Share |
يوليو 1965
1
القنبلة الذرية الصينية
المصدر: السياسة الدولية

الأستاذ الدكتور بطرس بطرس غالى:
رئيس قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة وعضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للقانون الدولى عمل أستاذا زائرا بجامعة كولومبيا بالولايات المتحدة وبجامعة باريس بفرنسا ومدير لمركز الأبحاث التابع لمجمع الدولية باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية يعد إلقاء أول قنبلة ذرية على مدينة هيروشيما بنحو أسبوع القى الزعيم الصينى ماوتسى تونج خطابا أمام مدرسة القيادات السياسية بمدينة ننيان قال فيها:
أن القنبلة الذرية لا يمكن أن تكون عاملا حاسما فى الحروب ثم أضاف بعدئذ قوله:
أن بعض الرفقاء يعتقدون أن القنبلة الذرية سلاح جبار وهذا خطأ كبير وما كانت تمر مناسبة، وحتى الآن لا تكاد تمر مناسبة حتى نسمع زعماء الصين يؤكدون هذا المعنى وفى إحدى هذه المناسبات وربما من أحدثها
(أبريل سنة 1946) وصف الزعيم ماوتسى تونج القنبلة الذرية الأمريكية بأنها نمر من الورق.
وسواء أكان هذا الاستخفاف بالسلاح الذرى صادرا عن اعتزاز بالقوة البشرية العددية للصين أم عن الاستهانة بشأن هذا السلاح الذى لم يكونوا قد امتلكوه بعد فان نظرة الصين إلى السلاح الذرى قد تغيرت بعد مضى سنوات، وفى ظل تحالفها مع الاتحاد السوفييتى حرصت على أن تتملك سلاحا ذريا يكون خاصا بها، ولما وجدت من روسيا السوفييتية مماطلة فى معاونتها على بلوغ هذا الغرض اعتمدت على نفسها فى تحقيق هدفها وفى 16 أكتوبر سنة 1964 ظهرت ثمار مجهوداتها ففجرت أولى قنابلها الذرية، وفى منتصف مايو سنة 1965 فجرت قنبلتها الثانية فما مدى تأثير نجاحها هذا فى سياستها الخارجية؟ وما تأثيره فى قضية السلام العالمى بوجه عام؟ أن التقارير الصادرة من لجنة الطاقة الذرية الأمريكية، والمقالات العلمية يستفاد منها جميعا:
أولا- أن الإنتاج الصينى فى ميدان السلاح الذرى ليس إنتاجا بدائيا كما قد تبادر إلى الأذهان، لكنه وصل إلى مرحلة من التقدم تتيح للصين أن تنتج عشرات من القنابل الذرية فى السنوات المقبلة
ثانيا -أن الصين ستتمكن فى القريب العاجل من تفجير قنبلة هيدروجينية وان الولايات المتحدة الأمريكية إذا كانت قد احتاجت إلى سبع سنوات بعد تفجير أول قنبلة ذرية لها لتفجير قنبلة هيدروجينية، وان الاتحاد السوفييتى إذا كان قد أعوزه أربع سنوات لبلوغ هذا الشان فان الصين الشعبية ستحتاج إلى مدة أقل (1)
ثالثا إذا كانت الصين ستسرع فى إنتاج الأسلحة النووية فأنها ستظل فيما تقول التقارير الأمريكية مختلفة فى ميدان نقل هذه الأسلحة إلى البقاع التى تريد قصفها لأنها لا تملك الصواريخ بعيدة المدى، ولا تملك الطيارات الاستراتيجية، ولا الغواصات الذرية المزودة بصواريخ بولاريس التى تطلق من تحت سطح البحر، وان كان قد قيل أنها فجرت قنبلتها الثانية بوساطة صاروخ (2)
رابعا إذا كانت الصين الشعبية لا تستطيع على حد ما تقول التقارير الأمريكية قصف المواقع التى تريد قصفها لعدم توافر وسائل النقل لديها أى لا يمكنها مثلا أن تدمر مواقع فى أمريكا، أو أوروبا الغربية، أو روسيا الأوروبية فأنها يمكنها أن تلقى قنابلها الذرية على الدول المجاورة لها أو القريبة منها فتدمر المدن الآسيوية الكبرى فى الدول المتحالفة ضدها مع الولايات المتحدة الأمريكية أو غيرها من الدول المناهضة لها هذا هو مجمل ما يقال فى الجانب العسكرى من السلاح الذرى الصينى، إلا أن هدفنا فى هذا البحث هو تحليل الجانب السياسى لهذا السلاح الخطير، وسنستعين فى بحثنا هذا بالتصريح الرسمى الذى أصدرته الحكومة الصينية عقب تفجير قنبلتها الذرية الأولى وبرسالة الزعيم شواين لاى رئيس وزراء جمهورية الصين الشعبية التى وجهها إلى جميع رؤساء الحكومات فى هذا الحين، كما نستعين كذلك بمختارات من الصحف والمجلات المتخصصة من صينية وسوفيتية وان كان هذا الذى سنستعين به لم يصل إلينا إلا عن طريق واحد هو المجلات المتخصصة الأمريكية والنشرات الرسمية الأمريكية ولا مناص لنا من ذلك مادام ليس بيننا خبراء باللغة الصينية أو الروسية، أو جامعيون تخصصوا فى دراسة السياسة الصينية أو الروسية أن القنبلة الذرية الصينية آثارا فى سياسة الصين الشعبية (3)، وتنسحب هذه الآثار على سياستها الداخلية، وسياستها الخارجية ومجمل هذه الآثار أن تفجير القنبلة الذرية الصينية قد حقق الأهداف الآتية:
أولا- تقوية مركز الشيوعية الصينية داخل الصين
ثانيا- تقوية مركز الشيوعية الصينية داخل المعسكر الشيوعى كله
ثالثا- دعم موقف الصين الشعبية أمام ـ الاستثمار الأمريكىـ
رابعا- توطيد موقف الصين فى مساندة الحروب الاستقلالية فى آسيا إلا أن هذه الأهداف قد تجد وراءها ذيولا منها:
أولا- زعزعة ما بين الصين الشعبية والعالم الثالث من ثقة متبادلة
ثانيا - تشجيع الولايات المتحدة على أن تغامر بهجوم ذرى وقانى تشنه على الصين
ثالثا- اشتداد الصراع بين روسيا والصين داخل المعسكر الشيوعى ـ
(1) تقوية مركز الشيوعية الصينية داخل الصين:
إن تفجير القنبلة الذرية الصينية مرتين إحداهما فى 16 أكتوبر سنة 1964 والأخرى فى 14 مايو سنة 1965 يدل أول ما يدل على تقدم كبير فى التكنولوجية الصينية، كما يدل على نجاح الصين فى اقتحام كل العقبات التى اعترضت طريقها العلمى.
