Share |
اغسطس 2010
5
سيد قطب ليس حجة علي الإسلام ومنظومته الفكرية مليئة بالارتباك والخلل
المصدر: الأهرام المسائى

سيد قطب

الجهاد هو المبدأ الذي يعتنقه القطبيون، وهو الشعار الذي تشبثت به الجماعات التي تشكلت بعد إعداد سيد قطب. الجهاد عندهم عقيدة أصلية موجهة إلي الدخل "الجاهلي" في المقام الأول، وهو فرض يتحتم علي كل مسلم أن يؤمن نظريا وعمليا: "لمقاومة المجتمع الجاهلي وإزالته من الوجود وإزالة الأنظمة والسلطات القائمة عليه".ليس المشكلة إذن أن يشكك الإخوان في صحة الوقائع المسنوبة إلي سيد قطب، وأن يطعنوا في المحكمة ذات الصفة الاستثنائية، فكل كلمات الرجل تقود إلي أنه من عادة التغيير بالقوة!.. سيد قطب ليس حجة علي الإسلام، ومنظومته الفكرية مليئة بالارتباك والخلل، ومن منظور ديني يعبر عنه الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي، رئيس لجنة الفتوي في الأزهر، فقد كتب تقديرا عن كتاب "معالم في الطريق"، يتساءل فيه: "ما معني الحاكمية لله وحده؟ هل يسير الدين علي قدمين بين الناس ليمتنع جميعا عن ولاية الحكم لله؟ أو يكون الممثل لله في الحكم هو شخصية هذا المؤلف الداعي؟ والذي يذكر وجود الحكام ويضع المعالم في الطريق للخروج علي كل حكام الدنيا! ( حلمي النمنمم: مرجع سابق، ص71).
ويصل الشيخ السبكي إلي ذروة الهجوم والتسفيه في قوله: " الكتاب يضم مزيجا من آيات قرانية وذكريات تاريخية صيغت بأساليب كأساليب الثائرين للإفساد في كل موقع، يخلطون بين حق وباطل ليموهوا علي الناس، وهذه الحيلة هي نفسها حيلة إبليس فيما يصنعه مع آدم وحواء، وفيما دأب عليه دائما في فتنة الناس عن دينهم" ( المرجع السابق: ص74).
قد يري فريق من الإخوان أن الشيخ السبكي من علماء السلطة، وأنه كتب ما كتب في ظل مناخ دعائي للهجوم علي سيد قطب، فماذا عن آراء عالم لا يملكون التشكيك في استقلاته ونزاهته، فضلا عن أنه من المقربين إليهم والمحسوبين عليهم. إنه الدكتور يوسف القرضاوي، الذي يرفض مقولة سيد قطب عن جاهلية المسلمين: "وأولئك جماهير غفيرة تكون أكثرية الأمة الساحقة، ملتزمة بالإسلام، وجل أفرادها متدينون تدينا فرديا، يؤدون الشعائر المفروضة، وقد يقصرون في بعضها، وقد يرتكب بعضهم المعاصي، ولكنهم في الجملة يخافون الله تعالي، ويحبون التوبة، ويتأثرون بالموعظة، ويحترمون القرآن، ويحبون الرسول، مما يدل علي صحة أصول العقيدة لديهم، ولهذا يكون من الإسراف المجازفة بالحكم علي هؤلاء جميعا بأنهم جاهليون كاهل مكة الذين واجههم الرسول في فجر الدعوة"
( يوسف القرضاوي: مرجع سابق).
محمد عبد اللطيف السبكي ويوسف القرضاوي عالمان إسلاميان معروفان، فهل يعني اختلافهما مع سيد قطب، ورفضهما الصريح لأطروحاته الفكرية، أنهما جاهليان بدورهما؟!..
مأساة سيد قطب أنه لم يقنع بدور المفكر الذي يجتهد فيخطيء ويصيب، ومأساة أتباعه أنهم تخلوا عن ساحة السجال الفكري وانتقلوا إلي ممارسة الإرهاب الدموي باسم الدين، وتبقي مأساة الإخوان أنفسهم:
عندما يفتحون عهدا جديدا يروجون فيه لأفكار قطب بينما يشحذون همة جميع القوي السياسية للوقوف ضد ما يسمونه ديكتاتورية النظام.
