Share |
يوليو 2010
23
الحكيم.. لماذا كان يضرب عن الطعام كل عام؟
المصدر: الأهرام اليومى
بقلم:   وجدى رياض


في أول زيارة له لطبيب. كان عمره ستين عاما، لم يقترب من عيادة طبيب قبل هذا العمر، ولم يزره الألم ولم يشعر باحتياجه لطبيب، قبل هذه المحطة الفارقة في عمره وعمر أي إنسان، إنه توفيق الحكيم "برنارد شو العرب" صاحب القول الطريف "في هذا البلد الحكيم فيها كاتبا.. والكاتب فيها حكيما" وكان يقصد بالحكيم الجراح المشهور الدكتور عبدالله الكاتب..
إنه نموذج نادر لا يتكرر من الإنسان الملتزم، يحترم صحته ويطيع أوامر طبيبه، وينفذ تعاطي الدواء بدقة، كان من فريق المشائين "محبي المشي" متكئا علي عصاته الشهيرة وأعوامه الثمانين، يقطع الطريق من منزله المطل علي نيل جاردن سيتي إلي مكتبه بجريدة الأهرام صباح كل يوم، قاطعا قرابة أربعة كيلو مترات في شوارع الزمن الجميل النظيفة، وهي الرياضة التي اصبحت الآن علي لسان كل طبيب.
سؤال حير طبيبه هل كان الحكيم بخيلا؟... من مواقف متعددة لمس الطبيب الإجابة عن السؤال، ولكن الأمر المؤكد انه كان العجوز الشاب صاحب الذاكرة المتوهجة، وهو فوق سرير الرعاية المركزة حتي لفظ انفاسه في 26 يوليو 1987... وتمر هذا الشهر ذكري مولده منذ 112عاما! وقد كرمت "الأهرام" كاتبها الكبير وحملت أجمل قاعات الأهرام اسمه وهي قاعة مجهزة بأحدث تكنولوجيا العصر من الداتاشو ومخصصة للندوات اليومية والاسبوعية لكبار الساسة والأدباء والشعراء والمفكرين والعلماء.
بترو.. والأبراج
المقهي الذي جذب توفيق الحكيم ليقضي فيه نهاره في أيام الصيف بالاسكندرية اسمه مقهي بترو وهو يوناني الجنسية، وقد اختفي هذا المقهي بعد وفاة الحكيم عندما انفجرت أمامه عربة محملة بأنابيب البوتاجاز، وأدت إلي اختناق البعض.
واختفي المقهي بعد أن أصبحت الأرض أبراجا عالية، هذا المقهي في السبعينيات وأوائل الثمانينيات جذب كبار المفكرين والأدباء والمثقفين حول توفيق الحكيم حيث تدور المناقشات صباح كل يوم..
توفيق الحكيم مات شابا
كيف كان يهرب الحكيم من دفع أجرة الكشف الطبي؟
وجـدي ريـاض
كيف خرج الحكيم من ورطة تبرعه لإنشاء تمثال لعبدالناصر؟
توفيق الحكيم في شرفة منزله"توفيق الحكيم مات شابا"..
هكذا بدأ حديثه معي طبيبه الخاص الدكتور أحمد عبدالعزيز إسماعيل، أستاذ الأمراض الباطنة بكلية طب جامعة القاهرة، في آخر حديث له قبل رحيله، قال: اذا كان كل الأدباء والكتاب ماتوا معمرين وهم في عز الشباب، فإن توفيق الحكيم لحقهم.. إن توفيق الحكيم "برنارد شو" مصر، مات شابا فعلا.. إنه أقل أفراد أسرته المعمرة عمرا، لقد ماتت والدته وشقيقته عن عمر يناهز المائة عام، وهو مات عن عمر يقترب من التسعين وان كنت أعتقد أنه قد يكون قد أخطأ في 10 سنوات.
