Share |
ابريل 1969
1
الجمود والتغيير فى منظمة الدول الأمريكية
المصدر: السياسة الدولية

تمر منظمة الدول الأمريكية بمرحلة حاسمة فى تاريخ تطورها.
فقد شعر الجميع بأنها فى حاجة إلى التغيير الجذرى لمسايرة التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى تجتاح أمريكا اللاتينية بأكملها، خصوصا منذ ثورة كوبا عام 1959.
وقد شهد عام 1967 مؤتمرين لمنظمة الدول الأمريكية كان لهما بالغ الأثر فى دفع عملية التغيير المنشود إلى الأمام وهما:
مؤتمر بوينوس ايروس فى فبراير 1967 ومؤتمر القمة الذى عقد فى بونتا دل استى فى أبريل من نفس العام. والجدير بالذكر أن الرغبة فى تغيير المنظمة التى تضم الولايات المتحدة ودول أمريكا اللاتينية بدأت مع نشأة هذه المنظمة ذاتها.
ولذلك يحسن أن نذكر بإيجاز أهم مراحل تطور فكرة الوحدة الأمريكية لكى نستطيع تقدير مدى التغيرات الأخيرة.
من المألوف إسناد قيام حركة التضامن الأمريكى ال مبدأ مونرو الذى أعلنه الرئيس الأمريكى مونرو عام 1823.(1) إلا أن هذا المبدأ لحقه تطور كبير فالهدف الأساسى للرئيس مونرو تمثل فى ضرورة وضع للتدخل الأوروبى فى شئون القارة الأمريكية فقد كان أذن هدفا سلبيا فى حد ذاته وإن كان هذا الهدف السلبى يتضمن فى الواقع رغبة الولايات المتحدة فى تحويل أمريكا اللاتينية إلى منطقة نفوذ وقد سيطرت هذه الفكرة على جون كوينسى ادامز، وزير الخارجية الأمريكية فى عهد مونرو .(2)
ومنذ 1845 اتخذ مبدأ مونرو صفة إيجابية هامة، وهى حق الولايات المتحدة فى التدخل فى شئون أمريكا اللاتينية. ونتجت عن هذه الصفة الإيجابية الجديدة سياسة التوسع والنفوذ الأمريكى فى هذه المنطقة.
وقد صرح افيريت، وزير خارجية الولايات المتحدة فى يناير 1853 بأن مصير المستعمرات الأوروبية فى القارة الأمريكية مصيرها أن تقع تحت قبضة الولايات المتحدة.(3)
وبعد توطيد أركان الوحدة الوطنية فى الولايات المتحدة عقب الحرب الأهلية (حرب الانفصال) شهدت الولايات المتحدة تقدما اقتصاديا ضخما لا نجد له مثيلا فى التاريخ من حيث المدى والسرعة.
وقد شمل التقدم جميع فروع الإنتاج دفعة واحدة، وشعر الأمريكيون بقوتهم التى ولدت فى نفوسهم روح العظمة والزهو دفعتهم إلى الخروج عن الإطار الانعزالى، ذلك الإطار الذى فرضته ظروف تنمية الولايات المتحدة فى الداخل وتوطيد أركان الدولة الاقتصادية والسياسية.
نتيجة لهذا التطور العظيم شعرت الولايات المتحدة بضرورة ملحة فى أن تقوم بدور هام على مسرح السياسية الدولية وبرز دورها هذا منذ السبعينات من القرن الماضى حين اتجهت الولايات المتحدة إلى التوسع الخارجى الذى تركز فى منطقتين رئيسيين: منطقة البحر الكاريبى وأمريكا اللاتينية، ومنطقة المحيط الهادى والشرق الأقصى.
ولا يعنينا هنا سوى المنطقة الأولى.
فابتداء من الثلث الأخير من القرن التاسع عشر أزداد التداخل الأمريكى فى شئون أمريكا الوسطى والجنوبية.
ففى 1870-1871 فرضت الولايات المتحدة وساطتها فى النزاع بين أسبانيا من جانب والإكوادور وبيرو وشيلى من الجانب الآخر.
وفى 1880-1882 فرضت الحكومة الأمريكية وساطتها لتسوية الحرب بين شيلى من جانب وبيرو وبوليفيا من الجانب الآخر.
وكان وزير الخارجية الأمريكية جيمس بلين من أشد المتحمسين لفكرة الوحدة الأمريكية.
ويتضح من تصريحاته أن الهدف من تحقيق هذه الفكرة هو خدمة المصالح التجارية الأمريكية.
ففى نوفمبر 1881 دعا جيمس بلين 18 دولة أمريكية لحضور مؤتمر يعقد فى واشنطون فى 1882 لمناقشة التدابير الخاصة لمنع الحرب بين الدول الأمريكية وجاء على لسان بلين أن الهدف من دعوة هذا المؤتمر هو إقرار السلام ومنع الحروب فى شمال وجنوب القارة الأمريكية وتشجيع العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة ودول أمريكا اللاتينية الأمر الذى يؤدى إلى زيادة الصادرات الأمريكية إلى هذه الدول .(4)
وقد تأجلت دعوة المؤتمر إلى الانعقاد إلى عام 1889 لأسباب داخلية فى الولايات المتحدة وفى عام 1888 طلب الكونجرس من الرئيس الأمريكى دعوة مؤتمر للدول الأمريكية فى واشنطون فى أكتوبر 1889.
وكان واضحا من جدول أعمال المؤتمر، كما وضعه الكونجرس والحكومة الأمريكية، أن الولايات المتحدة تسعى إلى فرض سيطرتها على دول القارة الأمريكية فى إطار منظمة إقليمية، أو بالأحرى قارية فقد اقترحت الحكومة الأمريكية إقامة اتحاد جمركى ونقدى بين أعضاء المنظمة وإنشاء خط جديد قارى يربط الأرجنتين بالمكسيك، وقبول مبدأ التحكم الإجبارى لفض المنازعات بين الدول الأعضاء ونحن نعلم أنه إذا ارتبطت اقتصاديات متخلفة باقتصاد متقدم وثاب ينتهى الأمر بسيطرة الاقتصاد المتقدم على الاقتصاديات المتخلفة.
وقد أبدت دول أمريكا اللاتينية تحفظات كثيرة على خطة الولايات المتحدة، فقد لمست فيها رغبة السيطرة والتسلط.
فرفضت الاتحاد الجمركى و اقترحت بدلا منه إبرام معاهدات ثنائية على أساس المعاملة بالمثل.
وتم الاتفاق على مشروع معاهدة للتحكيم الإجبارى ولكن لم يصدق علية ولم يسفر المؤتمر إلا عن إنشاء مكتب الجمهوريات الأمريكية (5) ومقره واشنطون:
يتكون من الممثلين الدبلوماسيين لهذه الجمهوريات فى العاصمة الأمريكية، ويكون من وظيفته العمل على توطيد العلاقات بين الدول الأعضاء والتمهيد بعقد مؤتمرات أخرى.
أن فشل الولايات المتحدة فى 1889 فى إنشاء منظمة أمريكية خاضعة لسيطرتها يرجع إلى أن تنفيذ هذه السياسة كان سابقا لأوانه خصوصا من الناحية الاقتصادية فرؤوس الأموال الأمريكية الموظفة فى الخارج كانت ضئيلة نسبيا نظرا لاتساع مجال استثمارها داخل الولايات المتحدة.
غير أن تدخل الولايات المتحدة الإيجابى فى شئون القارة الأمريكية صادفه نجاح ملموس بعد ذلك فى ثلاث قضايا هى: النزاع البريطانى الفنزويلى، قضية قناة بنما.
ولسنا هنا بصد دراسة النزاع بين بريطانيا وفنزويلا حول الحدود بين غانا البريطانية وفنزويلا .(6)
يكفى أن نذكر أن الحكومة الأمريكية أصدرت بيانا فى غاية الأهمية، فى 20 يوليو 1895، يؤكد حقها فى التدخل فى سائر المنازعات الإقليمية التى تثار فى القارة الأمريكية، و أكدت أنها لن تقبل أن تتنازل دول القارة عن حقوقها الإقليمية لصالح دولة أوروبية، ولو كان هذا التنازل عن رضا واتفاق.
واضطرت الدول الأوروبية التى كانت تتنافس فيما بينها فى الميدان الاستعمارى فى أفريقيا وفى آسيا إلى قبول هذه السياسة.
ولم تقف سياسة التدخل الأمريكى عند هذا الحد ولكنها اتخذت طابعا استعماريا تقليديا ألا وهو الاستيلاء على أقاليم كانت مملوكة لدول أوروبية ضعيفة واهم مثال لذلك قضية كوبا.(7)
وقد تكيفت السياسة الأمريكية تجاه كوبا بعاملين أساسين: أولا:
عامل اقتصادى.
فالولايات المتحدة كانت فى حاجة إلى المنتجات الكوبية وعلى رأسها السكر والتبغ، كما أن مناجم الحديد الكوبية كانت محل مطمع الرأسماليين الأمريكيين.
وظهر اتجاه قوى فى الولايات المتحدة، خصوصا فى المناطق الصناعية فى الشمال إلى ضرورة ضم كوبا وبويرتو ريكو إلى الولايات المتحدة محافظة على رؤوس الأموال الأمريكية المستثمرة فى هذين الإقليمين.
ثانيا: عامل إستراتيجى.
فإن السيطرة على كوبا يعتبر شرطا أساسيا للسيطرة على منطقة البحر الكاريبى بأكملها.
ولذلك سعت الحكومة الأمريكية إلى ضم كوبا وبويرتو ريكو إليها، أو على الأقل إقامة حكومات وطنية بها تكون موالية تماما للولايات المتحدة.
وانتهزت الحكومة الأمريكية حادث انفجار باخرة أمريكية فى ميناء هافانا لإعلان الحرب ضد أسبانيا فى يوليو 1898تلك الحرب التى انتهت بهزيمة أسبانيا وإبرام معاهدة باريس فى ديسمبر 1898 والتى اعترفت فيها أسبانيا باستقلال كوبا، وتنازلت عن بويرتو ريكو للولايات المتحدة (كما تنازلت أسبانيا عن الفيليبين وجزيرة غوام فى المحيط الهادى مقابل عشرين مليون دولار.
