Share |
يوليو 2010
28
قراءة الطالع والفنجان. " باطل "
المصدر: الأهرام -الطبعة الدولية
بقلم:   نسرين مهران

مافيا المنجمين تنشط مع بداية كل عام جديد
أمريكا تحتل المركز الأول في الاهتمام بالتنجيم. تليها فرنسا وانجلترا
كشفت الإحصاءات الرسمية الصادرة عن منظمة اليونسكو أن هناك 500 مليون كتاب توزع كل عام - علي المستوي العالمي - من كتب السحر والتنجيم و قراءة الطالع.
و لا يخفي علي أحد أن الهوس بقراءة الطالع ليس قاصرا علي العالم العربي فقط - كما يشاع - وإنما يمتد هذا الهوس ليطال دول الغرب أيضا.
لقد نقل العرب فنون التنجيم - منذ قديم الأزل - من الأغريق والهنود و الفرس والفراعنة. وكان " أبو معشر " من أشهر خبراء التنجيم في القرن التاسع الميلادي. بينما في الغرب إشترك العامة والمثقفين في الإهتمام بالتنجيم وقد إعتمد الكثير منهم علي قراءة الأبراج و الكف و الفنجان. و هو ما يتجلي بوضوح من الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية التي تضج بالإعلانات عن مؤسسات التنجيم وأهم أعلامه.
علما بأن أمريكا تحتل المركز الأول من حيث عدد المنجمين بها. تليها فرنسا ثم بريطانيا و السويد والدنمارك وسويسرا. من جانبها كشفت العرافه اليزابيث تيسبيه في كتابها " السياسيون والتنجيم " عن دورها في حياة الرئيس الفرنسي الراحل فرنسوا ميتران السياسية و الإجتماعية وإتخاذ القرار.
أما في اليابان فإن التنجيم يشكل تجارة مزدهرة من قراءة الطالع علي قارعة الطريق وصولا إلي قراءة مستقبل المرشحين الجدد للعمل .
"بيزنس" رأس السنة
وتأتي توقعات العام الجديد وهي عاده ما تكون صورة طبق الأصل من توقعات العام الذي يسبقه: فهناك إحتمال دائم بوفاة زعيم عربي بارز. و إعلان الدولة الفلسطينية. وتنبؤ بزوال إسرائيل عام 2013. و تعرض عدة أماكن في العالم لظواهر طبيعية مدمرة.
و مع كل عام جديد تتجه عيون من يلهثون وراء الحظ و البخت و الأبراج إلي قراءة الطالع ظنا منهم بأن ما يتفوه به " المنجمون " و ما تقوله أقلامهم فيه الأمل و الشفاء وفيه الحذر والإحتراس. و قد نسوا - وتناسوا حديث الرسول الكريم إذ قال عليه الصلاة والسلام: " كذب المنجمون و لو صدقوا ".
غير أن بعض الفلكيين يؤكدون علي أن قراءة الأبراج هو علم يستند علي الكواكب و النجوم ومدي تأثير تحركاتها علي الإنسان من صفات وسلوك. بالإضافة إلي ذلك فإن علم الفلك يختلف اختلاف كبير عن السحر وقراءة الكف والشعوذة فهو يعتمد علي العلم لا علي التوقعات والذكاء وضربات الحظ. ويذهب الفلكييون إلي ان التوقعات المستقبلية تعتمد علي تحركات الكواكب وساعة الميلاد. ويعتمد بشكل يومي علي القمر وبشكل شهري علي الشمس. أما سنويا فيعتمد علي كوكبي المشتري و زحل وغيرها من الأقمار.
ويلحظ أن مافيا المنجمين تلعب علي وتر النسيان. فالناس تنسي في أغلب الأحوال لذلك إبتكر عدد من تجار النجوم والحظ وسيلة جديدة لإجتذاب الزبائن وهي تعتمد علي التقديم لأنفسهم بصيغة الفلكي " شمهورش بن شهبور " الذي تنبأ بإغتيال ديانا وإندلاع حرب الخليج مثلا.
