Share |
اكتوبر 2012
1
الهند الرئيس براناب موخرجي. رجل المهام الصعبة
المصدر: الديمقراطية

في 23 يوليو الماضي وقع اختيار المجمع الانتخابي المكلف باختيار رئيس للجمهورية الهندية للسنوات الخمس القادمة علي مرشح حزب المؤتمر الحاكم، السياسي "براناب موخرجي" كثالث عشر رئيس للجمهورية، وذلك في مراسم رمزية أقيمت بالبرلمان، ومنصب الرئيس هو منصب شرفي إلي حد كبير، ولكنه يعد رئيس الجمهورية الرئيس الرسمي للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في الديمقراطية الهندية، والقائد العام للقوات المسلحة، فضلا عن الصلاحيات المخولة له بإصدار العفو العام في البلاد، ولكن تقبع السلطات الحقيقية في البلاد في أيدي رئيس الوزراء وحكومته، غير أن موخرجي سيلعب دورا أكبر من ذلك في تحديد من سيشكل الحكومة المقبلة في حال أسفرت انتخابات عام 2014 عن برلمان معلق.
اقتفي موخرجي خطي والده في الانضمام إلي حزب "المؤتمر" وفي حياته السياسية حيث حمل العديد من الحقائب الوزارية المؤثرة في الحكومة منها وزارات المالية والدفاع والخارجية. وكان قد بدأ حياته السياسية بعضوية حزب "المؤتمر الوطني" في عام 1969 تحت حكم رئيسة الوزراء أنديرا غاندي، وأصبح من أشد الموالين لها، دائما ما كان يوصف بأنة أهم مساعديها و"رجل لكل الأوقات ". وصعد نجمه بصورة صاروخية في مرحلة مبكرة من مشواره السياسي، حتى صار وزيرا في حكومة أنديرا غاندي في عام 1973 وأبدي موخرجى نشاطاَ كبيرا في الحكومة الهندية أثناء حالة الطوارئ التي فرضتها غاندي في البلاد في البلاد عام 1977 ويوم ذاك تم اتهام الساسة الذين كانوا في الحكم في تلك الأثناء بما في ذلك موخرجى باستخدام مراكز القوة غير الدستورية "لتدمير المعايير الثابتة قواعد الحكم " في الهند.
مع هذا خرج موخرجى من تلك الأزمة من دون التعرض للضرر، وتمكن من التدرج في المناصب الوزارية حتى أصبح وزيرا للمالية في الفترة بين 1982 حتى 1984، واشتهرت فترة ولايته بعملة الجاد علي تحسين الأوضاع المالية للحكومة الهندية، ما مكن رئيسة الوزراء غاندي من تحقيق نصر سياسي كبير عندما سددت الدفعة الأخيرة من أول قرض حصلت عليه الهند من"صندوق النقد الدولي". وخلال فترة توليه لوزارة المالية في حكومة أنديرا غاندي، وكان ينظر إلي موخرجي علي أنة أهم وزير في الحكومة الهندية، لذا كان يترأس اجتماعات الحكومة أثناء غياب أنديرا غاندي، ولكن يتذكر كثيرين أن موخرجي ارتكب خطأ خلال مشواره السياسي الذي استمر لأربعة عقود. وكان هذا الخطأ في يوم 31 أكتوبر عام 1984 أي بعد أن لقيت أنديرا غاندي حتفها رميا الرصاص علي يد اثنين من حرسها الشخصيين. إذ رأي موخرجي وقتها أنه هو الأحق بخلافتها، حيث أنها كانت تثق فيه وتلقبه بـ"رجل كل الفصول" لكن المنصب ذهب إلي ابنها راجيف.