ولكن استقلال كوبا كان استقلالا رسميا إذ أن الكونجرس الأمريكى، عند تصديقه على معاهدة باريس المذكورة وضع قيودا هامة على هذا الاستقلال.
فقد تعهدت حكومة كوبا الجديدة بعدم إبرام معاهدات مع دول أجنبية تقيد استقلالها.
وتعهدت بعدم الترخيص للدول الأجنبية بإقامة قواعد عسكرية فى أراضيها، كما اعترفت بحق الولايات المتحدة فى التدخل لحماية استقلال كوبا.
أكثر من ذلك اعترفت كوبا بحق الولايات المتحدة فى التدخل لحماية أية حكومة كوبية ترى الولايات المتحدة إنها قادرة على المحافظة على حياة وممتلكات وحرية المواطنين.(8) نلمس هنا تدخلا سافرا ليس فقط فى توجيه سياسة كوبا الخارجية، ولكن أيضا فى شئون الجزيرة الداخلية.
علاوة على ذلك أقامت الولايات المتحدة قواعد عسكرية وبحرية فى الجزيرة أهمها قاعدة عسكرية وبحرية فى الجزيرة أهمها قاعدة غوانتانلمو التى تسيطر على خليج المكسيك، بالإضافة إلى حصول الولايات المتحدة على امتيازات اقتصادية وتجارية حيوية وهكذا أوقعت كوبا تحت السيطرة الفعلية للولايات المتحدة, وأن احتفظت باستقلالها القانونى.
وسوف تخضع سائر دول أمريكا الوسطى وإلى حد ما دول أمريكا الجنوبية لهذه السيطرة الأمريكية الفعلية.
بعد توسع الولايات المتحدة فى البحر الكاربيى وفى المحيط الهادى، ظهرت ضرورة السيطرة على خطوط المواصلات التى تربط بين المحيطين الهادى والأطلنطى، وبصفة خاصة السيطرة على القناة المزمع حفرها فى بنما.
وربما نكون أكثر دقة إذا قلنا أن توسع الولايات المتحدة فى البحر الكاريبى وفى المحيط الهادى والسيطرة على قناة بنما كان بناء على نظرية جيوبولوتيكية نادى بها ماهان وتقول أنه فى ميدان توازن القوى الدولى فإن الدول البحرية تتفوق على الدول البرية.(9)
وقد انعكست رغبة الولايات المتحدة فى السيطرة على قناة بنما على نصوص معاهدة هاى بونسفوت فى 1901 التى وإن اعترفت بمبدأ حياد القناة نصت على حق الولايات المتحدة فى قمع الاضطرابات التى قد تنشأ فى منطقة القناة وفعلا قامت الولايات المتحدة فى 1903 بتشجيع ومساعدة الحركة الانفصالية فى بنما وكانت تابعة لكولومبيا حتى ذلك التاريخ.
ووضعت بنما تحت الوصاية الفعلية للولايات المتحدة.وهكذا تمكنت الولايات المتحدة بفصل سيطرتها على دولة بنما الجديدة من السيطرة على حلقة الاتصال بين المحيطين الهادى والأطلنطى وتوحيد قواتها البحرية فى المحيطين.(10)
ومنذ أوائل القرن العشرين وحتى الثلاثينات من هذا القرن عملت الولايات المتحدة على تدعيم سيطرتها على دول أمريكا اللاتينية، وبصفة خاصة دول أمريكا الوسطى، حتى أن هذه السياسة اقتضت تعديلا لمبدأ مونرو أعلنه الرئيس تيودور روزفلت فى 1904(11).
فقد أعلن روزفلت أنه لما كانت الولايات المتحدة، بمقتضى مبدأ مونرو، لن تسمح للدول الأوروبية بأن تتخذ أى إجراء عنيف (استخدام القوة) ضد هذه الشعوب الصغيرة المتمردة التى لا تسدد ما عليها من ديون أو تستولى على ممتلكات الأجانب أو تسىء معاملة الأجانب المقيمين بها.
فقد وضع هذا على كاهل الأمريكيين مسئوليات لا مفر منها.
ولسوف تتولى الولايات المتحدة بنفسها مهمة مراقبة سلوك هذه الجمهوريات وأضاف قائلا أن قيام أية اضطرابات فى دول من القارة الأمريكية سوف يقتضى التدخل بالقوة من جانب الولايات المتحدة عملا بمبدأ مونرو أى أن الولايات المحتدة خولت لنفسها سلطة البوليس الدولى فى القارة الأمريكية واستمرت هذه السياسة فى عهد الرئيس تافت من 1909 إلى1913 وإن كان هذا التوسع فى مفهوم مبدأ مونرو لم يبق عملا إلا فى أمريكا الوسطى ودول البحر الكاريبى.
ففى أمريكا الوسطى كانت سيطرة رأس المال الأمريكى شبه مطلقة.
واستثمر الأمريكيون أموالهم فى مزارع القصب والموز، وخصوصا فى صناعة التعدين: البترول فى المكسيك وغواتيمالا، الذهب فى نيكاراجوا وكوستاريكا، الفضة فى السلفادور، بالإضافة إلى الأشغال العامة مثل إنشاء السكك الحدية ومحطات توليد الكهرباء، وأكثر من ذلك كله امتلاك وإدارة قناة بنما الدولية.
وفى 1916 احتلت القوات الأمريكية جمهورية الدومينيكان لقمع حركات التحرر التى كانت تهدد رؤوس الأموال المستثمرة فى هذه الدولة.
ولم تجل القوات الأمريكية عن الدومينيكان إلا فى 1924 بعد أن تكونت حكومة موالية للولايات المتحدة.
وكذلك الحال فى هندوراس.
ففى 1923 قامت ثورة فى البلاد تمخضت عن تكون حكومة وطنية مناهضة لكل تدخل أجنبى، خصوصا الولايات المتحدة.
عندئذ قامت قوة أمريكية باحتلال البلاد وفرضت عليها انتخابات حرة على حد تعبير السلطات الأمريكية، فى ظل قوات الاحتلال.
وبطبيعة الحال تمخضت هذه الانتخابات عن تكوين حكومة فى هندوراس موالية للولايات المتحدة.
وفى المكسيك كانت الشركات الأمريكية تحتكر الصناعة البترولية وتملك جزء كبيرا من مناجم الفضة والنحاس والزنك كما أن التبادل التجارى بين المكسيك والولايات المتحدة كان فى حدود 70 فى المائة بالنسبة للواردات و 75 فى المائة بالنسبة للصادرات.
وقد بذلت عدة محاولات فى المكسيك لتخلص من هذه السيطرة الأمريكية وأهم هذه المحاولات النص فى دستور 1917 على ملكية الدولة لجميع الثروات المعدنية فى البلاد وحق الدولة فى تأميم الشركات الأجنبية التى تستغل هذه الثروات مقابل تعويض عادل كما نص الدستور أيضا على أن الشركات الأجنبية التى تستمر فى استغلال هذه الثروات يجب أن تتنازل عن حق الحماية الدبلوماسية إذا ثار نزاع بينها وبين حكومة المكسيك حول عقود الامتياز.
إزاء ذلك قامت الشركات الأمريكية بتشجيع انقلاب فى المكسيك فى 1920.
ولكن الروح الوطنية فى المكسيك كانت قوية للغاية وجاءت حكومة وطنية جديدة فى 1925 أصرت على تطبيق نصوص الدستور فيما يتعلق بتأميم شركات البترول الأمريكية.
وفى هذه المرة لم يأت الضغط من جانب هذه الشركات فحسب، ولكن تدخلت الحكومة الأمريكية مباشرة لإقناع حكومة المكسيك بعدم التعرض لشركات البترول الأمريكية.
وتحت هذا الضغط المزوج ابرم اتفاق مارس 1928 الذى نص على التزام المكسيك بإعطاء امتيازات غير محددة المدة للشركات البترولية الأمريكية التى بدأت نشاطها قبل دستور 1917.
وفى نيكاراجوا، اتخذت السيطرة الأمريكية صورة التدخل العسكرى.
ففى 1911 احتلت القوات الأمريكية البلاد بحجة قمع الاضطرابات التى قامت فيها.
وفى 1923 وعدت الحكومة الأمريكية بالجلاء عن نيكاراجوا فى حالة تكوين ديمقراطية عن طريق الانتخاب الحر.
وتمت الانتخابات فعلا تحت الإشراف الفنى لموظف أمريكى وتحت رقابة قوات الاحتلال الأمريكى.
وبطبيعة الحال تمخضت هذه الانتخابات عن تكوين حكومة موالية تماما للولايات المتحدة.
عندئذ انسحبت القوات الأمريكية من الإقليم.
ولكن وقع انقلاب آخر عقب انسحابها أطاح بحكومة نيكاراجوا وقيام حكومة وطنية فتدخلت القوات الأمريكية مرة أخرى، ولم تنسحب إلا فى 1926 بعد إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الانقلاب.
وعادت القوات الأمريكية مرة أخرى إلى نيكاراجوا فى 1928 لقمع انقلاب وطنى جديد وانسحبت القوات الأمريكية فى 1932 بالرغم من استمرار مقاومة عناصر ثورية وطنية للتدخل الأمريكى.
والسبب فى ذلك أنه ابتداء من 1928 عدلت الحكومة الأمريكية برئاسة هوفر عن سياسة التدخل العسكرى فى أمريكا الوسطى مكتفية بالسيطرة المالية والاقتصادية
وهى السياسة التى اتبعها الرئيس فرانكلين روزفلت فى الثلاثينات فاقترنت باسمه وأطلق عليها اصطلاحا سياسة حسن الجوار كما سنرى.
واضح مما تقدم أن سيطرة الولايات المتحدة على دول أمريكا الوسطى كانت مطلقة من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، بل ومن الناحية العسكرية أيضا.
إلا أنه يلاحظ أن أساليب السيطرة اختلفت إلى حد ما:
فحتى عهد هوفر أتخذ التدخل صورة عسكرية فى الغالب تطبيق المفهوم الرئيس تيودور روزفلت لمبدأ مونرو كما ذكرنا.
ولكن منذ عهد هوفر اتخذ التدخل صورة السيطرة الاقتصادية والمالية، أو ما يطلق عليها عادة الاصطلاح دبلوماسية الدولار.
