Share |
يوليو 2010
16
الشوام في مصر ...وجود متميز خـــــــــلال القـرنين التاسع عشر والعشرين
المصدر: مجلة نصف الدنيا


اسم الكتاب: هجرة الشوام ..الهجرة اللبنانية إلي مصر
اسم المؤلف : مسعود ضاهر
اسم الناشر : الشروق
الكفاءة الشخصية ، ومعرفة اللغات ،وسرعة التكيف ، والإخلاص في العمل ، والانفتاح علي الغرب ...كانت أهم العوامل التي أهلت الشوام للعب دور متميز في مصر خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، والذين جاءوا الي مصر بحثا عن بحبوحة العيش وساعدتهم الظروف الداخلية في مصر آنذاك من حرص محمدعلي باشا علي الاستعانة بأهل الخبرة في بناء دولته الحديثة. وبعده حفيده الخديو إسماعيل..بالإضافة إلي رحابة صدر شعب لم يتعود اضطهاد الأقليات حتي اليهود عندما قامت دولة إسرائيل لم يلقوا في مصر ادني اضطهاد ومن هاجر منهم انما هاجر استجابة لنداءات الكيان الصهيوني. هذا هو الإطار الرئيسي الذي ناقش من خلاله الدكتور مسعود ضاهر أستاذ تاريخ لبنان الحديث والمعاصر في الجامعة اللبنانية هجرة الشوام إلي مصر والذين تمتعوا فيها بغني فاحش. وكانت نسبة الفقراء منهم بسيطة.. ومعظم فقراء الشوام كانوا يعملون لدي الأغنياء منهم
كان الأرثوذكس لسنوات طويلة من القرن العشرين الطائفة الأكثر عددا بين مهاجري الشوام إلي مصر وفدوا إليها من المدن السورية أو الفلسطينية ومن بعض مناطق لبنان يليهم في العدد الروم الكاثوليك الذين بلغ تعدادهم قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية قرابة الأربعين ألفا في مصر. وحل الموارنة في المرتبة الثانية من حيث العدد تليهم طوائف السريان والكلدان والأرمن.. بالإضافة إلي بعض الطوائف الإسلامية اللبنانية ومعظمهم من السنة مع بعض الشيعة والدروز .. المثير للانتباه أن العلاقات الاجتماعية بين طوائف الشوام في مصر كانت عادية جدا ولم تكن متوترة كما في سوريا ولبنان ويعود الفضل في ذلك الي المجتمع المصري الذي مصر أبناءه والقاطنين بينهم في مختلف المجالات
لماذا هاجروا ؟
أسباب هجرة الشوام إلي مصر متباينة منها سهولة الانتقال البري والبحري بين المنطقتين والتاريخ المشترك والتقاليد المتشابهة واللغة المشتركة والتراث الروحي الموحد .
ومن أهم المناطق التي كان يقصدها الشوام في مصر دمياط بوصفها أهم موانئ البحر المتوسط مما جعلها إحدي المحطات التجارية المهمة وكانت مصادر الاستيراد إليها متنوعة عبر بيروت وقبرص واللاذقية وصور.. ومن أبرز العائلات الحلبية والدمشقية في دمياط أوائل القرن التاسع عشر جبرائيل عيروط قنصل النمسا في دمياط وهو كاثوليكي من حلب وشقيقه أو نسيبه جرجس عيروط قنصل انجلترا في دمياط. وهناك يوحنا سرور قنصل إسبانيا في دمياط. وقد عملت الطوائف المسيحية الشامية في دمياط علي تنظيم نفسها وبناء كنائسها ومدارسها وجمعياتها الخيرية داخل الحي المعروف بحي المنصار ي. لكن فترة ازدهار دمياط لم تدم بعد ان أخذ محمد علي يقوم بمشروعات تجارية وصناعية مهمة في القاهرة والإسكندرية وهو ما جعل هجرة الشوام تتجه إليها في أواخر القرن التاسع عشر.
