Share |
نوفمبر 2013
18
التحالف الإسرائيلى - التركى ضد سوريا ليس استثناء فى علاقات البلدين
المصدر: الأهرام اليومى

أردوغان مرتديا العباءة العربية

أثار كشف النقاب عن أن تركيا ورغم التظاهر بفتور علاقاتها مع إسرائيل ساعدت الطائرات الحربية الإسرائيلية فى الغارة التى شنتها مؤخرا ضد اهداف داخل سوريا العديد من التساؤلات حول طبيعة العلاقة بين تل أبيب وأنقرة وهى العلاقة التى تعتبرها كل منهما استراتيجية باعتبار تركيا أول دولة إسلامية اعترفت بإسرائيل وكان ذلك فى 28 مارس 1949 حيث حددت تركيا منذ البداية أبعاد ارتباطها الاستراتيجى بإسرائيل وفور الاعتراف بتل أبيب بدأت العلاقات الدبلوماسية فى إيجاد جسور مشتركة بين البلدين وسارعت تركيا بالحديث عن أن دولة إسرائيل ستكون عنصر سلام واستقرار فى المنطقة.
وفى محاولة لفهم طبيعة هذه العلاقة أعد الدكتور محمود العدل إسماعيل، الباحث بمعهد الدراسات والبحوث الآسيوية بجامعة الزقازيق دراسة علمية حول المنظور التركى للعلاقات مع إسرائيل فى الفترة من 1990 إلى 2010، وتأتى أهميتها فى اعتبار تلك الحقبة الزمنية أهم عقدين قد يكونان - حتى الآن - فى العلاقات بين البلدين، حيث مثل العقد الأول الاتفاقيات الكبري، فيما بينهما بما عرف بالعصر الذهبي، كما يعد عقد العلاقات العلنية على عكس ما كانت ترى تركيا فى السبعينيات والثمانينيات من التزام السرية حفاظا على علاقاتها مع العالم العربي. ولكن بعد اتفاق "أوسلو" بين إسرائيل والفلسطينيين رأت تركيا أنه لا يوجد داع لعدم إظهار تفاصيل علاقاتها مع إسرائيل فى العلن. وهذا قاد إسرائيل إلى إرسال أفواج سياحية إلى تركيا فى عقد التسعينيات الذى شهد تطورا كبيرا فى العلاقات السياحية والتجارية توجت بالاتفاق والتعاون العسكرى الاستراتيجى بين البلدين عام 1996.
أما العقد الثانى من عام 2000حتى 2010 الذى تناولته الدراسة، كما يقول الدكتور رأفت الشيخ، رئيس لجنة المناقشة، كان ذا وقع مختلف عن الأول، إذ صعد حزب العدالة والتنمية إلى السلطة بزعامة رجب طيب أردوغان الذى حاول إيجاد نوع من التوازن فى علاقات تركيا الخارجية مع الجميع، وقد عمل على محورين للسياسة الخارجية، أحدهما علاقة استرايتجية لتركيا مع أوروبا وأمريكا لضمان التوازن مع المؤسسة العسكرية داخل البلاد التى تعمل للحفاظ على المبادئ العلمانية. والثانى إقامة علاقات مع الدول العربية والإسلامية لإعادة الروابط التاريخية لتركيا وفتح أسواق اقتصادية بهذه الدول. وقد أسست هذه العلاقات لفتور العلاقة مع إسرائيل إلى جانب تدخلها الاستخباراتى فى إقليم كردستان العراق، الأمر الذى جعل الحزب الحاكم والمؤسسة العسكرية التركية يشعران بالخطر على الأمن القومي، وأظهر الشعور الإسرائيلى بأن تركيا الحالية ليست السابقة فى العقود الماضية، ولقد سجلت الدراسة التى أعدها الدكتور محمود العدل إسماعيل، الباحث بمعهد البحوث الآسيوية، المواقف المتعددة لرئيس الوزراء التركى ضد إسرائيل، واعتداءاتها وحروبها المستمرة على قطاع غزة أو لبنان، وهو ما دفع أردوغان إلى وصف إسرائيل كثيرا بمصطلح إرهاب الدولة، وتعددت الأزمات بين البلدين مع تكرار الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضى العربية.
ولقد شهد عقد ما بين عام 2000 و2010 أهم واقعتين فى تاريخ علاقات تركيا مع إسرائيل، وهما واقعة مؤتمر دافوس الاقتصادى عندما انسحب رئيس الوزراء التركى احتجاجا على كلمة رئيس وزراء إسرائيل ثم واقعة أسطول الحرية والسفينة مرمرة فى أثناء توجهها إلى غزة والاعتداء عليها واستشهاد عدد من ركابها، وأحدثا فتورا سياسيا وتراشقا إعلاميا ودبلوماسيا بينهما فى مراحل مختلفة لكنها لم تؤثر فى قوة ومتانة العلاقات الاقتصادية سوى على الجانب السياحى فقط. وقد اتضح دور تركيا الحديثة التى كانت تعتبر نفسها غربية أوروبية الأمر الذى دفعها للتحالف مع إسرائيل فى الماضى لتتجه تركيا الجديدة إلى "تصفير المشكلات" مع العالم العربى والإسلامي، خاصة دول الجوار بعد ما رسم وزير خارجيتها أحمد داود أوغلو لبلاده تلك العلاقات بإنهاء الخلافات، وأى توتر، وقد استنتجت الدراسة، كما يؤكد الدكتور رأفت الشيخ، رئيس لجنة المناقشة، أن وضع اليهود فى الدولة العثمانية وجفاء العلاقات العربية - التركية كان له دور كبير فى اعتراف تركيا بإسرائيل، وكان لسياسة "كمال اتاتورك" العلمانية دور فى تقبل المجتمع التركى لإسرائيل كصديق وشريك استراتيجي. وأيضا شدة دعم المؤسسة العسكرية، وقيام أمريكا بدور بارز فى دعم التحالف بين البلدين.
ويرى الباحث فى دراسته أن العلاقة المستقبلية بين تركيا وإسرائيل سوف تستمر، كما بدأت منذ الاعتراف بإسرائيل حتى نهاية تلك الدولة، وذلك لما تتمتع به تلك العلاقة من متانة اقتصادية وتجارية تجعلها أهم أسباب استمرارها ونجاحها رغم التى حدثت بين البلدين. كما يرى الباحث أن واقعتى دافوس وأسطول الحرية هما أكبر حدثين، وأن مثلهما فى الحجم والأهمية لن يتكرر بسهولة لما تركاه من آثار كبيرة فى تلك العلاقة جعلت القوة الاقتصادية والتجارية تتحرك سريعا تارة فى العلن ومرات فى الخفاء للحد من التقلبات السياسية بين البلدين ولتعبر بتلك العلاقة إلى بر الأمان، خصوصا بعد اعتذار إسرائيل عن حادث أسطول الحرية، وهو ما عبرت به عن "أن الاعتذار بين الاصدقاء ليس عيبا"، وهو ما جعل الاتراك أيضا يتحدثون عن "أن الاعتذار داخل العائلة الواحدة ليس ضعفا"، وهذه المؤشرات تقتضى القول "إنها علاقة قوية ومتينة اقتصاديا وعسكريا" يصيبها الفتور سياسيا واعلاميا، ولكن تبقى تركيا هى الدولة التى تدرك أين مصلحتها وأهدافها الاستراتيجية فى المنطقة مع إسرائيل وغيرها من دول الشرق الأوسط.