Share |
نوفمبر 2009
25
"عمر في العاصفة" تجربة نصف قرن من الصراع بين السيف القلم
المصدر: الأهرام اليومى


يعرف مثقفو الستينيات الاثر الذي احدثه كتاب "اليمين واليسار في الاسلام" للكاتب أحمد عباس صالح في الاوساط الثقافية, كما يدركون ولا شك دور مجلة "الكاتب" التي رأس تحريرها في دعم مفهوم الثقافة الوطنية, وهو دور لعبته المجلة باقتدار حتي تم اغلاقها في السبعينيات في سياق حملة الكاتب الراحل يوسف السباعي علي المجلات اليسارية.
وعلي الرغم من أهمية الدور الذي لعبه صالح في الثقافة المصرية إلا أن غيابه لسنوات طويلة خارج الوطن في غربة قسرية امتدت بين بغداد ولندن أثر علي حضوره في السنوات الاخيرة لدرجة أن الكثير من المثقفين لم ينتبه لخبر رحيله قبل عامين, كما لم تلتفت الغالبية للكتاب الذي صدر بداية هذا العام عن هيئة الكتاب وتضمن مذكراته التي نشرها في جريدة القاهرة تحت عنوان دال وهو "عمر في العاصفة".
والكتاب أقرب لشهادة تكشف عن الظروف التي عاشها مثقفو الاربعينيات من أبناء الطبقة الوسطي الحاملة لمشروع التغيير والاهم ان قطاعا كبيرا منهم لم يجد اية غضاضة في الجمع بين ثقافة مدنية لها طابع علماني وثقافة دينية وتراثية, فالكاتب في اشارته للسنوات التي ساهمت في تكوينه يشدد علي دور مكتبة جده في إيجاد هذا الوعي باهمية التراث كمكون رئيسي في ثقافته. وكذلك يشير الي الابواب التي كان يطرقها هو وزملاؤه للتعرف علي مصادر الثقافة المعاصرة سواء تمثلت في مراكز الاحزاب الناهضة في ذلك الوقت أو المقاهي الثقاقية التي كانت بحد ذاتها مصنعا لانتاج المواهب والتبشير بها. وهو ذاته أحد الكتاب الذين كان المقهي مدخلهم لدخول عالم الكتابة, اذ بدأ أولا بكتابة التمثيليات الاذاعية.
وبعد ان ينهي الكاتب عرضه البانورامي لساحات تكوينه الثقافي يذهب بالقاريء الي لحظات شائكة تتعلق بالدور الذي لعبه القدر في دفعه للارتباط بالمؤسسة الدينية عبر عمله سكرتيرا لمكتب العالم الشهير الشيخ "محمود أبو العيون", وهي صدفة اخري دعمت من العنصر الديني في ثقافته ولعلها ساهمت في خلق البذور الاولي لكتابه الشهير الذي اشرت اليه في البداية, غير ان القاريء لن يحرم نفسه من المقارنة بين حال الازهر الان وحاله في تلك السنوات التي كانت حافلة بمعارك التغيير كذلك ستلفت نظره الصورة التي رسمها الكاتب للرئيس السادات في بداياته وهي صورة لا تخلو من طرافة تشكلت تفاصيلها من خلال الروايات التي يقدمها صالح عن تجربته في الاذاعة وايضا في السنوات الاولي لعمله في الصحافة بعد ثورة 1952 في مجلة "التحرير" وصحيفة "الجمهورية" التي كانت ناطقة باسم الثورة وكذلك تجربته في "روز اليوسف" التي تعامل فيها عن قرب مع مؤسسة المجلة التي يراها "سيدة ذكية فاهمة" دون ان ينسي موهبة ابنها الكاتب احسان عبد القدوس واستقامة الكاتب الراحل احمد بهاء الدين الذي يظل محتفظا بصورته المثالية طوال الصفحات التي يروي فيها الكاتب علاقته برجال الصحافة والفكر في نصف قرن.
وبخلاف صورة "السادات" الملغزة يرسم الكاتب صورا أخري لتوفيق الحكيم وطه حسين وعباس محمود العقاد لا تخلو من ملامح انسانية, كاشفا فيها عن الازمات التي عاشها هؤلاء مع الثورة التي ادرك الكاتب منذ البداية اتجاه قادتها المعادي للديمقراطية فهو يكشف عن مرارات العقاد في سنواته الأخيرة مع الثورة وهي مرارات قادته الي "العزلة".
ويتوقف عباس صالح مطولا أمام تجربته في رئاسة تحرير مجلة "الكاتب" وتأسيسها وهي تجربة عريضة والاهم فيها من وجهة نظري ما رواه الكاتب عن ملابسات اغلاق هذه المجلة المهمة وهي ملابسات تكشف في التحليل الاخير صورة من الصور المثالية في تعقد علاقة "المثقف" بالسلطة وهي علاقة لا تخلو من "استخدام" اذ تلجأ السلطة دائما لاستخدام المثقف لتبرير أدائها السياسي ويكفي هنا الاشارة للمعلومات التي توافرت للكاتب عن آليات تفكير رجال الثورة وعن الصراع الدائر بين رجال" الرئيس والمشير" ومصدره فيها صلته بالسيد محمد ابونار الذي كان من اقرب معاوني المشير عبدالحكيم عامر ولعل الكاتب في شهادته خاصة وهو يكتب تجربته القاسية في العراق بين منتصف السبعنيات واوائل الثمانينيات ـ يشير من دون ان يدري لنوع أخر من الاسباب التي أدت في نهاية الامر لهزيمة المشروع القومي سواء في طبعته الناصرية أو في طبعته البعثية.