Share |
يناير 1971
1
سياسة رومانيا الخارجية تجاه إسرائيل
المصدر: السياسة الدولية
بقلم:   السيد عليوة

حظيت التطورات التى طرأت على العلاقات بين رومانيا وإسرائيل فى السنوات الأخيرة باهتمام المجتمع العربى على المستويين: الرسمى والشعبى ومرد هذا الاهتمام إلى الموقف الذى وقفته رومانيا خروجا على الموقف الإجماعى للدول الأوروبية الشيوعية (الاتحاد السوفيتى، ألبانيا، يوغوسلافيا، ألمانيا الديموقراطية، بولندا، المجر، تشيكوسلوفاكيا، وبلغاريا) من الصراع العربى - الإسرائيلى.
ونتناول فى هذا الموجز العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين، بادئين بالتعرف على أهم العوامل المؤثرة فى تطور هذه العلاقات، ثم نتناول تطور العلاقات فى فترة ما قبل يونيو 1967، ثم موقف رومانيا من أزمة الشرق الأوسط التى نشبت بنشوب حرب يونيو 1967، وأخيرا نتابع تطور العلاقات فى الآونة الأخيرة.
أولا: العوامل المؤثرة فى
العلاقات بين رومانيا وإسرائيل:
من الناحية النظرية، تتحدد معالم السياسة الخارجية لرومانيا من النصوص والوثائق والبيانات المنشورة لينكولاى شاوسسكو السكرتير العام للجنة المركزية للحزب الشيوعى الرومانى ورئيس مجلس الدولة، والت تأكدت فى إعلان 22 أغسطس 1968 الذى أصدرته الجمعية الوطنية الكبرى لجمهورية رومانيا الاشتراكية.
عن المبادئ الرئيسية لسياسة رومانيا الخارجية وتنص هذه المبادئ على إقامة وتنمية العلاقات مع كل دول العالم، بصرف النظر عن نظمها الاجتماعية والسياسية، وعلى أساس مبادئ الاستقلال والسيادة وعدم التدخل فى الشئون الداخلية والمنفعة المتبادلة.
وفى دراسة عن السياسة الخارجية لرومانيا كتبها كورنيليو مانيسكو وزير خارجيتها ونشرت فى مجلة انترناشيونال افيرز (كسفورد - يناير 1969)، نتبين أن هناك تأكيدا على التوسع المتزايد فى العلاقات الدولية لرومانيا فى السنوات الأخيرة، فقد أقامت علاقات جديدة مع نحو عشرين دولة، حتى بلغ عدد الدول التى تقيم رومانيا معها علاقات دبلوماسية 86 دولة. أما علاقاتها الاقتصادية والتبادل التجارى والتعاون الفنى والعلمى من مختلف البلدان، فقد ازداد حتى تناول أكثر من مائة دولة من أعضاء الأسرة الدولية.
ومن الملاحظ أن مشكلة الأمن الأوروبى تحظى فى المقام الأول باهتمام السياسة الرومانية كما أن رومانيا تهتم اهتماما خاصا بتمديد علاقاتها الاقتصادية والتجارية، ومن ثم نجد أن تجارتها الخارجية قد نمت خلال الفترة من 1960 إلى 1967 بنحو 11.8 فى المائة كما حدثت تغيرات هامة نوعية فى هيكل تجارة رومانيا الخارجية فالصادرات أصبحت تضم تجهيزات وآلات ومنتجات كيماوية وسلعا الاستهلاكية بلغت نسبتها فى عام 1960 نحو 24.6 فى المائة من إجمالى التبادل، ثم ارتفعت لتصل إلى 34.5 فى المائة عام 1966.
وإذا انتقلنا إلى سياسة إسرائيل الخارجية ألفيناها تمثل امتدادا لأهدافها السياسية والاقتصادية والعسكرية إلى ما وراء إطارها الجغرافى، كما أنها تمثل انعكاسا للواقع الموضوعى القائم فى فلسطين المحتلة، ولجملة الأحداث والتحالفات والبرامج التى أدت إلى قيام إسرائيل كيانا غريبا عن الأرض التى تقوم عليها وعن المحيط الذى تعيش وسطه.
وتستهدف السياسة الخارجية لإسرائيل عدة أغراض فى مقدمتها تثبيت وجودها وضمان أمنها وتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين والاتصال بيهود العالم، وتثبيت الوضع الاقتصادى وتأمين ورود السلاح إليها، وكذلك الخروج من العزلة التى يحاول العرب ضربها من حولها.
وبالتالى يمكن القول أن أبرز أهداف السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه العالم الشيوعى تتحدد فى مطلبين:
1ـ الاتصال بالجاليات اليهودية فى أوروبا الشرقية وفى الاتحاد السوفيتى والعمل على فتح الباب للمهاجرين من هناك إلى إسرائيل والواقع أن هذه الجاليات اليهودية تمثل بالنسبة لإسرائيل احتياطيا هاما، إذ أن نسبة اليهود هناك تبلغ حوالى 23 فى المائة من يهود العالم، وهى أكبر نسبة لليهود بعد الولايات المتحدة مباشرة.