ولتأكيد هذه السيطرة و إبعاد دول أمريكا الوسطى من الالتجاء إلى عصبة الأمم التى تسيطر عليها الدول الأوروبية دعت الولايات المتحدة دول أمريكا الوسطى إلى مؤتمر فى واشنطون عام 1922 لإنشاء تنظيم دولى جديد يضمها جميعها ويربطها بالولايات المتحدة.
وتمخض المؤتمر عن التوقيع على 12 اتفاقية دولية أهمها الاتفاق على ضرورة نزع سلاح المنطقة، وفض المنازعات فيما بين الدول الأعضاء بالطرق السلمية.
ولهذا الغرض أنشئت محكمة أمريكا الوسطى للقيام بمهمة التحكم بين هذه الجمهوريات، كما أنشئت لجنة لتحقيق وأهم من ذلك من الناحية السياسية أن دول أمريكا الوسطى اتفقت على عدم الاعتراف بأية حكومة ثورية لا تأتى إلى حكم بالطرق الدستورية.
أما بالنسبة لأمريكا الجنوبية فلم يبلغ تدخل الولايات المتحدة فى بلاد هذه المنطقة درجة تدخلها فى شئون أمريكا الوسطى.
فلم تتدخل الولايات المتحدة عسكرية فى أمريكا الجنوبية كما فعلت فى أمريكا الوسطى واكتفت بفرض نفوذها المالى والاقتصادى عن طريق الشركات الأمريكية الكبرى، وفرض نفوذها السياسى عن طريق توجيه حركة الوحدة الأمريكية وجهة سياسية بعد أن كانت مقصورة على تنسيق النشاط الثقافى والتجارى لهذه الدول.
إلا أنه فى هذا الصدد وجد التدخل الأمريكى مقاومة عنيدة من جانب دول أمريكا الجنوبية واتضحت هذه المقاومة فى مؤتمر الوحدة الأمريكية الذى أنعقد فى سنتياغو (شيلى) فى 1923.
وتمخض هذا المؤتمر عن إبرام معاهدة جماعية، هى معاهدة غوندرا، حلت محل المعاهدات الثنائية العديدة التى كانت تربط دول أمريكا اللاتينية.
ونصت معاهدة غوندرا على ضرورة فض المنازعات بين الدول الأعضاء فى المنظمة، والتى تتعذر تسويتها بالطرق الدبلوماسية العادية بعرضها على لجنة تحقيق مستقلة، وإلى أن تبت هذه اللجنة فى النزاع يتعين على الدول الأطراف فى النزاع عدم الالتجاء إلى القوة.
وكانت الولايات المتحدة تهدف من وراء هذا النص إلى منع دول أمريكا اللاتينية من الالتجاء إلى عصبة الأمم، وأن تقوم هى بدور الوسط بين دول أمريكا اللاتينية وبالتالى يقوى نفوذها السياسى (مازالت هذه الرغبة قائمة فى ظل الأمم المتحدة).
ولكن هذه السياسة فشلت إلى حد ما وذلك لأن دول أمريكا اللاتينية أرادت تأكيد مبدأ الحرية والمساواة بين الدول الأعضاء فى المنظمة، بينما الولايات المتحدة كانت تهدف إلى قرض رقابتها وإشرافها على جميع شئون أمريكا اللاتينية ويتضح ذلك بمقارنة طريقة تسوية النزاع بين شيلى وبيرو وبوليفيا بخصوص إقليمى تكنا وأمريكا وطريقة تسوية النزاع بين بوليفة وباراجواى بخصوص إقليم شاكو.
فبالنسبة للنزاع الأول لم تتدخل عصبة الأمم على إطلاق، أما بالنسبة للنزاع الثانى فقد تدخلت العصبة ولكن بطريقة لا تضايق الولايات المتحدة.
وهنا يتبادر سؤال هام:
لماذا تدخلت عصبة الأمم فى النزاع بخصوص إقليم شاكو ، ذلك النزاع الذى استمر حتى 1938؟ السبب فى ذلك أن دول أمريكا اللاتينية أرادت اختبار مدى مقدرة العصبة على التدخل لفض المنازعات الدولية بالطرق السلمية فى القارة الأمريكية.
وخشيت العصبة أنه إذا امتنعت عن التدخل فإن هذا قد يدعو دول أمريكا اللاتينية إلى الانسحاب من المنظمة.ولذلك قرت التدخل من حيث المبدأ فقط، وعرضت وساطتها لتسوية النزاع بطريقة تتلافى انسحاب دول أمريكا اللاتينية منها من جانب، وعدم مضايقة الولايات المتحدة من الجانب الآخر.
وقررت عصبة الأمم أن تقوم لجنة تحقيق أمريكية وهى لجنة منبثقة من منظمة الوحدة الأمريكية، بتسوية النزاع معنى ذلك أن عصبة الأمم تركت أولوية فض المنازعات بين الدول الأمريكية لمنظمة الوحدة الأمريكية.
وعندما شعرت دول أمريكا اللاتينية بعجز العصبة فى هذا الصدد توقفت عن القيام بأى نشاط إيجابى فى دوائر العصبة (12).
سياسة حسن الجوار (13) :
ذكرنا أن الحكومة الأمريكية بدأت تشعر خصوصا بعد مؤتمر هافانا الذى عقد فى 1928 بأن سياسة التخلى السافر (بصفة خاصة فى صورته العسكرية) فى شئون دول أمريكا اللاتينية هى السبب الرئيسى فى زيادة حدة التوتر بين هذه الدول والولايات المتحدة.
ولذلك قررت الحكومة الأمريكية الإقلاع عن هذه السياسة اتباع سياسة أخرى أكثر مرونة مهدت الطريق إلى ما يسمى بسياسة حسن الجوار التى طبقها الرئيس فرانكلين روزفلت بانتظام ابتداء من 1933 تحت تأثير الأزمة الاقتصادية العالمية التى اجتاحت العالم اجمع من 1929 إلى 1935 وكان مؤتمر هافانا لمنظمة الوحدة الأمريكية نقطة انطلاق لهذه السياسة الجديدة.
لقد بحث مؤتمر هافانا المذكور عدة مسائل ووافق على تقنين بعض قواعد القانون الدولى العام والقانون الخاص وفقا لمشروعات العام والقانون الدولى الخاص وفقا لمشروعات سبق أن أعدتها لجنة القانونيين الأمريكيين.(14)
ولكن أهم موضوع كان مطروحا على المؤتمر هو موضوع مبدأ عدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول صحيح أنه تحت ضغط الولايات المتحدة تقرر تأجيل بحث هذا الموضوع إلى مؤتمر مونتى فيديو فى 1933، ولكن المناقشة التى دارت فى مؤتمر هافانا كان لها صدى عميق فى الدوائر السياسية الأمريكية، فقد ثبت لها أن سياسة التدخل السافر فى شئون أمريكا اللاتينية، وبصفة خاصة التدخل العسكرى، هى سياسة بغيضة فى نظر شعوب المنطقة وأنها سوف تلقى مقاومة عنيدة.
وقد بدأ التحول واضحا فى الدبلوماسية الأمريكية عقب مؤتمر مباشر فقد أعدت وزارة الخارجية الأمريكية مذكرة فى 1928 (لم تنشر إلا فى1930) تدعى مذكرة كلارك بخصوص مبدأ مونرو جاء فيها:
أن مبدأ مونرو يتناول علاقات الولايات المتحدة بالدول الأوروبية، وليس علاقات الولايات المتحدة بدول أمريكا اللاتينية يلاحظ أن مذكرة كلارك لم تذكر صراحة أن سياسة التدخل الأمريكى السافر فى شئون أمريكا اللاتينية هى سياسة خاطئة، بكل ما أكدته أن هذا التدخل لا يستند إلى مبدأ مونرو.
ولكن حيث أن التدخل تم بناء على تفسير الرئيس روزفلت لمبدأ مونرو فى 1904، وحيث أن هذا الأساس أصبح غير قائم وغير صحيح فى نظر وزارة الخارجية الأمريكية فإنه يستفاد من مذكرة كلارك أن الحكومة الأمريكية تسعى إلى استبدال هذه السياسة بسياسة أخرى وصرح الرئيس الأمريكى هربرت هوفر فى بداية عهد رئاسته فى 1929 أن سياسة التدخل بالقوة لا يجب أن تكون هى سياسة الولايات المتحدة.
فعلاقة الولايات المتحدة بدول أمريكا اللاتينية يجب أن تقوم على مبدأ الثقة والتعاون الاقتصادى .(15)
وقد قوى هذا الاتجاه الجديد، تحت ضغط الأزمة الاقتصادية العالمية، فى عهد الرئيس فرانكلين روزفلت (1933-1945) الذى أعلن فى خطابة الافتتاحى الأول فى مارس 1933 بعد توليه الرئاسة، أن من بين أهدافه غرس روح الثقة بالولايات المتحدة فى كل دول العالم الجديد والحصول على تعاونها لإمكان تحويل مبدأ مونرو إلى سياسة دفاعية جماعية عن نصف الكرة الغربى.
وكان يعنى بذلك الانتقام من سياسة التدخل الفردى إلى سياسة الضمان الجماعى.
ولذلك تمكن المؤتمر السابع للدول الأمريكية الذى انعقد فى مونتى فيديو فى ديسمبر 1933 من الموافقة على اتفاقية دولية بصدد حقوق وواجبات الدول (16) جاء فى مادتها الثامنة ليس لأية دولة حق التدخل فى الشئون الداخلية أو الخارجية للدول الأخرى:
ونصت المادة الحادية عشرة على مبدأ عدم الاعتراف بالمكاسب الإقليمية التى تتم بالقوة مبدأ ستيمسون كما نص على مبدأ عدم المساس بالسلامة الإقليمية للدول الأخرى وبالتالى يمتنع على الدول الأعضاء احتلال إقليم دولة أخرى أو استخدام القوة بطريق مباشر أو غير مباشر لأى سبب كان ولو كان ذلك بصفة مؤقتة كما وافق مؤتمر مونتى فيديو على عدة اتفاقيات أخرى وعدة مقررات لتدعيم التعاون الاقتصادى والتجارى بين الولايات المتحدة وجميع دول أمريكا اللاتينية.
وابتداء من 1936، عندما اتضحت النوايا العدوانية لألمانيا النازية وإيطاليا الفاشستية وبدأت بعض دول أمريكا اللاتينية تتأثر بالنظم الديكتاتورية على النمط الأوروبى فى ذلك الوقت بصفة خاصة فى الأرجنتين خشيت الحكومة الأمريكية تفشى النفوذ النازى فى جنوب القارة فأسرعت بدعوة مؤتمر خاص لدول أمريكا اللاتينية عقد بوينوس ايروس (عاصمة الأرجنتين) فى أول ديسمبر 1936، وهو المؤتمر الأمريكى لحفظ السلام.
