Share |
اكتوبر 2012
28
مستقبل الطاقة فى مصر
المصدر: الأهرام اليومى


فى ظل السباق العالمى لدعم مصادر بديلة للبترول والذى يعد أرخص مصادر الطاقة حتى وقتنا هذا، وتنافس المراكز البحثية على استحداث تكنولوجيات جديدة ونظم أكثر أمانا لترجيح كفة أحد المصادر البديلة للطاقة، انقسم العالم بين داعم للطاقة النووية ومؤيد لمصادر الطاقة المتجددة والنظيفة وهو ما يظهر جليا فى الخريطتين، فعلى اليمين رصد لوكالة الطاقة الذرية لمشاريع المفاعلات النووية المقرر إنشاؤها بهدف توليد الطاقة الكهربية حتى عام 2030 وكما يبدو فإن نصف الكرة الجنوبى أكثر إيمانا وترحيبا بالطاقة النووية ومنهم العديد من الدول العربية والنامية فى حين تعتزم بعض دول العالم المتقدم إنشاء المزيد من المفاعلات النووية. أما على اليسار فقد تم اختيار تصور أحد المراكز البحثية الألمانية لسبل الاستفادة من الشمس والرياح والمصادر الأخرى لتكوين شبكة كهربية من مصادر الطاقة المتجددة تربط دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط بالعالم. هذا التصور والمقترح تنفيذه حتى عام 2050 يمثل طبقا للخبراء نقلة نوعية مهمة حيث سيسهم فى الاستفادة المثلى من الإشعاع الشمسى بالمنطقة العربية. وسعيا لإشراك القارئ فى هذا الجدل العلمى والذى يؤثر بدوره على سياسات الطاقة ومشاريع الاستثمار سواء فى الطاقة النووية أو الشمسية نتناول اليوم رؤية عالمين فى مجال الطاقة كل منهما يطرح رؤيته للمسار الأمثل الذى يجب أن تحذوه مصر لتوليد الطاقة للأجيال القادمة.
منذ أسابيع، خرجت علينا الحكومة اليابانية بخبر عزمها انتهاج استراتيجية جديدة للطاقة والبيئة ترمي لتخفيض الاعتماد على الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء تدريجيا وصولا بها إلى الصفر بحلول عام 2040. والاعتماد على الغاز الطبيعى المسال والفحم وكذلك إدخال مصادر الطاقة المتجددة كبدائل أكثر أمانا من الطاقة النووية، وهو ما اعتبره المحللون قرارا غير قابل للتنفيذ نظرا لعدم واقعيته من الناحية التكنولوجية والعملية، وأن الأمر مجرد مناورة سياسية سرعان ما تتخلى عنها الحكومة اليابانية بعد كسب أصوات حزب حماة البيئة فى انتخابات العام الحالى. ومع تتابع الأخبار وتوالى التحليلات أن العالم يفكك المحطات النووية ويعطى ظهره لاستخدام الطاقة النووية فى إنتاج الكهرباء من جهة، وبين الخطط العالمية لإنشاء محطات جديدة وإدخالها نطاق الخدمة ومنها دول عربية، يتجدد التساؤل عن هذه التحركات العالمية وهل تلقى بظلالها على متخذى القرار بخصوص المشروع النووى المصرى بالضبعة؟ وكيف يمكننا توفير هذه الاحتياجات المستقبلية من الكهرباء؟.
وكما يوضح خبير الشئون النووية وكبير مفتشين الوكالة الدولية للطاقة الذرية سابقا الدكتور إبراهيم العسيرى فإنه من المؤكد أن لكل دولة قرارها طبقا لمعطياتها المحلية، وبالنسبة لليابان فلها دوافعها التي تخصها وحدها، فهى لا تعانى من تزايد سكانها وليست في حاجة لزيادة معدلات إنتاج الكهرباء بأراضيها وهو ما لا ينطبق على الدول العربية، فمعدل تزايد السكان في مصر وحدها يزيد عن المليون نسمة سنويا ويرتفع معدل استهلاك الكهرباء بها بحوالى 7% سنويا لتغطية احتياجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وعلى أقل تقدير فإننا نحتاج سنويا لثلاثة آلاف ميجاوات كهرباء إضافية. وعلى ذلك إذا قررت اليابان التخلى عن الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء فمازال هناك ثلاثون دولة عند قرارها فى خطتها الحالية والمستقبلية فى تشغيل المفاعلات النووية وإنشاء المزيد منها. وهناك دول مثل فرنسا تسهم الطاقة النووية بها بحوالى 80% من إجمالى إنتاج الكهرباء بأراضيها.