فى 15 أكتوبر سنة 1957 عقدت معاهدة فنية بين الصين الشيوعية والاتحاد السوفييتى لتنظيم التعاون التكنولوجى بين الدولتين وبمقتضى هذه المعاهدة اخذ الاتحاد السوفييتى على نفسه أن يمد الصين الشيوعية بالمعلومات الفنية التى تساعدها على إنتاج السلاح الذرى ويبدو على ما تقول الصحافة أن الاتحاد السوفييتى لم ينفذ هذه المعاهدة بل نقضها من جانب واحد، وقد أعلن ذلك فى ـ 20 يونية سنة 1959
(انظر فى هذا مجلة بيكين ريفيو فى عددها رقم 33 الصادر سنة 1963) ولكن هذا النقض من قبل الاتحاد السوفييتى لم يوهن عزيمة الصين الشيوعية، ولم يجعلها تتهيب العقبات الفنية والعلمية التى تعترض سبيلها بل ظلت تعمل وتبحث حتى أتيح لها هذا النجاح الذى حققته فى 16 أكتوبر سنة 1964، ثم ظلت تتبعه حتى فجرت قنبلتها الثانية فى 14 مايو سنة 1965
وقد كان المعسكر الغربى ينظر إلى الصين على أنها دولة متخلفة، وانه يعسر عليها أن تبرأ من هذا التخلف، والمعسكر الشيوعى السوفييتى كان يرى أن الصين قد اتبعت أسلوبا شيوعيا منحرفا سيحول لابد دون نموها وتقدمها ولكن على الرغم مما وجه إلى الصين من الغرب الرأسمالى، ومن الاتحاد السوفييتى الشيوعى فان الصين مضت قدما معتمدة على نفسها، وحققت النجاح الذى ادخلها فى عداد أعضاء النادى الذرى، أقام الدليل على نجاح أسلوبها الشيوعى لا على انحرافه أو خطئه كما هو رأى الاتحاد السوفييتى وتحليل الصحافة الصينية لهذا الحدث الضخم، وحديث الإذاعات عنه، كان لهما اثر كبير نفسية الشعب الصينى داخل الصين الشيوعية فزاد اعتزازا بنفسه، وتمسكا بحكومته، وأيمانا بمبادئه، وقد عبر عن ذلك تصريح الحكومة الصينية الذى جاء فيه:
نجحت الصين فى أولى تجاربها النووية، وقامت اليوم بتفجير قنبلتها الذرية الأولى وهذا يمثل عملا عظيم الأهمية قد حققه الشعب الصينى فى كفاحه من اجل زيادة طاقته للدفاع القومى ـ فلما تم تفجير القنبلة الذرية الثانية زاد الشعب الصينى ثقة بنفسه، وافتخارا بحكومته حتى روت البرقيات أن الشعب الصينى كان يرقص فرحا فى الشوارع (1)
(2) تقوية مركز الصين الشيوعية داخل المعسكر الشيوعى:
فى التصريح الصادر من الحكومة الصينية الذى ألمعنا إليه سالفا لم ترد أية إشارة إلى الخلاف القائم بين بيكين وموسكو، بل يقول انه كلما زاد عدد الدول التى تمتلك السلاح الذرى زادت قوة المعسكر الذى تنتمى إليه هذه الدول، ومن ثم فان من شان السلاح الذرى الصينى أن يزيد المعسكر الشيوعى قوة ونجد فى صحافة الصين مقارنة صريحة بين الخلاف القائم بين فرنسا والولايات المتحدة فى المعسكر الغربى، وبين الخلاف الذرى بين الصين الشعبية والاتحاد السوفييتى وتخرج من هذه المقارنة بأنه كما أن
فرنسا كانت فى حاجة إلى إنتاج السلاح الذرى حتى تستطيع أن تتحدث مع الولايات المتحدة حديث الند للند كذلك الصين، فهى بعد نجاحها الذرى تستطيع تنظيم علاقاتها بروسيا على أساس من المساواة وكما أن إطلاق أول قمر صناعى روسى فى الفضاء الخارجى آثار اهتمام الرأى العام العالمى سواء فى المعسكر الغربى أو المعسكر الشرقى، ورفع من شان الاتحاد السوفييتى فى نظر هؤلاء وأولئك كذلك الشأن بالنسبة إلى القنبلة الذرية الصينية فقد كان لتفجيرها دور هائل فى الرأى العام العالمى عامة، والدول الآسيوية خاصة ومن العوامل التى ساعدت أيضا على تقوية مكانة الحزب الشيوعى الصينى، إخراج الرئيس خروشوف من الحكم على الصورة التى اخرج بها، وهو الذى كانت الصين ترى فيه مناوئا عنيدا لها نعم أن هذا لم يرد صراحة فى صحافة الصين، ولكن الصحافة الأمريكية قد صرحت به فى اكثر من مناسبة، وذكرته فى اكثر من موضع بل أنها قد تنبأت بأمرين:
أحدهما أن الأحزاب الشيوعية الموالية للصين سيزداد عددها بعد هذا النجاح وسيشتد ولاؤها لها بسبب ذلك، إما الأمر الثانى فهو أن عدد الأحزاب الشيوعية التى ستقف موقفا محايدا فى الصراع المذهبى القائم بين موسكو وبكين سيزداد كذلك، وسواء اصح هذا كله أم بعضه فالذى لا ريب فيه أن هذا التفجير كان عاملا قويا فى تدعيم مركز الشيوعية الصينية داخل المعسكر الشيوعى.
(3) دعم مركز الصين الشيوعية أمام "الاستعمار الأمريكى" :
كان هذا أول ما عنى بذكره تصريح الحكومة الصينية الذى أصدرته عقب تفجيرها الذرى الأول فقد ورد فى هذا التصريح أن هدف التفجير هو ـ الوقوف فى وجه السياسة الاستعمارية التى تنتهجها الولايات المتحدة وتقوم على التهديد والضغط النووى.
أن الدفاع عن النفس يعتبر جزءا لا يتجزأ من حقوق كل دولة ذات سيادة، المحافظة على السلام العالمى هى الهدف المشترك بين الأمم المحبة للسلام كافة، ولا يمكن أن تقف الصين مكتوفة اليدين أما تهديد النووى المتزايد الذى تباشره الولايات المتحدة لذلك تجد الصين نفسها مضطرة إلى أجراء التجارب النووية وتطوير الأسلحة الذرية.
لقد وقفت الحكومة الصينية دائما على النظرية التى تنادى بخطر استعمال الأسلحة النووية خطرا تاما، وبتدميرها تدميرا شاملا ولو قد حدث هذا لما وجدت الصين نفسها فى حاجة إلى صنع أسلحة ذرية، غير أن هذا الموقف تبنيناه قد اصطدم بالمقاومة الشديدة من جانب الاستعماريين الأمريكيين.