وتوفيق الحكيم يعتبر المثل والقدوة لكل الشباب.. لقد كان يعشق المشي والحركة، لا يسهر.. ولم يقترب من الخمر عمره كله، ولم يدخن سيجارة بالمعني الدقيق لها.. إنه كان دائم المرح، لديه القدرة علي فصل الأحداث المؤسفة في حياته.. يقابل المصائب بمنتهي الهدوء، يأكل ولا يشبع، ولا يقترب من المسبك والمحمر والمقلي، يعشق الأكل المسلوق والخضراوات والفواكه والزبادي وعسل النحل والجبن الأبيض والفول.. يكاد يكون نباتيا في طعامه، لا يستخدم المنومات لكي ينام ولا يستخدم المهضمات لكي يهضم طعامه.
تعالوا معا نفتح دوسيه أوراق الحكيم الطبية.. ان توفيق الحكيم لم يزر الطبيب في حياته، أول زيارة لطبيب كانت نداء لألم.. وكان عمره ستين عاما.. وكان قد أصيب بالانفلونزا، وهنا كانت أول زيارة للحكيم لطبيب كانت للدكتور أحمد عبدالعزيز إسماعيل سنة 1958.
حينئذ كان الحكيم يعاني من معدة حساسة ورقيقة أكثر من اللازم.. صحته لم تحتمل الامتناع عن الطعام أو الشراب.. واذا تعاطي مضادات حيوية فإنه يعاني من اضطراب معوي أو نزلة معوية حادة مع هبوط في الدورة الدموية مع مضاعفات.
ويقول طبيبه.. إنه دقيق جدا في اتباع التعليمات، لدرجة أنه يعتبرها إحدي قواعد اللغة العربية، التي لا يجوز كسرها أو الخروج عن قواعدها، إن رأيه أن تعليمات الطبيب ينبغي ألا تكون محل جدل أو مناقشة، إنه ينفذ أوامر الطبيب بحرفية شديدة، إنه يسأل عن كل كبيرة وصغيرة في الدواء وكيف ومتي يتناوله، إنه مريض قلما يتكرر مثله، انه يسأل متي يحصل علي الدواء، وما نوعه، وقبل أم بعد الأكل، وما تأثيره.. والجرعة ما قدرها.. وماذا يحدث اذا أهمل أو لم يتذكر موعد الدواء.. هل يضاعف الجرعة.. وما الاحتمالات المترتبة علي هذا الدواء، ويتابع مقادير العلاج بحرفية وبشدة، فإذا هاجمته نزلة شعبية أو انفلونزا، أو نزلة برد، فإنه يتابع التعليمات في منتهي الشدة، انه لا يتعاطي أي نوع من المكيفات، مثل الشاي أو غيره، انه يشرب في اليوم كله فنجان قهوة واحداً في مكتبه بجريدة "الأهرام"، وفي شهور الصيف، التي يقضيها في الكازينو الخاص به "بترو" في الاسكندرية، يشرب القهوة مرة واحدة في اليوم أيضا.
لم يظهر الحكيم حزنه علي فقد ابنه إسماعيل وحيده الغالي وقد مات بسبب صفراء وتليف في الكبد، وكان موسيقاراً فناناً يقود "فرقة موسيقية حديثة" تعزف في الفنادق الكبري، فعندما سمع بنبأ فقد وحيده تلقي النبأ في منتهي الشجاعة ولم يعلق.. وظل رابط الجأش لا يبدي أي مشاعر.. استطاع أن ينزل ستائر عنيفة من الكثافة تحجب حزنه الدفين عن الناس.. وظهرت هذه المشاعر عندما حلت الذكري السنوية الأولي لوفاة نجله، فقد كانت هذه الذكري ضربة قوية في ظهره.. لقد أضرب عن الطعام.. وكرر اضرابه في كل مناسبة، وكان يمتنع عن الطعام والشراب ويشعر بالزهد.. والاكتئاب، ولكن الدكتور أحمد عبدالعزيز كان يهون من أحزانه ويقوي إيمانه بقضاء الله وقدره ولكن كانت هذه المشكلة تتكرر كل سنة، وفي نفس وقت رحيل ابنه، لقد زهد الحياة، وأثرت علي نفسيته، وشعر بأن وجوده غير مجد، وأن ابنه ينبغي أن يعيش وهو الذي يموت وان من أقسي الأمور علي النفس أن يمشي الأب في جنازة ابنه.. انه مشهد لا يتمني أن يعيشه أو يراه أب في حياته.