ولا ترجع أهميتهم إلى ضخامة عددهم فقط، وإنما لأنهم يمثلون المصدر الوحيد الباقى للهجرة إسرائيل، بعد أن نضب معين الهجرة من أفريقيا وآسيا، وبعد أن اتضحت تماما الصعوبات التى تحول بين هجرة يهود أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية بسبب اتجاههم إلى الاندماج فى مجتمعاتهم.
2ـ إقامة العلاقات السياسية والاقتصادية مع دول هذه المنطقة التى تعد فى مجموعها سندا قويا لوجهة النظر العربية ومن ثم فإن التسلل إليها يعتبر من وجهة نظر إسرائيل تغلغلا له أهميته فى الخطوط الخلفية للجبهة المشايعة للعرب.
وحتى تكتمل لنا النظرة الموضوعية إلى العلاقات السياسية بين كل من رومانيا وإسرائيل، كعلاقة ديناميكية بين طرفين يتبادلان التأثير والتأثر ينبغى علينا أن تبحث عن مجموعة العوامل المؤثرة فى التغيرات التى تطرأ عليها.
يمكن القول أن هناك أربعة عوامل رئيسية تؤثر فى تطور العلاقات بين البلدين، وهذه العوامل هى:
- التطور الداخلى فى رومانيا.
- علاقات رومانيا بدول الكتلة الشرقية.
- علاقات رومانيا بدول المعسكر الغربى.
- أوضاع الجالية اليهودية فى رومانيا.
التطور الداخلى فى رومانيا:
تمثل مجموعة التطورات الداخلية فى رومانيا أهم مؤثر فى اتجاهات السياسة الخارجية الرومانية وهذه التطورات تتلخص فى انتهاج رومانيا لما يسمى بسياسة الاستقلال الاقتصادى عن دول الكوميكون (المنظمة الاقتصادية لدول شرق أوروبا) والتى تبلورت بصدد ما يسمى "إعلان الاستقلال الاقتصادى" فى أبريل 1964 فقد أكدت رومانيا معارضتها "لتقسيم العمل الاشتراكى" فى اجتماع اللجنة المركزية لحزب العمال الرومانى فى مارس 1963، حيث ذكر البيان الختامى للاجتماع أن رومانيا تريد الاستمرار فى عملية التصنيع وبناء الصناعة الثقيلة. وفى أبريل 1964 أصدرت اللجنة المركزية للحزب بيانا عارضت فيه السياسة الاقتصادية التى يتبعها الاتحاد السوفيتى فى الكوميكون، خشية أن يؤدى التخصص إلى تحويل رومانيا إلى دول زراعية أو ذات صناعة خفيفة فقط، بالإضافة إلى استخراج البترول.
ثم تدعم اتجاه الاستقلال الاقتصادى بموت الرئيس الرومانى جورجى دريجى فى 9 مارس 1969 إذ خلفه فى السلطة شيفاكوستويكا رئيسا وشاوسسكو سكرتيرا عاما للحزب الشيوعى الرومانى وأعقبت ذلك تغيرات داخلية ودستورية عام 1965 فقد تحول حزب العمال إلى حزب شيوعى، بدلا من الجمهورية الديموقراطية الشعبية سميت جمهورية رومانيا الاشتراكية، كما استبعدت فى الدستور الجديد العبارات التى تشير إلى دور الاتحاد السوفيتى كمحرر لرومانيا.
لقد استهدفت الخطة الخمسية الحالية فى رومانيا (1965 ـ 1970) زيادة الإنتاج الصناعى بنسبة 73 فى المائة والارتفاع بالإنتاج الزراعى بمعدل 32 فى المائة وقد عبر قادة الحزب الشيوعى الرومانى فى عام 1966 عن تأكيدهم لانتهاج سياسة مستقلة وذلك فى خطاب طويل ألقاه شاوسسكو فى 7 مايو من ذلك العام وتحدث فيه بإسهاب عن العلاقات بين الحزبين السوفيتى والرومانى.
وسعت رومانيا ابتداء من عام 1966 إلى فتح الباب أمام الاستثمارات الرأسمالية الغربية، فأنشأت مصنعين للسماد بوساطة شركتين من ألمانيا الغربية وكذلك مجزرا ومصنعا لتعبئة اللحوم (للتصدير للولايات المتحدة) عن طريق شركة أمريكية.
وجملة القول أن رغبة رومانيا فى تدعيم ما يسمى بالخطر "الاستقلالى" قد انعكس على علاقاتها بالمعسكر الشرقى وتقاربها مع الغرب وانتعاش ظروف الجالية اليهودية الرومانية، الأمر الذى مهد لمزيد من التقارب مع إسرائيل.
علاقة رومانيا بدول الكتلة الشرقية:
فى 25 يناير 1949 أعلن إنشاء الكوميكون كمنظمة اقتصادية بين الدول الاشتراكية، ثم بدأ الحديث عن التخصص وتقسيم العمل فى دورة مجلس الكوميكون عام 1956 وقد أيدت التخصص الدول الصناعية المتقدمة مثل تشيكوسلوفاكيا وألمانيا الديموقراطية، وعارضته الدول المصدرة للمواد الخام وظهر ذلك بوضوح فى موقف رومانيا والصين اللتين أبديتا معارضة لفكرة التخصص أى اجتماع زعماء أحزاب الدول الشيوعية فى يونيه 1962.
