Share |
ابريل 2010
1
إيران وأمريكا وتحديات ما بعد الانتخابات العراقية
المصدر: مختارات إيرانية

فى الوقت الذى طغى فيه السباق الانتخابى الماراثونى بين ائتلاف "دولة القانون" برئاسة نورى المالكى رئيس الحكومة العراقية و"القائمة العراقية" برئاسة إياد علاّوى الرئيس الأسبق للحكومة العراقية على معالم المشهد السياسى العراقى، جاءت مفاجأة الرئيس الأمريكى باراك أوباما بتجديد التزامه بسياسة الحوار مع إيران شرط الوفاء بالتزاماتها الدولية.
مفاجأة أوباما هذه التى جاءت عبر رسالة للقيادة وللشعب فى إيران تحمل التهنئة بعيد النوروز الإيرانى لم تكن بعيدة بأى حال من الأحوال عن معالم المشهد السياسى العراقى التى جاءت لتضع إيران والولايات المتحدة وجهاً لوجه أمام الخيارات الصعبة بعد فشل رهاناتهما المعلنة فى تلك الانتخابات.
فالولايات المتحدة راهنت على إياد علاّوى وتحالفه الانتخابى ودعمت بعض الدول العربية الصديقة لواشنطن هذا الخيار حيث جرى استقباله فى أكثر من دولة عربية فى حين رفضت بعضها استقبال منافسه القوى نورى المالكى الذى تورط فى ممارسات عدائية خاصة ضد سوريا والمملكة العربية السعودية.
أما إيران التى كانت ومازالت حريصة على ألا تورط نفسها فى سياسة تمييزية بين حلفائها من الائتلافات الشيعية المتنافسة بعد أن فشلت فى دمجها فى ائتلاف انتخابى موحد وبالذات دمج ائتلاف دولة القانون فى الائتلاف الوطنى العراقى حرصاً منها على أن تكون هى المنتصرة فى النهاية بفوز هذه الائتلافات، فإنها أبدت تأييداً لنورى المالكى وائتلافه الانتخابى "دولة القانون" ضد ائتلاف إياد علاّوى "القائمة العراقية" وليس ضد الائتلاف الشيعى الآخر "الائتلاف الوطنى العراقى".
هذا الموقف كانت تراقبه واشنطن بقلق بالغ دفع الجنرال راى أوديرنو قائد القوات الأمريكية فى العراق إلى كشف "معلومات استخباراتية" تؤكد التدخل الإيرانى فى عملية الانتخابات العراقية، ركزت على التمويل والدعم الإيرانى لبعض الأحزاب العراقية، إضافة إلى كشف العلاقة بين أحمد الجلبى رئيس هيئة "المساءلة والعدالة" وإيران خاصة لقاءاته مع كل من قاسم سليمانى قائد فيلق القدس التابع للحرس الثورى الإيرانى ومنوشهر متكى وزير الخارجية الإيرانى.
المعلومات التى قدمها الجنرال أوديرنو شملت التدخل السياسى والمالى والوقوف وراء حملة اجتثاث البعث التى أدت إلى إقصاء عدد كبير من المرشحين أبرزهم من السنة ومطاردة واعتقال عدد كبير من النشطاء السياسيين تحت دعوى اجتثاث البعث، والتى جاءت متوافقة مع تصريحات الرئيس الإيرانى محمود أحمدى نجاد بضرورة العمل من أجل عدم عودة البعثيين إلى الحكم فى العراق.
هذا الرصد الأمريكى للسياسات والممارسات الإيرانية فى العراق لم يختلف كثيراً عن ما كشفته ردود فعل الصحافة الإيرانية على النتائج الأولية للانتخابات العراقية التى أظهرت تفوق كل من ائتلاف نورى المالكى والائتلاف الوطنى العراقى وقبل أن يحدث إياد علاّوى مفاجأته بالتفوق على نورى المالكى وتبادل المراكز معه بشكل متتالى على مدى الأيام الأخيرة من فرز صناديق الاقتراع وبعد فرز حوالى 93% من إجمالى الأصوات.
فقد تعجلت الصحف الإيرانية بالحديث عن "التقدم الكاسح" لائتلاف "دولة القانون" برئاسة نورى المالكى و"الائتلاف الوطنى العراقى" برئاسة عمار الحكيم، ووصف هذا التقدم بـ "الانتصار العظيم"، كما تعجلت فى حصر رئاسة الحكومة العراقية الجديدة بين نورى المالكى أو إبراهيم الجعفرى (الائتلاف الوطنى العراقى)، لكن الأهم من ذلك أنها أسرفت فى الحديث عن "أين ذهبت الأموال السعودية" واتهمت المملكة بدعم شخصيات علمانية وقريبة من التوجهات البعثية أمثال طارق الهاشمى وإياد علاّوى وإياد جمال الدين وجواد البولانى، ووصفت ذلك بأنه "رهان على الخاسرين".