هذا الموقف الذى تضمنه التصريح الصادر فى 16 أكتوبر سنة 1964 قد تولته الصحافة الصينية بالشرح والتحليل، ويدور شرحها وتحليلها فى جملته حول أن نزع السلاح الذرى لا يمكن أن يتحقق مادامت هناك دول استعمارية، ولهذا فان الدول الشيوعية فى حاجة إلى وسائل تعنى بذلك انه لا بأس من وضع السلاح الذرى فى أيدى اكبر عدد ممكن من الدول الشيوعية، فلماذا تنتقد الولايات المتحدة الأمريكية وتعيب عليها إنها تريد أن توزع السلاح الذرى على حلفائها فى ظل مشروع القوة الذرية المتعددة الأطراف؟ لقد كانت مقتضيات المنطق توجب عليها أن تسوى بين المعسكرين فلا تبيح لمعسكر ما تحرمه على الأخر ألا أن منطقها مبنى على أساس أن المعسكر الشيوعى محب للسلام، وهو فى حال دفاع، أما المعسكر الغربى فهو معسكر استعمارى ومن طبيعة الاستعمار انه هجومى النزعة والى جانب ذلك هناك رأى آخر مجمله أن روسيا حاولت أن تسيطر على المعسكر الشيوعى بعامته ومنه الصين الشيوعية وذلك عن طريق احتكارها للسلاح الذرى، وجعل الآخرين جميعا فى حاجة إلى حمايتها فإذا ما بدا للصين أن تنحرف عنها، فإنها تحرم من الحماية السوفييتية وتتعرض للأخطار ولا تجد من يعينها، لذلك عملت الصين لإنتاج السلاح الذرى لتستطيع أيضا أن ترسم لنفسها خطة خاصة بها فى منهجها الرامى إلى مساندة الحروب الاستقلالية فى آسيا وهذا يتطرق بنا إلى الفقرة التالية.
(4) توطيد موقف الصين فى مساندة الحروب الاستقلالية فى آسيا:
مما ذكرته الصين فى صراحة ووضوح إنها تشعر بان لها رسالة خاصة تؤديها لقارة آسيا، هدفها تحرير الدول الآسيوية خاصة والدول الواقعة تحت نير الاستعمار عامة وقد ورد ذلك فى تصريح 16 أكتوبر سنة 1964، إذ جاء فيه:
أن الشعب الصينى يؤيد بقوة كفاح جميع الأمم المضطهدة وجميع شعوب العالم من اجل التحرير ونحن مقتنعون بان الشعوب ستنتصر فى النهاية بفضل كفاحها ومساعدتها بعضها البعض، وان حصول الصين على السلاح النووى فيه إسهام كبير فى قضية الدفاع عن السلام العالمى ـ وقد يبدو أن هناك تناقضا بين استراتيجية ماوتسى تونج المستندة إلى القوات البشرية وحرب العصابات، وبين الاستراتيجية الذرية التى تستند إلى الدمار الشامل فكيف تكون القنبلة الذرية الصينية عونا للحروب الاستقلالية فى آسيا أو غيرها على حين أن هذا الضرب من الحروب تعتمد على حرب العصابات؟
ولكن هذا التناقض لا يلبث أن ينتقى إذا علمنا انه وفقا للتصريح الصينى الذى سبقت الإشارة إليه، ووفقا لتصريحات أخرى لمسئولين صينيين، ما زالت حروب العصابات وستظل افضل سبيل إلى تحرير آسيا من الاستعمار، أما السلاح الذرى فسيكون إدارة دفاعية تستعين بها الصين على صد أى عدوان يقع عليها من أمريكا، وأذن فهنالك تكامل بين سلاح حرب العصابات والسلاح الذرى، وهذا التكامل يتجلى بوضوح فى تصريح 16 أكتوبر سنة 1964 إذ جاء فيه:
أولا ـ أن القنبلة الذرية ـ نمر من الورق ـ هذا التصريح الشهير لماوتسى تونج معروف للجميع وقد كان، ولا يزال، يعبر عن وجهة نظرنا فالصين تصنع أسلحة ذرية لا لأنها تؤمن بجبروتها، ولا لأنها تنوى استخدامها، ولكن الواقع عكس ذلك تماما: فان هدف الصين من وراء صنع أسلحة ذرية هو إنهاء احتكار الدول النووية الكبرى للأسلحة النووية، والقضاء على تلك الأسلحة
ـ ثانيا ـ أن الحكومة الصينية مخلصة للماركسية اللينينية، وللدولية البروليتارية أنها تؤمن بالشعب أن الشعب هو الذى يقرر نتائج الحرب وعواقبها، وما من سلاح يقرر ذلك ـ وهذا القول الوارد فى التصريح يؤيد نظريات ماوتسى تونج فى الاستراتيجية والتكتيك، وهى النظريات التى تجعل القوى البشرية العماد الأكبر للحروب
ثالثا - تؤكد الصين أنها لن تعتمد إلى استخدام السلاح الذرى فى الحروب التحريرية، وواضح هذا مما تضمنه تصريح 16 أكتوبر إذ يقول:
فيما يتعلق بالأسلحة الذرية لن ترتكب الصين بحال من الأحوال خطأ الوقوع فى سياسة المغامرة ـ وقد أكد ذلك البيان الرسمى الذى أذيع بعد تفجير القنبلة الذرية الثانية ـ أن الصين تصنع الأسلحة النووية لأهداف دفاعية فقط، ولن تكون الصين أبدا البادئة فى حرب نووية ـ تلك هى الأهداف الأربعة التى ورد ذكرها فى تصريح 16 أكتوبر سنة 1964، ولكن هناك جوانب سلبية للقنبلة الذرية قد تسئ إلى الصين، وتعوق تنفيذ سياستها وتحقيق أهدافها وقد أورد ملخصا لهذه الجوانب السلبية، وهاك التفصيل: 1ـ زعزعة ما بين الصين الشعبية والعالم الثالث من ثقة متبادلة:
نجح شواين لاى فى مؤتمر باندونج سنة 1955 فى أن يقنع الرأى العام الأفريقى الآسيوى بان الصين دولة محبة للسلام ومناصرة له وإنها تجاهد فى سبيل أن تتخلص وتخلص غيرها من التخلف، بدون فارق بينها وبين غيرها من الدول الآسيوية أو الأفريقية ألا فى الأسلوب الذى تنتهجه كل منها للخلاص من هذا التخلف، والاتفاقية التى كانت قد أبرمت فى 29 أبريل سنة 1954 بينها وبين الهند جاءت مؤكدة فى نصوصها ومضمونها للمبادئ الخمسة المعروفة باسم ـ الباتشا شيلا ـ ومنها مبدأ التعايش السلمى وكان مما يستند إليه الصين فى تأكيد انتمائها إلى العالم الثالث، وتمسكها بمبدأ نزع السلاح ومناداتها بتحريم التجارب الذرية فإذا العالم يفاجأ بان الصين قد تمكنت من تفجير قنبلة ذرية، كما فعلت من قبلها الدول الاستعمارية سواء فى فرنسا وأمريكا وإنجلترا وإذن فلابد من سعى تقوم به الصين الشعبية لإقناع العالم الثالث بان التفجير الصينى للقنبلة الذرية يختلف عن التفجير الأمريكى أو الفرنسى و الإنجليزى على الأقل فى مغزاه السياسى، وذلك لكى تتفادى الصين وقوع أزمة ثقة بينها وبين الدول التى لا تملك هذا السلاح الذرى وتنادى بمكافحته والقضاء عليه وقد نجحت الدبلوماسية الصينية إلى حد كبير فى التخفيف من أثر الصدمة التى أصابت العالم الثالث على اثر هذا التفجير الذرى الصينى، ولهذا:
1 ـ لم يظهر استنكار عام شامل للتفجير الذرى الصينى كالاستنكار الذى أعلنه العالم يوم فجرت فرنسا أولى قنابلها الذرية فى الصحراء الكبرى بالجزائر
2 ـ لم يعلن أى احتجاج رسمى من أية حكومة أفريقية
أو آسيوية على هذا التفجير باستثناء دولتى الهند واليابان على حين أن تفجير فرنسا قوبل بعاصفة من الاحتجاجات الرسمية وقد وصلت شدتها إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية بين فرنسا وبين بعض الدول المحتجة عليها ـ 3 ـ الأحزاب اليسارية فى أفريقيا واسيا لم تحتج على تفجير القنبلة الذرية الصينية فيما عدا بعض أحزاب، كالجناح اليسارى للحزب الاشتراكى اليابانى ومن العسير تفسير هذا الموقف السلبى الذى وقفته دول العالم الثالث وهذه الدول وقعت جميعها معاهدة الخطر الجزئى للتجارب الذرية التى تم توقيعها فى موسكو فى يوليه سنة 1963، وكانت دول العالم الثالث اكثر تحمسا لها، وعناية بها إلا أن ذلك قد يكون مرجعه إلى عدة احتمالات، منها:
أن الدول الأفريقية الآسيوية لا ترى فى السلاح الذرى الصينى خطرا
عليها، ومنها أن علاقاتها إجمالا بالصين علاقات لا يحتمل معها توقع هجوم يأتيها من الصين ولكنها تتوقع هجوما مثلا من فرنسا أو إنجلترا أو أمريكا، ومنها اعتزاز دول العالم الثالث بان واحدة منها قد استطاعت أن تقتحم باب النادى الذرى الذى كان مقفلا دون الدول الصناعية المتقدمة، شيوعية كانت أو رأس مالية، وبذلك صارت العضو الخامس فى النادى الذرى وإذا كانت هذه الاحتمالات وسواها تبرر الموقف السلبى الذى تقفه دول العالم الثالث من التفجير الذرى الصينى، فليس معنى ذلك أن هذه الدول ستكف عن مطالبة الصين بالتوقيع على اتفاقية حظر التجارب الذرية أو أى اتفاقية أخرى يراد بها خلاص العالم من السلاح النووى.
2 ـ تشجيع الولايات المتحدة على المغامرة بهجوم ذرى وقائى على الصين: المطلع على الصحافة الغربية فى شهرى أبريل ومايو الماضيين أيان اشتداد هجوم السلاح الجوى الأمريكى على فيتنام الشمالية وبعد تفجير القنبلة الصينية الثانية، يلاحظ أن هذه الصحف تضمنت فى تعليقاتها وتحليلاتها، اكثر من إشارة إلى دعوة الولايات المتحدة لانتهاز هذه الفرصة لتدمير المراكز الذرية الصينية فى منغوليا الداخلية، وفى سينكيانج قبل أن يستفحل خطر الصين ويشتد ساعدها فى إنتاج السلاح الذرى بل اكثر من ذلك أن هناك من طلب من الولايات المتحدة أن تعمل على أن يشترك معها الاتحاد السوفييتى فى هذا الهجوم الوقائى
(1) الذى يجب أن يواجه إلى المراكز الذرية الصينية وفى مقال نشرته المجلة العسكرية الأمريكية بقلم ضابط خبير فى الشئون الصينية هو: توماس بيرى سورنتورن فى عدد سبتمبر سنة 1964 (أى قبل تفجير القنبلة الذرية الصينية الأولى) يقول هذا الضابط الأمريكى الخبير بصراحة:
أن الصين إذا أمكنها أن تحرز السلاح الذرى فانه سيضرها اكثر مما يفيدها إذ أنها لن تستطيع أن تسابق الولايات المتحدة أو روسيا، بل هى تعرض نفسها لان تستخدم أمريكا هذا السلاح ضدها، وقد يكون من العسير أن تستخدم أمريكا هذا السلاح ضد الصين مادامت لا تملكه، إما حين تملك هذا السلاح فيكون تملكها هذا مبررا لهجوم أمريكا عليها لذلك نجد أن تصريح 16 أكتوبر سنة 1964 وبيان 14 مايو سنة 1965 يؤكدان أن الصين لن تستخدم هذا السلاح إلا فى حالة الدفاع ومما جاء فى التصريح:
أن الحكومة الصينية تعلن صراحة أن الصين لن تكون البادئة باستخدام الأسلحة النووية فى أى وقت ومهما كانت الظروف ـ ثم جاء البيان مؤكدا لذلك.
ونحن نتمنى بإخلاص ألا تقع حرب نووية، وإننا لواثقين من انه طالما كانت الدول المحبة للسلام، وشعوب العالم تكافح كفاحا مشتركا فانه من الممكن تلاقى وقوع حرب نووية ـ لن تكف الحكومة الصينية كما فعلت دائما عن السعى وراء تحقيق الهدف النبيل الذى يشمل الحظر التام، والتدمير الشامل للأسلحة النووية عن طريق المشاورات الدولية ـ ونجد كذلك مثل هذه التأكيدات فى رسالة شواين لاى رئيس وزراء جمهورية الصين التى بعثها إلى جميع رؤساء الحكومات فى 17 أكتوبر سنة 1964، وجاء فيها:
أن الحكومة الصينية تعلن بصدق أن الصين لن تكون البادئة باستخدام الأسلحة النووية فى أى وقت، ومهما تكن الظروف ـ وكل هذه التأكيدات التى تبديها الصين وتعلن بها عن نواياها نحو عدم استخدام هذا السلاح، تشير إلى أنها تدرك ما يدركه المعلقون السياسيون من أن السلاح الذرى الصينى وهو فى مرحلته الأولى ينطوى على خطر على الصين اكثر مما ينطوى على نفع لها
3 ـ اشتداد الصراع بين موسكو وبكين:
لسنا هنا فى مقام دراسة لا وجه الخلاف بين روسيا والصين، وإنما سنكتفى بالميدان الضيق المحدود وهو ميدان التعاون الذرى بين الدولتين، وقد أشرنا قبل إلى انه كانت قد عقدت اتفاقية فنية بين هذين العملاقين الشيوعيين هدفها تنظيم التعاون الذرى بينهما، ولكن يبدو أن الخلاف الذى وقع بين أمريكا وفرنسا فى الميدان الذرى قد تكرر بين روسيا والصين، فانفردت حكومة بيكين كما انفردت من قبل حكومة باريس بالعمل وحدها فى هذا الميدان، واستطاعت كما استطاعت فرنسا أيضا أن تفجر قنبلتها الذرية الأولى ثم قنبلتها الذرية الثانية وبذلك صار السلاح الذرى ميدانا جديدا من ميادين النزاع والخلاف بين موسكو وبكين روسيا تريده أن يكون وسيلة لها إلى تولى مركز القيادة على المعسكر الشيوعى، والصين تريده أن يكون وسيلة لوقوفها وروسيا موقف الند داخل المعسكر الشيوعى وقد تجلى الخلاف بوضوح عندما وقعت روسيا على اتفاقية الحظر الجزئى للتجارب الذرية فى يوليه سنة 1963 مع كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا يستخلص من هذه الاتفاقية أنها استثنت من الحظر التجارب الذرية التى تجرى تحت سطح الأرض