ومن ثم عملت رومانيا على تعزيز هذا الخط فى خلال السنوات التالية 1964 ـ 1967. وفى هذا الصدد نجد التقرير الخارجى الذى أصدرته مجلة الايكونومست (9 أبريل 1970) يشير إلى ظهور معارضة مباشرة، إلى جانب التأكيد التقليدى على موقف رومانيا من السيادة، من قبل الأوساط السياسية الرومانية تجاه تحذيرات قادة الوفد السوفيتى فى مؤتمر الحزب الشيوعى الرومانى عام 1969 حول التأكيدات الغادرة لبناء رؤوس جسور للإمبريالية وقد عارضت مجلة لوبتادى كلاسا (الصراع الطبقى) الشهرية التى يصدرها الحزب الرومانى (عدد يناير 1970) القول بأن إقامة علاقات مع الغرب يعنى بناء جسور للإمبريالية.
وقد نوه تقرير الايكونومست المذكور بأن توقيع معاهدة الصداقة بين الاتحاد السوفيتى ورومانيا - وهو الأمر الذى تم فعلا فى يوليو 1970 - يعنى تسامحا متزايدا من قبل الاتحاد السوفيتى إزاء الاتجاه غير الأرثوذكسى لسياسة رومانيا.
علاقة رومانيا بدول المعسكر الغربى:
هذا من ناحية، ومنن ناحية أخرى، فإنه فى الوقت الذى كانت فيه علاقات رومانيا بالدول الاشتراكية تميل إلى التقلص، كانت علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع الدول الغربية تتزايد فى النمو ولقد أشرنا فيما تقدم إلى تشجيع رومانيا للاستثمارات الوافدة من الدول الرأسمالية وتشير الإحصاءات (وفقا للتقرير الخارجى للايكونومست بتاريخ 7 أغسطس 1969) إلى أن تجارة رومانيا مع الغرب خلال الخمس سنوات الماضية فى توسع مطرد حتى وصل إلى 46 فى المائة من تجارتها مع بلاد غير شيوعية، هذا بالإضافة إلى تزايد معاملاتها مع ألمانيا الغربية، وقدرات المجلة المذكورة أن يصل نحو 60 ألف سائح غربى إلى رومانيا عام 1969 مقابل 349 ألفا فى 1968.
كذلك شهدت العلاقات الرومانية مع المعسكر الغربى تطورا جديدا بزيارة الرئيس الأمريكى نيكسون لرومانيا فى أغسطس من العام الماضى، هذه الزيارة التى رأت بعض الدوائر الغربية أن لها أهميتها الرمزية فى تدعيم ما يسمى بخط رومانيا الاستقلالى هذا بالإضافة (وفقا لتقرير الايكونومست السابق) إلى نتائج المفاوضات فى المجال الاقتصادى والثقافى وتقوية أمل رومانيا فى أن تلعب دور الوسيط بين الشرق والغرب، وأملها فى أن تنال شرط الدولة الأولى بالرعاية وهو الامتياز الذى منحته الولايات المتحدة لكل من يوغوسلافيا وبولندا فقط فى العالم الشيوعى. وكذلك رغبة رومانيا فى الإفادة من التكنولوجيا الأمريكية.
أوضاع الجالية اليهودية فى رومانيا:
تعتبر الجالية اليهودية فى رومانيا أكبر جالية يهودية (120 ألف نسمة) فى دول شرق أوروبا بعد الاتحاد السوفيتى، ورغم ذلك فإن نسبة الجالية اليهودية إلى عدد سكان رومانيا (أكثر من 19 مليون عام 1967) تعتبر نسبة ضئيلة (0.6 فى المائة) بيد أن أثر الجالية اليهودية فى موقف رومانيا لا يتوقف على عددهم فحسب، وإنما يتوقف كذلك على عوامل أخرى لعل أهمها درجة رقى اليهود ونفوذهم ومدى اندماجهم فى المجتمع الرومانى.
وعلى صعيد المشاركة اليهودية فى الحكم، ورغم أن "الكتاب السنوى اليهودى 1966" لا يشير إلى وجود أى أثر لسياسة لا سامية فى رومانيا، فقد أقيلت ثلاث شخصيات يهودية من مناصب اقتصادية مرموقة عام 1965 وهم ميخائيل تيرى وكان يشغل منصب وزير التجارة الخارجية، ومخائيل فلورسكو وكان يشغل منصب وزير الصناعة البتروكيماوية، وجورجى جاستون ماران كان يشغل منصب رئيس المجلس القومى للتصميم، إلا أنه استبقى فى منصب نائب رئيس الوزراء.
ومن جهة أخرى أكد "الكتاب السنوى اليهودى الأمريكى" أن السلطات الرومانية استمرت فى عام 1965 فى سياسة إطلاق سراح المعتقلين السياسيين التى بدأتها عام 1962 وأكد الكتاب أم من بين الذين أطلق سراحهم "بعض اليهود الموقوفين لنشاطهم الصهيونى".
