والصيادلة والبيطريين خرجوا من أجل الحصول علي مكتسبات شخصية، بل كانوا يخرجون من قبل ضد الاستعمار في الماضي، أو من ظلم وقع عليهم من حاكم مستبد.
من الصعب أيها السادة الأفاضل أن تتجاهلوا واقع الأحداث وآثارها المادية والنفسية علي من يقتاتون يومًا بيوم، بينما غالبيتكم أصحاب مدخرات بالبنوك وتعيشون في شقق فاخرة وفيلات وتركبون السيارات. فإن ظننتم أنكم ستسلمون من نار الفقراء، فاعلموا أنه سيصيبكم دخانهم، وهو دعاؤهم علي من يزعزع استقرار هذا البلد الطيب.
ألم تنظروا إلي حال البسطاء وعمال اليومية. والله عز وجل يقول: "وَتَعَاوَنُوا عَلَي الْبِرِّ وَالتَّقْوَي وَلا تَعَاوَنُوا عَلَي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ". وفي هذا المقام، يذكرنا المقريزي بأنه عندما تعرضت مصر لانخفاض منسوب النيل ويبس الزرع وقلَّت الحبوب، خرج المنادي يستنهض الهمم، فتداعي الناس إلي التعاون، وأخرج كل مواطن ما لديه من فائض غذاء، فتم توزيعه علي المحتاجين حتى زالت الغُمَّة. هذا هو شعب مصر الصبور صاحب المروءة العالية في أوقات الشدة.
هل فكرتم يا سادة في الذهاب إلي الفقراء في العشوائيات وقري مصر لرفع المعاناة عنهم؟! ليس من الإيمان تركهم فريسة للجوع والحرمان، فإن من ضعف الإيمان أن تمتلئ البطون والجار جائع.
ولا شك في أن مشكلة الفقر وآلام الجوع دائمًا ما تؤرق صاحب الضمير الحي والقلب النابض بالإيمان، لأن الله أوصي بالفقراء في كتابه الكريم: "للفقراء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أغنياء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ". إننا نذكركم بأنه ما ذهب الفقر إلي بلد إلا قال له الكفر: "خذني معك". فالكفر والفقر قرينان.
أيها السادة الأفاضل: إننا اليوم في معركة الإصلاح والتغيير. ومكمن الخطر فيها أن يستعجل صفوة هذا البلد جمع الغنائم قبل أن تستقر الأوضاع. وما من شك في أن هناك فصيلا من أتباع النظام البائد يسعي إلي الانقضاض علي سفينة هذا الوطن وهي مصر. فإما أن نلتف حولها ونحميها، وإلا غرقت.
إن من يعطلون مصالح البلاد بالمطالب الفئوية تقاسمتهم الأهواء، لأنهم يفضلون مصالحهم الخاصة علي الصالح العام. ومصداقًا لهذا قول الله تعالي: "قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ". وليس في صالح هذا الوطن أن تتوقف مسيرة الإصلاح والعبور الثالث وتتعطل من أجل بعض الفئات.
ومن خلال قراءتنا للمشهد المصري، فإن غالبية الشعب استهجنوا ما يقوم به أصحاب الياقات والكرافتات والأرواب والبلاطى البيضاء والأقلام ورجل العدالة من مظاهرات واحتجاجات. فماذا تركتم للفقراء وعمال اليومية وأنتم تريدون تعطيل مصالح البلد للحصول علي امتيازات علي حساب بقية الشعب. ألا تعلمون أن هذا يهدد التوازن الاجتماعي في الوطن؟!.
إن من يتظاهرون من النخب لا يدركون حجم مشكلة الفقر وأبعادها، والتي نشأت نتيجة لما كان يحدث خلال الثلاثين عامًا الماضية، حيث أدت بالأغنياء إلي الثراء الفاحش، ودفعت بالفقراء إلي الفقر المدقع.
إننا نتساءل: ماذا يريد أصحاب الاحتجاجات من هذا البلد؟. ألم ينظروا إلي الأحوال الاقتصادية للبلد وانخفاض حجم موارده من السياحة والاستثمار والتجارة. لقد بلغ العجز في الميزان التجاري نحو 33 مليار دولار. ولا نريد التطرق إلي ميزان المدفوعات، لأنه يحتاج إلي شرح طويل.
ليتكم يا سادة تعرفون خطورة ما تفعلونه الآن من تلك الاحتجاجات! ولماذا الاستعراض في وسائل الإعلام. ألا تدركون أن ذلك يثير مشاعر الفقراء؟. ليتكم تخرجون بمقترحات لمساعدة الفقراء وتشغيل الشباب وخلق فرص عمل للعاطلين.
ألم بأن الأوان أن تعرفوا واجبكم في هذه اللحظة الفارقة في مصير الوطن، سواء من كان رئيسًا لناد، أو رئيسًا لنقابة، أو يتحدث باسم فصيل أو فئة وكل غايته أن يكون زعيمًا ويظهر في الفضائيات، ليقال إنه الشجاع والمدافع عن الحقوق حتى تأتي به الانتخابات فيما بعد.
احذروا خروج الفقراء، فإنَّ جميع الشرائع السماوية ترفض التمييز بين فئات المجتمع وحصول فصيل علي مكتسبات خاصة علي حساب الشعب.
إنَّ العدل ميزان الحياة فعندما يغيب، ينتشر الفساد. نسأل الله - سبحانه وتعالي - السداد والرشاد فهو المستعان.