(المادة الأولى فقرة 1) وأنها تحظر على الدول الموقعة لها مساعدة أى دولة أجنبية فى تجاربها الذرية
(الفقرة الثانية من المادة الأولى) كما نصت المادة الرابعة على انه يجوز لأى دولة أن تنسحب من المعاهدة متى شاءت، على ألا تسرى من إعلانه هذا والمعاهدة مفتوحة، بمعنى أنها تقبل انضمام أية دولة أليها وقد كان ذلك مدعاة لتوقيعها من دول العالم عن رضاء تام، ولم تتخلف غير فرنسا والصين بل قابلتها الصين بهجوم شديد عنيف يكشف عن مدى ما بين حكومة الصين وحكومة روسيا من هوة عميقة من جراء السلاح الذرى ومن الحجج التى تذرعت بها الصين: أولا أنها لا تعتبر هذه المعاهدة معاهدة بالمعنى الصحيح ما دام لكل دولة حق الانسحاب منها بعد إنذار مداه ثلاثة اشهر ثانيا أن المعاهدة غير متكافئة، ومن اكبر مظاهر ذلك انه لا يجوز تعديلها ألا بموافقة الدول الثلاث الموقعة لها، يضاف إلى ذلك أن هذه الدول الثلاث هى التى تملك السلاح الذرى، أما الدول الباقية وعددها يتجاوز المائة، فهى وان كانت قد انضمت إلى المعاهدة فإنها لا تملك قنابل ذرية تفجرها، كما انه يلاحظ أن الدول النووية الثلاث هى التى تملك أجهزة التسجيل الموزعة على شتى أنحاء العالم وهذا يطوع لها أن تراقب غيرها ولا يستطيع غيرها أن يراقبها ثالثا أن المعاهدة تبيح التجارب الذرية التى تجرى تحت سطح الأرض، وبذلك تتيح للاستعمار الأمريكى أن يعزز أسلحته الذرية رابعا أن المعاهدة تقيد حرية تصرف الدول الاشتراكية (الشيوعية) والدول التى تعانى من الاستعمار وتحول قدرتها على الدفاع عن طريق محاولة إنشاء سلاح ذرى خاص بها خامسا أن المعاهدة تحذر الشعوب، وتضعف فيها روح الكفاح من اجل السلام، وتقيم ستارا يخفى وراءه الاستعمار الأمريكى سادسا أن هذه المعاهدة تنشئ عقبة جديدة فى طريق نزع السلام الكامل تلك هى بعض الحجج التى استندت أليها الصين فى محاربتها لمعاهدة موسكو للحظر الجزئى للتجارب الذرية، ولكنها فى الوقت نفسه تؤكد نية الصين فى الاتجاه نحو الاستمرار على التسلح الذرى، وهذا خليق أن يكون عاملا ضخما فى تزايد الخلاف بين موسكو وبكين وختاما:
نرى أن القنبلة الذرية الصينية سلاح سياسى، وسلاح نفسانى اكثر مما هو سلاح عسكرى، بمعنى أن الصين تريد عن طريق هذا السلاح أن تصل إلى رفع روح الشعب الصينى معنويا، واجتذاب الأحزاب الشيوعية الآسيوية إليها، وتحقيق نزع السلاح الذرى فى العالم توطئة لتدميره، وعندئذ تسترد مكانتها الدولية حين تقاس القوى بعدد الجيوش فإذا كانت فرنسا تريد أن تكون عن طريق سلاحها الذرى ذات صوت مسموع فى القيادة العليا لحلف الأطلنطى، وإذا كانت إنجلترا تريد عن طريق هذا السلاح الذرى الاحتفاظ بهيبتها إزاء أمريكا داخل المعسكر الغربى،فان الصين تريد من وراء إحرازها السلاح الذرى أن تصل إلى القضاء على السلاح الذرى وإذا استطاعت الصين أن تحقق هذا الهدف عن طريق تعبئة الرأى العام العالمى، أو عن طريق مفاوضات دبلوماسية دولية، أو عن طريق التهديد باستخدام السلاح الذرى، لتمكنت من تحقيق هدفين فى أن واحد أولهما تأكيد زعامتها العسكرية داخل المعسكر الشيوعى بما لها من إمكانيات بشرية لا تتوافر لغيرها وثانيهما إبراز زعامتها العسكرية فى العالم، إذ ستكون القوات الضارية الصينية مؤلفة من ملايين الجنود الذين يستطيعون الزحف إلى أى مكان، دون أن تتمكن الأسلحة التقليدية من وقف تقدمها ونحن نعتقد أن الصين الشيوعية ستكرس جهودها الدبلوماسية فى السنوات القادمة لإقناع العالم بضرورة تدمير السلاح الذرى وتحريم إنتاجه، كى يعود العالم إلى عصر ما قبل السلاح الذرى، بينما ستكون كل من الدبلوماسية الأمريكية والدبلوماسية السوفيتية عاملة على الاحتفاظ بالسلاح الذرى إذ أن كلا منهما ترى انه فى ظل التوازن الذرى أو الذعرى، يستطيع العالم أن يتجنب كارثة الدمار الشامل نتيجة لوقوع حرب نووية وفى هذا الصراع الأيديولوجى الجديد، إذا كانت القوة المادية فى جانب العملاق الأمريكى والعملاق السوفييتى بسبب ما يمتلك كل منهما من قوات ذرية ونووية، فان القوة العاطفية فى جانب العملاق الصينى إذ انه حين يطلب تدمير الأسلحة الذرية والنووية سيجد تأييدا قويا من الدول التى لا تملك السلاح الذرى وهى تمثل الأغلبية العظمى من دول العالم وتحليل الآثار السياسية للسلاح الذرى الصينى يجب أن ينظر إليه على ضوء الصراع الأيديولوجى بين الاستراتيجية الأمريكية والاستراتيجية الصينية فالاستراتيجية الأمريكية كما تبدو من الهجوم الجوى الأمريكى على فيتنام تستند اكثر ما تستند إلى القوة الضاربةإلى قوة السلاح النفسانى إلى القوة البشرية، وهذا الأسلوب بعيد الجذور فى الفكر العسكرى الصينى فقد نقل عن سن سبين الذى كان اكبر مفكر عسكرى صينى فيما قيل ميلاد المسيح بنحو خمسة قرون، ويعتبر واضح مبادئ الاستراتيجية العسكرية قوله:
أولا قلوب الرجال،
ثانيا: التموين،
ثالثا: التربة، وفى المرتبة الرابعة الأسلحة ـ وتلك الجذور ما زالت تمتد فروعها إلى حاضر الصين ممثلا فى استراتيجية ماوتسى تونج التى تجعل من حرب العصابات، وتأييد الشعوب لهؤلاء المكافحين أساسا لاستراتيجيتها وحرب فيتنام إلى جانب كونها صراعا عسكريا وصراعا سياسيا، فإنها صراع بين الاستراتيجية الأمريكية، والاستراتيجية الصينية وعلى ضوء هذا فان تفجير القنبلة الذرية الصينية الأولى فى 16 أكتوبر سنة 1964 وتفجير قنبلتها الثانية فى 14 مايو سنة 1965 ليس ألا وسيلة لتدعيم الحرب النفسانية التى تقوم عليها استراتيجية الصين وثائق خاصة بالدراسة:
تصريح الصين بخصوص تفجير القنبلة الذرية رسالة شواين لاى إلى جميع رؤساء الحكومات رد دى جول على رسالة شواين لأى رد كوسيجين على رسالة شواين لاى.