هذا التعجل بقدر ما كشف عن سوء تقدير إيرانى لحقيقة المعركة الانتخابية التى جعلت كل هؤلاء على رأس الرابحين فى الانتخابات، بقدر ما كشفت عن مدى التحيز الإيرانى للفريق الآخر والرهان عليه لكسب المعركة الانتخابية. لكن إذا كانت الانتخابات العراقية قد كشفت خطأ أو فشل الرهانات الإيرانية، فإنها أكدت أيضاً ضعف الرهان الأمريكى، حيث جاءت الانتخابات بصورة أخرى ومعادلة أخرى بين إيران وأمريكا أقرب ما تكون إلي معادلة "لا غالب ولا مغلوب". فأي كان الفائز فى الانتخابات قائمة إياد علاّوى أم قائمة نورى المالكى، فإن الفائز لن يكون فى وضع أفضل من المغلوب، نظراً لتعقد حسابات النتائج وصعوبة الخيارات المتاحة لتشكيل الحكومة أمام الائتلافات الثلاثة الكبيرة: "دولة القانون" و"القائمة العراقية" و"الائتلاف الوطنى العراقى"، وربما يكون وضع التحالف الكردستانى أفضل نسبياً، لكن الأكراد هم أيضاً باتوا أسرى معركة التحالفات التى يجرى التسابق حولها بين كل القوائم الانتخابية بما فيها القوائم الصغيرة.
الأكثر من ذلك أن التنافس الحاد بين الائتلافات والكتل الانتخابية لتشكيل تحالفات حكومية ربما يؤدى إلى تفكك هذه الائتلافات وانفراطها تحت ضغوط الإغراءات والمزايا التى يمكن أن تحصل عليها مجموعات أو أفراد من هذه الائتلافات إذا ما تركت ائتلافها وذهبت إلى ائتلاف آخر قد يفوز بالتشكيل الحكومى فى ظل موقف شديد التعقيد بسبب فشل أى من الائتلافات الانتخابية فى الفوز بما يكفى من الأصوات كى تستطيع تشكيل الحكومة بمفرده أو بالتحالف مع قائمة واحدة أخرى، كما أن التنافس الحاد بين الكتل والائتلافات يمكن أن يفاقم الصراع السياسى بينها ويطيل أمد أزمة تشكيل الحكومة، وبالتالى تجديد فرص عودة العنف فى ظل تهديدات حقيقية من أبو عمر البغدادى زعيم ما يسمى بـ "دولة العراق الإسلامية" باستئناف ما وصفه بـ "حملة عسكرية منسقة فى بغداد وعموم العراق لكسر صنم الديمقراطية والانتخابات الشركية المنبثقة عنها".
هذه التعقيدات تحصر احتمالات التشكيل الحكومى الجديد فى ثلاثة مسالك تجمع بين التحالف والانشقاق هى أولاً: تشكيل حكومة أغلبية تجمع إما ائتلاف "دولة القانون" مع "الائتلاف الوطنى العراقى" و"التحالف الكردستانى" شرط ألا يكون نورى المالكى رئيساً حسب مطالب التيار الصدرى الذى يرفض أن يكون المالكى على رأس الحكومة الجديدة خاصة بعد أن نجح الصدريون فى تحقيق أفضل النتائج داخل "الائتلاف الوطنى العراقى" مقارنة بالشريكين الآخرين: المجلس الأعلى وحزب الفضيلة، وأصبحوا أصحاب الكلمة الأولى بعد حصولهم على أكثر من أربعين مقعداً، وإما ائتلاف "القائمة العراقية" مع "الائتلاف الوطنى العراقى" و"التحالف الكردستانى". وثانياً: تشكيل حكومة عبر تفكيك وتقسيم التحالفات التى قد يدفع ثمنها "الائتلاف الوطنى" أو "القائمة العراقية"، من خلال تحالف نورى المالكى "دولة القانون" مع جزء من "الائتلاف الوطنى" (المجلس الأعلى وحزب الفضيلة) وجزء من "القائمة العراقية" مع "التحالف الكردستانى"، أو عن طريق تحالف نورى المالكى مع "الائتلاف الوطنى"، وقوى صغيرة خاصة فى الأوساط الكردية من خارج حزبى جلال طالبانى ومسعود برزانى، أما الخيار الثالث فهو التخلى عن فكرة حكومة الأغلبية والعودة إلى خيار حكومة الوحدة الوطنية التى قد يفضلها إياد علاّوى كخيار اضطرارى شرط ألا يكون نورى المالكى على رأسها.