وقد تمخض هذا المؤتمر عن إبرام اتفاقية لحفظ وإعادة السلام، وعن إعلان بمبادئ التضامن و التعاون بين الدول الأمريكية.
ونصف الاتفاقية على التزام الموقعة عليها بالتشاور فيما بينهما فى حالة وقوع أى تهديد لأمن القارة، ولو كان التهديد بسبب حرب تنشب خارج القارة الأمريكية (إشارة إلى احتمال اندلاع الحرب فى أوروبا).
أما الإعلان فقد نص على المبادئ التالية:
1- عدم الاعتراف بأية مكاسب إقليمية تتم طريق الغزو.
2- عدم التدخل.
3- عدم مشروعية استيفاء الديون المالية بالقوة (مبدأ دراجو).
4- تسوية المنازعات بين الدول الأمريكية بالطرق السلمية (17).
ما هو أهم من ذلك أن الإعلان نص على أن أى عمل من شأنه تعكير أمن القارة الأمريكية فهو يمس جميع الدول الأعضاء وبالتالى يستلزم أعمال إجراءات التشاور التى نصت عليها اتفاقية حفظ وإعادة السلام.
وهذا مبدأ الضمان الجماعى الذى حل محل التدخل الفردى من جانب الولايات المتحدة.
ولذلك قيل أن مؤتمر بوينوس ايروس حول مبدأ مونرو من مبدأ قومى أمريكى إلى مبدأ قارى.
ولكن كان هناك نقطة ضعف فى مقررات مؤتمر بوينوس ايروس وهى أن المؤتمر لم يوضح الطرق التى يتم التشاور بين دول القارة الأمريكية، ولم ينشئ جهازا أو أجهزة خاصة للقيام بهذه المهمة.
وقد أراد مؤتمر الدول الأمريكية الثامن الذى انعقد فى ليما (عاصمة بيرو) فى ديسمبر1938 استكمال هذا النقص فقد قرر هذا المؤتمر أنه فى حالة وقوع تهديد لأمن وسلامة أية دولة من الدول الأعضاء فإنه يتعين دعوة وزراء الخارجية إلى الاجتماع بناء على طلب إحدى الدول الأعضاء.
صحيح أن الأجراء لم يكون له قوة إلزامية إذ أنه ليس متضمنا فى معاهدة ولكنه مجرد إعلان ولكن كان ذا تأثير أدبى.
فإذا ماطرا طارئ يمس مصالح القارة الأمريكية فإن الدول الأعضاء فى المنظمة الوحدة الأمريكية ملزم أدبيا بالتشاور فيما بينهما حول التدابير التى يجب اتخاذها (18).
يتضح مما تقدم أنه حتى قبل بداية الحرب العالمية الثانية فى أوروبا اتفقت الدول الأمريكية على تكوين جبهة مشتركة لمواجهة أى خطر من الخارج.
وقد أدى نشوب الحرب العظمى إلى دعوة وزراء خارجية الدول الأمريكية إلى عقد عدة اجتماعات:
مؤتمر بنما فى سبتمبر وأكتوبر 1939، مؤتمر هافانا فى يوليو1940، ومؤتمر ريو دى جانيرو فى يناير1942. وقد عقد هذا المؤتمر الأخير عقب دخول الولايات المتحدة الحرب ضد دول المحور مباشرة ودخلت دول أمريكا اللاتينية الحرب إلى جانب الولايات المتحدة (باستثناء الأرجنتين التى لم تعلن الحرب ضد دول المحور إلا عندما أشرفت الحرب على النهاية فى 1945).
وبعد الحرب العالمية الثانية أرادت الولايات المتحدة تحويل تحالفها مع دول أمريكا اللاتينية ضد دول المحور إلى حلف دائم للدفاع عن القارة الأمريكية، خصوصا بالقياس إلى نشوب الحرب الباردة بين المعسكرين الغربى والسوفييتى.
وهكذا تم توقيع ميثاق ريو فى سبتمبر 1947 الذى أتى بمبدأ جديد طور النظام الذى كان معمولا به حتى ذلك التاريخ (19).
فقد نص الميثاق المذكور على أن أى عدوان على إحدى الدول الأطراف يعتبر عدوانا على سائر الأطراف فى الميثاق ويترتب عليه استعمال حق الدفاع الشرعى الفردى والجماعى تطبيقا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
وفى هذه الحالة تستطيع الدول الأطراف اتخاذ إجراءات فردية من جانبها لصد العدوان إلى أن يجتمع وزراء الخارجية لتقرير إجراءات جماعية بأغلبية ثلثى الأعضاء.
أن النص على حق التدخل الفردى لصد عدوان خارجى ضد أية دولة عضو فى الاتحاد الأمريكى فتح الباب على مصراعيه لتدخل الولايات المتحدة فى شئون أمريكا اللاتينية بحجة مواجهة عدوان خارجى دون ما حاجة إلى إصدار قرار بأغلبية موصوفة (أغلبية الثلثين) من مؤتمر وزراء خارجية الاتحاد الأمريكى.
وهكذا عدنا مرة أخرى إلى مضمون مبدأ مونرو:
كما فسره الرئيس تيودور روزفلت فى 1904 وعدولا فى الواقع عن مبدأ عدم التدخل الذى قرره مؤتمر مونتى فيديو فى 1933.
أما فى حالة وقوع عدوان من الداخل مثل قيام ثورة شيوعية أو القيام بأعمال تخريبية فى إحدى الدول الأمريكية فإنه يتعين وفقا لميثاق ريو دعوة مؤتمر وزراء الخارجية للنظر فى التدابير التى يجب اتخاذها.
وقد تم تتويج الروابط بين الدول الأمريكية بإبرام ميثاق بوغوتا فى 1948 الذى يعتبر دستور منظمة الدول الأمريكية (20).
وقد نص ميثاق بوغوتا على أهداف منظمة الدول الأمريكية على إنها:
1- تدعيم السلام والأمن فى القارة الأمريكية.
2- تسوية المنازعات بالطرق السلمية.
3- الضمان الجماعى ضد العدوان وفقا لميثاق ريو لعام 1947.
4- العمل على التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
كما نص الميثاق أيضا على مبدأ عدم المساس بالسلامة الإقليمية للدول الأعضاء، ومبدأ عدم التدخل، ومبدأ المساواة الخ.
ومن الناحية التنظيمية تتكون منظمة الدول الأمريكية من ستة فروع رئيسية هى:
1- المؤتمر الأمريكى.
2- مؤتمر وزراء الخارجية.
3- المجلس.
4- الاتحاد الأمريكى.
5- مؤتمرات متخصصة
6- وكالات متخصصة (أنظر الرسم البيانى المرفق).والمؤتمر الأمريكى هو أعلى سلطة فى المنظمة ويتخذ قرارات فى الموضوعات الهامة الخاصة بتوجيه السياسة العامة للمنظمة وهو يجتمع كل خمس سنوات .
ولكن يجوز دعوته إلى الانعقاد فى دورات غير عادية بناء على طلب ثلثى الدول الأعضاء.
أما مؤتمر وزراء الخارجية فهو يجتمع كلما دعت الحاجة إلى ذلك بناء على طلب إحدى الدول الأعضاء للنظر فى المسائل العاجلة، وهو يختص أساسا بمسائل الأمن والدفاع.
أما المجلس فهو الهيئة التنفيذية للمنطقة ويتكون من ممثل واحد لكل دولة عضو ولا يشترط فيه أن يكون الممثل الدبلوماسى لهذه الدولة فى واشنطون كما كان من قبل وبالتالى فإن قطع العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإحدى الدول الأعضاء فى المنطقة لا يحرم هذه الدولة من الاشتراك فى أعمال المجلس.
وهو يجتمع مرتين كل شهر باستثناء أشهر يوليو وأغسطس وسبتمبر.
ويعاون المجلس ثلاثة فروع ثانوية هى:
المجلس الاقتصادى والاجتماعى، مجلس القانونيين، والمجلس الثقافى.
ويقوم المجلس مقام مؤتمر وزراء الخارجية فى غير أوقات انعقاده.
أما الاتحاد الأمريكى، وهو أداة التنسيق الوحيدة التى كانت موجودة قبل ميثاق بوغوتا، فهو يتولى الآن أعمال الأمانة العامة للمنظمة.
أما المؤتمرات المتخصصة التى تبحث شئونا فنية خاصة فهى ظاهرة قديمة فى القارة الأمريكية، قدم حركة الوحدة الأمريكية ذاتها.
كل ما فعله ميثاق بوغوتا فى هذا الصدد هو أنه حاول تنسيق عقد هذه المؤتمرات بالاشتراك مع الوكالات المتخصصة فى القارة الأمريكية، وهذه الوكالات ترتبط بمنظمة الدول الأمريكية كما ترتبط الوكالات المتخصصة العالمية بمنظمة الأمم المتحدة.
ولكن ما يهمنا أكثر من الناحية التنظيمية لمنظمة الدول الأمريكية هو الدور الفعلى الذى تقوم به هذه المنظمة على مسرح السياسة الإقليمية والعالمية.
أن من يطلع على نصوص ميثاق بوغوتا، وبصفة خاصة من يستعرض التطبيق العملى لهذه النصوص لابد وأن يتبين مدى سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على دبلوماسية دول أمريكا اللاتينية بل وعلى الشئون الداخلية لهذه الدول.
فقد اتخذت الولايات المتحدة منظمة الدول الأمريكية أداة لهذه السيطرة، الأمر الذى أدى إلى ثورة الرأى العام فى أمريكا اللاتينية على هذه المنظمة والمطالبة بتعديلها وتطويرها بما يتلاءم ورغبة وأمانى شعوب هذه المنطقة.
أن تحقيق الضمان الجماعى وما يستلزم من تعريف العدوان:
يعتبر أهم معيار لقياس مدى خضوع منظمة الدول الأمريكية لمفهوم الولايات المتحدة للسلام والأمن.
