Share |
اغسطس 2013
13
الاختلاف سنة الله (1)
المصدر: جريدة التعاون

إبراهيم أبوداه

من سنن الله تعالى فى خلقه أن جعل الناس مختلفين فى معظم الأشياء ولم يخلقهم سبحانه وتعالى على هيئة واحدة أو بصفات متطابقة أو عقول متشابهة أو أفعال متماثلة وهو سبحانه قادر على هذا إن شاء وليس ذلك على الله بعزيز، فقال تعالى فى سورة هود: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين (118) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (119)".
فالناس جميعا مختلفون ومتنوعون ومتعددون فى الذات والصفات والهيئات والأفعال، منها ماينفرد به كل إنسان عن الآخر ولايمكن أن يتشابه فيه اثنان كبصمة الجلد، والصوت، والرائحة، وأشياء لم نكتشفها بعد فلا تجد تطابقا بين شخصين فى واحدة من هذه الصفات، وهناك مايختلف فيه كل الناس وان تشابه فيه بعضهم البعض كالطول والقصر، والسمنة والنحافة، والألوان واللغات، واللهجات، فليس كل البشر متماثلين فى واحدة من هذه الصفات أو متطابقين فيها وإنما مختلفون فيها فهناك الطويل ومنهم القصير وفيهم السمين ومنهم النحيف، إلى غير ذلك من اختلاف التنوع وليس اختلاف التضاد وكل هذه الاختلافات آيات باهرات تبين قدرة وعظمة الخالق فى تعدد وتنوع المخلوق.
وإذا كان الله عز وجل خلق الناس مختلفين فى الذات والصفات والهيئات والأفعال فالله سبحانه وتعالى أيضا هو الذى خلق الناس وبينهم اختلاف فى العقول والافهام والتفكير، لينتج عن ذلك تباين فى العقائد بين الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك فقال عز وجل فى سورة التغابن "هو الذى خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير (2)".
وقال عز وجل فى سورة يونس: "ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (99)".
فهذا الاختلاف من سنن الله فى خلقه ولن نجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا يلزمنا باحترامه وتقديره فهذا من صنع الله الذى أتقن كل شيء خلقه وليس لنا أن نتأله على الله أو نتفتئت على حكمه ويجب علينا التعامل فى الحياة وفقا لما خلق الله بدون السعى إلى الإقصاء للمختلفين معنا وأرض الله سعت لاحتواء كل خلقه.
ومن عظمة الإسلام دين الله الواحد التأكيد على حق أى إنسان وحريته الكاملة فى اختيار مايراه ليس فى الأمور الحياتية الدنيوية فقط بل أيضا فيما يتعلق بالقضايا المصيرية وعلى رأسها قضية الإيمان والكفر فقال سبحانه فى سورة الكهف:
(وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتذنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا (29).
كما أكد القرآن الكريم على حق كل إنسان فى اختيار الشريعة التى يريد إتباعها والالتزام بها والسير على منهجها وليس لأحد إجباره أو إكراهه على ترك مايود إتباعه من شرائع فقال تعالى فى سورة المائدة: وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولاتتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله جعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فى ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تختلفون (48).
كما قرر وأقر القرآن الكريم بتنوع كتب الشرائع السماوية التى أنزلت على النبيين قبل بعثة النبى محمد صلى الله عليه وسلم وخاطبهم بقوله تعالى "ياأهل الكتاب" فى أكثر من موضع منها قوله تعالى فى سورة آلعمران: (قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كملة سواء بيننا وبنيكم ألا نعبدإلا الله ولانشرك به شيئا ولايتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (64).
فالاختلاف من سنن الله تعالى فى خلقه وفطرته التى فطر الناس عليها ولا تبديل لخلق الله تعالى فسيبقى فينا مادامت السماوات والأرض الاختلاف فى الهيئات والصفات والأفعال والذات وسيبقى منا المؤمن ومنا الكافر ومنا المطيع والعاصى ومنا التقى والفاجر إلى أن يشاء الله ولم ولن يملك احد تغيير هذا التنوع والاختلاف.
ويجب أن يقر الناس، وفى مقدمتهم المسلمون، ويعترفوا بهذا الاختلاف والتنوع بين الناس وان يتعاملوا مع هذا الواقع كما بين الله تعالى ورسوله، وكما سنبين فى المقال القادم بإذن الله.