Share |
يونية 2013
22
الفلاح المصرى. مرفوع دائما من الخدمة!
المصدر: الأهرام العربى


"فى أفراحكم منسية وفى أحزانكم مدعية " هذا هو لسان حال القرية المصرية التى تعيش فى الظل برغم أنها سلة غذاء المصريين، القرية المصرية التى لا يعرف أصحاب الياقات البيضاء الطريق إليها إلا أوقات الانتخابات وينفض المولد ويطوى النسيان القرية ثانية.
التجاهل والوجود بعيدا عن دائرة اهتمام الساسة وأولى الأمر هو حال الفلاح المصري، برغم أنه سر الحضارة وبانيها، فهو الذ ى قام منذ سبعة آلاف سنة بزراعة الأرض وتعميرها على ضفاف النيل، فأقام حضارة ما زلنا نتفاخر بها بين العالمين.
وكما عانى فى بناء الحضارة تحت رحمة الاحتلال من الفرس واليونان والرومان الذى كان الفلاح المصرى يعد لهم سلة الغذاء، عانى من نظام الالتزام العثمانى الذى كان يهتم بجمع المال من الفلاحين، ولم يلق بالا لإجراء أية تحسينات فى وسائل الرى والزراعة، ثم كانت سياط المماليك قبل أن يأتى محمد على، بقدر من التحسينات ربما لم يكن الفلاح هو هدفها الأول، لكن تلك التحسينات عادت عليه بقدر من المنافع بعد شق الترع وإدخال أنواع جديدة من الزراعات، وكانت هناك الأراضى التى وزعت على الفلاحين منها أراضى الأباعد التى تركت للبدو كى يقوموا باستصلاحها وبذلك أمن محمد على شر غاراتهم، كما أن محمد على منح الفلاح حق الانتفاع بالأرض طالما كان قادرا على سداد التزاماتها، واستمرت الإصلاحات فى عهد إسماعيل، لكن ذلك كله لم يتم دون معاناة الفلاحين من السخرة فى مشروعات الرى أو جباية الضرائب، وكانت التحولات الاقتصادية فى القرن الـ19 سببا فى ظهور طبقة من كبار ملاك الأراضى الزراعية التى عملت سلطات الاحتلال على قوقعتها فى حدود مصالحها، وجاءت الثورة بقرارات تفكيك الإقطاع وتوزيع الأراضى على الفلاحين، وإعطاء نسبة للعمال والفلاحين فى البرلمان ليعيش الفلاح المصرى شهر عسل لم يدم طويلا، وتكالبت الهموم على الفلاحين التى تضخمت فى عهد مبارك بفعل أسعار الأسمدة التى كان يستخدمها الحزب الحاكم كرشاوى انتخابية أو المبيدات المسرطنة أو الجمعيات الزراعية التى لم تقم بالدور المفترض منها.
تبقى الحال على ما هى عليه وعلى المتضرر أن يضرب رأسه فى الحيط أو يشرب من الترعة، ربما يكون هذا هو المنطق الذى منع المسئولين من إلقاء نظرة على الحيز العمرانى للريف المصرى الذى لم يتغير منذ عام 1985، برغم اختلاف الظروف والأحوال والنتيجة تآكل الرقعة الزراعية وتراجع الخدمات والمرافق. والآن بعد عقدين من الزمان لم يتبق من الريف سوى الاسم فقط نتيجة عدة تراكمات فقد تغير الطابع، وظهرت البيوت المسلحة إلى جانب البيوت المبنية من الطين فى توليفة عجيبة تنطق بالشذوذ، حيث أجبرت الزيادة السكانية وضيق السماحة أبناء القرية الذين عادوا بعد سفر طويل للعمل فى الخليج إلى التوسع الرأسى، فظهرت فى الريف بيوت من ثلاثة أدوار وخمسة من الخراسانة، بعضها على الطراز الصينى أو اليابانى لا يهم، فهذا الهجين جزء من هجين أكبر منه ظهر فى مصر بعد ثورة يوليو. قبلها كانت فى مصر نسق معمارية متميزة لعدة أحياء كما فى مصر الجديدة ووسط البلد ومنطقة جاردن سيتى المليئة بالقصور، لكن الثورة رأت تطبيق النظام الاشتراكى الذى اعتمد نظام علب الكبريت التى نقلوها من موسكو نسخة بالكربون دون مراعاة اختلاف بيئة الزمان والمكان والبشر.