ازدراء الأقباط وكراهية المرأة:
في مجلة الرسالة، 18 يوليو 1938، وفي سياق معركة أدبية وسجال فكري بين العقاد مصطفي صادق الرافعي، انبري سيد قطب للدفاع عن أستاذه العقاد، والاعتراض علي الزج بالدين كأداة لاتهام الخصوم والإساءة إليهم: "إن الدين هو صيحة الواهن الضعيف، يحتمي بها كلما جرفه التيار وهو لا يملك من أدوات السباحة ولا وسائلها شيئا. وأشد الجناة علي الدين، وأشد المشوهين له والمشككين فيه، هم أولئك الذين يضعونه مقابلا للعلم تارة، والفن تارة، ثم يحكمون إيهما أصح وأولي بالاتباع" (سيد قطب: مجلة الرسالة، 1938/7/18)
سيد قطب "الأول" في مرحلة الإبداع والشعر والنقد والاهتمام بالقضايا الفكرية والاجتماعية، هو أفضل من يرد علي سيد قطب "الثاني"، الذي أدار ظهره في قطيعة كاملة مع عالمه القديم، ورفع رايات الجاهلية وشعارات التكفير. هل كان الرجل ـ في أعماله المعذبة ـ واهنا ضعيفا، أفلست بضاعته فاحتمي بالدين، وأسرف في الاحتماء به حتي جرفه التيار إلي الشاطيء الآخر؟.. كيف انقلب سيد قطب إلي عدو لدود للعلم والفن، وكيف تحول إلي خصم للعقل والحضارة الحديثة؟!
قراءة سريعة لرؤيته عن المرأة وغير المسلمين، تنم عن التغيير الجذري الذي جعله في طليعة من يخاصمون أبجديات الانفتاج علي الحياة، ويرفصون مبدأ التسامح مع الآخر، فكأنه عدو لابد من قتاله وقتله!
الأنوثة والمؤامرة:
في كتابات سيد قطب المبكرة، قبل الانتقال إلي الطور الثاني من حياته الحافلة بالتناقضات، مما يكشف عن موقف سلبي من المرأة، ففي مجلة "الشئون الاجتماعية" ابريل 1940، نشر قطب مقالا عنوانه "ثقافة المرأة المصرية يجب أن تخضع لوظيفتها الطبيعية والاجتماعية"، وأكثر ما يلفت النظر في المقال هو المطالبة بأن يكون تعليم المرأة مختلفا عن التعليم الذي يتلقاه الرجل، وهي الفكرة نفسها التي يدعو إليها حسن البنا خلال المرحلة التاريخية!.. ليس للمرأة من وظيفة، عند سيد قطب، إلا رعاية الأسرة والاهتمام بالأطفال، ومثل هذا العمل يحتاج إلي نوعية معينة من التعليم والثقافة: "معلومات عامة، الطفل وغرائزه، صحة الطفل والحامل، أدب الأطفال، التربية الجنسية، ترويض الرجال، التدبر المنزلي"! (سيد قطب: مجلة الشئون الاجتماعية، ابريل 1940).
ويحذر قطب من تعليم المرأة علي مثال الرجل، فالمساواة بينهما في مجال التعليم ليست إلا نوعا من "الشذوذ"! وإنقياد لنمط الثقافة الأوروبية الدخيلة، فضلا عن إفساد طبيعة الأنثي!..
كيف تفسد طبيعة الأنثي إذا تعلمت ما يتعلمه الرجل؟.. هذا ما لا ينشغل به سيد قطب، مكتفيا بضرورة التمييز، وحتمية التركيز علي أنواع بعينها من العلوم والمعارف. ماذا عن التاريخ والجغرافيا والفلسفة وعلم النفس واللغة والأدب؟ وماذا عن الكيمياء والفيزياء والرياضيات؟. أي "شذوذ" في دراسة الفتاة المسلمة للعلوم السابقة؟!.
هذا ما لا يجيب عنه سيد قطب!.
وتتصاعد حملة المفكر الإخواني، في الجزء الثاني من كتابه "في ظلال القران"، حيث يؤكد أن الأنظمة العلمانية العميلة للغرب الاستعماري، في البلدان العربية والإسلامية، بدءا من تجربة الزعيم التركي مصطفي كمال أتاتورك، تنفذ توصيات وتعليمات المؤتمرات التبشيرية، وتسير علي خطا بروتوكلات "حكماء صهيون" والعنصر الأول والأهم من "المؤامرة" ، ويتمثل في تدمير وإزاحة القيم والأخلاق الإسلامية، وإخراج المرأة إلي الشارع، وجعلها فتنة للمجتمع وتيسر وسائل الانحلال: "كل ذلك وهي تزعم أنها مسلمة وتحترم العقيدة"!
(سيد قطب: في ظلال القرآن، ج2 ص107).