محمدعلي وزيادة نفوذ الشوام
كان وصول محمد علي إلي الحكم بمثابة فاتحة خير علي الشوام، فمحمد علي الذي أراد بناء مصر الحديثة كان في حاجة إلي الكوادر في شتي المجالات، وقد استعان بخبراء من الأجانب إلا أنه اكتشف أن عامل اختلاف اللغة سيعوق تنفيذ الكثير من خططه وأنه بحاجة إلي من يتقن اللغة العربية ولغة أو لغات أوروبية فكان دور الشوام خصوصا أنهم كانوا بارعين في أعمال البورصة والبنوك والصرافة.. وعندما قررت الحكومة المصرية إرسال البعثات التعليمية إلي أوروبا كان الشوام من بين اعضائها ومنهم نقولا مسابكي الذي تعلم فنون الطباعة وسبك الحروف .
وشهد بلاط محمد علي العديد من الشخصيات الشامية البارزة منهم أوجست سكاكيني أحد أبرز مترجمي الديوان العام، وبوغوص بك الأرمني أهم مستشاري محمد علي. وبصفة عامة فإن عهد محمد علي كان عهد رخاء الشوام واستمر الوضع في عهد خلفائه خصوصا الخديو إسماعيل.
السكاكيني باشا
من أهم الأسر الشامية التي عرفتها مصر في تاريخها الحديث أسرة آل سكاكيني والتي بدأت سلالتها بهجرة جبرائيل السكاكيني الذي مارس التجارة وكون ثروة لا بأس بها . وتوفي في القاهرة 1882أما ابنه حبيب فقد جمع ثروة طائلة ويروي أنه إبان حفر قناة. السويس كثرت الجرذان الكبيرة التي كانت تنقل الأوبئة وتقضم الآلات المستوردة ولم تفلح كل المحاولات في القضاء عليها لكن حبيب السكاكيني اقترح فكرة علي بساطتها كانت عبقرية فقد اقترح شراء أعداد كبيرة من القطط وأطلقت بعد فترة تجويع الي منطقة الحفر لتقضي علي الجرذان وقد اعجب ديليسبس بحبيب وأوكل إليه بعض المهام وما لبث حبيب أن تحول إلي مقاول كبير لتجفيف المستنقعات ورصف الشوارع . وأنجز دار الأوبرا المصرية في وقت قياسي فأنعم عليه الخديو إسماعيل بالأموال وأهداه السلطان عبد الحميد الثاني سرايا في القاهرة عرفت باسمه بل وأصبح اسمه يطلق علي الحي الموجود به السراي "قصر السكاكيني". بل وكان السلطان يرسل إلي حبيب السكاكيني عربته الخاصة كي يصطاف مع اسرته علي ضفاف البوسفور. وكانت لحبيب مزارعه لانتاج الفواكه التي كان يصدر جزءا كبيرا منها خارج مصر. وكانت له اعماله الخيرية العديدة فقد اشتري سراي لينودو بلفور وحولها إلي بطريركية للروم الكاثوليك في القاهرة وبني مطرانية وكاتدرائية للروم الكاثوليك في الفجالة وقد توفي حبيب 1923وترك ابنا وحيدا هو حبيب الذي تزوج من فتاة شامية تدعي كورين ومنها أنجب ستة ابناء من بينهم هنرييت التي تزوجت من مسلم سني من الشوام ايضا هو محمد البكري.