حتى النموذج المثالى الوحيد للقرية كان سماسرة القبح له بالمرصاد، كان هو الذى صممه ونفذه شيخ المعماريين حسن فتحى، الذى كانت فلسفته أن تنظر تحت قدميك لتختار مواد البناء بالطين أو الحجر أى بالمواد الخام المتاحة فى البيئة، كانت البيوت فى تصميم حسن فتحى، دافئة شتاء وباردة صيفا نتيجة للعزل الحرارى القوى، وكانت البيوت جميلة متناسقة، وكان حسن فتحى يقول ينبغى أن نعطى كل بيت قطعة من السماء، فحرص على تصميم فناء مكشوف أو صحن تماما، كما فعلها المعمارى المسلم فى بيوت الهراوى، وزينب خاتون، والست وسيلة، وغيرها من البيوت المملوكية والعثمانية التى تتناثر فى شارع المعز ومحيطه، لكن مشروع حسن فتحى، أجهض تحت وطأة ضغط جماعات المصالح من أباطرة الإسمنت والحديد والأخشاب الذى كان انتشار العمارة البيئية خنجرا يضرب استثماراتهم فى مقتل. ودليل عدم الوعى أو العشوائية فى التعامل مع الريف المصرى ما حدث مع أهالى النوبة بعد غرق قراهم القديمة أسفل مياه السد وكانوا فيما مضى يقيمون بيوتهم على ضفاف النيل وعند إنشاء السد العالى تطوعت الدولة، فأقامت لهم قرى جديدة لهم، ولكن بفكر البشر الذين يسكنون المدينة فجاءت البيوت مخالفة لاحتياجات أهل النوبة فهجروها.
لقد استمرت العشوائية فى التعامل مع الريف المصرى لسنوات لتقضى على بكارة الريف شيئا فشيئا، حتى صار كالمسخ، الإحصاءات تشير إلى أن 40% من الطرق داخل القرية ما زالت ترابية وغير ممهدة ولأن الطرق شديدة الضيق ومتهالكة إلى حد لا يمكن تصوره، فإن حوادث الطرق فى الريف تحقق أرقاما قياسية.
مياه صرف صحى "مطرح ما يسرى يهرى "
جرب أن تتذوق كوب ماء فى أى قرية مصرية وستعرف حجم المأساة لا تمتعض من رؤية النساء على شواطئ الترع يغسلن الأوانى والملابس ولم يقمن بإعطاء ظهورهن للترعة وذلك لإعلانات التوعية التى تحذر من خطر الإصابة بمرض البلهارسيا، فالصرف الصحى لم يصل إلى بيوتهن لذا يحاولن توفير مساحة فى الخزانات الموجودة أسفل بيوتهن باستعمال ماء الترع بدلا من ماء الحنفية.
فى مصر تغطى شبكات الصرف الصحى نسبة لا تذكر من قرى مصر قد لا تتجاوز كما تشير بعض الإحصاءات 3% ولا يوجد سوى محطات تجميع لعدد من القرى الكبيرة أما نظام الصرف الحالى فيتمثل فى صرف المياه فى باطن الأرض عن طريق خزانات " ترانشات " والتى عندما تمتلىء يتم سحبها عن طريق جرارات أو كاسحات كبيرة تقوم بدورها بإلقاء ماء الصرف فى الترع أو المصارف، وللأسف الشديد فإن نسبة كبيرة من مياه الصرف تتسرب إلى باطن الأرض وتختلط بالمياه الجوفية التى يستخدمها الفلاح عن طريق الطلمبات.
"نهايته" قرانا فى كتب الاقتصاد والاجتماع أن الإنسان صانع التنمية وهدفها، لكن فى مصر الإنسان بصفة عامة ليس هدفا للتنمية بالمرة والفلاح المصرى خارج خطط التنمية بالمرة فى كل العهود، وكل السياسات ولا أدرى حفلاً لمن كان موسيقار الأجيال عبدالوهاب يغنى " محلاها عيشة الفلاح " إن الفلاح يا سادة اعتاد الصبر الذى جعله فى معظم فترات التاريخ يهب هبات متقطعة عندما يشتد الجور ليعود فيصمت تحت وطأة السياط، ولكن الله وحده يعلم إلى متى سيصمت.