وفي عام 2004 صُدم عندما علم أن حزب المؤتمر تجاوزه، واختار "مانموهان سينج"، علماّ انه قد عينه عام 1982 محافظاَ للبنك المر كزي الهندي كرئيس للحكومة، وفي عام 2006 راهن علي احتمال حصوله علي منصب نائب رئيس الوزراء، لكن هذا لم يحدث أيضاَ. وفي عام 2007 منعته زعيمة الحزب الحاكم "سونيا غاندي" من الترشح لرئاسة الجمهورية كي تعطي الفرصة لـ "براتينا باتيل". فقام موخرجي بتشكيل حزبي السياسي، حزب"مؤتمر راشتريا ساماجوادي"قبل أن يندمج حزبه في" حزب المؤتمر الوطني 1989 إثر تسوية سياسية مع رئيس الوزراء راجيف غاندي. لكن اغتيال راجيف في عام 1991 أحيا من جديد مشوار موخرجي السياسي، حينما قرر رئيس الوزراء حينها قرر رئيس الوزراء حينها"ناراسيمها راو" اختياره لتولي منصب نائب رئيس لجنة التخطيط الهندية، ثم تولي بعد ذلك حقيبة وزارية في الحكومة الهندية. وشغل موخرجى منصب وزير الخارجية من عام 1995 وحتى 1996 في حكومة رئيس راو.
وكان موخرجى أيضا هو المهندس الرئيسي لدخول سونيا غاندي (أرملة رئيس الوزراء راجيف غاندي) إلي مجال السياسة في الهند في تسعينيات القرن العشرين. وخلال تلك الفترة، أصبح موخرجي الزعيم السياسي الأهم لحزب المؤتمر. وبعد أن وافقت سنويا غاندي علي مضض دخول عالم السياسة، أصبح موخرجي واحدا من مرشديها حيث قام بتوجيهها في المواقف الصعبة، لكن وحتى لا نبخس "حزب المؤتمر" حقه تعيش الهند حالياً علي وقع إصلاح شامل لثقافتها السياسية يصعب علي أي حزب مهما يكن التعامل معه. فحتى وقت قريب كان السياسيون والبيروقراطيون في الهند يقتسمون أربعة مبادئ عامة في الإدارة يعتمدون عليها في إدارة شؤون البلاد وهي: المحاسبة العمودية، والحذر الشديد في إبداء المواقف واتخاذ القرارات، والسرية التامة، ثم المركزية في ممارسة السياسة، كل هذه المبادئ ساهمت في تكريس حكومة تمثيلية، لكنها لا تستجيب لتطلعات الرأي العام، واليوم لم تعد هذه المبادئ ملائمة للوضع الحالي والتطورات الجديدة، وبالطبع سيستغرق التحول من الطريقة القديمة في الإدارة إلي أسلوب جديد بعض الوقت، ولا يبدو أي من الأقطاب السياسية سواء حزب "المؤتمر الوطني"، أو منافسه، حزب "باهاراتيا جاناتا" قادراً علي تسخير الوعي بضرورة التغيير للقيام به فعلا.
وفي هذا السياق، يتعين علي حزب" المؤتمر الوطني" الموجود حالياً في السلطة القيام بتغييرات مهمة تطال أولا التركيز علي الأداء من خلال تطهير هياكله المركزية من مجموعة من الأعضاء والوزراء، فالحزب يعتمد علي هياكل مركزية تتيح له تغيير الوجهة بالسرعة المطلوبة لو أراد ذلك، وثانياً يحتاج الحزب إلي إعادة السلطة إلي مكتب رئيس الحكومة، إذ معروف اليوم أن السلطة الحقيقية تكمن في أيدي عائلة "غاندي"، مع احتفاظ "سينج" بسلطة صورية يتحمل بموجبها المسؤولية دون الإسهام الحقيقي في اتخاذ القرارات الكبري. ولعل ما يخدم مصالح حزب المؤتمر الوطني في هذه المرحلة هي الصعوبات التي يواجهها خصمه "باهاراتيا جاناتا" فيما يتعلق بتأمين الخلافة السياسية داخله، وتنظيم المسائل التنظيمية، فالحزب يعاني من تمرد بعض أعضائه في ولايات هندية متعددة علي القيادة المركزية، ومؤخراً فشل الحزب في صياغة أيديولوجية متماسكة ورؤية واضحة للمستقبل.
