Share |
يونية 2010
3
البحث عن شخصية مصر
المصدر: الأهرام المسائى

د. عبد المنعم سعيد

كانت المناسبة هي الجلسة الختامية للمؤتمر السنوي للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية الذي كان موضوعه "الشخصية المصرية في عالم متغير" أما موضوع جلستنا فقد كان عن "رؤية مستقبلية للشخصية المصرية". وشارك في الجلسة أ.د علي المصيلحي وزير التضامن الاجتماعي ود. علي الدين هلال أستاذ العلوم السياسية والمستشارة تهاني الجبالي القاضية بالمحكمة الدستورية العليا. وأعترف أن المهمة كانت صعبة، فكل ما يعرف عن الرؤي المستقبلية هو أن فيها من المغامرة أكثر مما فيها من حكمة، ومن الخيال أكثر مما فيها من يقين، ومن التعسف أكثر مما فيها من إحكام. ويقال دائما إن الدراسات المستقبلية في العموم هي كابوس الباحث الاجتماعي، وعندما يكون الأمر متصلا بمفهوم غامض مثل "الشخصية المصرية" فإن التعقيد يتحول إلي قضية غير قابلة للحل.
كان كتابه "شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان" واحدا من الكلاسيكيات التي ظهر أول كتبها عام 1968 ثم بعد ذلك ظهر خلال السبعينيات في أربعة مجلدات طغي فيها دور الجغرافيا علي الشخصية ومحدداتهاعندما يمتلك قرابة 56 مليون مصري تليفونا نقالا، ويستطيع 15 مليوناً الدخول علي شبكات الإنترنت، فإن كتلة حرجة من المصريين تتغير شخصيتها في اتجاهات أكثر سرعة وتواصلا، وأقل بطئا وانعزالا. وعندما يثار موضوع الشخصية المصرية فإن اثنين من علماء مصر الكبار يطلان علي الذاكرة أولهما الدكتور حامد ربيع ـ رحمه الله ـ الذي كان أول من علمنا المفهوم باعتبار أن هناك ما يسمي بالشخصية القومية التي تعطي لشعب وأمة مجموعات من السمات والسلوكيات التي تجعله مختلفا عن الشعوب والأمم الأخري. وباختصار فإن مقومات هذه الشخصية ورؤيتها لذاتها، وما هو خارجها، وعالمها، هي التي تجعل المصري مصريا و الفرنسي فرنسيا. والمعضلة مع ذلك أن كل الشخصيات مركبة بشكل أو آخر نتيجة وجود العديد من الشخصيات الفرعية والثقافات المتنوعة التي قد تطغي أحيانا علي الشخصية الوطنية. أما الآخر فقد كان الدكتور جمال حمدان الذي كان كتابه "شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان" واحدا من الكلاسيكيات التي ظهر أول كتبها عام 1968 ثم بعد ذلك ظهر خلال السبعينيات في أربعة مجلدات طغي فيها دور الجغرافيا علي الشخصية ومحدداتها.
ودون الدخول في كثير من التفاصيل فإن الرؤية المستقبلية للشخصية المصرية كما طرحتها في الندوة قامت علي أنه أيا كانت السمات المشتركة للشعب المصري فإنها كلها تتغير حسب علاقات هذا الإنسان بمجموعة من المتغيرات التي تؤثر في هذه الشخصية بطريقة أو بأخري. وأول هذه المتغيرات هو علاقة الإنسان المصري بالإقليم أو بالمكان الذي يعيش فيه، ومن الثابت أن هناك مجموعة من عمليات الانتقال الجديدة في المكان يقوم بها الإنسان المصري خلال العقود الأخيرة من الريف إلي الحضر، أو من القرية إلي المدينة، وهو ما يعني نهاية الأسر الممتدة والعائلات المسيطرة خلال فترة ليست بعيدة من الانتقال. وإذا كان هذا الانتقال متجها نحو ما يسمي " الميجا سيتي" أو المدن العظمي المليونية مثل القاهرة والإسكندرية فإن السمات تتغير أيضا نتيجة الكثافة السكانية، وتزايد نظم المعرفة، والعلاقات الحضرية التي تسقط العائلة ولكنها تقيم الرابطة والتنظيم.
ولكن الإنسان المصري لا ينتقل فقط من الريف إلي الحضر، ولكن أيضا من الحضر إلي توابع الحضر، وهي ظاهرة حديثة نسبيا جاءت إلي المدن العظمي فكونت مدنا تابعة مثل القاهرة الجديدة، ومدينة السادس من أكتوبر، ومايو وبرج العرب الجديدة والمنيا الجديدة وتجمعات بدر والشروق والشيخ زايد وما شابهها. هذا التطور الحضري يتميز بانسياب الطبقة الوسطي من قلب المدن المزدحمة ليخلق عالما جديدا متكاملا تتكون له عادات وتقاليد وسمات أقرب للمجتمعات الحديثة في أوروبا والعالم المتقدم. وهذا الإنسان نفسه له شخصية لا ترفض الحل والترحال، وانتهت علاقاتها المحافظة بالأرض، ولذلك فإنها نفسها لا تلبث أن ترحل هي الأخري إلي الساحل فظهرت مدن شرم الشيخ والغردقة ومرسي علم ومارينا ومرسي مطروح، وببساطة فإن شواطئ البحر الأحمر والأبيض وسيناء كلها مع الطرق الجديدة الممتدة إليها من الوادي المصري القديم تحول شخصية الإنسان المصري المتأثرة بالنهر والصحراء لكي تتلامس مع البحر بكل ما فيه من مغامرة ومبادرة. والحقيقة أن ذلك ليس هو الانتقال الأخير للإنسان المصري الذي بات أكثر استعدادا للهجرة إلي الخارج حتي بات عدد المصريين المقيمين في دول أخري يزيد علي سبعة ملايين يحافظون علي روابطهم مع مصر، ويحولون بعضا من أموالهم إليها، وكثرة يحتفظون بمساكن. هذا الإنسان المصري الجديد الملتحم بالعالم أكثر تطلعا للثروة ونهما إلي المعاصرة والديمقراطية.