وبالتالي يتوهم الكثيرون أنه عراف ماهر يستطيع التنبؤ بالمستقبل فيقعون فريسة سهلة في شباكه.
ويعتقد علماء النفس أن الإحساس بعدم الأمان والقلق تجاه المستقبل بسبب تعقيد الحياة وصعوباتها يدفعان الإنسان إلي محاولة الإطمئنان علي مستقبله بشكل عام - يوم بعد يوم - و من هنا أصبح باب حظك اليوم أو هذا الإسبوع مادة أساسية في كل الصحف والمجلات.
قارئة الفنجان
كانت قراءة الفنجان عادة مألوفة وشائعة بين تجمعات النساء في البيوت و من جميع الفئات الإجتماعية. فغالبا ما تجتمع الجارات صباحا أو عصرا حيث تقوم إحداهن بإستطلاع الرسوم التي تتركها آثار القهوة و تفسيرها كما تراها و بمرور الوقت تصبح مهنة تحصل بها علي مقابل منهن.
في الماضي كانت " الفيزيته " جنيها واحدا. الآن أصبحت خمسون جنيها. بدون ضريبة مبيعات !! لا شك أن القلق والخوف من المستقبل وراء طابور الإنتظار أمام قارئة الفنجان. فهناك كثير من الفتيات يبحثن عن المستقبل أو فارس الأحلام عن طريق خطوط و رسومات داخل فنجان القهوة. وبالتالي يبحثن دائما عن "قارئات للفنجان ".
و غالبا ما تكون قارئة الفنجان هذه امرأة " بكاشة " تحفظ بعض الكلمات الحلوة التي تقولها لكل فتاة. و كلمة تصيب. و كلمة تخيب (كما يقول المثل ).
و بخلاف قراءة الفنجان والأبراج ومازالت تشهد بعض مجتمعاتنا العربية تلك المرأة التي تطوف الحواري و الأحياء الشعبية والمناطق الريفية وهي تحمل فوق رأسها مقطفا من الخوص وبداخله منديل كبير يحتوي علي كمية قليلة من الرمال و بعض الودع وتنادي بصوت مرتفع " نبين زين. نضرب الودع " فيهرول تجاهها كل من يرغب في قراءة الطالع.
ومن الطرائف التي نشهدها كذلك في عالم التنجيم قراءة الكف التي يعتقد فيها كثير من الناس. تقول مشيرة صادق - باحثة في شعبة علم النفس: تعلمت قراءة الكف و فك الرموز لإستقراء المستقبل من خلال قراءتي للكتب والأبحاث التي تهتم بهذا العلم. وهو علم غير قاصر علي الوطن العربي فحسب و إنما هو معروف في العالم أجمع فهو يدرس في الجامعات اليابانية و الصينية وبعض الجامعات الأمريكية تحت إسم " البارابسيكولوجي ".
وتضيف قائله: يكتب تاريخ كل إنسان مفصلا علي جسده خصوصا علي الكف والجبين والقدمين في شكل خطوط و رموز. إذا استطعنا فكها تمكنا من معرفة كل شيء إنطلاقا من الحياة الشخصية و الأمراض التي سنتعرض لها وطول أو قصر العمر وكل ما يرتبط بالحياة الدنيا. لكننا لن نتمكن أبدا من معرفة مصير الإنسان وإذا ما كان سيدخل الجنة أم النار مثلا وما شابه ذلك لأن هذا هو الغيب الذي نهي الله عن محاولة الكشف عنه أما فيما عدا ذلك فأعتقد أنه لا يمس العقيدة في شيء لأن العلم والبحث العلمي مباح. و بواسطة هذا البحث إستطاع الإنسان أن يفك هذه الرموز كما إستطاع أن يفك باقي الرموز الكونية.
لماذا النساء ؟
عادة ما تقع المرأة فريسة للدجالين خاصة المرأة الجميلة أو الثرية ..