وفى عام 1966 استمر اتجاه رومانيا "الاستقلالى" داخل الكتلة الشرقية، وازدادت صلاتها بالكتلة الغربية، وانعكست اتجاهات التقارب الرومانى الغربى على علاقات رومانيا بإسرائيل، وعلى جو الانفراج المطرد لنشاط الجالية اليهودية فى الداخل.
وقد أعلن حاخام رومانيا الأكبر، موسى روزين فى مقابلة صحفية "جويش كرونيكل" فى 3 مارس 1966 أو وضع اليهود فى رومانيا "تحسن جدا" ويلاحظ أنه يوجد فى رومانيا 72 منظمة يهودية وحوالى الثلاثمائة كينس، ويدير شئون الجالية "اتحاد الجاليات اليهودية" الذى يترأسه الحاخام روزين، ويعتبر الاتحاد رسميا، الممثل الشرعى لليهود الرومانيين تجاه السلطات. كما تصدر الحالية اليهودية مجلة خاصة بها باللغات الثلاث: الرومانية والعبرية واليديش.
وقد سمحت السلطات الرومانية للجالية اليهودية بالاشتراك فى المؤتمر الثامن والستين "لاتحاد الجاليات اليهودية الأرثوذكسية فى أمريكا" الذى افتتح فى واشنطن فى 23 نوفمبر 1966، ومثل الجالية اليهودية الرومانية الحاخام الأكبر روزين، الذى ألقى كلمة فى المؤتمر دعا فيها الزعماء الدينيين اليهود فى العالم أجمع إلى عقد اجتماع فى بوخارست فى فبراير 1967. وقال أن اجتماعا كهذا سيتيح تفاهما أكبر وتعاونا أوثق بين الجاليات اليهودية فى أوروبا الشرقية وجاليات الغرب، ويسهم فى إقامة "جسر روحى سليم" بين الجانبين. وأكد أن الجالية اليهودية فى رومانيا "هى جزء متكامل من الجالية اليهودية العالمية" وهى فى رومانيا "تطور بحرية حياة يهودية دينية وثقافية مستقلة". وأضاف أن يهود رومانيا يحتلون مراكز هامة فى جميع مستويات الحكم والصناعة والعلم والفنون.
والواقع أن الجالية اليهودية تلعب دورا مؤثرا فى الحياة العامة فى رومانيا، وبالتالى ينتظر أن يكون لها دورها المؤثر فى توجيه دفة السياسة الرومانية للتعاطف مع إسرائيل إلا أنه - فى تقديرى - لا تصح المبالغة فى دور الجالية اليهودية لاسيما أن رومانيا جمهورية اشتراكية تعتنق الماركسية اللينينية، وقد يكون دور الجالية اليهودية بمثابة نشر الشراع فى اتجاه الريح .. ريح العلاقات الدولية لرومانيا بين الشرق والغرب.
ثانيا: تطور العلاقات بين رومانيا
وإسرائيل فى فترة ما قبل يونيه 1967:
إن المتتبع لتطور العلاقات الدولية بين كل من رومانيا وإسرائيل، يذكر أن رومانيا سحبت ممثلها الدبلوماسى لدى إسرائيل عام 1956 على أثر العدوان الثلاثى على مصر. ثم عادت العلاقات إلى طبيعتها بين البلدين فى عام 1957 حيث ظلت رومانيا ممثلة بقائم بأعمال حتى 21 فبراير 1966 حين قدم أول وزير مفوض رومانى يعين فى إسرائيل أوراق اعتماده لرئيس إسرائيل زالمان شازار. وقد ألقى الوزير المفوض، بهذه المناسبة كلمة قال فيها أنه يأمل فى الإسهام فى تطوير العلاقات بين رومانيا وإسرائيل "تمشيا مع خط سياسة حكومته الداعية إلى السعى للسلام والتعاون مع جميع الدول دون تمييز بسبب أنظمتها المختلفة".
ورد شازار على كلمة الدبلوماسى الرومانى فقال أن حكومته تأمل أن ترى حلولا سلمية لجميع المشاكل الإقليمية وخلافات الحدود. وأشار إلى أن المهاجرين الرومانيين كانوا من أوائل المزارعين اليهود الذين حضروا إلى "إسرائيل" قبل 85 عاما، وأضاف أن موجات الهجرة التالية ساعدت على الإبقاء على "رباط روحى" بين البلدين. وهكذا يبين أن تعيين أول وزير مفوض لرومانيا فى إسرائيل، قد اعتبر من قبل الأوساط السياسية الإسرائيلية بمثابة تعبير عن حسن النية والرغبة فى زيادة التعاون بين البلدين خاصة وأن رومانيا ظل يمثلها فى إسرائيل طوال تسع سنوات قائم بالأعمال فقط.