مثل هذا التصور المتطرف عن وجود "مؤامرة" عالمية محكمة، صليبية، لمحاربة الإسلام وتدمير مبادئه، يصل إلي أن المرأة عنصر فاعل، ومن تجليات فاعليتها "الخروج إلي الشارع"، وعرض مفاتنها للإغراء، والمشاركة في منظومة الانحلال والفساد!.
ويذهب الباحث شريف يونس، في دراسته المهمة "سيد قطب والأصولية الإسلامية"، إلي أن المرأة قد نالت اهتماما خاصا في كتابات سيد قطب بشكل عام: "فيجدد وضعيتها العامة باعتبارها داخلة مع الرجل في نوع من تقسيم العمل الجنسي يهدف إلي إنتاج النسل ورعايته، في إطار علاقة تقوم علي الواجب،لا علي اللذة أو الهوي، يقوم فيها الرجل بدور القائد. أما في المجتمع المدني، فلا دور لها، وعملها غير مرغوب فيه، علي أساس تعارضه مع واجب الأمومة. فنواب الله في الأرض ـ خارج البيت ـ هم الذكور" ( شريف يونس: مرجع سابق، ص279).
ويعلق الباحث علي هذه التوجه بقوله: "وهنا تتضح النزعة المحافظة الشديدة التخلف التي تعد إحدي أهم الدوافع المباشرة للاتجاه الإسلامي بمجمله" ( المرجع السابق ص281).
هل من إهانة للمرة تفوق التعامل معها علي أنها "كائن بيولوجي"، ومن منطلق أن وظيفتها الأسمي هي المشاركة في العملية الجنسية، دون عاطفة أو لذة، لانتاج النسل ورعايته؟!. وماذا عن المرأة خارج نطاق هذه العملية؟، وماذا عن دورها عندما تصل إلي مرحلة تقف فيها خارج عملية "انتاج النسل" هذه؟!.
هل يحكم عليها بالقبوع في البيوت في انتظار الموت؟!
قد يكون صحيحا أن الرفض الصارم لعمل المرأة ليس بالشيء الجديد، فهو سائد عند بعض الاتجاهات الإسلامية التقليدية المجافية لروح العصر، لكن الجديد الذي يلح عليه سيد قطب هو التعارض بين العمل والأمومة من ناحية، والخروج إلي الشارع وطبيعة الأنوثة من ناحية أخري، فضلا عن التأكيد، غير المبرر وغير المنطقي، بأن الرجال ـ دون النساء ـ هو "نواب الله" علي الأرض، وكأن المرأة شيء هامشي المعني الوحيد لوجوده لا يتجاوز السياق الجنسي، وأداء بعض الخدمات والمهام المنزلية!.
المضحك أن الإخوان مازالوا يتحدثون في مباهاة عن التجديد والإبداع والتفرد غير المسبوق لقطب، ويقول مرشدهم الثاني إن سيد قطب هو الأمل المرتجي للدعوة! وشر البلية ما يضحك!.
نسف فكرة المواطنة:
المجتمع الجاهلي، عند سيد قطب، هو "كل" مجتمع غير المجتمع المسلم، وبذلك فإن "كل" المجتمعات المسيحية واليهودية هي جاهلية بلا جدال، لحق التحريف برسالاتها من خلال تصوراتها الاعتقادية التي لا تخص الله وحده بالألوهية، وتخلع علي هيئات من البشر خاصية الحاكمية العليا.
وقد برهنت هذه المجتمعات علي جاهليتها من خلال شعائرها وطقوسها المنبثقة عن تلك المعتقدات المحرفة، ولذلك يري سيد قطب أن العلاقة بين تلك المجتمعات والمجتمع المسلم هي علاقة تعارض دائم ومستمر، لا يتحقق معه التقاء "في كبيرة أو صغيرة"، ذلك أن غير المسلمين هؤلاء لا يبغون إلا أن يحول المسلمون عن دينهم الحق!.
وفي المقابل، يتحتم علي المسلمين أن يسعوا إلي نشر دينهم، وتعبيد العباد لله وحده، وتحطيم الطواغيث والأنظمة والقوي التي تقهرهم وتجبرهم علي عبادة غير الله.
وعلي الرغم من أن المفكر الإخواني لا يميز في حكم الجاهلية بين المجتمعات الكتابية والوثنية، إلا أنه وجد في انتساب الكتابيين إلي دين وكتاب، قبل الانقلاب عليهما، مسوغا للتمتع بشيء من المعاملة المختلفة، يظهر في إحلال نسائهم وطعامهم، ومراعاة مشاعرهم وأحوالهم الشخصية، وصولا إلي تشريعاتهم الجنائية والتجارية والمدنية، حيث تقضي القاعدة الفقهية بألا يجبروا علي الالتزام بتشريع يمس عقائدهم، ولذلك يمكن إعفاؤهم من بعض الحدود، والتسامح مع سلوكيات بعينها لا يقبلها الإسلام.