وهنا يشير فضيلة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر إلي أن هذه المرأة تحتاج إلي ثقة أكبر بالله عز وجل. و يضيف: المرأة بطبيعتها قد تكون عاطفية وقد تتوهم أشياء لا أساس لها من الصحة. وأنصح هنا الناس - سواء النساء أو الرجال - أن يعتمدوا علي الله ويتركوا الوسوسة لأن الوسوسة تجعل الإنسان ضعيفا أمام الأحداث.
وتوجه فضيلته إلي المرأة التي تذهب إلي الدجالين قائلا: توبي إلي الله و إعتمدي عليه عز وجل فالذهاب إلي الدجالين يتنافي مع العقيدة والعقل السليم.
و يقف هنا د. طنطاوي أمام قول الله سبحانه وتعالي: " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس" وهذه الآية تشير إلي أن الشيطان قد يضر الأنسان بما يؤثر في بدنه لكن إذا ما إستعاذ الإنسان بالله فلن يستطيع الشيطان الوصول إليه أو النيل منه لأن الله هو الذي خاطب الشيطان في القرآن الكريم فقال: " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ". و يقصد هنا بكلمة " عبادي " المؤمن القوي فالشيطان لا يقرب سوي الإنسان الضعيف فقط. من ناحية أخري لم يرد نص في كتاب الله أو في السنة النبوية يفيد بأن الإنسان يصادق الشيطان ويسخره ليؤذي الناس أو يفيدهم.
الدجل عند الرجال
أجمع علماء الطب النفسي علي أن وقوع المرأة في مصيدة الدجالين أمر عادي. نظرا لأنها بطبيعتها قلقة مضطربة تستهوي الكثير منهن الخرافة و يسعدن كثيرا بأحلام اليقظة خاصة عندما يؤكدها مشعوذ أو دجال.
غير أن الغريب والشاذ والمثير للجدل أنيدخل الرجال في منافسة مع النساء للإيمان بالخرافه !! في هذا السياق يصف علماء الطب النفسي هذه الظاهرة بأنها ردة ثقافية و فكرية بكل المعايير ربما ترجع إلي الإحباطات الحياتية إلي جانب إنحدار المستوي البيئي والإجتماعي والفهم الخاطيء لتعاليم الدين.
و يقول د. يسري عبد المحسن - طبيب نفسي:" يلجأ الرجال السطحيون و المغيبون إلي الدجالين وهم غالبا ما يكونوا رجال يميلون إلي الحياة مع عالم الخيال و لا يريدون الوقوف علي أرض الواقع. و مما لا شك فيه أن شخصياتهم تكون مهزوزة تابعة وفي نفس الوقت خاضعون نفسيا للإيحاءات بسهولة وهو ما قد ينتج عن إنحدار المستوي البيئي و الإجتماعي ويسترسل قائلا: " كلما زادت الإحباطات المعيشية في المجتمع لجأ الرجال بصفة خاصة إلي الغيبيات لأنهم المسئولون عن الحياة ومن المفترض أنهم الحامون للأسرة جميعها. و خوفهم من الإخلال بمسئولياتهم يدعوهم إلي اللجوء للغيبيات للحفاظ علي هيبتهم و مكانتهم الإجتماعية بين أفراد الأسرة من جانبه أعرب د. محمد شعلان - أستاذ الطب النفسي عن أسفه الشديد لحالة التدهور الحضاري والإستعمار الثقافي التي تشهدها مجتمعاتنا اليوم. فيقول: لقد تعودنا من المرأة أن تلجأ للدجالين لكن الغريب أن يذهب الرجال أيضا!! وهذا دليل علي سوء فهمنا للثقافة ورغبة أكيدة في تقليد وتقليب الأمور. فالبعض منا يعتقد أن الدين مجموعة من العقائد المشوهة بالشعوذة مثل الجن والعفاريت و الشياطين. و أن العصا السحرية لحل جميع مشاكلنا هي اللجوء إلي هذه الغيبيات. لذلك لجأ مؤخرا الرجال - نتيجة لمجموعة من الإحباطات التي يعانون منها - إلي هذه العصا السحرية نتيجة نجاح الإستعمار الثقافي البدوي و الفهم الخاطيء للثقافة و الدين معا.
