Share |
نوفمبر 2009
26
فاتورة سنوات الإرهاب في الجزائر
المصدر: الأهرام اليومى
بقلم:   اشرف العشرى

أخيرا. وبعد سنوات من الكر والفر في سجال تفجيرات الإرهاب شبه اليومي والممتد منذ بداية التسعينيات وحتي اليوم, استطاعت السلطات الجزائرية أن تجد وقتا مستقطعا لبدء جردة حساب شاملة عن مآس وضحايا وخسائر غول الإرهاب الأسود الذي قضي علي الأخضر واليابس في البلاد, وأوقف مسيرة الحياة والتنمية لأوقات طويلة ومازالت ضرباته وتداعياته الارتدادية مستمرة حتي هذه اللحظة.
لا حديث ولا صوت يعلو علي صوت مكافحة وملاحقة وضرب الإرهاب بشتي الطرق, حتي لو اضطر الأمر إلي تخصيص عشرات المليارات من الدولارات الإضافية للجيش والأمن لمكافحة هذا الغول الإرهابي, كما حدث في الميزانية الجديدة لعام 2009وأعلن عنه رسميا في الأيام الماضية, وكل ذلك بعد أن رأت وتوصلت السلطات بقناعة ويقين أنه مازالت هناك عدة أشواط اضافية في تلك المعركة قد تستغرق عدة سنوات قليلة قبل القضاء واقتلاع شوكة الإرهاب والإرهابيين نهائيا من الجزائر.
ولذلك كان قرار القيادة الجزائرية والرئيس عبدالعزيز بوتفليقة بإعادة رجل المهمات القذرة كما أطلق هو علي نفسه يوما ما منذ عامين في ساحة البرلمان أحمد أويحيي لرئاسة الحكومة من جديد, بدلا من عبدالعزيز بلخادم الذي لم ينفع ويجد منهجه الاصلاحي في الحوار والمفاوضات والاقناع للارهابيين للنزول من الجبال وإلقاء السلاح.
وبالفعل عاد أويحيي كما يقول عن نفسه دوما الاستئصالي ورجل حرب الإلقاء بالحديد والنار لكل ما هو إرهابي وأصولي من أجل أن تكتب ولو نهاية قريبة في الأفق لضربات الارهاب تلك, خاصة مع حرص السلطات هذه الأيام علي اعداد وتهيئة مسرح العمليات حاليا من قبل الجيش وفرق الأمن لتنظيف الساحة الجزائرية أو وقف نزيف الاعتداءات الانتحارية كما حدث أخيرا, أو علي الأقل تحييد أو تأخير تلك الضربات الي فترة طويلة من الوقت حتي ينتهي الجيش الجزائري من تنفيذ خطط دك حصون تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي في جبال الشرق الجزائري, كما يفعل هذه الأيام والذي تعهد الرئيس بوتفليقة للجمهور الجزائري في حملته الانتخابية منذ عدة أشهر بالتزامه بالقضاء علي عمليات القاعدة واخواتها في الجزائر خلال عام علي أكثر تقدير من ولايته الثالثة التي بدأت منذ مايو الماضي, الأمر الذي يصعب تحقيقه.
خاصة في ضوء كثير من الظلال القاتمة التي مازالت تعتري المشهد الأمني حاليا في الجزائر خشية من عودة هجمات القاعدة بعد انقضاء فترة الهدنة التي ألزمت بها نفسها التوقف عدة أشهر خلال فترة انتخاب بوتفليقة ولكنه تعود هذه الأيام عبر بث بيانات لأبومصعب عبدالودود زعيم التنظيم في الجزائر بالتهديد والوعيد من جديد مذكرا باعتداءات وتفجيرات الأخضرية وبومرداس والبويرة في الشرق الجزائري دفعة واحدة, وخلال ساعات معدودة الأمر الذي تسبب في كثير من الحرج للنظام والسلطة في الجزائر, خاصة بعد وعود وتعهدات جنرالات الجيش ووزير الداخلية يزيد زرهوني بأنهم قضوا علي الإرهاب وأن فلول الجماعات الإرهابية في طريقها الي الانحدار خلال أشهر قليلة ولكن ذلك لم يحدث منذ مرور أكثر من عام علي التفجيرات الأخيرة.