لقد نص ميثاق بوغوتا فى المادتين 24 و 25 على أن أى عدوان يقع على السلامة الإقليمية أو على سيادة إحدى الدول الأعضاء أو على استقلالها السياسى يعتبر عدوانا واقعا على سائر الدول الأمريكية.
وهذا العدوان إما أن يتخذ صورة العمل العسكرى أو أى صورة أخرى.
هذا النص أورد ثغرة تنفذ منها الولايات المتحدة للتدخل فى شئون دول أمريكا اللاتينية الداخلية بحجة مقاومة الشيوعية الدولية.
ففى مارس 1951 أوص مؤتمر وزراء خارجية المنظمة بأن تتخذ الدول الأعضاء كافة تدابير القمع ضد النشاط التخريبى للشيوعية الدولية (21).
ومنذ الخمسينيات بدأت شعوب أمريكا اللاتينية تشعر بوطأة التسلط الأمريكى.
وقامت ثورات وانقلابات عسكرية عديدة واجهتها الولايات المتحدة بانقلابات مضادة أحيانا وبتدخل عسكرى سافر أحيانا أخرى، كل هذا بحجة حماية الديمقراطية من التغلغل الشيوعى، وكان ذلك يعنى فى الواقع حماية الأنظمة الموالية للولايات المتحدة من الحركات الوطنية المتحررة. ويلاحظ أنه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بدأت الحركات الوطنية تقوى فى أمريكا اللاتينية وتنشط للتحرر من الاستعمار الأمريكى المقنع واعتقدت الشعوب اللاتينية أن عهد سياسة حسن الجوار قد انتهت بوفاة فرانكلين روزفلت وأن الولايات المتحدة عادت إلى سياسة العصا الغليظة Big Stick لضرب جميع الحركات المناهضة لها. ومما زاد فى تقوية حركات المقامة الوطنية أن الولايات المتحدة لم تعر اهتماما يذكر لأمريكا اللاتينية من الناحية الاقتصادية بالرغم من التضحيات الكبيرة التى تحملها هذه الشعوب فى المجهود الحربى فكانت الولايات المتحدة منصرفة إلى الشئون الأوربية والشئون الآسيوية وشئون الشرق الأوسط اعتقادا منها القارة الأمريكية بعيدة كل البعد من التسلط الشيوعى.
فمثلا لم تحصل أمريكا اللاتينية إلا إلى 75 مليون دولار فى الفترة من 1952- 1953 لشئون الضمان الجماعى أو الأمن المتبادل علما بأن ما قدمته الولايات المتحدة من معونات مجانية فى هذا الصدد إلى أوروبا والدول الآسيوية فى نفس الفترة يربو على 6 بلايين دولار.
كذلك فيما يتعلق بالمعونة الفنية لم تحصل أمريكا اللاتينية، فى الفترة من 1946 إلى 1962 إلا على مبلغ 7 بلايين دولار مع أن مجموع المعونة الفنية الأمريكية بلغت فى نفس الفترة98 بليون دولار (22).
معنى ذلك أنه عندما طالبت شعوب أمريكا اللاتينية برفع مستوى معيشتها والعمل على التقدم الاقتصادى والاجتماعى وطلبت من الولايات المتحدة بأن تعاونها على ذلك اتبعت الحكومة الأمريكية سياسة أقرب إلى السلبية.
وادعت الحكومة الأمريكية أن التقدم الاقتصادى سواء فى ميدان الصناعة أو الزراعة لا يكون إلا عن طريق الاستثمارات الخاصة وبالتالى يتعين على دول أمريكا اللاتينية أن تقدم ضمانات ومغريات لرؤوس الأموال الأجنبية أى الأمريكية لاستثمارها فى هذه المنظمة.
ونعلم أن شعوب أمريكا اللاتينية، شأنها شأن سائر الشعوب المتحدة الأخرى، على يقين من أن الاستثمارات الخاصة هى الوسيلة الفعالة للتسلط الاقتصادى والسياسى (الاستعمار الجديد) ولذلك بدأت تثور على تسلط الرأس مال الأمريكى وتطالب بأن تصبح الثروات القومية هلكا لها وليست ملكا للأجانب عندئذ لجأت الولايات المتحدة إلى تسخير منظمة الدول الأمريكية لقمع جميع الحركات التحررية، بل أنها لجأت إلى سياسة التدخل العسكرى السافر، بطريق مباشر أو غير مباشر، لقمع كل حركة مناوئة لها أو ضارة بالمصالح الرأسمالية الأمريكية الاستعمارية ولعل أوضح مثال على ذلك هو ثورة غواتيمالا فى 1953-1954 (23).
ففى يناير 1953 فازت الجبهة الديمقراطية فى الانتخابات بنصف مقاعد المؤتمر القومى فى غواتيمالا وفى فبراير قررت حكومة غواتيمالا تأميم ممتلكات شركة الفواكه المتحدة Fruit Company مقابل تعويض عادل فى صورة سندات.
وقررت حكومة غواتيمالا توزيع الأراضى التى استولت عليها على الفلاحين المعدمين.
وفى خريف 1953 قررت حكومة غواتيمالا تأميم السكك الحديدية وكانت تمتلكها أيضا شركة أمريكية وفى آخر يناير 1954 أعلنت حكومة غواتيمالا أن السلفادور وجمهورية الدومينيكان وفنزويلا بالاشتراك مع الولايات المتحدة تعد العدة لغزو غواتيمالا برا وبحرا وجوا وفى الواقع فإن الولايات المتحدة قدمت معونات ضخمة وإمدادات كبيرة من الأسلحة إلى العناصر المناهضة لثورة الشعب فى غواتيمالا وكانت هذه العناصر متمركزة فى هندوراس.
وفى يونيو 1954 قامت هذه العناصر بتدعيم من الولايات المتحدة وهندوراس ونيكاراجوا بغزو غواتيمالا وإسقاط الحكومة الديمقراطية فيها وتولى الديكتاتور كاستيلوارماس الحكم وأعلن أنه سوف يقضى على التغلغل الشيوعى فى البلاد.
أن أهمية هذه الأحداث تبدو فى أنها توضح تماما نوع السياسة التى كانت تنتهجها الولايات المتحدة أراء أمريكا اللاتينية.
فقد صرح وزير الخارجية الأمريكى، جون فوستر دالاس فى ذلك الوقت، أن تهديد الشيوعية الدولية هو تكرار لنفس نوع المخاطر التى من أجلها أعلن الرئيس مونرو مبدأه الشهير منذ 130 عاما مضت (24).
وهكذا عاد مبدأ مونرو مرة أخرى كتبرير للتدخل الأمريكى فى شئون دول أمريكا اللاتينية، وقد أصدر مؤتمر وزراء خارجية منظمة الدول الأمريكية الذى اجتمع فى كراكاس (فنزويلا) فى مارس 1954 لبحث الوضع فى غواتيمالا قرار جاء فيه أن سيطرة الشيوعية الدولية على النظم السياسية لأية دولة أمريكية تستوجب دعوة مؤتمر وزراء الخارجية لأتحاذ التدابير اللازمة لمنع هذه السيطرة (25).
معنى هذا أن منظمة الدول الأمريكية أصبحت أداة لتنفيذ مبدأ مونرو، أو أداة لتنفيذ الدبلوماسية الأمريكية فى المنطقة.
ولكن التدخل الأمريكى فى غواتيمالا ونجاح الثورة المضادة فيها لم يثن شعوب أمريكا اللاتينية عن مواصلة الجهاد ضد التسلط الأمريكى.
ويتضح ذلك من المظاهرات العنيفة المعادية التى استقبلت نائب الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون عندما قام بزيارة أمريكا اللاتينية فى 1958 وبصفة خاصة ثورة كوبا فى1959.
ونكتفى بعرض موجز لثورة كوبا لما كان لها من أثر بالغ على مجرى الأحداث فى أمريكا اللاتينية وانعكاس ذلك على تطوير منظمة الدول الأمريكية.
ثورة كوبا فى 1959:
انتقض شعب كوبا لتحرير بلاده من حكم الديكتاتور باتيستا عميل الولايات المتحدة الذى عمل على نهب ثروات البلاد بطرق غير شرعية اعتمادا على القوة الغاشمة.
وكان هذا بداية حركة 26 يوليو 1953 بزعامة فيدل كاسترو، وهى الحركة التى انتهت بالانتصار الكامل بفضل تأييد الشعب لها، وإقامة حكم ديمقراطى ابتداء من أول يناير 1959.
وقامت الثورة بإصلاحات اقتصادية واجتماعية جريئة فأصدرت قانون الإصلاح الزراعى فى مايو 1959.
وفى 1960 خضعت صناعة السكر لرقابة الدولة كما سيطرت الدولة على 90 فى المائة من صناعة التبغ واستخراج المعادن الخ.
وعملت الدولة على تنويع مصادر الثروة القومية للحد من ارتباط الاقتصاد الكوبى بالاقتصاد الأمريكى إلى درجة يفقد كوبا استقلالها.
إزاء هذه الإصلاحات الجزئية وتحويل الاقتصاد الكوبى إلى اقتصاد اشتراكى كان منتظرا أن تتدخل الولايات المتحدة وتشن حملة لا هوادة فيها ضد كوبا ولجأت فى هذه الحملة إلى عدة وسائل مثل تقديم المعونة المالية والعسكرية إلى الفتات المعارضة للثورة والقيام بأعمال التجسس والتخريب داخل كوبا وفرض الخطر على التجارة مع كوبا وعزل كوبا عن أمريكا اللاتينية وتدريب قوات من المرتزقة لاستخدامها ضد كوبا إلى أن وصل الأمر إلى شن الغارات الجوية وإنزال قوات المرتزقة فى كوبا فى أبريل1961 (حادثة خليج الخنازير) وقد انتهت هذه الحملة بهزيمة الغزاة هزيمة نكراء.
ودعت الحكومة الأمريكية إلى اجتماع مؤتمر وزراء خارجية منظمة الدول الأمريكية الذى عقد فى بونتى دل استى فى الفترة من 22 إلى 31 يناير 1962 لتوحيد موقف الدول الأعضاء ضد ثورة كوبا وأسفر هذا الاجتماع عن إصدار إعلان يتضمن عدة قرارات أهمها:
1- أن الغزو الشيوعى لكوبا يشكل تهديدا للنظم الديمقراطية فى نصف الكرة الغربى.
2- إنشاء لجنة استشارية خاصة لمنع الأعمال الهدامة التى تقوم بها الشيوعية الدولية.