ولقد شهدت العلاقات الإسرائيلية مع رومانيا بعض التحسن خلال عام 1966، إذ ذكرت صحيفة "معاريف" بتاريخ 19 مايو 1966 أن رومانيا أظهرت أكثر من مرة خلال السنوات الأخيرة سياستها المستقلة فى عدد من المؤسسات الدولية، وضربت الصحيفة مثلا بموقف رومانيا فى الدورة الواحدة والعشرين للأمم المتحدة أثناء التصويت على الاقتراح العربى بشأن تعيين قيم على أملاك الغائبين فى إسرائيل، إذا امتنعت رومانيا عن التصويت.
أما على صعيد العلاقات الثقافية والرياضية ففقد زار إسرائيل فى فبراير 1966 فريق الجيش الرومانى لكرة القدم لمنازلة منتخب إسرائيل كما أن الملحق الثقافى فى السفارة الرومانية فى إسرائيل. أهدى متحف الآلات الموسيقية فى القدس المحتلة فى ديسمبر 19 آلة موسيقية رومانية شعبية.
ويكشف تطور العلاقات الاقتصادية بين رومانيا وإسرائيل أكثر ما يكشف عن ذلك التقارب المتزايد بين البلدين فى مجال العلاقات الاقتصادية والتجارية.
إن نظرة سريعة على التجارة الخارجية الرومانية تبين أنه على الرغم من التقدم الذى أحرزته رومانيا فى ميدان الصناعة خلال العقد الأخير، إلا أنها مازالت تعتمد فى صادراتها على البترول والمنتجات بصفة أساسية.
وإذا درسنا حركة التعامل التجارى بين كل من رومانيا وإسرائيل، فإننا نجد إسرائيل تحتل مركزا متأخرا فى مجالى الصادرات والواردات. وقد نظم التبادل التجارى بينهما بموجب اتفاقيتى تجارة ودفع عقدتا عام 1954 تجددان تلقائيا، وقد بلغ الحد الأقصى لقيمة التبادل التجارى بين البلدين نتيجة لهاتين الاتفاقيتين حوالى 4 ملايين دولار.
وبحلول عام 1967 انتقلت العلاقات بين رومانيا وإسرائيل إلى مرحلة أكبر بكثير من مرحلة الاتفاقيات التجارية، حيث تميزت بالتعاون الاقتصادى متعدد الوجوه والواسع النطاق واقترنت بعد ذلك أواصر التعاون السياسى.
وشهد عام 1967 زيارات متبادلة بين المسئولين فى كلا البلدين، ففى أبريل زار سابير وزير الاقتصاد الإسرائيلى رومانيا وعاد من هناك ليؤكد أن المفاوضات التى أجراها "تفتح صفحة جديدة فى علاقات إسرائيل ورومانيا، وأن حجم التبادل التجارى المتفق عليه بينهما ابتداء من 1967 سيبلغ عشرة أضعاف حجم التجارة السابق".
ثالثا: موقف رومانيا من أزمة الشرق الأوسط:
كان لأحداث الشرق الأوسط عام 1967 أثرها الواضح فى تحديد الموقف الدولى للسياسة الرومانية، فمع تصاعد التهديدات الإسرائيلية للدول العربية فى مايو 1967 وتدهور الوضع إلى حافة الحرب فى المنطقة، ظهرت بوادر عطف رومانى رسمى على إسرائيل اتخذ فى هذه المرحلة، طابع "الحياد" الظاهرى بين الجانبين المتنازعين، وذلك خلافا لموقف باقى دول الكتلة الاشتراكية.
فى 31 مايو ذكرت وكالة الاسوشيتدبرس فى نبأ لها من فيينا أنه من "الملاحظ" أن رومانيا، خلافا لدول الكتلة الشرقية الأخرى، امتنعت إذاعتها عن مهاجمة دور إسرائيل فى تصعيد التوتر فى الشرق الأوسط، وأنها تكتفى بإذاعة "الوقائع" فقط.
كما أكدت رومانيا موقف التعاطف مع إسرائيل بامتناعها عن شجب العدوان الإسرائيلى على الدول العربية فى المؤتمر السرى الذى عقدته الدول الشيوعية فى موسكو فى 9 يونيو 1967، وبامتناعها عن توقيع البيان الذى صدر عن المؤتمر والذى دعا إلى انسحاب إسرائيل من الأراضى المحتلة. وقد قالت "الجيرزاليم بوست" أن رومانيا رفضت توقيع بيان موسكو رغم أن السكرتير العام للحزب الشيوعى الرومانى شاوسسكو ورئيس الوزراء الشيوعى أيون جورجى حضرا الاجتماع. وكذلك امتنعت رومانيا عن قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل أسوة بباقى الدول الاشتراكية.
وفى 10 يونيو 1967 أصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعى الرومانى تصريحا دعت فيه الجانبين العربى والإسرائيلى إلى التفاوض المباشر لتأمين السلام فى الشرق الأوسط وتدعيمه. وتجاهل التصريح الرومانى الإشارة إلى مؤتمر القمة الشيوعى الذى عقد فى موسكو قبل يوم واحد.