1 ـ تصريح حكومة جمهورية الصين الشعبية بخصوص تفجير القنبلة الذرية الصينية (بكين 16 أكتوبر 1964).
نجحت الصين فى أولى تجاربها النووية، وقامت اليوم بتفجير قنبلتها الذرية الأولى ويمثل ذلك عملا عظيم الأهمية حققه الشعب الصينى فى كفاحه من أجل زيادة طاقته للدفاع القومى والوقوف فى وجه السياسة الاستعمارية التى تنتهجها الولايات المتحدة والتى تقوم على التهديد والضغط النووى إن الدفاع عن النفس يعتبر جزءا لا يتجزأ من حقوق كل دولة ذات سيادة والمحافظة على السلام العالمى هى الهدف المشترك لكافة الأمم المحبة للسلام ولا يمكن أن تقف الصين مكتوفة اليدين أمام التهديد النووى الآخذ فى الازدياد والذى تباشره الولايات المتحدة ولهذا تجد الصين نفسها مضطرة إلى إجراء التجارب النووية وتطوير الأسلحة الذرية لقد دافعت الحكومة الصينية بصفة مستمرة عن النظرية التى تنادى بحظر استعمال الأسلحة النووية حظرا تاما، وبتدميرها تدميرا شاملا ولو أن ذلك قد حدث، لما وجدت الصين نفسها فى حاجة إلى صنع أسلحة ذرية غير أن هذا الموقف الذى تبيناه قد اصطدم بالمقاومة الشديدة من جانب الاستعماريين الأمريكيين ولقد أكدت الحكومة الصينية منذ فترة طويلة أن معاهدة الحظر الجزئى للتجارب النووية التى وقعت عليها الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى والاتحاد السوفيتى فى موسكو فى يوليه سنة 1963 لم تكن إلا خدعة كبرى هدفها مغالطة شعوب العالم، وأن هذه المعاهدة تعنى تدعيم احتكار هذه الدول النووية الكبرى الثلاث للأسلحة النووية وشل حركة الأمم المحبة للسلام كما أكدت الحكومة الصينية أن هذه المساعدة لم تخفف من حدة التهديد النووى الأمريكى للصين وللعالم أجمع، بل على العكس ضاعفت هذا التهديد ولم تخف الحكومة الأمريكية منذ اللحظة الأولى أن المعاهدة لن تحول دون قيام الولايات المتحدة بتجارب نووية تحت سطح الأرض، أو استخدام الأسلحة النووية أو تخزينها أو تصديرها أو نشرها فى العالم وفى أحداث العام الماضى ما يكفى لتأكيد ذلك ففى خلال العام الماضى، لم تتوقف الولايات المتحدة عن إنتاج أسلحة نووية متنوعة، مستندة فى ذلك إلى نتائج التجارب النووية التى سبق أن قامت بها فضلا عن ذلك، فإن الولايات المتحدة ـ فى سعيها المستمر وراء الوصول إلى درجة أكبر من الكمال ـ قد قامت فى خلال هذه الحقبة بعشرات من التجارب النووية والولايات المتحدة بمرابطة غواصاتها النووية فى المياه اليابانية، تهدد بطريق مباشر، الشعبين اليابانى والصينى بل وكافة شعوب الأمم الأسيوية الأخرى وتقوم الولايات المتحدة الآن بوضع الأسلحة النووية بين أيدى الألمان الغربيين الانتقاميين بفضل ما يسمى القوة النووية المتعددة الأطراف وهى بذلك تهدد أمن جمهورية ألمانيا الديمقراطية وغيرها من الدول الاشتراكية فى شرق أوروبا وأن الغواصات الأمريكية الحاملة لقذائف ـ بولاريس ـ ذات الرؤوس النووية تطوف الآن فى مضيق فورموزا وخليج تونكين والبحر الأبيض المتوسط والمحيط الهادى والمحيط الهندى والمحيط الأطلنطى، مهددة فى كل مكان الأمم المحبة للسلام وكافة الدول التى تكافح ضد الإمبريالية والاستعمار الجديد وفى مثل هذه الظروف، كيف يمكن أن نعتبر أن الضغط النووى الأمريكى للشعوب قد انتهى، استنادا فقط إلى الانطباع الخاطئ الذى خلقه الموقف المؤقت للتجارب الذرية الأمريكية فى الجو؟ إن القنبلة الذرية ـ نمر من ورق ـ :
هذا التصريح الشهير للرئيس ماوتسى تونج معروف لدى الجميع، لقد كان ولا يزال يعبر عن وجهة نظرنا فالصين تصنع أسلحة ذرية لا لأنها تؤمن بجبروتها ولا لأنها تنوى استخدامها، بل أن الواقع عكس ذلك تماما، فإن هدف الصين من وراء صنع أسلحة ذرية هو إنهاء احتكار الدول النووية الكبرى للأسلحة النووية والقضاء على تلك الأسلحة أن الحكومة الصينية مخلصة للماركسية ـ اللينينية وللدولية البروليتارية إنها تؤمن بالشعب أن الشعب هو الذى يقرر مصير الصين أن شعوب العالم ـ وليست الأسلحة النووية ـ هى التى تقرر مصير العالم وأن الأسلحة النووية التى تصنعها الصين هدفها الدفاع عن الشعب الصينى وحمايته من خطر قيام الولايات المتحدة بشن حرب نووية وأن الحكومة الصينية تعلن صراحة أن الصين لن تكون الأولى فى استخدام الأسلحة النووية فى أى وقت ومهما كانت الظروف إن الشعب الصينى يؤيد بقوة كفاح جميع الأمم المضطهدة وجميع شعوب العالم من أجل التحرر ونحن مقتنعون بأن الشعوب سوف تنتصر فى النهاية بفضل كفاحها ومساعدتها لبعضها وأن حصول الصين على السلاح النووى فيه تشجيع كبير للشعوب الثورية فى العالم وفيه مساهمة كبرى فى قضية الدفاع عن السلام العالمى وفيما يتعلق بالأسلحة الذرية، لن ترتكب الصين أبدا خطأ الوقوع فى ـ سياسة المغامرة ـ أو فى ـ سياسة الاستسلام ـ ويمكن الوثوق بالشعب الصينى إن الحكومة الصينية تدرك تماما أمانى الدول المحبة للسلام وأمانى الشعوب فيما يختص بوقف التجارب النووية غير أن عددا متزايدا من الدول أصبح يدرك أنه كلما زاد تمسك الاستعماريين الأمريكيين وشركائهم باحتكارهم النووى زاد خطر قيام حرب نووية إذ أنهم يملكون هذا السلاح وأنتم لا