بينما يري د. ساهر هاشم - أستاذ الطب النفسي أن الشخص الذي يصدق الخرافة شخص لديه إستعداد لذلك وهو صاحب تركيبة هستيرية تميل إلي إكتشاف معلومات مجهولة و بعيدة عنه.
ويضيف قائلا: يمكننا أيضا القول أن هذا الشخص يعاني من " برنونية " و هي رغبة الإنسان غير الطبيعية في حماية نفسه من خطر مجهول وهو دائما شخصية خائفة.
دعوة لإبطال العقل
وهم. خيال. مزاعم. لا أصل لها من الحقيقة. لكن الكثير يصدقونها و يسبحون في بحورها. و كثيرون أيضا يجنون الحسرة والألم من ورائها !
حذر الإسلام من هذا الوهم ووضع القائمين به في جملة العرافين الذين طلب عدم سؤالهم أو تصديقهم لكنهم برغم ذلك - مع الأسف - ينتشرون في العالم. و وفقا للغة الأرقام فقد بلغ حجم الإنفاق الهائل علي الشعوذة في العالم العربي فقط 5 مليارات دولار سنويا .. بل أننا أصبحنا نشهد اليوم عيادات للدجالين و بطاقات زيارة و مواعيد بالحجز!!
ويري هنا د.أحمد المجدوب - أستاذ علم الأجتماع بالمركز القومي للبحوث أنه لا يصح أن ينساق الإنسان السوي وراء أعمال الدجالين فهي قد تتسبب في إثارة الكآبة أو إساءة العلاقات بين الناس بما قد يدعونه من أقاويل و أكاذيب.
ويضيف: " حتي في الأحوال التي يقولون فيها لضحاياهم بأن هناك مالا في الطريق إليهم أو مركزا إجتماعيا مرموقا ينتظرهم. فإنهم بذلك يجعلون الناس تتواكل و تعتمد علي الحظ دون بذل جهد. و في النهاية تكون العواقب وخيمة ".
و إذا كان إختصاصيون علم النفس و الإجتماع توافقوا في الرأي حول أن قراءة الطالع هي تعبير عن هزيمة داخلية و اشباع للفضول خوفا من المجهول فإن الدين أيضا يتضامن معهم في الرأي مشددا علي حرمانية هذه الممارسات.
فيحلل د.عبد المعطي بيومي - أستاذ العقيدة و الفلسفة بجامعة الأزهر هذه الظاهرة قائلا: ظهر التنجيم و قراءة الكف والسحر عندما ضعف إيمان بعض الناس وأصبح علمهم بتعاليم دينهم محدودا. وهذه الأفعال تتنافي مع الأخذ بالأسباب واحكام التفكير العقلي الصحيح لإرادة الإنسان. والقرآن الكريم أوضح أن معرفة الغيب من خصائص علم الله سبحانه وتعالي حيث " لا يعلم الغيب إلا هو ".
وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث الشريف: " من أتي عرافا أو كاهنا فآمن بما يقول فقد كفر بما أنزل علي محمد " صدق رسول الله.
علما بأن من يعمل عرافا يحصل علي مال حرام. و إذا حاول أن يتبرع به فإن الله لا يقبل تبرعه لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا.
في النهاية هي دعوة للتخلص من عادات سيئة في مجتمعاتنا. منها ما توارثناه. ومنها ما غزا فكرنا الثقافي. فلنتضامن جميعا بالإرادة القوية و الإيمان لكي نتصدي لهذا الغزو الثقافي الخاوي من أي مضمون والذي لا يساهم في التنمية أو بناء الحضارات.