ويضيف الدكتور العسيرى أنه بالنسبة للدول العربية فإن الإمارات تتقدم بخطوات جدية وبغير تردد فى إنشاء 4 محطات نووية بها، وهو ما ينطبق أيضا على المملكة العربية السعودية منذ إعلان عزمها إنشاء 16 محطة نووية على أراضيها بتكلفة تصل الي 100 ألف مليون دولار، علي ان يبدأ تشغيل أول محطتين في خلال عشر سنوات ويستكمل تشغيل بقيتها بحلول عام 2030. وبالعودة للوضع المحلى، يشير الدكتور العسيرى إلى أن استراتيجية إنتاج الكهرباء وخاصة مع غياب الوفرة من الغاز الطبيعى أو البترول، تستلزم الاعتماد المتزايد على الطاقة النووية، مدعومة بالتوسع في استخدام الطاقة المتجددة وعلى رأسها طاقة المساقط المائية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح. وكذلك تستلزم هذه الاستراتجية الحد التدريجى من الاعتماد على البترول والغاز الطبيعى فى إنتاج الكهرباء وفى تحلية المياه، وهى استراتيجية لن تتم بأيد مرتعشة تتأثر بأحداث محلية أو تنقاد لسياسات دول خارجية. وقد يظهر استيراد الكهرباء من الإمارات أو إسبانيا كما نستورد القمح من الخارج كضرورة إذا لم يتم تنفيذ المشروع النووى فى مصر مع الفارق أن القمح يمكن الاحتفاظ به كمخزون استراتيجى لعدة أشهر عكس الكهرباء.
وبلغة الأرقام يحذر الدكتور العسيرى بأن كل شهر تأخير فى تنفيذ المشروع النووى بالضبعة والمتمثل فى إنشاء حتى ثمانى محطات نووية، يتسبب فى خسارة شهرية أكثر من 800 مليون دولار فقط بسبب فرق تكلفة الوقود النووى عن تكلفة الوقود البديل من الغاز أو البترول، مما يعنى خسارة تأخير سنوية حوالى 10 مليارات دولار وهو ما يعادل تقريبا تكلفة محطتين نوويتين. وطبقا للمشروع النووى المصرى فمن المخطط إقامة أربع محطات بموقع الضبعة بإجمالى قدرة كهربية 6000 ميجاوات كهرباء ويمكن أن تصل إلى حوالى 10 آلاف ميجاوات. وتوفر بذلك طاقة كهربية سنوية مقدارها حوالى 80 مليار كيلووات ساعة. فى حين يرى الدكتور العسيرى أن الاتجاه القائل بأننا نملك الشمس الساطعة والرياح وهما كافيتان لتوفير هذه الاحتياجات فهو كمن يدفن رأسه فى الرمال أو يغمض عينيه عن حقائق كثيرة، فعلميا وفنيا واقتصاديا لا يمكن الاعتماد على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وحدهما فى توفير احتياجات الطاقة الكهربية المستقبلية، وحتى مع توفير قروض تمويلها. وأولى هذه الحقائق أن الطاقة الشمسية والرياح ليست بالطاقة الكثيفة والمعول عليهما فى أى من بلاد العالم. يضاف لذلك أن جميع الدراسات الاقتصادية أثبتت أن تكلفة إنتاج ساعة من الطاقة الشمسية تزيد بأربع مرات عن تكلفة النووية. كذلك فإنه من الناحية الفنية لايمكن الاعتماد على الطاقة الشمسية لتوفير الحمل الأساسى من الكهرباء التى يلزم توفيرها على مدار العام، حيث إن الطاقة الكهربية من محطات الطاقة الشمسية تتغير بشكل حاد على مدار اليوم والشهر وهو ما يتعارض مع الحاجة لتوفير الكهرباء بصفة منتظمة. بالإضافة لذلك، يظهر التأثير الضار لمصانع إنتاج المرايا الشمسية على صحة الإنسان والبيئة، حيث تشير الدراسات أن هناك خمسين مادة كيميائية مختلفة مسببة للسرطانات ومرتبطة بصناعة المرايا الشمسية ومن أمثلتها الكادميوم والزنك ويستمر ضرر هذه المواد عند تكهين المرايا الشمسية وتخزينها خاصة مع احتمالات تسرب هذه المواد السامة للجو أو الماء أو التربة لتنتقل للخضراوات التى نأكلها. هذه الجوانب السلبية كما يشير الدكتور إبراهيم العسيرى تفسر لماذا مساهمة الطاقة الشمسية تبلغ حوالي 0.02% فى توفير احتياجات الكهرباء على مستوى العالم مقارنة بمساهمة الطاقة النووية التى تبلغ أكثر من 16%.
على الرغم من استفحال أزمة الطاقة التى يجزم الجميع بأن مصر تقف على حافتها وتأكيد الكثير من الخبراء أن الطاقة النووية هى طوق النجاة الأسرع والأنجح للخروج من الأزمة. ويقول الدكتور العجماوى رئيس الجمعية المصرية للطاقة والبيئة ومستشار وزير البيئة السابق إن أزمة الطاقة التى تواجهها مصر حاليا ترجع بعض أسبابها لانخفاض كفاءة تشغيل محطات توليد الكهرباء مما يعني زيادة استخدام الوقود في مقابل الحصول علي نفس كمية الكهرباء، هذا بالإضافة لوجود مافيا لتهريب المواد البترولية للخارج. وعلى عكس اعتقاد الكثيرين بأن إنتاج المزيد من الطاقة النووية هو الحل الجذرى لأزمة الطاقة فى مصر، يقول الدكتور العجماوي أن هذا الاعتقاد خاطئ تماما لأنه بحسبة بسيطة نجد أن تكلفة انشاء محطة نووية قدرتها 1400 ميجاوات وتكلفة شراء الوقود اللازم لتشغيلها 15 عاما هى 5.75 مليار دولار بخلاف القسط السنوى الذى سيتم سداده سنويا لشركات التأمين على المحطة والمبلغ المخصص لإغلاق المحطة بعد انتهاء عمرها الافتراضى كل هذه التكاليف لا تعادل الطاقة الكهربية المنتجة.