3- أن اعتناق أية دولة من الدول الأعضاء فى منظمة الدول الأمريكية للأيدلوجية الماركسية اللاتينية يتعارض مع مبادئ وأهداف النظام السائد فى الدول الأمريكية وأن انحياز حكومة هذه الدولة إلى الكتلة الشيوعية يسئ إلى تضامن نصف الكرة الغربى.
وحيث أن الحكم الحالى فى كوبا يتعارض مع النظام المشترك بين الدول الأمريكية فإن هذا يحرم كوبا من حق الاشتراك فى هذا النظام.
4- فصل كوبا فورا من مجلس الدفاع المشترك بين الدول الأمريكية.
5- حظر الاتجار مع كوبا فى الأسلحة والمعدات الحربية الأخرى وتكليف مجلس منظمة الدول الأمريكية بدراسة إمكانية وفائدة توسيع نطاق حظر التجارة بحيث يشمل مواد أخرى.
واضح إذن أن الولايات المتحدة كانت تهدد بالقضاء على ثورة كوبا عن طريق الاختناق الاقتصاد والسياسى بالإضافة إلى اتخاذ تدابير ذات طبيعة عسكرية ضدها.ولسنا هنا بصدد تحليل أزمة الأمم المتحدة ولا ما انتهت إليه هذه الأزمة فى 1962 من توتر خطير بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى بسبب إقامة قواعد للصواريخ سوفيتية الصنع فى كوبا يكفى أن نذكر أن هذه الأزمة انتهت من زاوية الدبلوماسية العالمية باتفاق الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى لأسباب سياسة وإستراتيجية تتعلق بتوازن القوى بين المعسكرين ولكن ما يهمنا هنا أن ثورة كوبا تعتبر مثالا واقعيا حيا للثورات القومية فى الدول أمريكا اللاتينية للتحرر من السيطرة الاقتصادية والسياسية الأمريكية (26).
ولذلك فإن الحكومة الأمريكية مازالت تعتبر أن النظام السياسى والاقتصادى والاجتماعى القائم فى كوبا خطرا يهدد استقرار الأمور فى النصف الغربى من الكرة الأرضية.
فالولايات المتحدة تتهم كوبا بأنها تعمل على تصدر ثورتها إلى سائر دول أمريكا اللاتينية والقيام بنشاط هدام يهدف إلى قلب نظم حكوماتها.
وفى الواقع فإن كوبا تقدم مثلا لحكومة ديمقراطية تقدمية وهذا المثل قد يغرى وأغرى فعلا بعض الوطنيين التقدميين فى أمريكا اللاتينية بقلب نظم الحكم الرجعية.
وهذا ليس فى مصلحة الولايات المتحدة لأن هذه النظم الرجعية، أو على الأقل المحافظة، موالية تماما للحكومة الأمريكية.
ولذلك نجد أن الولايات المتحدة لم تخفف إطلاقا من القيود الاقتصادية والسياسية التى فرضتها على كوبا منذ 1959. بالإضافة إلى ذلك لجأت الولايات المتحدة إلى وسائل الإغراء المعهودة التى تتمثل فى تقديم المعونات المالية والاقتصادية إلى دول أمريكا اللاتينية ولكن فى هذه المرة على نطاق أوسع من ذى قبل.
ففى 1959 أنشئ بنك التنمية الأمريكية ساهمت فيه الولايات المتحدة بنصف رأس المال تقريب، كما شجعت الولايات المتحدة فكرة إنشاء سوق مشتركة لدول أمريكا الجنوبية كما دعمت السوق المشتركة لدول أمريكا الوسطى إلا أن أهم برنامج فى هذا الصدد هو التحالف من أجل التقدم الذى أعلنه الرئيس الأمريكى جون كيندى فى 1961 ومدته عشر سنوات والهدف منه التقدم الاقتصادى والاجتماعى فى أمريكا اللاتينية تلبية لشعوب المنطقة فى رفع مستوى معيشتها وتحقيق العدالة الاجتماعية فى إطار النظم الديمقراطية (27).
ومع ذلك فإن برنامج التحالف من أجل التقدم لم يحقق النتائج التى كانت مرجوة منه، خصوصا وأن هذا البرنامج ارتبط بشخصية الرئيس كيندى فبعد اغتياله فى نوفمبر 1963 بدأت شعوب بل وبعض حكومات دول أمريكا اللاتينية تتبرم من جديد من سياسة السيطرة الأمريكية.
وقد ساعد على ذلك أن سياسة الرئيس ليندون جونسون اتسمت بالتدخل فى شئون دول أمريكا اللاتينية الداخلية سواء بطريق غير مباشر عن طريق تشجيع القيام بانقلابات عسكرية ضد الحكومات التقدمية، أو بطريق مباشر مثل التدخل عسكريا فى جمهورية الدومينيكان فى 1965 ففى 28 أبريل 1965.
نزلت القوات الأمريكية إلى شاطئ الجمهورية الدومينيكية بحجة حماية المواطنين الأمريكيين هناك من خطر الحرب الأهلية الدائرة فى البلاد ولكن سرعان ما أعلنت الحكومة الأمريكية بعد ذلك أن البلدان الأمريكية لا يمكن أن تسمح بقيام حكومة شيوعية فى نصف الكرة الغربى
(28).
فكأن التدخل العسكرى الأمريكى كان يهدف فى واقع الأمر إلى تقويض الثورة القومية التحررية التى قامت فى جمهورية الدومينيكان متهمة إياها كالمعتاد بسيطرة الشيوعية الدولية عليها.
والجدير بالملاحظة أن القوات الأمريكية تدخلت فى الدومينيكان دون استشارة الدول الأعضاء فى المنظمة الدول الأمريكية الأمر الذى أدى بهذه الدول إلى النظر فى التدخل الأمريكى بعين من القلق والخوف حتى أن مندوب الأوروجواى فى مجلس الأمن ندد صراحة بالتدخل الأمريكى ووصفه بأنه مخالف لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة ومقاصده وكذلك مخالف لميثاق منظمة الدول الأمريكية ولاسيما للمادتين 15 و 17 اللتين تحظران بصفة قاطعة أى نوع من التدخل وتكفلان حرمة إقليم الدولة العضو من احتلال العسكرى آيا كانت دواعيه (29).
إزاء سخط وقلق عدد من دول أمريكا اللاتينية إزاء التدخل العسكرى الفردى للولايات المتحدة، فى جمهورية الدومينيكان دعت الحكومة الأمريكية إلى عقد مؤتمر وزراء خارجية منظمة الدول الأمريكية فى محاولة منها لتغطية تصرفها غير المشروع.
ونجحت الحكومة الأمريكية فى حمل المؤتمر على تكوين قوة السلم المشتركة بين البلدان الأمريكية لتحل محل القوات الأمريكية فى الدومينيكان.
ولكن هذا القرار صدر بالحد الأدنى اللازم من الأصوات مما يدل على أن عددا لا يستهان به من الدول الأمريكية كانت تعارض بشدة السياسة الأمريكية وقد انعكست هذه المعارضة على رغبة الكثير من دول أمريكا اللاتينية فى تعديل ميثاق منظمة الدول الأمريكية.
بحيث تصبح أكثر ديمقراطية وأن تكون منظمة إقليمية حقا وليست أداة من أدوات الدبلوماسية الأمريكية.
وبدأت هذه الرغبة تتجلى فى سائر اجتماعات المنظمة منذ 1965 حتى يومنا هذا(30).
وتظاهرت الولايات المتحدة بأنها ترغب هى أيضا تعديل ميثاق بوغوتا ولكنها وضعت شروطا تدل بوضوح على أنها تصر على السيطرة على دول أمريكا اللاتينية وعلى المنظمة التى تضمها وأنها سوف تتبع سياسة التدخل فى شئون هذه الدول إذا اقتضت مصلحة الولايات المتحدة ذلك.
فمنذ أزمة جمهورية الدومينيكان والولايات المتحدة تعمل جاهدة على حث دول أمريكا على تكوين قوة سلام أمريكية دائمة (31) ولكن هذا الاقتراح وجد مقاومة عنيفة من غالبية دول أمريكا اللاتينية التى وجدت فيه ستارا لتغطية التدخل الأمريكى فى شئونها الداخلية، خصوصا وأن تجربة الدومينيكان لم تكن ببعيدة.
وقد بلغت هذه المقاومة درجة من العنف حتى أن الولايات المتحدة لم تجازف بطرح مشروعها للمناقشة فى مؤتمر ريو دى جانيرو والذى عقد فى أواخر 1965 لبحث موضوع تنقيح ميثاق بوغوتا لعام 1948.
وحاولت الحكومة العسكرية فى الأرجنتين بإيعاز من الولايات المتحدة تقديم مشروع توفيقى يقضى بتقوية نظام الدفاع المشترك المعمول به حاليا فى إطار منظمة الدول الأمريكية ولكن هذا الاقتراح رفضه أيضا مؤتمر ريو دى جانيرو بسبب معارضة حكومات شيلى والمكسيك وفنزويلا وغيرها من الحكومات المدنية التقدمية نسبيا وتظاهرت الولايات المتحدة بعدم الإصرار على مشروعها، أكثر من ذلك فقد أعلن الوفد الأمريكى فى المؤتمر أن اندماج أمريكا اللاتينية اقتصاديا هو أمر تتمناه الولايات المتحدة.
فقد ظهر اتجاهان فى مؤتمر ريو دى جانيرو (32) : الاتجاه الأول هو اتجاه الولايات المتحدة وبعض حلفائها المخلصين من الحكومات العسكرية فى أمريكا اللاتينية وعلى رأسها البرازيل وينادى بضرورة قمع الحركات الشيوعية (التحررية فى الواقع) بالقوة عن طريق تكوين قوة أمريكية مشتركة دائمة أو على الأقل تدعيم التضامن العسكرية بين دول أمريكا اللاتينية لهذا الغرض.
أما الاتجاه الثانى فتمثله الحكومات المدنية التقدمية نوعا وهو يعترف بوجود تهديد شيوعى لأمريكا اللاتينية ولكنه لا يقتنع بضرورة مواجهة هذا التهديد عسكريا، كما حدث فى جمهورية الدومينيكان.
فإن خير وسيلة لمقاومة التسلل الشيوعى هو القيام بإصلاحات اقتصادية واجتماعية جذرية على مستوى القارة.