هذه النتائج والخيارات الصعبة والمعقدة تزامنت وارتبطت بنتائج أخرى أبرزها التوجه التصويتى للسنة العرب فى العراق الذين صوتوا بشكل غير طائفى عندما انخرطوا فى قائمة علاّوى مع مرشحين شيعة وعندما قبلوا بزعامة علاّوى الشيعى لقائمتهم الانتخابية، وأبرزها أيضاً نجاح قائمة علاّوى فى حصد العدد الأكبر من الأصوات فى محافظة كركوك التي شهدت تصاعدا في القوة التصويتية للعرب والتركمان على عكس توقعات الحزبين الكرديين اللذين واجها تحديات لا تقل خطورة فى محافظات الإقليم الكردى من قوى كردية أخرى منافسة وضعت علامات استفهام قوية على تفرد هذين الحزبين بالحديث باسم الأكراد على المستوى الوطنى العراقى.
مجمل هذه النتائج ستكون لها مردودها المباشر على الموقفين الإيرانى والأمريكى داخل العراق وعلى الخيارات المشتركة لإدارة مصالحهما فى العراق، على النحو الذى أظهرته تهنئة الرئيس الأمريكى للقيادة الإيرانية والشعب الإيرانى بعيد النوروز وتجديد الثقة فى الخيار الدبلوماسى واستمرار التمسك بالحوار لحل أزمة البرنامج النووى الإيرانى شرط أن تفى إيران بالتزاماتها الدولية.
فالولايات المتحدة حرصت على إجراء الانتخابات فى موعدها المحدد دون تأجيل، كما حرصت على إنجاح هذه الانتخابات لأنها وحدها التى تضمن نجاح واستمرار العملية السياسية التى هى أهم الشروط الحاكمة لعملية الانسحاب العسكرى الأمريكى من العراق.
فإذا كانت الولايات المتحدة تريد انسحاباً مشرفاً وتريد أن تحافظ على مصالحها الحيوية فى العراق: النفط أولاً، وضمان عدم عودة العراق مجدداً كمصدر لتهديد الأمن الإسرائيلى وتهديد دول الجوار الصديقة، فإن ذلك لا يتحقق إلا من خلال ضمان استمرار العملية السياسية وضمان الأمن والاستقرار، والطريق إلى ذلك هو نجاح العملية الانتخابية فى تحقيق وفاق وطنى يقود إلى تشكيل حكومة قوية متماسكة يكون فى مقدورها القيام بالمهمة وتأمين انسحاب أمريكى مشرف من العراق، وبالطبع فإن الفشل فى تحقيق ذلك سوف يجبر واشنطن علي التوجه نحو خيارين بديلين: أولهما، تشكيل تحالف إقليمى يقوم بمهمة ملء فراغ الانسحاب الأمريكى من العراق سياسياً وأمنياً عن طريق ثلاثة دول إقليمية بارزة هى: سوريا وتركيا والسعودية مع تنسيق مصرى وأردنى. وثانيهما، الاضطرار إلى الدخول مع إيران فى عملية توازن مصالح فى العراق تعطى لإيران المكاسب التى تريدها شرط عدم المساس بالمصالح الأمريكية.
أما إيران فإنها كانت تهدف إلى جعل هذه الانتخابات ونتائجها ورقة مساومة كبيرة مع الولايات المتحدة فى العراق أولاً وفى الملف النووى ثانياً.
وعلى ضوء ما حدث من نتائج وما يحدث من تعقيدات في تشكيل الحكومة واختيار رئيس الجمهورية الذى تحول هو الآخر إلى إشكالية إضافية فى ظل تحفظ بل ورفض لبعض الأطراف لإعادة انتخاب جلال طالبانى مرة أخرى رئيساً للجمهورية وهو المنصب الذى سوف يكتسب أهمية ابتداءً من هذه الدورة بعد انتهاء دور المجلس الرئاسى، فإن موقف كل من طهران وواشنطن أضحى أكثر صعوبة نظراً لأن الانتخابات لم تأت بالنتائج التى تحقق لكل منهما ما كان يأمله من مصالح وأهداف، ولذلك فإن واشنطن يمكن أن تلوح بورقة مراجعة جدول انسحاب قواتها من العراق بإعادة جدولة هذا الانسحاب بما يمكنها من البقاء مدة أطول لحين التأكد من أن الفرصة باتت مواتية لمثل هذا الانسحاب فى محاولة للضغط على كل من القوى السياسية العراقية المتصارعة وعلى إيران. كما أن إيران تملك ورقة تعقيد عملية التشكيل الحكومى وورقة تجديد استئناف العنف لوضع واشنطن أمام اختبارات صعبة تضطرها إلى القبول بإعادة بحث الشأن العراقى معها مجدداً.
تصريحات الرئيس الأمريكى أوباما وتهنئته للإيرانيين بعيد النوروز وتجديد الالتزام باستمرار الحوار مع إيران إشارة لا يمكن تجاهلها لتوجه أمريكى نحو تمديد خيار الحوار مع إيران ليشمل العراق أيضاً، وإذا حدث ذلك فإن القوى العراقية الرافضة لإيران وبعض القوى الإقليمية المناوئة للنفوذ الإيرانى فى العراق ستجد نفسها فى موقف صعب، ربما يؤثر هو الآخر على فرص التوافق الداخلى فى العراق.