Share |
يناير 2013
21
وصية 1935
المصدر: الأهرام اليومى

محمد عيسى الشرقاوى

كان فى الخامسة والخمسين من عمره، عندما كتب وصيته عام 1935. وأوضح فيها ان يتم دفن رفاته فى إسرائيل، وكان الزعيم الصهيونى اليمينى المتطرف فلاديمير جابوتونسكى آنذاك فى كامل لياقته الصحية، ولم تمض خمس سنوات حتى أصيب بأزمة قلبية مفاجئة أودت بحياته وكان وقتها فى مدينة نيويورك، ولم تنفذ وصيته إلا بعد خمسة وعشرين عاما، حين جرت مراسم دفن رفاته فى إسرائيل. ولم يهتم بقبره سوى نفر من أنصاره كان من أبرزهم مناحم بيجين زعيم حزب الليكود اليمينى المتطرف، ولذلك هرع عقب فوزه فى انتخابات 1977 بزيارة قبر جابوتونسكي.
وكان هذا ايذانا بصعود الفكر الصهيونى المتطرف الذى يمثله جابوتونسكى وبيجين وأفول أفكار وسياسات حزب العمل الإسرائيلى الذى هيمن على المشهد السياسى منذ عام 1948 وحتى 1977. وكان جابوتونسكى قد ولد فى أوديسا بروسيا عام 1880، ومات والده بينما كان طفلا صغيرا، وكانت امه مولعة بكل ما هو المانى ويشير كاتب سيرته الذاتية إلى أنه لم يتأثر بطقوس الحياة اليهودية فى طفولته وهذا ما يشير اليه الزعيم الصهيونى حاييم وايزمان فى محاولته للنيل منه وتصويره على انه ضل طريقه منذ طفولته وصباه. فلما عاد واعتنق الصهيونية صار مشاغبا، والأدهى انه كان يسعى لتنصيب نفسه الزعيم الأوحد للحركة الصهيونية وخاصة عندما زعم انه الوريث الروحى لهيرتزل مؤسس الحركة الصهيونية السياسية.
وكان ديفيد بن جوريون الذى صار أول رئيس لوزراء إسرائيل عام 1948، من اكثر الزعماء الصهاينة الذين يجاهرون بمقت الأفكار السياسية والايديولوجية لجابوتونسكى وكان يحلو له دائما ان يطلق عليه «فلاديمير هتلر» بمعنى انتسابه الى النازية التى روج لها النازى الالمانى أدولف هتلر. وقد اطبقت عليه هذه السمعة السياسية السيئة ولم يعد فى وسعه ان يفلت منها عندما قال عنه الزعيم الايطالى الفاشى موسولينى انه فاشى ومن ثم فهو الاقدر على تأسيس الدولة الصهيونية. وكان جابوتونسكى قد أمضى فى ايطاليا ثلاث سنوات من عمره، وذكر ان تأثيرها كان كبيرا على تكوينه وتطوره الثقافى ويقول فى ذلك وجدت فى روما وطنا روحيا. ان كل أرائى عن القومية والدولة والمجتمع قد تبلورت وتطورت فى خلال السنوات الثلاث التى عشتها فى ايطاليا وعاد بعد تلك السنوات الإيطالية إلى روسيا عام 1901 ولاحت أمامه فى الافق الروسى مشاهد العنف الدامى التى يتعرض لها اليهود هناك وتفتق ذهنه عن الحاجة الماسة الى تكوين قوة للدفاع عن اليهود وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى كتب جابوتونسكى فى مذكراته انه اهدر شبابه والسنوات الأولى من منتصف عمره واضاف قائلا ربما كان يتعين على ان ارحل الى إسرائيل، او الفرار الى روما او البحث عن حزب سياسى انضم اليه.
ولم يفعل أيا من ذلك وانما عمل مراسلا متجولا لصحيفة موسكو وتوجه إلى الاسكندرية وهناك شاهد ترحيل السلطات التركية لمئات اليهود، والتمعت فى ذهنه فكرة تشكيل فيلق يهودى يقاتل إلى جانب الحلفاء، غير ان السلطات البريطانية لم توافق على فكرته واللافت للانتباه انه قبل شهرين من اصدار بريطانيا وعد بلفور وافقت الحكومة البريطانية على تكوين فرقة من المتطوعين اليهود وكان جابوتونسكى صاحب فكرة «الجدار الحديدى» بين الصهاينة والعرب. وهى فكرة طرحها عام 1923.
وفى الوقت الذى تتجه فيه إسرائيل الى الانتخابات العامة تطفو على السطح السياسى القوى والشخصيات اليمينية المتطرفة. وهى تنتمى على نحو أو آخر لفيلاديمير هتلر.