ويقول د. أحمد عبدالعزيز إسماعيل، طبيب توفيق الحكيم الخاص، إنه لم يكن يتقاضي أجر الكشف الطبي من توفيق الحكيم لأنه يعرف أن توفيق الحكيم بخيل.
قلت له: ما شواهدك علي هذا؟
ضحك وقال: إن هناك حوارا ممتدا.. لقد كان حريصا في كل مرة أن يأتي فيها الي العيادة بأن يكون محتضنا أحد مؤلفاته، وكان يهديني المؤلف ولسان حاله واهدائه يقول: هذا مقابل الكشف الطبي المجاني.. وهي لغة صامتة يفهمها د. أحمد.
وفي إحدي المرات.. عقب وفاة الرئيس جمال عبدالناصر صدر عن الحكيم تصريح بأنه سوف يتبرع بمبلغ 50 جنيها مساهمة في حملة التبرعات لبناء تمثال لعبدالناصر، ويشاء حظه العثر أن يذهب الي عيادة الدكتور أحمد عبدالعزيز إسماعيل في هذا اليوم.. وفعلا عرض شكواه من التعب الذي ألم به وتم الكشف الطبي عليه، ولما كان د.أحمد عبدالعزيز اسماعيل، ابن عبدالعزيز باشا إسماعيل، أحد مؤسسي كلية طب جامعة القاهرة، ويحمل أحد المدرجات اسمه، يحب دائما أن يداعب الحكيم.. فإنه في أثناء الكشف الطبي عليه قال له: يعني يا توفيق بك قرأت انك سوف تتبرع بمبلغ خمسين جنيها لإنشاء تمثال لعبدالناصر، وحينئذ قال له توفيق الحكيم بسرعة وشجاعة: يعني عاوزني أدفع لك الكشف الطبي؟ وضحك الاثنان طويلا علي سوء حظ الحكيم وسرعة البديهة والقفشة من د. أحمد عبدالعزيز.
وفي إحدي المرات أراد د. أحمد أن يزور الحكيم في مقهاه المشهور في الإسكندرية، وعندما دخل الدكتور أحمد، علي الحكيم في مقهاه.. صفق الحكيم للجرسون، ولما استجاب له.. قال له الحكيم: هات فنجان القهوة بتاعي هنا للطبيب؟ واندهش د. أحمد من كرم توفيق الحكيم ومال عليه وسأله: لماذا هذا التبذير؟! ضحك الحكيم وقال له: أصل صاحب القهوة تبرع لي بفنجان قهوة مجانا كل يوم.. وقد تنازلت اليوم عنه من أجلك يادكتور!!! وضحك د. أحمد من قلبه علي ذكاء الحكيم.
ويقول د. أحمد: انه في اليوم الذي يزورني فيه الحكيم مريضا في العيادة أحاول أن أضغط من مواعيدي مع المرضي، ولا أقبل منهم سوي أصحاب الحالات الحرجة، وبعد ذلك أغلق عيادتي لكي استمع إليه.. إنه ممتع الحديث وجذاب.. له قفشات ذكية.. وقد علمني الأدب وتعلم مني الطب، وكانت ضحكته المشهورة تقول.. إن الحكيم كاتبا.. والكاتب حكيما!!
وكان يقصد بذلك المرحوم الدكتور عبدالله الكاتب رائد الجراحة في مصر.. وكان توفيق الحكيم رائد الكتاب في مصر.
قلت له: اذا أردت أن تضع تقويما لكل عضو من أعضاء الحكيم في عمره، الذي ينافس في صحته صحة الشباب: فماذا تقول؟..
قال لي: اسئلني أنت وأنا أجيب..
ما صحة مخ الحكيم؟ قال في يقظة الشباب....
قلت له.. ما الدوافع؟
قال لي حكاية طريفة، فبينما كنت أقوم بالمرور علي الحكيم عندما كان في مركز الرعاية المركزة في قصر العيني.. دخلت عليه ذات صباح وكانت حالته حرجة وكنت خائفا عليه.. وكنت أمر عليه أكثر من مرة في اليوم لأطمئن علي الضغط والحرارة والنبض.