وفى الأمم المتحدة، دعا مورير رئيس وزراء رومانيا، إسرائيل إلى الانسحاب إلى ما وراء خطوط الهدنة، غير أنه لم يعتبر هذا الانسحاب غير مشروط، فدعا إسرائيل والعرب إلى إجراء "مفاوضات مباشرة" لتسوية النزاعات القائمة بينهما، وحذر من استعمال القوة لتأكيد "حق ما"، بيد أنه لم يخص إسرائيل بتهمة العدوان.
ثم استمرت رومانيا فى انتهاج سياسة منفصلة عن الكتلة الشرقية تجاه الأزمة العربية - الإسرائيلية، وامتنعت عن حضور مؤتمر قمة شيوعى ثان عقد فى بودابست من 10ـ 12 يوليو، وخصص لإظهار دعم دول الكتلة الشرقية للعرب فى "نضالهم ضد العدوان". كما أكدت رومانيا دعوتها لمفاوضات مباشرة بين العرب وإسرائيل أثناء زيارة رئيس الوزراء الرومانى، مورير، ووزير الخارجية كورنيليو مانيسكو لهولندا فى يوليو عام 1967، وذلك فى البيان المشترك الذى صدر عن الجانبين.
فى هذه المرحلة، ظهرت بوادر رغبة رومانية لتوسيع نطاق اتجاه "الاستقلال" السياسى عن دول الكتلة الشرقية لتشمل المجال العسكرى أيضا، فألقى السكرتير العام للحزب الشيوعى الرومانى، شاوسسكو، خطابا فى المجلس الوطنى الرومانى فى 24 يوليو 1967 دعا فيه إلى إلغاء حلفى الأطلنطى ووارسو، وإلى انسحاب جميع القوات العسكرية، بما فيها السوفيتية، من الأراضى الأجنبية وقال شاوسسكو أن رومانيا اختارت "موقفا انفراديا" فى مؤتمر القمة الشيوعية فى 9 يونيو، ورفضت توقيع البيان المشترك "لأنه تضمن بعض وجهات النظر غير المتفقة مع موقف حزبنا وحكومتنا". وأضاف أن الرومانيين بصفتهم "أصدقاء للعرب" أظهروا دوما تضامنهم معهم، إلا أنه يود أن يقول "لأصدقائه" بصراحة: "إننا لا نشارك الأوساط التى تحبذ تصفية دولة إسرائيل"، دون أن يشير إلى علاقة هذا الموقف برفض رومانيا شحب العدوان الإسرائيلى.
صفوة القول أن رومانيا حددت موقفها من مشكلة الشرق الأوسط، طبقا لما جاء على لسان وزير خارجيتها كورنيليو مانيسكو فى دراسته التى نشرتها مجلة انترناشيونال افيرز السابق الإشارة إليها، من أن "الحكومة الرومانية تعتبر قرار مجلس الأمن الصادر فى 22 نوفمبر 1967، إطارا صحيحا لتسوية مشكلة الشرق الأوسط وفى رأى الحكومة الرومانية أن أية تسوية للموقف فى الشرق الأوسط. تتطلب بالضرورة تنفيذ هذا القرار بلا تأخير، وعلى القوات الإسرائيلية أن تنسحب من المناطق المحتلة، وأن تتم تسوية مشكلة اللاجئين العرب الطليق لكل دولة فى المنطقة. أن القرار لا يقدم حلا سهلا للمشكلة، وتنفيذه يعتمد كلية على رغبة الأطراف المتنازعة فى الانتفاع بالفرصة التى يقدمها للوصول إلى فهم كاف للمصالح المشروعة لكل الأطراف المعنية".
رابعا: تطور العلاقات بين رومانيا
وإسرائيل فى الآونة الأخيرة:
وفى ضوء الموقف السياسى لرومانيا من أزمة الشرق الأوسط، نستطيع أن نتابع التطورات التى طرأت على العلاقات بينها وبين إسرائيل. ابتداء من سبتمبر 1967 عادت رومانيا إلى الإسهام فى الوضع فى الشرق الأوسط، ولكن ضمن حدود مؤتمرات دول الكتلة
المخصصة لمناقشة الموقف "الانفرادى" الذى اتخذته رومانيا من أزمة الشرق الأوسط، وبصورة خاصة موقف الامتناع عن إدانة العدوان الإسرائيلى، أو قطع العلاقات السياسية والاقتصادية مع إسرائيل.
وفى 6 سبتمبر سنة 1967، على وجه التحديد، شاركت رومانيا لأول مرة بعد حرب يونيو، فى توقع بيان شيوعى جماعى، وذلك على أثر الاجتماع الذى عقده المسئولون الأوروبيون الشرقيون فى بلجراد فى 4 سبتمبر لمناقشة وسائل مساعدة الدول العربية على تعويض الخسائر الاقتصادية التى نتجت عن الحرب مع إسرائيل. وقد حضر المؤتمر مسئولون على مستوى نواب رؤساء الوزارات من ثمانى دول شيوعية، بينها الاتحاد السوفيتى ورومانيا. وقالت وكالة "اليونايتد برس" أن رومانيا، التى قاطعت مؤتمرى قمة شيوعيين سابقين، وافقت على الحضور بعد أن أكد المؤتمرون أن غاية المؤتمر وأبحاثه تنحصر فى قضايا "المساعدة الاقتصادية" ولن يتطرق للقضايا "العسكرية أو السياسية".