ويقدم سيد قطب تفسيرا غرائبيا لمفهوم "حرية العقيدة"، فهو يري انه من حق البشرية أن تبلغ إليها الدعوة إلي هذا المنهج الإلهي الشامل: "وألا تقف عقبة أو سلطة في وجه هذا التبليغ بأي حال من الأحوال. من حق البشرية كذلك أن يترك الناس بعد وصول الدعوة إليهم أحرارا في اعتناق هذا الدين، لا تصدهم عن اعتناقه عقبة أو سلطة، فإذا اعتنقها من هداهم الله إليها كان من حقهم ألا يفتنوا عنها بأي وسيلة من وسائل الفتنة، لا بالأذي ولا بالإغراء ولا بإقامة أوضاع من شأنها صد الناس عن الهدي، وتعويقهم عن الاستجابة"
(سيد قطب: معالم علي الطريق، مرجع سابق، ص 71).
"حرية العقيدة" عند سيد قطب ذات اتجاه واحد، فهي حرية التحول من الجاهلية إلي الإسلام، وبهذا التحول تنتهي فكرة الحرية، ولا يجوز أن يحدث تحول عكسي من "الحق" إلي "الضلال": "فجزاؤه القتل، ولو لم يصحبه خروج علي سلطة الدولة!."
أهل الكتاب بلا حقوق سياسية، وحريتهم العقائدية مقيدة، وفكرة المواطنة ليست مطروحة في الدولة التي يقودها ويوجهها "حزب الله"، وغاية ما يمكن أن "يتمتع" به غير مسلم هو "بعض" الحقوق المدنية، المتعلقة بالأحوال الشخصية، و"بعض" الحقوق الاجتماعية والانسانية، مثل كفالة أرواحهم وأعراضهم وأموالهم، والتمتع بالضمان الاجتماعي عند العجز والفقر كالمسلمين سواء بسواء".
وفي مقابل هذه "الحقوق" التي يجيزها والانصياع للنظام الإسلامي العام"، كما أفهم مطالبون باتخاذ موقف سلبي من صراع العقائد: "فلا يفتنوا من يختار منهم الإسلام، ولا يدعو المسلمين إلي اعتناق دينهم، ولا يطعنوا في الإسلام"
(المرجع السابق: ص 75).
وتكتمل ملامح اللوحة بالنصيحة التحذيرية التي يوجهها سيد قطب إلي المسلمين، فهم مطالبون بألا يشعروا برابطة ولاء أو تناصر معهم!.
مجرد "شعور" المواطن المصري المسلم بوحدة الانتماء مع الموطن المصري المسيحي، يحرمها سيد قطب!.
من حسن البنا المؤسس والمرشد الأول، إلي مهدي عاكف، المرشد السابع الذي لا يجرؤ الإخوان ـ حتي الآن علي الأقل ـ إلي القول بأنه مفكر مجدد، مرورا بسيد قطب، الذي يقول عنه الهضيبي إنه الأمل المرتجي للدعوة، تتحطم فكرة الوحدة الوطنية المصرية، ويتلاشي مفهوم الانتماء الوطني. الرابطة الوحيدة المعترف بها الإخوان دينية لا وطنية، ونسف فكرة المواطنة مشترك راسخ لا يتغير. نظرة سيد قطب إلي غير المسلمين، من أبناء الوطن، استعلائية قمعية، فهم ليسوا مواطنين كإخوانهم المسلمين، لكنهم كتلة هامشية مختلفة، يمكن تقلبها داخل النسيج علي مضض، دون السماح لها بالذوبان فيه!.
حرب صليبية:
في كتابة "العدالة الاجتماعية في الإسلام"، يؤكد سيد قطب أن الصراع ضد الاستعمار الغربي ليس اقتصاديا أو سياسيا، لكنه صراع صليبي! (سيد قطب: العدالة الاجتماعية في الإسلام، ص 19).
مقولة قطب تفرغ الصراع من جوهره الحقيقي، ويتحول الأمر إلي مجرد حلقة في سلسلة الحروب الصليبية، قوامها المعتقد الديني، وكأن كثيرا من التناحرات والحروب والغزوات الاستعمارية، في العصر الحديث، لم يتوجه بها استعماريون يدينون بالمسيحية إلي شعوب مسيحية يتم استعمارها، أو كأن الإمبراطورية العثمانية الإسلامية لم تكن ذات طبيعة استعمارية!.