ويرى الدكتور العجماوى أن اللجوء للطاقة الشمسية هو أحد الحلول المثلى حيث يصل إجمالي حجم استخدامات الخلايا الشمسية حاليا في مصر لحوالى 5 ميجاوات قصوى لأغراض الإنارة والاتصالات والإعلانات وضخ المياه بينما فى ألمانيا والتي تقدر شدة الإشعاع الشمسى بها على مدار العام بأقل من نصف شدة الإشعاع الشمسى بمصر نجد أنها قد بلغت 25 ألف ميجاوات والتزمت الحكومة الألمانية بإضافة ألف ميجاوات سنويا حتى 2020. كما أن إحدى المؤسسات الكبرى بألمانيا "ديزيرتك" وضعت تصورا لشبكات من الطاقة المتجددة تربط العالم العربى بأوروبا عبر شبكات الكهرباء حيث من المتوقع فى حالة اكتمال هذه الشبكات بحلول عام 2050 أن يعتمد العالم أجمع على شبكات الطاقة الشمسية المركزة والمنتشرة على امتداد شمال إفريقيا والخليج العربى لتكون الوقود المتجدد والأنظف الذى تنتجه الدول العربية للعالم أجمع.
ويؤكد الدكتور العجماوى أن إنتاج الخلايا الشمسية الكهروضوئية سيقفز قفزة كبيرة لاسيما مع الاتجاه الواضح للحكومة الحالية لرفع الدعم تدريجيا عن أسعار الوقود والكهرباء. ويحذر من أن خبراء البيئة فى العالم يجمعون على أن الطاقة النووية هي مصدر غير آمن وليست صديقة للبيئة لنفايتها وانبعثاتها الإشعاعية الخطرة واحتمالات الكوارث الطبيعية، ويدللون علي ذلك بأن معظم دول العالم المتقدم تتجه لمنع انشاء المزيد من محطات الطاقة النووية وإغلاق المحطات الموجودة بالفعل مثلما يحدث فى ألمانيا والنمسا والدنمارك وأيرلندا وسويسرا وإيطاليا.
وعلى وجه العموم – وفقا للدكتور العجماوي - فان الطاقة النووية تعد أكثر جاذبية حين يكون الطلب سريع التنامى على الطاقة كما هو الحال في الهند والصين حيث تكون بدائل مصادر الطاقة نادرة ومكلفة. وفى اليابان وكوريا الجنوبية حيث تكون الأولوية لمصادر دائمة للطاقة، كما تكون الطاقة النووية أكثر جاذبية حين يتيسر التمويل على المدي البعيد وحينما تكون المخاطر المالية منخفضة وكل هذه الأسباب والعوامل غير متوافرة فى مصر.
وجول مدى استيعاب الفكر الحكومى لدعم مشاريع الطاقة الشمسية، يقول الدكتور العجماوى إن سياسات الحكومة الحالية فيما يتعلق بمسألة الطاقة مرضية لحد كبير. إلا أنه يشير إلى أن هذه المسألة تاهت فى غياهب التخبط الحكومى وكانت تعانى التخبط بسبب السياسات الجديدة لكل وزير يأتى للوزارة خاصة في ظل غياب خطة استراتيجية طويلة المدى بشأن الاستفادة من الطاقة الشمسية. ويكشف الدكتور العجماوى أنه فى عام 1987 شارك في عضوية لجنة قامت بإعداد وثيقة سميت وثيقة السخانات الشمسية صدر بها القرار الوزاري رقم 401 لعام 1987 ونصت فى أحد بنودها علي عدم إصدار تراخيص بناء للمساكن بالمدن الجديدة إلا بعد تقديم عقد تركيب سخان شمسى لكل وحده سكنية وحقق هذا القرار الوزارى رواجا كبيرا فى استخدام السخانات الشمسية، حيث تم تركيب ما يزيد عن 150 ألف سخان شمسى فى الفترة فى 4 سنوات، إلا أن وزير الإسكان الأسبق إبراهيم سليمان ألغى هذا القرار مما نتج عنه أضرار لا مثيل لها منها ضعف الطلب على السخانات الشمسية وإغلاق 6 مصانع سخانات شمسية تعادل نصف عدد الشركات المنتجة في ذلك الوقت. وحول احتمالات وجود مخاطر على الإنسان من المرايا الشمسية نفى الدكتور العجماوى أن تكون للطاقة الشمسية أية أضرار صحية على الإنسان، وقال إن هذه شائعات ومعلومات مغلوطة وخاطئة.