وبالرجوع إلى الكتاب السنوى للقضية الفلسطينية لعام 1967(مؤسسة الدراسات الفلسطينية ببيروت) يتضح أن رومانيا شاركت فى 20 ديسمبر للمرة الثانية فى مؤتمر وزراء خارجية دول الكتلة الشرقية فى وارسو لتنسيق سياسة الكتلة الشرقية تجاه النزاع العربى - الإسرائيلى. وتؤكد وكالة "اليونايتد برس" فى تعليق لها من وارسو على المؤتمر، أن البيان الذى صدر عن المؤتمر فى 22 ديسمبر 1967 تحاشى وصم إسرائيل بالعدوان فيما بدا أنه تنازل من دول الكتلة الشرقية لرومانيا لقاء مشاركة رومانيا فى توقيع البيان.
وعلى أية حال، فإن الموقف السياسى المعلن لرومانيا، إنما هو موقف نظرى بحت، أقرب شبها بالمواقف المعلنة لكثير من الدول التى تعلن تأييدها لقرار مجلس الأمن، ولكن تتخذ مواقف عملية من أطراف النزاع تتفاوت طبقا لمصالحها وارتباطاتها. وفى هذا الصدد نجد أن المواقف العملية للسياسة الرومانية فى المنطقة قد كشفت عن اتجاهات متحيزة لإسرائيل، إذا قورنت بمواقف بقية دول الكتلة الشرقية، بل إذا قورنت بموقف دولة غربية عرفت بصداقتها لإسرائيل مثل فرنسا.
وقد انعكس التقارب الرومانى الإسرائيلى أكثر ما يكون على العلاقات الاقتصادية بين البلدين. وردا على زيارة سابير لرومانيا فى أبريل 1967 السابق الإشارة إليها، قامت بعثة اقتصادية رومانية برئاسة وزير التجارة الخارجية بزيارة إسرائيل فى ديسمبر من نفس العام.
ولمعرفة موقف إسرائيل تجاه استيراد البضائع من رومانيا بالنسبة للدول العربية يحسن الرجوع إلى الجدول السابق (المذكور فى صفحة 131) الذى يبين أهم الدول العربية المستوردة من رومانيا بالإضافة إلى إسرائيل. (مصدر الجدول كتاب الجيب الإحصائى لجمهورية رومانيا الاشتراكية عام 1968 - الصادر عن مجلس الإحصاء المركزى - وتم تمويل القيمة من العملة الرومانية "لى" إلى الدولار).
ومن هذا الجدول يتضح أن أيا من الدول العربية يزيد مقدار ما تستورده من رومانيا على ما تستورده إسرائيل منها، وأن إجمالى صادرات رومانيا إلى الدول العربية الست المذكورة لا يسوغ مقارنة مع صادرات رومانيا إلى إسرائيل نظرا لأنه يبلغ نحو خمسة عشر ضعفا أو أكثر.
كذلك يبين الجدول بوضوح أمرين رئيسيين:
أـ أن مستوى صادرات رومانيا إلى الدول العربية يفوق مستوى صادراتها إلى إسرائيل، وهذا مما يدعم العلاقات التجارية ويساعد على تنميتها بين الدول العربية ورومانيا.
ب ـ أن ما تخسره رومانيا فى حالة عدم تصديرها لإسرائيل - يمكن أن يعوض بأكثر منه إذا رغبت فى زيادة مقدار صادراتها إلى الدول العربية بنسبة 10 فى المائة حيث أن هذه النسبة تغطى، بل وتزيد عن صادرات رومانيا إلى إسرائيل.
أم إذا انتقلنا إلى الوجه الآخر من التجارة الخارجية الرومانية، ونعنى بذلك واردات رومانيا، فإن الجدول التالى (المذكور فى هذه الصفحة) يبين أهم الدول العربية التى تستورد منها رومانيا مقارنة بإسرائيل:
ومن هذا الجدول يتضح أن واردات رومانيا من الدول العربية يبلغ أكثر من عشرة أضعاف وارداتها من إسرائيل، فيما عدا عام 1967 حيث بدأت وارداتها من إسرائيل، وصادراتها إليها تتزايد.
وباستعراض وسائل تدعيم العلاقات الاقتصادية بين رومانيا وإسرائيل، يمكن لنا أن نلمس مدى الطفرة التى طفرتها هذه العلاقات حيث يبدو وكأنها ليست امتدادا للماضى، إذ انتقلت إلى مستويات أخرى غيرها.
وأهم وسائل تدعيم تلك العلاقات تتلخص فيما يلى:
1ـ إنشاء لجنة رومانية إسرائيلية مشتركة للشئون الاقتصادية برئاسة وزيرى التجارة فى كلا البلدين، وتجتمع دوريا لمراجعة وتنفيذ الاتفاقات الاقتصادية المعقودة بينهما.