وفي ذات صباح دخلت عليه في الرعاية المركزة فوجدته في شبه غيبوبة ونائما، ووجدت بجواره الممرضة التي ترعاه واسمها "ربابة".. وكانت تتولي تحضير المحاليل التي يتعاطاها في ذراعه من الجلوكوز والأملاح لتعويضه عن الاضراب عن الطعام الذي اعتاد أن يفرضه علي نفسه بسبب حلول ذكري رحيل ابنه ووحيده إسماعيل..
قلت لها ياربابة: كيف حال توفيق بك؟.. فردت قائلة: كويس.
وأخذت أسأل عن كل أحواله.. النبض والحرارة والضغط ورسم القلب ورسم المخ والسوائل ودرجة الوعي.
وأردت أن أداعب الممرضة قبل مغادرتي المكان حتي تحرص علي متابعة صحة الحكيم.. فقلت لها بيت الشعر المشهور..
ربابة ربة البيت.. تخلط الخل بالزيت
وفجأة سمعت الحكيم من تحت الغطاء وهو يكمل باقي بيت الشعر وقال :
ولها سبع دجاجات..
وديك حسن الصوت
وضحكنا كلنا.. لأنه حاضر الذكاء.. منتبه دائما.. كان يود أن يسمع كل ملاحظاتي لربابة.. ويطمئن علي نفسه من خلال سؤالي!!
قلت له وماذا عن قلبه؟.. قال إن قلبه مريض ولكنه يتسع لكل الناس، انه يحب الناس، ويسعي الي الجمال بكل صوره.. انه ظريف، وله تعليقات في غاية الذكاء.
ووزنه؟.. مثالي فقد كان 58 كيلوجراما
وطوله؟.. مثالي بالنسبة لوزنه..
وشرايينه؟.. في حالة جيدة.. لم يصب في حياته بجلطة أو ذبحة.. في أي مكان في جسمه لأنه كان يحترم صحته تماما..
وأعصابه؟.. في حالة ممتازة جدا ويسيطر عليها بقدرة واقتدار.. ولكنها استسلمت وانهارت بعد وفاة نجله إسماعيل.
مزحه.. لا يغادر تعليقاته.. انه يعلق بكل ذكاء علي كل شيء.. وفي احدي المرات سعي الدكتور أحمد الي أن يوصي احدي السيدات ذوات المراكز المحترمة.. أن تسعي دائما للسؤال عنه، حتي لا يشعر بأي وحدة أو عزلة.
وفي حديث طـــويل بين الحــكيم وحـــكيمه.. قال له د. أحمد: لقد قابلت الدكتورة (فلانة الفلانية) وطلبت منها أن تكون دائمة السؤال عنك حتي تؤنس وحدتك..
وكان يتوقع الدكتور أحمد الشكر من الحكيم علي الاهتمام، لكنه فوجيء بالحكيم يقول له.. هل أوصيتها عليّ؟.. انها ليست جميلة.. انها "مأددة" ويقصد أنها عجوز!!!
قلت له: وما هي درجة نظره؟.. ممتازة..
وحركته؟ ضعيفة.. فقد كان دائم المشي نحو 4 كيلومترات كل يوم من منزله المطل علي نيل جاردن سيتي الي مكتبه في جريدة "الأهرام"، ولكن في الفترة الأخيرة عزف عن المشي لأن الشوارع ازدحمت، وقد تسلقت السيارات الأرصفة، ولم تسمح للمشاة بأن يتحركوا فوقها، فقد كان يمارس هذه الهواية يوميا صيفا وشتاء في التاسعة من صباح كل يوم، وقد استخدم العصا، التي كان دائما يتكئ عليها وتؤنس وحدته وكان يستخدم البيريه التقليدي في الشتاء.. وهي سمات الحكيم..
قلت للدكتور أحمد عبدالعزيز: هل صحيح الحكيم بخيل؟
قال لي: لأ.. وآه
قلت كيف؟.. قال إنه كان يكلف ثروت أباظة بأن يكون وزيرا للمالية والمسئول عن الأدوية والدكتور أحمد عبدالعزيز وزيرا للصحة.. والمسئول عن صحته!
وسألوا توفيق الحكيم في احدي المرات.. في آخر عيد ميلاد له.. وقالوا له: هل كنت تمارس الرياضة وانت في شبابك؟..