ومع أن المواجهة بين الحزبين ما زالت بعيدة بالنظر إلي موعد الانتخابات التشريعية في 2014 فإن الطرف الذي سيدرك بأن الهند تعرف تغييرات جوهرية، وأن أساليب الحكم القديمة ما عادت صالحة اليوم، هو من يمتلك أوفر الحظوظ للفوز، وفي النهاية لا بد من التأكيد علي أن مستقبل الاقتصاد الهندي يعتمد علي الطريقة التي تُمارس بها السياسة في البلاد، وهو أمر جيد وسييء في نفس الوقت، فمع أن السياسة في الهند ستغرق دائماً في أسلوب حافة الهاوية وانعدام الكفاءة أحياناً، إلا أن الإيجابي في الأمر قدرة السياسيين الهنود علي التأقلم السريع وإعادة تشكيل أنفسهم وفقاً للمعطيات المستجدة، فهم قادرون علي تغيير المسار سريعاً إذا أرادوا ذلك، وليس هناك أفضل من وقت الأزمة لتركيز الجهد وحشد الإمكانات، لاسيما وأنه من غير المتصور أن روح المبادرة الخاصة التي تم إطلاقها قبل سنوات، وقوة المجتمع المدني المتنامية، والشعور بالأمل لدي فقراء الهنود بمستقبل أفضل يمكن تعطيلها لفترة طويلة، وليس القلق والارتباك الذي يعتري الساسة الهنود في هذه المرحلة سوي اعتراف منهم بأن شيئاً ما جديد يتشكل في الأفق.
وفاز نائب الرئيس الهندي"محمد حميد أنصاري" بفترة ولاية ثانية مدتها خمس سنوات في الانتخابات التي أجريت في 7 أغسطس 2012 ليصبح بذلك الشخصية السياسية الثانية في تاريخ الجمهورية الهندية الذي يتولي هذا المنصب لولايتين متعاقبتين. وكان آخر سياسي هندي حقق هذا الإنجاز هو"رادهاكير يشنان" الذي شغل المنصب لولايتين متعاقبتين من 1952 إلي 1962 وقد خاض "أنصاري" مرشح الائتلاف الحاكم الحالي الذي يقوده حزب "المؤتمر الوطني" الهندي، الانتخابات في مواجهة "جاسوات سنج" المسئول الكبير بحزب المعارضة الرئيسي"بهاراتيا جاناتا". وقد فاز أنصاري، الذي تولي منصب نائب رئيس الجمهورية للمرة الأولي عام 2007 بفارق مريح من الأصوات بلغ 252 صوتاً ليؤمن لنفسه فترة ولاية ثانية (حصل علي 490 صوتاً مقابل 238 لصالح سنج).
وعلي الرغم من أن نتيجة انتخابات نائب الرئيس كانت مقررة سلفاً تقريبا لأن الحزب الحاكم مدعوماَ بالأحزاب الداخلة معه في ائتلاف، كان يمتلك الأعداد الكفيلة بحسم الصراع لصالح أنصاري، وحصوله علي ولاية ثانية، إلا أن الفارق الكبير الذي فاز به يعكس مدي الاحترام الذي يحظي به أنصاري في الأوساط السياسية الهندية. وقبل أن يصبح نائباً لرئيس الجمهورية للمرة الأولي عام 2007 كان قد شغل منصب رئس مجلس المفوضية الوطنية لشؤون الأقليات. وأنصاري معروف أيضاً باعتباره مثقفاً كبيراً متخصصاً في شؤون غرب آسيا والخليج العربي، ومن المعروف أن نائب رئيس الجمهورية في الهند يشغل في الوقت نفسه، منصب رئيس الغرفة التشريعية العليا في البرلمان "مجلس الدولة" وهذه الوظيفة الأخيرة علي وجه التحديد كانت هي الأصعب من بين الوظائف العديدة التي تقلب عليها أنصاري، وهو ما يرجع إلي أن البرلمان الهندي يتحول في حالات كثيرة إلي مشهد شديد الفوضي، مما يجعل من مهمة إعادة النظام والانضباط إليه مهمة صعبة للغاية.