إذا كانت تلك دراما جردة الحسابات السياسية والأمنية التي مازالت تلف المشهد الأمني برمته في الجزائر وبواعث الخوف من عودة الإرهاب من عدمه وهل ينتهي الهدوء الذي تقطعه القاعدة بعملياتها المزلزلة دوما, لان جردة الخسائر البشرية والمالية كانت الأشد إيلاما وفظاعة حتي هذه الساعة, ناهيك عن هاجس يطارد الخزينة العمومية حاليا في الجزائر الي درجة لم يتجرأ أي رئيس حكومة علي ذكر وتقدير الأرقام الحقيقية بل يكتفون بذكر الأرقام التقديرية خشية أن تشكل الأرقام والأثمان المرتفعة صدمة لكل الجزائريين, إلا أن العديدمن التقارير والتسريبات التي تجرأت العديد من وسائل الإعلام الجزائرية علي نشرها ووصلت إليها من دوائر مسئولة في الدولة أخيرا, تشير وتفضح جسامة تلك المأساة التي حسب الأرقام الرســمية تكشــف عن اغتيال وقتل أكثر من 250 ألف جزائري حصيلة سنوات الإرهاب من مواطنين ورجال أمن علي يد العديد من الجماعات الإرهابية سواء في مذابح جماعية ارتكبتها الجماعة الإسلامية المسلحة أو حماة الدعوة السلفية أو خلايا جيش الانقاذ الإسلامي المسلح, أو الجماعة السلفية للدعوة والقتال التي تحولت في العامين الماضيين الي تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي, إلا أن نكبة تلك المأساة تكمن في تصاعد أعداد المفقودين خلال سنوات الإرهاب ومازالت مستمرة حتي الساعة, حيث تشير التقديرات الرسمية الي استمرار فقدان نحو 7 آلاف مفقود وصرفت لهم تعويضات, في حين تشير أرقام مصالح الأمن والسكان والأسر الي الضعف, حيث ان هناك عائلات بأكملها مازالت مفقودة.
أما اذا تفحصنا جردة الخسائر لتشمل قوائم الأرامل والمعاقين في الجزائر حصيلة سنوات المد الإرهابي فحدث ولا حرج, حيث تشمل الأعداد عدة مئات الآلاف, حيث فقدان الأزواج سواء من المواطنين العاديين أو رجال الأمن الذين قتلوا وخطفوا وفجروا في مذابح جماعية عديدة حتي الدراسات الاجتماعية والنفسية التي أجريت علي أسر ضحايا الارهاب كشفت عن نوعية أمراض وصدمات نفسية وعنيفة يستحيل ويتعذر شفاء أو استعادة أصحابها حياتهم الطبيعية.
وحتي مشروع المصالحة الوطنية الشاملة الذي أطلقه الرئيس بوتفليقة, في نهاية عام 2005, ورصدت ملايين الدولارات علي سبيل التعويضات المباشرة لكل من يطلق الارهاب, وينزل من الجبال, ويلقي السلاح لأسرته والذي بدأ في تطبيقه منذ عام 2006 فقد ارتفعت فاتورته هو الآخر, حيث بلغ قيمة ما أنفقته ووزعته وزارة التضامن طيلة الشهور الماضية قرابة المليار يورو والبقيـــة تأتي, حيــث إن قوائم الضحايا والمحددين والمرصودين لتلك التعويضات بشأن ملف المصالحة وحده مازالت طويلة, ناهيك عن مشروعات المصالحة التي مازالت تترنح.
إلا أنه وفي النهاية تبقي السجلات والقوائم الحقيقية لأعداد وضحايا وخسائر حقبة الإرهاب الدامي وحتي الآن من أسرار الدولة الجزائرية حتي لا يكتشف سر من حضر عفريت هذا الإرهاب.!