فقال توفيق الحكيم: لأ أبدا لم أمارس الرياضة في حياتي مداعبا، ولكن في السنوات الأخيرة مشيت كثيرا في جنازات أصدقائي الرياضيين.
وفي احدي المرات.. يحكي أن الصحفيين ورجال الإذاعة والتليفزيون.. ذهبوا الي أحد المعمرين لإجراء حديث معه عن سر احتفاظه بشبابه كل هذا العمر.. فقال لهم إنه لم يقرب الخمر في حياته كلها.
وفي أثناء إعداد الحديث، سمعوا صخبا علي الباب وفزع كل الحاضرين، وسألوه عن سبب هذا الضجيج فقال المعمر للصحفيين: أبدا ان شقيقي الأكبر دائما يعود مخمورا آخر الليل ويحدث كل هذا الضجيج!!
ان توفيق الحكيم ظاهرة لن تتكرر.. انه كان يحتفظ باعتداله في كل شيء، وكان لا يقترب من التدخين، أو السهر، أو الأكل الدسم، وكان حريصا علي المشي والاعتدال في الحياة العامة، انه نموذج للعجوز الشاب.. الذي يمكن اعتباره المثل والقدوة.. في الأدب والقصة في الصحة والشباب وفعلا مات شابا..
ومنذ غادر أديبنا الراحل توفيق الحكيم القاهرة في الأسبوع الثاني من شهر ديسمبر في رحلته الأخيرة الي الخارج قاصدا باريس، وراء فيلمه الأول والأخير، الذي يحكي قصة حياته التي عاشها في كتابه "عصفور من الشرق" والذي عاش بداية حياته الأدبية والثقافية والفكرية في عاصمة النور لم يكن يشكو من أي آلام وكانت صحة شرايينه ممتازة في هذا العمر، وكان المشرفون علي صحته في منتهي القلق علي صحته من برد باريس، وجاء الاقتراح من يوسف فرانسيس ـ رحمه الله ـ كاتب القصة ومخرج فيلم عصفور الشرق الذي يحكي حياة الحكيم.. بأن يرافق توفيق الحكيم في أثناء الاقامة والتصوير طبيب يسهر علي صحته طوال الرحلة وطوال فترة الاقامة والتصوير الذي كان يستلزم التصوير الخارجي وفي الليل. ولكن الحكيم رفض الفكرة، وكانت وجهة نظره أن الطبيب المرافق سيسبب له المرض، وفعلا عاش في باريس طوال الرحلة في حالة صحية جيدة، يمشي ويؤدي أدواره.. ويتحدث الفرنسية مع أبطال الفيلم، ويصحو مبكرا، وينام مبكرا، ويعشق أكل الأرانب البرية، وكان يهوي التردد علي قديم الأماكن التي عاش فيها صباه وتعلم وعاش قصة حبه الشهيرة.
وعند عودته في شتاء مصر المميز، أصابته الانفلونزا برغم أن القاهرة أدفأ من باريس، ونقل الي مستشفي المقاولون العرب والذي كان يتابع حالة قلبه د. محمد سيد الجندي أستاذ أمراض القلب في طب القاهرة، وأجريت له كل الفحوص وكانت مطمئنة، وبقي شهرا في المستشفي، وعاد الي بيته بناء علي رغبته وقال إن رقاد السرير في المستشفي "مرض" ورقاد السرير مع المرضي في منزلي "راحة"! وكان الحكيم عندما يسافر إلي فرنسا يزور طبيبه الفرنسي ليكشف عليه ويطمئنه الي صحته، وقد أبدي الطبيب ملاحظة أن قلبه كبير ـ أي يعاني من تضخم ـ وتحرك في شمس باريس.. وكان ينعم بالتمشية.. وزار عبدالوهاب في أثناء اقامته بفندق الانتركونتيننتال، وكان يخرج للتمشية خارج الفندق.
وعقب عودته الي مصر.. رغب في دخول مستشفي المقاولون مرة أخري.. ودخله وظل به 8 أشهر.. وبالضرورة تحول جناحة الي صالون للفكر ومنتدي للمثقفين.. من كبار أدباء وشعراء ومثقفي مصر حتي رحل عنها في 26 يوليو 1987.