وثاني المتغيرات يأتي في العلاقة بين الإنسان المصري والزمن الذي ازداد تسارعا بأكثر مما حدث طوال الألفيات الست التي عاشها المصريون. لقد كان دخول السكك الحديدية والبرق والتلغراف في القرن التاسع عشر، ومن بعدها السيارات والإذاعة والتليفون والتليفزيون خلال القرن العشرين تغييرا هائلا في الزمن الذي يعيشه المصريون من حيث القدرة علي الحركة والإنجاز ونقل المنتجات والأفكار. والآن فإن ثورة الاتصالات والمواصلات تقوم بنفس الاتجاه من التغيير، ولم يكن ممكنا تغيير علاقة الإنسان المصري بإقليمه دون ذلك التغير الهائل في سرعة التواصل والانتقال وتلقي المعرفة. وعندما يمتلك قرابة 56 مليون مصري تليفونا نقالا، ويستطيع 15 مليوناً الدخول علي شبكات الإنترنت، فإن كتلة حرجة من المصريين تتغير شخصيتها في اتجاهات أكثر سرعة وتواصلا، وأقل بطئا وانعزالا.
ونتيجة التغير في علاقة الإنسان المصري مع الإقليم والزمن، فإن المتغير الثالث حول علاقته بالسلطة لابد أن يتغير هو الآخر. ولا يمكن فصل التوسع الهائل في المجتمع المدني المصري، واتجاه المصريين للعمل في القطاع الخاص حتي بات عدد العاملين فيه 14 مليوناً مقارنة بسبعة ملايين في قطاع الحكومة والقطاع العام فإن معني ذلك بداية نهاية التبعية المعروفة من الإنسان المصري للدولة بوسائل شتي.
ويرتبط بذلك تغير رابع يتركز حول علاقات الإنسان المصري بالمجتمع حيث كان تاريخيا جزءا من جماعة أخذت شكل القبيلة أو العشيرة التي كان الفرد أحد مفرداتها، ومع الحركة الوطنية المصرية باتت الجماعة هي "الأمة" ومن بعدها جاءت الطبقة ـ العمال والفلاحين ـ ثم الشعب. الجديد في الأمر هو ظهور الفردية لدي المصريين التي لم تكن متاحة من قبل، وهي الفردية التي تجعله أكثر استعدادا للهجرة، ومعها التنقل بين أكثر من عمل. مثل هذه الحالة تسبب نوعا من الغربة والحيرة يحاول المصري التعامل معها من خلال الدين الذي يلتصق به فرديا، ومن خلال هذه الصلة يحاول الحفاظ علي حريته في نفس الوقت.
هذه المتغيرات الأربعة وراءها أربع آليات تجعلها مستمرة ومتدفقة ومتقدمة أيضا خلال الزمن. ولاشك أن التقدم التكنولوجي هو أول هذه الآليات الذي لا يضيف فقط سلعا جديدة ولكن معها أساليب حياة تعمق من إحساس الإنسان المصري بالثروة والرغبة في الاقتناء والاستحواذ والحصول علي المزيد. ويضاف إلي ذلك آلية أخري هي الإعلام الذي بات لاعبا سياسيا واقتصاديا كبيرا في عملية تشكيل وعي المواطنين ومواقفهم، فقد انتهي الإعلام الساكن الذي يحتاج الإنسان فيه للوجود في مكان ثابت سواء كان منزله أو ناديه، وإنما بات المصري يتحرك الآن ومعه إعلامه من خلال هاتفه وفي المستقبل القريب من خلال أدوات أخري مثل "الآيباد" وغيرها. أما الآلية الثالثة فهي التحولات الاقتصادية التي أدت من خلال اقتصاد السوق إلي نمو الطبقة الوسطي وارتفاع رغباتها وطموحاتها إلي المزيد من الثروة والتقدم المعرفي. أما آخر الآليات فهي التحولات السياسية الجارية في مصر الآن التي خلقت مجالات كبيرة للاختلاف وحرية التعبير والتنوع في الروابط والشبكات الاجتماعية، فضلا عن تراجع القبضة الحديدية للسلطة السياسية.
نتيجة ذلك كله تغيرات كبيرة في الشخصية المصرية، فالإنسان المصري الملتصق بالمكان صار إنسانا رحالا بين الأمكنة والأقاليم وفرص العمل، والإنسان المصري البطيء المتثاقل القليل الاعتبار للوقت سوف يصير أكثر سرعة وحركة ومبادرة، والإنسان المصري المعتمد علي الحكومة والسلطة السياسية سوف يكون لديه الرغبة والاستعداد للتخلص من هذه الهيمنة، والإنسان المصري الغارق في أحضان الجماعة سوف يصبح أكثر فردية حتي مما هو عليه الآن. وببساطة فإن شخصية المصري سوف تتحرك من أشكالها الجامدة الأولي إلي أشكال وأقدار أكثر ديناميكية من أي وقت مضي.