Share |
نوفمبر 2009
28
من أخلاق الصحابة
المصدر: الأهرام اليومى
بقلم:   على جمعه

د. علي جمعة مفتي الجمهورية

سنظل ندعو إلي الأخلاق الكريمة ونلتمس ذلك من الجيل الأسوة, جيل الصحابة الكرام الذين نجح رسول الله صلي الله عليه وسلم بتوفيق من الله في تربيتهم, ونجحوا في تربية من بعدهم, ولن نترك ذلك ولو تباعد الزمان, روي مسلم في صحيحه عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت, (فعبادة بن الصامت الصحابي الجليل أبو الوليد وجد عبادة الصغير) قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا (فالوليد وابنه عبادة حريصان علي طلب العلم وسوف نري أن العلم مرتبط ارتباطا عضويا بالأدب والأخلاق, ومرتبط ارتباطا عضويا بالدين وبالعلاقات الاجتماعية وبسير الحياة اليومية) فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله صلي الله عليه وسلم ومعه غلام له (وهذه فرصة لا تعوض حيث التقيا بصحابي جليل من صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم ومعه عبد له, وهذا يبين أن الولد وأباه ـ أعني عبادة والوليد ـ يطلبان العلم معا, فالعلم لا يعرف سنا ولا وقتا, وأن أبا اليسر مع عبده يسعيان أيضا في طريق العلم, حيث إن هذا الغلام, وكما سنري معه مجموعة أوراق, وهذه الأوراق تحمل لغرض العلم, فقال في وصف ذلك: معه ضمامة من صحف, وعلي أبي اليسر بردة (أي عباءة) ومعافري (نوع من أنواع الملابس كان يصنع في اليمن في قبيلة يقال لها معافر, فنسب إليها هذا الزي, وشكله مختلف عن العباءة, وعلي غلامه بردة ومعافري (أي يرتدي مثل ما يرتدي سيده أبو اليسر, لا اختلاف بينهما, وهو أمر راعي فيه أبو اليسر عدم التمييز بين السيد والعبد, وفضل هذا المعني علي معني آخر وهو الأناقة, حيث لو لبس واحد منهما العباءتين معا ولبس الآخر المعافريين معا لكان ذلك عند العرب أوجه وأكثر أناقة, ولكن سنفقد حينئذ معني المساواة, ويسمي لبس ثوبين متشابهين في لغة العرب الحُلة فقال له أبي: (أي الوليد بن عبادة بن الصامت) يا عم (ونادي أبا اليسر بكلمة عم لأنه صديق أبيه عبادة بن الصامت) إني أري في وجهك سفعة من غضب (أي أري علي وجهك أثر الغضب), قال: أجل (أي نعم) كان لي علي فلان بن فلان الحرامي (نسبة إلي قبيلة بني حرام) مال (أي دين) فأتيت أهله فسلمت فقلت: ثم هو؟ (أي هل هو هنا) قالوا: لا, فخرج عليّ ابن له جفر (أي أحد أبنائه الصغار, والجفر هو الولد الصغير) فقلت له: أين أبوك؟ قال: سمع صوتك فدخل أريكة أمي (أي اختبأ في حجرة زوجته), فقلت: اخرج إليّ فقد علمت أين أنت (أي أن أبا اليسر رفع صوته بهذه العبارة غاضبا من أنهم كذبوا عليه أولا قبل أن يخبره الطفل الصغير فأثر هذا في نفسه).
فخرج فقلت: ما حملك علي أن اختبأت مني؟ قال: أنا والله أحدثك ثم لا أكذبك, خشيت والله أن أحدثك فأكذبك وأن أعدك فأخلفك (أي أنه كان خجلا من أبي اليسر ومن الاعتذار إليه وعدم سداد الدين وهذا الخجل أوقعه في الكذب) وكنت صاحب رسول الله صلي الله عليه وسلم (وهذا سبب آخر وهو شدة تعظيم ذلك الرجل لأصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم, أنه لم يطق أن يواجهه فجعل من حوله يكذب هذه الكذبة التي أغضبت أبا اليسر) وكنت والله معسرا (أي غير قادر علي السداد فعلا), قال: قلت آلله؟ (أي أبا اليسر يستحلف الرجل), قال: الله (أي أن الرجل حلف بالله أنه صادق), قلت: آلله؟ قال: الله, قلت: آلله؟ قال: الله (استحلفه ثلاثا للتأكيد), قال فأتي (يعني أبا اليسر) بصحيفته فمحاها بيده (أي ألغي إيصال الدين ومحاه ولم يعد هناك إثبات قضائي يهدد هذا الرجل) فقال: (أي أبو اليسر) إن وجدت قضاء فاقضني (أي إذا رزقك الله بعد ذلك بقيمة الدين فسدده) وإلا أنت في حل.
فأشهد بصر عينيّ هاتين ـ ووضع إصبعيه علي عينيه ـ وسمع أذني هاتين ووعاه قلبي هذا ـ وأشار إلي مناط قلبه ـ رسول الله صلي الله عليه وسلم (أي أن عينيه رأت وأذنيه سمعت وقلبه حفظ ما قاله النبي صلي الله عليه وسلم) وهو يقول: "من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله" (وكلمة وضع عنه أي أسقط الدين عن المدين).
قال: فقلت له أنا: (أي عبادة بن الوليد) يا عم لو أنك أخذت بردة غلامك وأعطيته معافريك أو أخذت معافريه وأعطيته بردتك فكانت عليك حلة وعليه حلة (أي كل واحد منهما يرتدي ثوبين متشابهين وهو المسمي بالحلة), فمسح رأسي وقال: اللهم بارك فيه, يابن أخي بصر عيني هاتين وسمع أذني هاتين ووعاه قلبي هذا ـ وأشار إلي مناط قلبه ـ رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو يقول: "أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون", وكان أن أعطيته من متاع الدنيا أهون عليّ من أن يأخذ من حسناتي يوم القيامة.
ويستفاد من هذا الحديث: الحرص علي طلب العلم وتحصيله, وعلي التعليم وبذله للآخرين, والأخلاق العالية, والعفو عند المقدرة, وعدم الوقوف علي زلات الناس, والاعتذار لهم, والتأكد من نقل العلم والدقة والوضوح في ذلك, والحرص علي المساواة بين البشر, والمسامحة في الديون, وتأجيل المعسر, فاللهم أعنا علي أنفسنا وفهمنا دينك في هذه الأيام المباركة.