من المنطقي أن تنعكس هذه النظرة الصليبية علي رؤية سيد قطب للعلاقة بين المسلمين والمسيحيين في منظومة التكفيرية الشاملة، ومن الغرائب التي توصل إليها أن لا يجوز تلقي العلم من غير المسلمين!: "إن الإسلام يتسامح في أن يلتقي المسلم من غير المسلم، أو عن غير التقي من المسلمين، في علم الكيمياء البحتة أو الطبيعة أو الفلك أو الطب أو الصناعة أو الزراعة أو الأعمال الإدارية والكتابية وأمثالها، ولكنه لايتسامح في أن يتلقي أصول عقيدته ولا مقومات تصوره، ولا تفسير قرآنه وحديثه وسيرة نبيه، ولا منهج تاريخه، وتفسير نشاطه، ولا مذهب مجتمعه، ولا نظام حكمه، ولا منهج سياسته، ولا موحيات فنه وأدبه روتعبيره، من مصادر غير إسلامية، ولا أن يتلقي عن غيره مسلم يثق في دينه وتقواه في شيء من هذا كله".
ويواصل قطب: "ومن ثم يكون من الغفلة المزرية الاعتماد علي مناهج الفكر الغربي، وعلي نتاجه كذلك في الدراسات الإسلامية".
ويضيف: "ومن ثم تجب الحيطة كذلك في أثناء دراسة العلوم البحتة، التي لابد لنا في موقفنا الحاضر من تلقيها من مصادرها الغربية، من أي ظلال فلسفية تتعلق بها، لأن هذه الظلال معادية في أساسها للتصور الديني جملة، وللتصور الإسلامي بصفة خاصة، وأي منها قد يكفي لتسميم الينبوع الإسلامي الصافي"! (المرجع السابق: ص 27).
من البديهي أن المسلم لن يتلقي علومه ومعارفه الدينية المباشرة، المتعلقة بالقرآن الكريم والسنة النبوية، من غير المسلم، لكن دراسة ما يقوله غير المسلمين جديرة بالمتابعة والاهتمام والتحليل، والقراءة لهم لن تفتن مسلما عن دينه، أو تنحرف بعقيدته وإيمانه. من غير المنطقي أن يدعو سيد قطب إلي قطيعة معرفية باترة مع محمل الثقافة الإنسانية الغربية، تاريخا واجتماعا وسياسة وفلسفة وفنا وأدبا، فمثل هذه الدعوة الرجعية العنصرية تتغافل عن حقيقة تشكل الثقافة الإسلامية "الصافية" نفسها من احتكاك قوي إيجابي بمؤثرات غير إسلامية، يونانية ورومانية وفارسية وهندية، ومن بوتقة هذا الاحتكاك المثمر، تشكلت ثقافتنا العربية الإسلامية، التي أسهمت بدورها في بناء الثقافة الغربية المعاصرة. التبادل بين الثقافات قائم علي مدار التاريخ الإنساني بلا قطيعة أو جفاء، ولا يعقل أن باحثا مسلما معاصرا جادا، في مجالات التاريخ والاجتماع والاقتصاد والسياسة والفلسفة وعلم النفس، يستطيع الاستغناء عن نظريات الغرب واضافاته، كما أن الفنانين والأدباء لا يملكون غدارة الظهر للمنتوج الذي قدمته الثقافة الغربية، في الشعر والمسرح والرواية والقصة القصيرة والفن التشكيلي والنقد، وسيد قطب "الأول"، قبل انقلابه علي "المجتمع الجاهلي"، دليل عملي علي ضرورة الاحتكاك والتأثر، فكتابه "النقد الأدبي.. أصوله ومناهجه" ليس إلا إعادة انتاج لما قدمه الغرب غير المسلم!.
مثل هذه "الوصاية" المتعنتة البغيضة لا تعكس رغبة قطب في الدفاع الصحي الصحيح عن الإسلام والمسلمين، والحقيقة أنها دعوة تعبر عن غياب الثقة بإيمان المسلمين وتهافت عقيدتهم، فهل يعتقد المفكر التكفيري أن قراءة المصادر الغربية ستفتن المسلم الناجح عن دينه؟!. لن يحدث ذلك إلا إذا كانت عقيدته هشة عاجزة عن الصمود، وقد برهن التاريخ علي أن الإسلام لا يتأثر بزوابع الفكر المضاد، وأن المسلمين يؤمنون بدينهم ولا يفرطون فيه بالسهولة التي يتخيلها من منح نفسه حق الوصاية علي الدين.