Share |
ابريل 2010
25
الترام "العفريت" يغيِّر وجه الحياة في القاهرة العامرة
المصدر: مجلة نصف الدنيا


بين دفتي الكتاب تتعرف إلي معني. فكرة. معلومة، تحلق في آفاق وعوالم. تقابل شخوصا من الماضي والحاضر، فتجد نفسك في نهاية الأمر قد امتلكت الدنيا من خلال كتابٍ.
12 من أغسطس 1896 كان اليوم الموعود في القاهرة. فبحضور الأمراء والأعيان في ميدان العتبة سارت عربات الترام في شوارع القاهرة ولأول مرة لتنتزع آهات الدهشة من العامة والخاصة الذين تراصوا لمشاهدة هذا الحدث الثوري الذي غير وجه الحياة في القاهرة العامرة. أما الأطفال الصغار فلم يكن في وسعهم وهم يجرون لحاقا بعربة الترام إلا أن يصرخوا : العفريت العفريت
ولكي ندرك كيف أظهر الترام ثورة في المجتمع المصري علينا أولا أن نستعرض أحوال القاهرة العامرة في نهايات القرن التاسع عشر فقد كانت القاهرة ملئية بمئات الحفر وأكوام الحجارة والفضلات. وكانت وسيلة الانتقال الوحيدة هي الحمير. وكانت لها مواقف خاصة منها موقف بجوار فندق شبرد القديم بشارع إبراهيم باشا "الجمهورية حاليا" وكان مخصصا لخدمة السائحين الأجانب. في حين كانت العربات التي تجرها الخيول حكرا علي الأغنياء فقط
ونظرا لقلة الإضاءة في الشوارع ليلا. بل إن بعض الشوارع كانت تخلو من وجود مصابيح، فإن الانتقال من مكان إلي آخر كان مقصوراً علي فترة النهار. ونظرا لصعوبات الانتقال كان علي أصحاب الحرف وصغار التجار فتح محالهم وممارسة أنشطتهم بجوار أماكن سكنهم. وكان علي التلميذ إذا لم يجد مدرسة قريبة في حيه أن يترك الدراسة أسهل. كان المصريون بكل بساطة يعيشون في عزلة تامة. فكل حي كان بمثابة تجمع سكني وتجاري مستقل. وظل الحال علي ما هو عليه حتي قررت الحكومة في أغسطس 1893 مد خطوط الترام في العاصمة واضطلعت بهذه المهمة التاريخية شركة بلجيكية. وتقرر أن يكون الامتياز بثمانية خطوط تبدأ كلها من العتبة الخضراء ليتجه أحدها إلي القلعة والثاني إلي بولاق والثالث إلي باب اللوق فالناصرية، والرابع إلي العباسية عن طريق الفجالة والخامس إلي مصر القديمة والسادس من فم الخليج إلي الروضة ثم ينتقل الركاب بزورق بخاري إلي الشاطئ الآخر ليستقلوا قطارا إلي الجيزة وهذا هو الخط السابع والثامن يبدأ من ميدان قصر المنيل ويسير موازيا لترعة الإسماعيلية إلي قنطرة الليمون
وتغير وجه الحياة في القاهرة العامرة
وبدأ الترام يسير في شوارع المحروسة وكانت أجرة الركوب ستة مليمات في الدرجة الأولي وأربعة مليمات في الدرجة الثانية واختلف وجه الحياة وزالت حالة العزلة بين الأحياء فأصبح بإمكان المواطن المصري البسيط الذي يقيم في العباسية مثلا أن يزاول عمله في حي السيدة زينب وأصبح في إمكان التلميذ أن يذهب إلي مدرسة بعيدة عن الحي الذي يقطن به. بل وعرف الناس لأول مرة الخروج إلي الحدائق العامة وعلي رأسها حديقة الأزبكية.
وكان لإنشاء الترام أثره في ارتفاع اسعار الأراضي التي يمر بها الترام، فما كادت الشركة تشرع في مد خط شبرا حتي ظهرت إعلانات في الصحف عن قطع أراضي البناء معروضة للبيع وكوسيلة لتشجيع الناس علي شرائها جاء في الإعلان: علي مسافة بعض أمتار من خط الترامواي". وبالطبع ارتفعت أسعار أراضي حي الأزبكية ونشأت فيها المحلات الكبري لتجارة التجزئة وأقام فيها الأجانب المباني الفخمة حتي صارت الأزبكية باهرة فنقرأ في مجلة المنار في عددها الصادر 1898/4/12" ولو أن أحدا طار في منطاد، ونزل في الأزبكية وطاف فيما يقرب منها، يقول إن هذه المدينة هي أخت باريس أو بنتها" وكان لظهور الترام أثره في ازدهار حركة الإعلانات فالتاجر علي يقين أنه سيعلن عن بضاعته وأن الناس سيتوافدون عليه من جميع أنحاء العاصمة بعد أن سهل لهم الترام سبل الانتقال فنقرأ في المقطم بتاريخ 1899/12/18 إعلانا عن محل مرطبات " أن محل سباتس تجاه حديقة الأزبكية مستعد لبيع جميع أصناف المبردات الخالية من الغش المرشحة بمرشحات باستور ومن يتعاطاها يسر بها كل السرور". ونلاحظ أن الإعلان ركز علي ترشيح المياه لأن القاهرة كانت تعتمد في ذلك الوقت علي المياه التي يحملها السقائون ويأتون بها من النيل مباشرة.
الترام وتشكيل الرأي العام
وكان ظهور الترام سببا مباشرا في تكوين ما نعرفه حديثا بالرأي العام حيث تمكن الناس من الالتقاء ببعضهم البعض ومن ثم التناقش حول مختلف أمور الحياة كما بدأت تتشكل الجمعيات الأدبية والثقافية وكذلك النقابات المهنية، بل وكان لوجود الترام أثره في ظهور الحركة العمالية ففي نوفمبر 1901 تجمع العمال في مقهي ألف ليلة وليلة بالعباسية وقرروا الإضراب، وفي ديسمبر من العام نفسه اعتصم عمال مصانع السجائر وساروا في مظاهرة عظيمة ناحية باب الحديد. وكان من الطبيعي أن يساهم الترام في إثراء الحركة الوطنية
أدب الترام
أظرف ما في الكتاب توثيقه لما أسماه المؤلف "أدب الترام" فقد أصبح الترام مادة للشعر والنثر والأدب الشعبي بصفة خاصة وكثرت الأغاني التي يتحدث فيها العشاق إلي الترام ويطلبون منه أن ينطلق بهم إلي حيث يلتقون بالمحبوب. ومن ذلك:
يا ترام العباسية وديني علي قصر النيل
خليني أشوف حبيبي الحلو أبوخد جميل
يا ترام العباسية اجري كمان شويه
أفديك يا ترام بعنيه وصلني للحبيب
بل وظهرت النكات الترامية التي تدور حول الترام ومنها:
- ركب عبدالحميد المواردي ترامواي الخليج عصر أمس فطلب منه الكمساري ثمن التذكرة، فقال له: أنا من محاسيب الجمعية الخيرية
- قال أحدهم لعبدالحميد المواردي: أخبرني كيف يسير الترامواي علي القضبان؟ فأجاب: دول معلقين فيه حمير من تحت.