ولكن أنصاري اشتهر بقدرته الفائقة علي فرض النظام علي البرلمان، علي الرغم من المقاطعات والتدخلات العديدة التي كان يقوم بها مشروع القوانين. واللافت في هذا الشأن أن حميد أنصاري نفسه قد شبه الدور الذي كان يقوم به في الغرفة التشريعية العليا للبرلمان (مجلس الدولة) بدور الحكَم الذي يحاول إرضاء جميع الأطراف، وخلال فترة ولايته الأولي، وجد أنصاري نفسه أمام مشاهد فوضوية للغاية خلال مناقشة موضوعات كانت تتعلق بحجز مقاعد في البرلمان للنساء. وحتى عندما كان الأمر يتطلب استدعاء رجال الأمن لإخراج بعض الأعضاء المحتجين خارج قاعة البرلمان أثناء تلك المناقشات، فإن أنصاري كان ينجح دائماً في المحافظة علي هدوء أعصابه وفرض سيطرته علي الموقف، وهو ما مكنه من تمرير مشروع القانون المتعلق بتخصيص مقاعد للمرأة من الغرفة التشريعية العليا التي كان يتولي رئاستها.
وفي الحقيقة، أنه قبل اختيار "براناب موخرجي" من قبل حزب "المؤتمر الوطني" الهندي كي يكون مرشحاً عن الحزب لمنصب رئيس الجمهورية، كان اسم أنصاري من الأسماء المتداولة لشغل هذا المنصب الأسمى، إذ كان من ضمن المرشحين لمنصب الرئيس، ولكن نظراً للرغبة في تحقيق توافق وإجماع بين الحلفاء في الائتلاف الحاكم استقر الاختيار في نهاية المطاف علي اسم السياسي المخضرم "مخرجي". ويشار إلي أن التصويت علي اختيار نائب الرئيس قد تطلب أيضا عدة أسابيع من المؤامرات السياسية من قبل الكونجرس من أجل ضمان تحقيق فوز مريح لأنصاري واضطرت رئيسة حزب المؤتمر الحاكم"سونيا غاندي" استضافة حلفائها في الائتلاف قبل موعد التصويت بيوم لضمان أن شيئاً لن يخرج عما هو مخطط له.
والطريقة التي سجل بها حزب "المؤتمر" الحاكم انتصاراً سياسياً علي أحزاب المعارضة من خلال تمكنه من ضمان اختيار مرشحيه"براناب مخرجي" لمنصب الرئيس و"حميد أنصاري" لمنصب نائب الرئيس تظهر أنه وإنْ كان حلفاء الحزب قد يتسببون أحياناً في بعض المتاعب، إلا أنهم يتكاتفون سوياً في نهاية المطاف من أجل تأييد الحزب إذا ما تعلق الأمر بالموضوعات السياسية. علي العكس من ذلك تظهر الصراعات داخل حزب المعارضة الرئيسي "بهاراتيا جاناتا" علي مسائل القيادة، وكذلك الخلافات التي تدب بين حلفائه علي مرشح المعارضة لمنصب رئيس الوزراء في الانتخابات القادمة بشكل جلي أن حزب "المؤتمر" يظل علي الرغم من كل شيء أقوي قوة سياسية في الهند.
المرة الوحيدة التي واجه فيها "أنصاري" نقداً حاداً خلال ولايته الثانية هي عندما اتهمه حزب "بهاراتيا جاناتا" المعارض، عندما أقدم علي تأجيل المناقشات حول قانون مكافحة الفساد، بأنه قد فعل ذلك من أجل مصلحة حزبه، أما بخلاف ذلك فقد كانت فترة ولايته الأولي مريحة لحد كبير، ولم يشبها سوي جدل محدود مما يدل علي فترة ولايته الثانية، وحسب كافة المؤشرات، ستكون مماثلة في نجاحها لفترته الأولي. وبناء علي هذا، يمكننا القول إنه قد بات بمقدور حميد أنصاري، بعد أن فاز بولايتين متتاليتين في منصب نائب الرئيس، أن يحقق إنجازاً ثالثاً المرة القادمة، وذلك من خلال ترشيح نفسه لمنصب الرئيس خصوصاً إذا فاز الائتلاف الذي يقوده حزب "المؤتمر" في الانتخابات العامة التي ستجري عام. 2014.