تملكونه هذا هو سبب غرورهم وتعجرفهم ولكن متى حصل معارضوهم على هذا السلاح فإن الأمريكيين لن ينظروا إليهم بمثل هذا الاستخفاف، ولن تكون لسياساتهم القائمة على الضغط والتهديد النووى مثل هذه الفاعلية وسوف يزداد احتمال التوصل إلى حظر تام للأسلحة النووية، وتدمير شامل للموجود منها ونحن نتمنى بإخلاص إلا تقع حرب نووية وأننا لواثقين من أنه طالما كانت الدول المحبة للسلام وشعوب العالم تكافح كفاحا مشتركا، فإنه يمكن تلافى وقوع حرب نووية إن الحكومة الصينية تقترح رسميا على جميع الحكومات فى العالم أن يعقد مؤتمر على مستوى القمة تشترك فيه جميع الدول فى العالم لمناقشة مسألة الحظر التام والتدمير الشامل للأسلحة النووية، وأن يتوصل هذا المؤتمر كخطوة أولى إلى اتفاق يقضى بأن الدول النووية الكبرى والدول التى سوف تصبح قريبا من القوى النووية تتعهد بالا تستخدم الأسلحة النووية ضد الدول التى لا تملك هذه الأسلحة، أو المناطق المجردة من الأسلحة النووية، أو ضد بعضها والبعض الآخر فإذا كانت الدول التى تملك الأسلحة النووية بكميات كبيرة لا تريد حتى أن تتعهد بعدم استخدامها، فكيف يمكن أن ينتظر من الدول التى لا زالت تملك هذا السلاح أن تصدق أن الدول التى تملكه ترغب بإخلاص فى المحافظة على السلام، أو أن تنتظر منها إلا أن تتخذ كافة الإجراءات المستطاعة اللازمة للدفاع؟
ولن تتوقف الحكومة الصينية ـ كما فعلت دائما ـ عن السعى وراء تحقيق الهدف النبيل الذى يتمثل فى الحظر التام والتدمير الشامل للأسلحة النووية عن طريق المشاورات الدولية وحتى حلول هذا اليوم، سوف تستمر الحكومة الصينية والشعب الصينى بقوة وبحزم فى السعى وراء تحقيق هدفهم الخاص، وهو تقوية دفاعهم القومى من أجل المحافظة على الوطن الأم والسلام العالمى ونحن مقتنعون بأن الإنسان، وهو على أية حال صاحب الفضل فى اختراع الأسلحة النووية، سوف يقضى عليها بالتأكيد ـ 2 ـ رسالة السيد شواين لاى رئيس وزراء جمهورية الصين الشعبية إلى جميع رؤساء الحكومات
(17 أكتوبر 1964) فى يوم 16 أكتوبر سنة 1964، فجرت الصين قنبلة ذرية، مسجلة بذلك أولى تجاربها النووية الناجحة وفى اليوم نفسه، نشرت الحكومة الصينية تصريحا بهذا الصدد بشرح موقف الصين من مسألة الأسلحة النووية إن الحكومة الصينية مقتنعة تماما بضرورة حظر الأسلحة النووية حظرا تاما وضرورة تدميرها ولقد أرغمت الصين على القيام بتجارب نووية وعلى تطوير الأسلحة النووية وأن الهدف الوحيد من وراء حيازة الصين للأسلحة النووية هو الدفاع عن الشعب الصينى وحمايته من التهديد النووى الذى تباشره الولايات المتحدة إن الحكومة الصينية تعلن رسميا، أن الصين لن تكون البادئة باستخدام الأسلحة النووية فى أى وقت، ومهما كانت الظروف وسوف تستمر الحكمة الصينية فى العمل جاهدة من أجل الحظر التام والتدمير الشامل للأسلحة النووية عن طريق المفاوضات الدولية ومن أجل ذلك تقدمت فى بلاغها بالاقتراح الآتى: عقد مؤتمر دولى على مستوى القمة لمناقشة مسألة الحظر التام والتدمير الشامل للأسلحة النووية ويتعين على هذا المؤتمر أن يتوصل ـ كخطوة أولى ـ إلى اتفاق تتعهد بموجبه الدول النووية الكبرى، أو الدول التى يحتمل أن تصبح قريبا من الدول النووية بعدم استخدام الأسلحة النووية ضد الدول التى لا تمتلك هذه الأسلحة أو المناطق المجردة منها، أو ضد الدول النووية الكبرى نفسها وأن الحيلولة دون نشوب حرب نووية، وضمان تدمير الأسلحة النووية، هى الأمانى المشتركة لجميع الدول المحبة للسلام ولشعوب العالم أجمع وتأمل الحكومة الصينية صادقة أن يلاقى اقتراحها قبولا، وأن تحصل على رد إيجابى من جانب حكومتكم ـ
3 ـ رد الجنرال دى جول رئيس الجمهورية الفرنسية على خطاب السيد شواين لاى المؤرخ 17 أكتوبر سنة 1964 (باريس، 28 أكتوبر سنة 1964)ـ ـ سيدى الرئيس:
لقد تفضلتم، فى خطابكم المؤرخ 17 أكتوبر الذى سلمه سفيركم فى فرنسا إلى السيد جورج بومبيدو، بإبلاغى بأن الصين قد قامت فى ـ 16 أكتوبر بتفجير قنبلة ذرية، كما أبلغتمونى فى نفس الوقت بنص بلاغ يشرح وجهة نظر حكومة الجمهورية الشعبية الصينية فيما يختص بمشكلة الأسلحة النووية ولى الشرف أن أحيطكم علما بوصول هاتين الوثيقتين اللتين ستقوم الحكومة الفرنسية بدراستها بعناية إن فرنسا من جانبها لم تتوقف ـ طوال هذه السنوات الأخيرة ـ عن الكشف عن تأييدها لنزع حقيقى للسلاح، وهذا يعنى بطبيعة الحال أو الأولوية تعطى لنزع السلاح النووى ولقد تقدمت (فرنسا) فى هذا الصدد ـ كلما جاءت المناسبة ـ باقتراحات محددة بخصوص القضاء أولا على الحاملات التى تستخدم، أو يمكن أن تستخدم، فى نقل الأسلحة النووية هذه الاقتراحات كانت تأخذ فى الاعتبار الصعوبات القائمة اليوم فى الكشف عن المخزون من هذا النوع من الأجهزة وفى الواقع أنه من الواضح أن نزع السلاح لا يمكن أن يدرك ولا يتحقق من الناحية العملية ما لم يكن مصحوبا برقابة فعالة وإن اتجاهات الحكومة الفرنسية لا تزال كما هى دون تغير وفضلا عن ذلك، فقد أوضحت (الحكومة الفرنسية)ـ فى عدة مناسبات أنها مستعدة تماما فى أى وقت للاشتراك فى كل مفاوضة جدية يمكن أن تنظم بين الدول المختصة والمسئولة من أجل مناقشة مشكلة نزع السلاح على أساس بناء وعملى وتفضلوا يا سيدى الرئيس، بقبول فائق احترامى ـ إمضاءشدى جول ـ