أما تكوين قوة أمريكية مشتركة لقمع الشيوعية فإنه سيؤدى إلى استخدام هذه القوة لتحقيق مآرب الولايات المتحدة التى ستتولى تكوين هذه القوة وإعدادها وتسليحها فمعارضة بعض دول أمريكا اللاتينية لمشروع القوة المشتركة كان من قبيل الحد من تسلط الولايات المتحدة فى أمريكا اللاتينية اقتصاديا كان هو أيضا من قبيل تقييد السيطرة الاقتصادية للولايات المتحدة على هذه الدول فإن تكوين سوق أمريكية مشتركة دون إشراك الولايات المتحدة فيها سوف يخلق جبهة موحدة من دول أمريكا اللاتينية تكون أكثر مقدرة على المساومة فكان رفض مؤتمر ريو دى جانيرو لمشروع القوة المشتركة الدائمة، وموافقتها من حيث المبدأ على تكوين سوق مشتركة لدول أمريكا اللاتينية جاء نصرا لهذه الدول فى مواجهة الولايات المتحدة.
ولكن هذا الانتصار كان صوريا وقصير الأمد.
فقد شكل مؤتمر ريو دى جانيرو لجنة خاصة لتقيح ميثاق بوغوتا واجتمعت هذه اللجنة فى مارس1966 (23) وعندئذ عدلت الولايات المتحدة فجأة عن موقفها السابق فى مؤتمر ريو دى جانيرو.
فلم تتخذ ذلك الموقف المهادن آنذاك إلا لتهدئة خواطر شعوب أمريكا اللاتينية التى هالها التدخل العسكرى الأمريكى السافر فى جمهورية الدومينيكان.(34)
ففى اجتماع بنما المذكور أثارت الولايات المتحدة من جديد موضوع القوة المشتركة الدائمة كما إنها طالبت بالمحافظة على سلطات مجلس منظمة الدول الأمريكية فيما يتعلق بتسوية الخلافات بين الدول الأعضاء بينما غالبية دول أمريكا اللاتينية ترفض مشروع القوة المشتركة كما ذكرنا كما إنها تريد تقيد اختصاصات المجلس لصالح اختصاصات المؤتمر الأمريكى العام الذى يقوم مقام الجمعية العامة فى الأمم المتحدة فى مواجهة مجلس الأمن.
وعندما عجزت الولايات المتحدة فى اجتماع بنما عن إقرار وجهة نظرها فيما يتعلق بشئون الأمن.
والشئون السياسية لجأت إلى التهديد فى الميدان الاقتصادى وهو ميدان حساس بالنسبة لجميع دول أمريكا اللاتينية.
فأعلن الوفد الأمريكى فى مفاوضات بنما أن الولايات المتحدة لا تقبل إزالة الحواجز الجمركية المفروضة على سلع أمريكا اللاتينية كما أنها لا تقبل تكوين سوق مشتركة لدول أمريكا اللاتينية دون اشتراك الولايات المتحدة فيها وقد بلغ التوتر مداه بين الولايات المتحدة وغالبية دول أمريكا اللاتينية حتى أن مفاوضات بنما كادت تتوقف تماما.
وانتهى الأمر بإقرار مشروع توفيقى لتنقيح ميثاق بوغوتا، ذلك المشروع الذى اقره مؤتمر بوينوس ايروس فى فبراير 1967 ومؤتمر القمة الذى عقد فى بونتا دل استى فى أبريل من نفس العام (35).
وأهم التعديلات التى وافق عليها مؤتمر بوينوس ايروس تتلخص فيما يلى:
أولا: المبادئ الاقتصادية والاجتماعية:
أهم المبادئ الاقتصادية والاجتماعية التى وافق عليها مؤتمر بوينوس ايروس تنص على إدماج مبادئ التحالف من أجل التقدم فى ميثاق منظمة الدول الأمريكية، وبذلك تلتزم جميع الدول الأعضاء بهذه المبادئ وتنص هذه المبادئ أيضا على أن الاندماج الاقتصادى لدول أمريكا اللاتينية هو هدف أساسى للمنظمة وأخيرا وهذا هو أهم ما فى الموضوع بالنسبة لأمريكا اللاتينية تتعهد الولايات المتحدة باتباع سياسة اقتصادية مفتوحة فيما يتعلق بالتجارة الخارجية والمعونات الاقتصادية بما يحقق مصالح دول أمريكا اللاتينية ولكن هذا مجرد إعلان بمبادئ عامة غير محددة على وجه الدقة، وليس من المنتظر أن تعمل الولايات المتحدة على تحقيق رغبات شعوب أمريكا اللاتينية فى هذا الميدان خصوصا وأن الكونجرس الأمريكى يبدى تحفظات عديدة بكل ما يتعلق بالتجارة الخارجية والمعونة الاقتصادية ولكن دول أمريكا اللاتينية اكتفت بإعلان هذه المبادئ العامة كخطوة أولى نحو تحقيق الهدف المنشود.
ثانيا: التغيرات التنظيمية:
وافق مؤتمر بوينوس ايروس على إجراء التعديلات التالية على ميثاق بوغوتا.
1- أن انعقاد المؤتمر الأمريكى العام يكون سنويا بدلا من خمس سنوات (وفى الواقع فإن هذا المؤتمر لم ينعقد منذ 1954)، وهو أعلى سلطة فى المنظمة.
2- إلغاء مجلس المنظمة على أن يحل محله ثلاثة مجالس متكافئة السلطة وكل منها مستقل عن الآخر وهى:
المجلس الدائم المجلس الاقتصادى والاجتماعى، ومجلس التعليم والعلم والثقافة.
وهذه المجالس الثلاثة تكون خاضعة مباشرة للمؤتمر العام.
أن مغزى هذه التعديلات واضح.
فإن دول أمريكا اللاتينية أرادت تحويل الاختصاصات إلى المؤتمر العام الذى يشرف على أعمال المجالس الثلاثة عن كثب فيصبح المؤتمر العام السلطة الحقيقية فى منظمة الدول الأمريكية من الناحية الفعلية وليس فقط من الناحية النظرية.
بينما طبقا لميثاق بوغوتا لعام 1948 فإن السلطة الحقيقية داخل المنظمة كانت للمجلس.
والسبب فى إحداث هذا التغيير أن دول أمريكا اللاتينية كانت قد فقدت ثقتها فى مجلس المنظمة فقد حولته الولايات المتحدة إلى أداة تنفيذية لدبلوماسيتها.
بالرغم من جرأة هذا التعديل فإنه لا يحقق فى واقع الأمر مطالب دول أمريكا اللاتينية كاملة.
فتحت ضغط الولايات المتحدة احتفظ المجلس الدائم باختصاصات واسعة فيما يتعلق بإعداد ميزانية المنظمة وما يتعلق بإعداد جدول أعمال المؤتمر العام بالإضافة إلى اختصاصه بتسوية المنازعات بين الدول الأعضاء بالطرق السلمية.
فالولايات المتحدة مازالت تتمتع إذن بمركز الصدارة فى الأنظمة الجديدة لمنظمة الدول الأمريكية حيث أن الولايات المتحدة تتحمل الجزء الأكبر من نفقات المنظمة والرقابة المالية ستتبع حتما رقابة سياسية.
ثالثا: استبدال الاتحاد الأمريكى بأمانة عامة:
وهذا مجرد تعديل فى الاسم فقط.
رابعا: مدة الأمين العام والأمين العام المساعد:
خمس سنوات بدلا من عشر سنوات فقط كما كان من قبل ولا يجوز إعادة انتخابهما ولكن ما هو أهم من ذلك أن انتخاب الأمين العام و الأمين العام المساعد يكون عن طريق المؤتمر العام وليس عن طريق المجلس كما كان من قبل.
خامسا: تسوية المنازعات بالطرق السلمية:
تسوية المنازعات بين الدول الأعضاء فى المنظمة بثلاث مراحل:
فالنزاع يعرض أولا على لجنة تسوية المنازعات بالطرق السلمية وهى لجنة فرعية تابعة للمجلس الدائم (وكانت لجنة مستقلة فى النظام السابق تدعى لجنة السلام الأمريكية).
فإذا فشلت اللجنة فى تسوية النزاع فيعرض على المجلس الدائم فإذا فشل هذا الأخير أيضا يعرض النزاع على المؤتمر العام الذى يصدر التوصيات اللازمة.
أن نقطة الضعف فى هذا النظام الجديد أنه يقوم على مبدأ الرضا فتستطيع أية دولة طرف فى نزاع أن ترفض التسوية المقترحة على المستويات الثلاثة.
بالرغم من أن التعديلات التى ادخلها مؤتمر بوينوس ايروس على ميثاق بوغوتا لعام 1948 تهدف إلى تبسيط الإجراءات كما أنها تسبغ على منظمة الدول الأمريكية مسحة أكثر ديمقراطية، إلا أنها فى حقيقتها تعديلات شكلية لن يكون لها وزن فعلى إلا إذا تعادل ميزان القوى بين الولايات المتحدة من جانب ودول أمريكا اللاتينية من جانب آخر، وهذا احتمال بعيد التحقيق أن لم يكن مستحيلا.فميزان القوى داخل منظمة الدول الأمريكية مازال لصالح الولايات المتحدة لما تتمتع به هذه الدولة من مركز قوة.
وهذه ظاهرة عامة ليست مقصورة على القارة الأمريكية. فكل منظمة دولية، عالمية كانت أم إقليمية، تضم دولا قوية و أخرى ضعيفة تخضع حتى لسيطرة ونفوذ الدول القوية.
كل ما أثبته مؤتمر بوينوس ايروس لعام 1967 هو أن دول وشعوب أمريكا اللاتينية ترغب رغبة أكيدة فى وضع حدا للتسلط والنفوذ الأمريكى عليها ولكن شتان بين الرغبة و إمكانية تحقيقها، خصوصا وأن دول أمريكا اللاتينية ليست متفقة تماما فيما بينها حتى فيما يتعلق بتعديل النظام الأساسى لمنظمة الدول الأمريكية.
وجدير بالذكر أنه حتى أغسطس 1968 لم يصدق على بروتوكول بوينوس ايروس سوى خمس دول هى: الولايات المتحدة، والأرجنتين، وغواتيمالا، والمكسيك وباراجواى علما بأنه يلزم تصديق ثلثى الدول الأعضاء لكى تصبح التعديلات نافذة.