آل صابات
في عام 1895هاجر ميشال خليل صابات الي القاهرة وتزوج من فتاة شامية تدعي حنينة . وفي مصر استمر يمارس مهنة الخياطة في أحد المحال قبل أن يفتتح لنفسه محلا حقق شهرة كبيرة في شارع قصر النيل بوسط القاهرة. وما أن تحسنت أحوال ميشال حتي استدعي شقيه يوسف صابات الذي كان قد هاجر إلي باريس حيث عمل في محلات سمعان وسليم صيدناوي في الموسكي . ولحق بالاخوين شقيقهما الثالث انطون حيث عمل بوزارة الأ|شغال العمومية المصرية الي جانب عمله كمترجم للأعمال السينمائية . وقد رزق يوسف صابات ثلاثة أولاد أشهرهم الدكتور خليل صابات أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة.
آل ثابت
تبدأ هذه الأسرة بخليل ثابت الذي هاجر إلي السودان عام 1899حيث أسس فيها أول جريدة تصدر باللغة الإنجليزية إلي جانب العربية. ثم غادر السودان إلي القاهرة بدعوة من أصحاب المقتطف والمقطم حيث تولي إدارتهما.. وكان صحفيا بارزا نال شهرة عالمية وقد أصبح عضوا في مجلس الشيوخ المصري وفي مجمع اللغة العربية. وقد لحق به في مصر شقيقه رشيد الذي عمل بالصحافة ومارس التجارة. وكان لخليل ثابت خمسة أبناء أبرزهم كريم ثابت الذي ولد عام 1903ومارس الصحافة وهو في التاسعة عشرة من عمره . وقد أسهم في تأسيس جريدة المصري الناطقة باسم حزب الوفد وكانت له مقابلات مهمة مع زعماء عصره ومنهم هتلر وموسوليني وكتب الكثير حول تاريخ مصر السياسي واتخذه الملك فاروق مستشارا صحفيا له.
آل تقلا
كان سليم تقلا علي علم بتشجيع الخديو إسماعيل لحركة الفنون والآداب فكتب قصيدة مدح رنانة في مدح الخديو الذي أعجب به ومنحه امتياز جريدة الأهرام سنة 1875..
الشوام مابين الدفاع عن العروبة وممالأة الإنجليز
شارك الشوام بدور جوهري في الحركة السياسية المصرية وشدد غالبية المسيحيين الشوام علي فكرة العروبة والقومية العلمانية كي يتجنبو ا الاندماج في مجتمع إسلامي شمولي .بينما دعا تيار من المسلمين الشوام الي تيار الجامعة الاسلامية . ومنهم من دعا الي دمج العروبة والاسلام ومنهم من دعا الي فصل الدين عن الدولة وبناء القومية العربية. وقد أسهم الشوام في الدعوة الي القومية العربية والعروبة العلمانية ردا علي الدعوة العثمانية والجامعة الإسلامية وكان الصراع بين الطرفين يأخذ اتجاها هزليا في بعض الأحيان كالصراع حول ارتداء الطربوش بوصفه رمزا عثمانيا.. وقد وجد تياران سياسيان كبيران في مصر: الأول إنجليزي التف حوله أغنياء الشوام ومثقفوهم وتيار وطني عريض مع ميل واضح إلي التعاون مع فرنسا علي الصعيد الخارجي. وقد مثلت الاهرام التيار الثاني وكانت لاقلامها ميول وطنية في مواجهة المقطم المدعومة من الإنجليز.
أما الأقباط فرفضوا ممالأة الإنجليز وشعروا بكراهية تجاه الشوام لتعاون بعضهم مع الإنجليز وهناك نماذج لشوام في مراكز استخبارات في الدوائر العسكرية الانجليزية وصلوا إلي مناصب سياسية مرموقة ومنهم انطون الجميل وخليل ثابت اللذين نالا عضوية مجلس الشيوخ . من جانب آخر كان للشوام دور في تبلور التيار الاشتراكي العلمي في مصر علي أيدي بعض القادمة ومنهم المحامي انطون مارون الذي استشهد في سجون القاهرة دفاعا عن حقوق المعتقلين السياسيين والأستاذ رفيق جبور الذي اغتالته الاستخبارات الإنجليزية بسبب نشاطه الاشتراكي في مصر.