4 ـ رد السيد كوسيجين رئيس مجلس وزراء الاتحاد السوفيتى على خطاب السيد شواين لاى المؤرخ 17 أكتوبر سنة 1964 (موسكو 28 ديسمبر سنة 1964):
لقد درست حكومة الاتحاد السوفيتى بعناية خطابكم المؤرخ 17 أكتوبر سنة 1964 هذا الخطاب اقترح أن يعقد مؤتمر قمة من جميع أمم العالم لمناقشة مسألة الحظر التام والتدمير الشامل للأسلحة النووية، وأن تقرر جميع الدول وتتعهد ـ كخطورة أولى ـ بالا تستخدم الأسلحة النووية وتريد الحكومة السوفيتية أن تعبر عن وجهة نظرها الخاصة فى هذه النقطة:
إن الحكومة السوفيتية تعتبر أن أهم واجب يقع حاليا على عاتق جميع الدول كافة هو تحرير البشرية من خطر قيام حرب نووية وكما هو معروف عامة، فإنه فى تاريخ مبكر يرجع إلى سنة 1946، حينما لم يكن الاتحاد السوفيتى يملك أسلحة نووية، تقدمت الحكومة السوفيتية لاقتراح يؤيد الحظر الدائم للأسلحة الذرية وتدمير المخزون الموجود منها، وبعد أن صنع الاتحاد السوفيتى قنابله الخاصة، ظل موقفه دائما فى صف حظر الأسلحة النووية وحاملاتها وتدميرها تدميرا شاملا وفى ظل الظروف الحالية فإن تعزيز مجهودات من ينادون بوقف السباق على التسلح وبإيجاد حل لمشكلة نزع السلاح، والاهتمام بفرض ضغط متزايد على التجمعات الاستعمارية التى تعمل كل ما فى وسعها للحيلولة دون سير الأحداث فى هذا الاتجاه هذه مسائل على درجة عظيمة من الأهمية وقد أثارت هذه المسألة انتباه عدد متزايد من الأمم اليوم ـ وإلى جانب سعيها وراء أيجاد حل كامل لمسألة حظر الأسلحة النووية وتدميرها ونزع السلاح العام الكامل، تقترح حكومة الاتحاد السوفيتى أيضا أن تتخذ فورا التدابير التى يمكن أن تساهم منذ الآن فى وقف السباق على الأسلحة النووية وتحديدها وأن التوقيع على اتفاق دولى بين الأمم تتعهد بموجبه بعدم استخدام الأسلحة النووية بعد من بين لك التدابير أن هذا الاتفاق سوف يشكل خطوة هامة نحو حظر الأسلحة النووية وتدميرها تدميرا شاملا رفيقى رئيس الوزراء:
أن اقتراح حكومة جمهورية الصين الشعبية بعقد مؤتمر قمة من جميع دول العالم لمناقشة مسألة حظر الأسلحة النووية وتدميرها، وهو الاقتراح الذى تقدمتم فى خطابكم، يتمشى مع وجهة نظر حكومة الاتحاد السوفيتى وأن حكومة الاتحاد السوفيتى تعلن أنها متفقة تماما مع هذا الاقتراح وتؤيده أن حكومة الاتحاد السوفيتى مستعدة للاشتراك فى مؤتمر دولى لرؤساء الدول كافة لمناقشة موضوع حظر الأسلحة النووية وتدميرها تدميرا شاملا، وسوف تبذل (الحكومة السوفيتية)ـ ـ جنبا إلى جنب مع جميع الدول الاشتراكية وغيرها من الدول المحبة للسلام ـ كل ما فى وسعها لضمان انعقاد هذا المؤتمر ونجاحه وتقبلوا احترامى الهوامش:
(1)ـ ألقت أول قنبلة ذرية أمريكية على مدينة هيروشيما اليابانية فى 16 أغسطس سنة 1945 ثم فجرت أمريكا بعد ذلك أول قنبلة نووية فى أول نوفمبر 1952 أما روسيا فقد فجرت أول قنبلة ذرية لها فى سبتمبر 1946 أول قنبلة نووية فى أغسطس سنة 1953 ـ
(2)ـ انظر النيويورك تايمز عدد 29 أكتوبر سنة 1963 وجريدة الموند الفرنسية عدد 19و20 أكتوبر سنة 1963 ـ
(3)ـ انظر ما جاء بجريدة إسهامى اليابانية بعددها الصادر فى 16 مايو سنة 1965 ـ
(1)ـ انظر عدد الأهرام اليومى الصادر فى 16/5/1965 ص4 ـ
(1)ـ انظر ما نشرته وكالة رويتر فى 15 مايو سنة 1965 بشان تقرير إحدى لجان الكونجرس الفرعية: السياسات الواجب على كل من الولايات المتحدة وروسيا اتباعها إزاء السلاح الذرى الصينى أهم المراجع البحث: ـ ـ Fischer Gerges L ـ Interdiction partielle des essais nucleaires Annuaire francais du droit international volume 9 ـ 1963 ـ ـ Garthoff raymond sino soviet military relations ـ Annals of the american academy of political and social science September 1963 ـ ـ Halperin ـ mortoh China and the bomb Chinese nuclear strategy ـ the china Quarterly January ـ warch 1965 ـ ـ Harris william Chinese nuclear doctrine: The decadeprior to weapon development 1945 ـ 1955 The china quarterly, ـ january ـ march 1965 ـ ـ Huynh Tam ـ Am Les etats unis experimentent leurs nouvelles techniques de lutte contre la guerilla ـ Le monde diplomatique/mai 1962 ـ ـ langley hsich A communist china ـ s strategy in the nuclear era New jersey 1962 ـ ـ Peking review, No: 4 ـ 20 ـ 24 ـ 1960, No: 31 ـ 32 ـ 33 ـ 35 ـ 36 ـ 1963 No: 32 ـ 42 ـ 44 ـ 1964 ـ ـ Thornton thomas perry Communitst china and nuclear weapons Military review fort lavenworth Sep 1964 ـ ـ تصريح حكومة جمهورية الصين الشعبية بخصوص تفجير القنبلة الذرية الصينية (بكين 16 أكتوبر 1964)
رسالة السيد شواين لأى رئيس وزراء جمهورية الصين الشعبية إلى جميع رؤساء الحكومات
(17 أكتوبر 1964) البيان الرسمى الصادر فى 14 مايو 1965 عقب تفجير الصين قنبلتها الذرية الثانية.