وقد ظهر تباعد الشقة بين الهدف المنشود و إمكانية تنفيذه فى مؤتمر القمة الذى انعقد فى بونتا دل استى فى أبريل 1967 وقد بحث هذا المؤتمر موضوعين فى غاية الأهمية:
إنشاء السوق المشتركة لدول أمريكا اللاتينية، والتجارة الخارجية وفيما يتعلق بموضوع إنشاء سوق مشتركة لدول أمريكا اللاتينية (36) وافق مؤتمر القمة على إدماج السوق المشتركة لدول أمريكا الوسطى ومنظمة أمريكا اللاتينية للتجارة الحرة فى سوق مشتركة واحدة ابتداء من 1970 على أن يتم استكمال جميع مراحلها فى خلال خمسة عشر عاما.
أما فيما يتعلق بموضوع تحرير التجارة الخارجية من القيود والحواجز الجمركية فقد قرر مؤتمر القمة ضرورة العمل على إزالة الحواجز الجمركية التى تفرضها الدول المتقدمة على صادرت الدول النامية.
ووافقت الولايات المتحدة صراحة على تسهيل دخول سلع أمريكا اللاتينية إلى السوق الأمريكية عن طريق إزالة الحواجز.
النوعية والكمية التى كانت مفروضة على هذه السلع حتى الآن (وليس تخفيض أو إلغاء الرسوم الجمركية). بالإضافة إلى ذلك قرر مؤتمر بونتا دل استى ضرورة العمل على الإصلاح الزراعى والتنمية الصناعية فى إطار إقليمى وإصلاح النظم التعليمية، وتقدم العلم والتكنولوجيا وتخفيض نفقات التسليح.
وجدير بالذكر أن عددا من دول أمريكا اللاتينية وعلى رأسها شيلى أعلنت أنه يجب على دول المنطقة الاعتماد على نفسها أكثر من اعتمادها على المعونات الأمريكية والهدف من ذلك التحرر تدريجيا من السيطرة الاقتصادية الأمريكية.
وهنا أيضا نلاحظ بعد الشقة بين الهدف المنشود و إمكانية تنفيذه فان منظمة أمريكا اللاتينية للتجارة الحرة تعترضها عقبات كبرى حتى فى إطار نشاطها الضيق نظرا لتعارض المصالح الرأسمالية فى هذه الدول (37).
كذلك فإن تحرير التجارة الخارجية من القيود بالنسبة لصادرات الدول النامية هى مشكلة عامة لسائر الدول النامية وليست مقصورة على دول أمريكا اللاتينية وقد فشلت المؤتمرات الدولية التى عقدت حتى الآن سواء تحت رعاية منظمة الجات أو تحت رعاية مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية من التوصل إلى حلول جذرية فى هذا الشأن.
أما القول بضرورة خفض نفقات التسلح وتوجيه هذه النفقات إلى ميدان التنمية الاقتصادية فقد كذبته الأحداث حتى الآن فإن دول أمريكا اللاتينية مازالت تتسابق على التسلح على نطاق أوسع من ذى قبل.
بالرغم من نقط الضعف والقصور الذى يشوب التعديلات الجديدة على منظمة الدول الأمريكية يمكن القول أن المؤتمرات الأمريكية التى عقدت منذ أواخر 1965 وحتى يومنا هذا تدل على تغير فى الاتجاه وتفكير دول أمريكا اللاتينية فالرغبة فى التحرر من التسلط السياسى الأمريكى عن طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية أصبحت تسيطر الآن على دول أمريكا اللاتينية.
وقد نتج عن هذه الرغبة إضعاف الدور السياسى الذى تقوم به منظمة الدول الأمريكية وتوجيه هذه المنظمة إلى الميدان الاقتصادى ولعل أبرز مظهر لذلك أن غالبية دول أمريكا اللاتينية ترفض التدخل حتى باسم المنظمة لقمح ما يسمى بالثورات الشيوعية كما حدث فى جواتيمالا فى 1954 وفى كوبا فى 1961-1962 وفى جمهورية الدومينيكان فى 1965-1966.
ولكن هذا لن يمنع الولايات المتحدة فى التدخل بالقوة إذا لزم الأمر فى مثل هذه الحالات، وبصفة خاصة فى منطقة أمريكا الوسطى لما لهذه المنطقة من أهمية استراتيجية حيوية بالنسبة لها.
خلاصة القول أن العبرة فى التغيير ليست فى تغيير الأنظمة فى حد ذاتها ولكن فى الإصلاح الداخلى.
فلن تتحرر دول أمريكا اللاتينية من السيطرة الأمريكية إلا إذا نجحت شعوب هذه المنطقة فى التحرر من الحكومات الفاسدة فيها وما لم تعمل بإخلاص وأمانة على تقدمها الاقتصادى ورقيها الاجتماعى وهذا لن يتأتى إلا باتحادها وتضامنها ليس فقط فى إطارها الإقليمى ولكن أيضا فى إطار عالمى يضم سائر الشعوب النامية.
هوامش:
(1) PERKING, D: A History of the Monroe Doctrine , In PAPPAPORT, A (Ed) Issues in American Diplomacy, The Macmillan Company, N Y, 1965, Pp 303 312; TATUM, E H Jr: The Monroe Doctrine, an Independent Foreign Policy .Ibid, Pp 312-326
(2) PRATT J W: A History Of United States Foreign Policy, Prentice Hall, N J, .Second Edition, 1965, P 81
(3) HAUSER, H Histoire Diplomatique de L Europe (1871-1914) , Presses Universitaires de France, Paris, 1929,
.Vol 1, P 342
(4) برات المرجع السابق، ص 184.
(5) لقد تغير أسمه فى 1910 إلى الاتحاد الأمريكى
.(Pan American Union)
(6) BLAKEKE, N.M: Cleveland and Venezuela: Political or Economic Depression? In Issues in American Diplomacy, Op Cit, Vol II, Pp 3-19; LAFEBER, W: Economic Depression, .Ibid, Pp 19-38
(7) PRATT, J W and la Feber: The war with Spain Ibid, pp 39-66
راجع أيضا:
MAY, E R: Imperial Democracy: The Emergence of America as a Great, Power, Harcourt, Brace World, Inc,
.New York, 1961
(8) وهذا ما يعرف بتعديل بلات
(Platt Amendment) راجع: PRATT: A History of United states Foreign policy, Op Cit, Pp 227-22.
(9) نفس المرجع، ص 201-205.
(10) BDMIS, S D: The United States as a world power Henry Holt and Company, .New York 1955, Pp 32-67
(11) برات: المرجع السابق، ص228 229، بيميس: المرجع السابق، ص 57 راجع أيضا: السيد رجب حراز: مبدأ مونرو وأزمة التضامن الأمريكى مجلة السياسة الدولية، العدد 6، أكتوبر 1966، ص 64، 83.
(12) WALTERSK ,F P: A History Of The League Of Nations, Oxford University .Press London 1960, Pp 393-395, 525 - 536
(13) The Memoirs of Cordell Hull, The Macmillan Company, Mew York, 1948 Vol I Pp 308-377, 688-700, 813-830; Vol II, Pp 1139-1153 1377-1426 DUROAELLE, J B: De Wilson A Roosevelt, Librairie Armand Colin, Paris,1960, Pp181 184, 201 205, 235,435-438 WELLES Sumner: Where Are We Heading? Hamish Hamilton, London 1947 Pp154-203 راجع أيضا:
برات: المرجع السابق، ص 367-379، بيميس:
المرجع السابق، ص 289-215
(14)ALFARO.R.J: The Rights And Duties Of States , In Recueil des Cours, Academy of International Law The Hague 1958, Pp .147-149
(15) De CONDE, A: Hoover s Latin American Policy in Issues in American Diplomacy Op Cit, Vol 2, Pp 247 - 248
تابع الهوامش:
(16) بيميس المرجع السابق، ص294.
(17) نفس المرجع، ص 295-299.
(18) سبق أن رفض مؤتمر بوينوس ايروس فى 1926، بسبب اعتراض الأرجنتين، الموافقة على مشروع معاهدة إنشاء لجنة استشارية دائمة تتكون من وزراء الخارجية.
(19) وقد حل هذا الميثاق محل معاهدة شابولتيبيك التى أبرمت فى مارس 1945.
(20) GOODSPEED, S S: The Nature And Function Function of International Organization, Oxford University Press, New York, 1959, Pp 554-563
(21) بيميس: المرجع السابق، ص 312-313.
(22) برات: المرجع السابق، ص 530-531.
(23) FAWCETT, J E S: Intervention in International Law, in Recueil Des Cours, Academy of International Law, The Hague, 1961, Pp 372-383
(24) برات: المرجع السابق، ص 532.
(25) نفس المرجع، ص 532-523.
(26) PFLAUM I P: Arena of Decision, Latin America In Crisis, Prentice, Hall, .Inc, Englewood Cliffs, N J,1964
(27) برات: المرجع السابق، ص535-538
(28) الأمم المتحدة: التقرير السنوى للامين العام عن أعمال المنظمة، 16 يونيو1964-15 يونيو1965، ص 93.
(29) نفس المرجع، ص 94-95.
(30) DREIER, J C: New Wine And Old Bottles, The Changing Inter American System in International Organization, Vol .XXII Number 2, Spring 1948, Pp, 477-493 (31) NIEDERGANG, M: Les Etats Unis ont du Accepter une Solution De Rechange a Leur Projet De Force Interamericaine Permanente, In Le Monde Diplomatique .Decembre 1966, P 1 et 8
(32) ALMARIC J: L intransigeance Des Etats Unis Compromet Gravement la Democratisation de L Organisation Des Etats Americains, In Le Monde .Diplomatique Avril 1966 P 2
(33) نفس المرجع.
(34) LDEM: Le Difficile Dialogue De Rio De Janeiro, in Le Monde Diplomatique, .Dec P 9
(35) درا ير: المرجع السابق، ص 482-493.
(36) SOUCHERE, Elena De La: Le Sort du Future Marché Commun Latino Latino Americain Se Jouera sur Le Plan de I industrie , in Le Monde Diplomatique,
.Mai 1967, P 16
(37) VLACAVA, C: Les difficultes de l A L A L C Seraient aplaies par une Reforme du Traite de Montevideo, in Le Monde .Diplomatique, Aout 1968, p 11