Share |
نوفمبر 2012
5
النبوءة السوداء
المصدر: الأهرام اليومى

محمد عيسى الشرقاوى

ظل طول عمره القصير يشعر بالندم لفشله فى أن يصبح كاتبا مسرحيا. ولم يفتر هذا الشعور أو يشجب بعد أن صار زعيما لحركة الصهيونية السياسية. وكان تيودور هيرتزل قد أطلق الحركة عندما عقد المؤتمر الصهيونى الأول فى قاعة الموسيقى بكازينو بازل بسويسرا صباح الأحد 29 أغسطس 1897. ولم يكن بالقاعة موسيقى، وإنما كلام وجدل. وقد فاجأ نجاح المؤتمر هيرتزل. وكان وقتها فى السابعة والثلاثين من عمره. وكتب فى مذكراته: "فى بازل تم وضع حجر الأساس للدولة اليهودية". وتوقع أن تصبح أمرا واقعا فى غضون خمسين عاما. وهو ما تحقق باغتصاب الصهاينة لفلسطين، واقامة دولة إسرائيل عام 1948. والمثير للتأمل أن هيرتزل لم يكن معنيا بالمشكلة اليهودية. فقد كان صحفيا ناجحا يعمل فى فرنسا. ولم يفكر فى الصهيونية إلا فى أثناء السنوات الأربع التى سبقت مؤتمر بازل. غير انه لم يستكمل مسيرته نحو جبل صهيون. فقد مات فى الأربعين من عمره.
واستمرت الحركة التى أسسها، واقترنت بهجرة اليهود إلى فلسطين، ونشأة المنظمات الإرهابية الصهيونية لملاحقة أهل فلسطين وترويعهم. وفى تلك الفترة السوداء برز فلاديمير جأبوتونسكى. وكان يتنازع مع ديفيد بن جوريون على زعامة الحركة الصهيونية. وأعتبر نفسه الوريث السياسى لهيرتزل. وهو من ألح على ضرورة اقامة مستوطنات يهودية، وانشاء الجدار الحديدى لردع الفلسطينيين، وكان يقصد به تشكيل قوة مسلحة صهيونية. وهى فكرة راقت للزعماء الصهاينة. وعملوا على تنفيذها برغم سخرية بن جوريون منه. فقد كان يعتبره نازيا ويطلق عليه فلاديمير هتلر. وكان جابوتو نسكى قد اشتهر، إلا قليلا، بأنه فاشى ونازى. وقال الزعيم الفاشى موسولينى لحاخام روما عام 1933 ان الفاشى اليهودى جابوتونسكى يمكنه أن يؤسس دولة يهودية. لكن تلك النبوءة السوداء لم تتحقق. فقد مات بأزمة قلبية عام 1940.
وبادر مناحم بيجين زعيم منظمة أرجون الإرهابية باقتفاء أثر جابوتونسكى ونسفت منظمته الإرهابية فندق الملك داود عام 1946. وعندما جرت انتخابات عام 1977، وفاز فيها حزبه الليكود اليمنى المتطرف، أصبح رئيسا للوزراء. وهكذا تم إقصاء أحزاب اليسار والوسط إلى الهامش. ولا يزال الموقف كذلك. وكان هذا إيذانا بخروج القوى الدينية والقومية المتطرفة من سراديب "الجيتو" الصهيونى المعتم بالأساطير الملفقة. وعندما اجتاحت قوات إسرائيل بقيادة الجنرال آريل شارون لبنان عام 1982. لمع نجم شارون، وأطلقوا عليه ملك إسرائيل. وصار رئيسا للوزراء وأعلن أن معارك 1948 لم تنته بعد. وأوغل فى ممارسة العنف الدموى ضد الفلسطينيين حتى أصابته غيبوبة عميقة عام 2006. وأسرع بنيامين نيتانياهو بالانضمام إلى ثالوث اليمين المتطرف. جابوتونسكى وبيجين وشارون. ودعا منذ أيام لإجراء انتخابات مبكرة وعقد تحالفا مع افيجدور ليبرمان زعيم حزب إسرائيل بيتنا "المتطرف قوميا" وترجح التكهنات بأن قوى اليمين القومى والدينى المتطرف ستواصل هيمنتها على إسرائيل. وقد تنصب هذه القوى نيتانياهو ملكا جديدا لو تمكن، كما يعتزم ويخطط، من توجيه ضربة عسكرية لمنشآت إيران النووية. ولا يهم أن تتفجر الفوضى فى المنطقة، طالما أن فى وسع الجدار الحديدى صدها.
وأيا ما يكن الأمر، فان ما ينبغى أن يدركه القوم أن إسرائيل ترى أن الأوضاع المضطربة الراهنة فى المنطقة تتيح لها فرصة مواتية لإمكان إعادة ترتيب الخريطة السياسية للشرق الأوسط طبقا للطموحات الصهيونية. وعندئذ ربما تصدح الموسيقى فى قاعة كازينو بازل الذى عقد فيه هيرتزل المؤتمر الصهيونى الأول، ومن المرجح أن الموسيقى لن تهدهد ندمه لفشله فى أن يصبح كاتبا مسرحيا.