2ـ عقد اتفاق تجارى واتفاق دفع فى فبراير عام 1967 لمدة ثلاث سنوات، نص على زيادة حجم التبادل التجارى بين البلدين بحيث تصل قيمته إلى 14 مليون دولار فى كلا الاتجاهين، مع العمل على زيادته بمقدار 10 فى المائة عام 1969، كما تضمن هذا الاتفاق أيضا قيام كل من الطرفين بتسويق منتجات الطرف الآخر فى سوق ثالثة. ولعل هذا الإجراء الأخير يعنى أن الاتفاق ليس نابعا من مدى حاجة كل من الطرفين إلى منتجات الطرف الثالث بالقدر الذى يعنى مدى كل من الطرفين فى تدعيم العلاقات الاقتصادية بينهما بأية طريقة، حتى وإن كان ذلك على حساب بعض الاتفاقيات التى قد يعقدها أى من الطرفين من الدول الأخرى.
3ـ عقد اتفاق تعاون اقتصادى(فنى وعلمى واقتصادى) وهو من أهم أعمال اللجنة المشتركة، أنشئت بموجبه مؤسسات مشتركة فى كل من البلدين، ففى رومانيا نص على إنشاء مؤسسات للصناعات الغذائية والكيماوية والدوائية والزراعية، وفى إسرائيل مؤسسات كيماوية. كما نص فى الاتفاق علاى الاستعانة بالخبرة الإسرائيلية فى مجال الرى.
4ـ عقد بروتوكول إضافى للاتفاق التجارى بتاريخ 28 يونيو 1968 تضمن تنظيم العلاقات بين البلدين فى مجالات السياحة والنقل الجوى والزراعة وبعض المجالات الإعلامية الأخرى كالسينما وغيرها.
وعلى أية حال، فإننا استعرضنا قائمتى السلع المقرر تبادلها فيما بين البلدين والواردة ضمن الاتفاقيات المشار إليه، فسنتبين ما يلى:
أ ـ صادرات رومانيا إلى إسرائيل: أهمها الجرارات والآلات الزراعية والمعدات الصناعية والمطاط ومضخات البترول والأخشاب والصناديق الخشبية واللحوم والأسماك والسكر والفواكه المجففة.
ب ـ صادرات إسرائيل لرومانيا: أهمها الفوسفات والآلات الزراعية والجرارات والأجهزة الإلكترونية والآلات والمعدات للنقل وسيارات نقل ومنسوجات قطنية وصوفية وألياف صناعية وأنابيب صلب وألومنيوم وزيت وفول الصويا.
ويتبين من قائمتى السلع الملحقة بالبروتوكول أن هناك افتراضا بزيادة مقدار التبادل طبق للقيم المرصودة أمام كل سلعة بزيادة قدرها 10 فى المائة سنويا تقريبا، كما أن هناك بعض السلع غير الآلات قدر تبادلها بمقدار 7 ملايين دولار فى عام 1969، و8.8 مليون دولار فى عام 1970 فى كلا الاتجاهين.
ويتطرق بنا الحديث إلى تناول العلاقات بين رومانيا وإسرائيل، ومن البديهى أن مستقبل العلاقات بينهما يتوقف على نتيجة التفاعل بين أهم العوامل المؤثرة، ومن بين هذه العوامل التى سبقت الإشارة إليها، كفاءة الدبلوماسية الإسرائيلية التى استغلت بقية الظروف السائدة أفضل استغلال، بينما نجد الموقف العربى كان أحيانا يتسم ببعض الانفعال. فإزاء رفع التمثيل السياسى بين رومانيا وإسرائيل إلى درجة السفارة فى أغسطس 1969، لم تجد الدبلوماسية العربية إلا التعبير عن سياستها بالغضب، فقطعت سوريا والعراق والسودان علاقاتها الدبلوماسية مع رومانيا، واكتفت ج. ع. م. بسحب سفيرها من بوخارست.
بل لقد وصل الأمر إلى المستوى الشعبى، إذا سمعنا أن الاتحاد الدولى للعمال العرب قد قطع علاقاته مع اتحاد العمال الرومانى: وبذلك كادت أن توصد جميع الأبواب فى وجه أى حوار فعال مع رومانيا: فى وقت تكون فيه المعاملات الاقتصادية العربية مع رومانيا معنا وليست علينا: أى أن تتخذ سلاحا فعالا للضغط على رومانيا، وذلك من واقع الحقائق التالية:
أ ـ أن التبادل التجارى بين رومانيا والدول العربى أكبر بكثير من التبادل التجارى بين إسرائيل ورومانيا، وهذا يسبغ على الدول العربية قوة تفاوضية أكبر من إسرائيل.
ب ـ أن معظم السلع الإسرائيلية المصدرة إلى رومانيا تتوفر مثيلاتها فى إنتاج الدول العربية، ويستند أمر منافسة إسرائيل فى رومانيا على كمية الإنتاج العربى القابل للتصدير.
ج ـ أنه على الرغم ممن زيادة أواصر العلاقات التجارية بين رومانيا وإسرائيل، فإن علاقة رومانيا مع الدول العربية فى هذا الشأن توحى بأن رومانيا ليست على استعداد للتضحية بالأسواق العربية ومن ثم فيمكن للمقاطعة العربية والدبلوماسية العربية أن تستند على هذا العامل.
وعلينا أن ندرك تماما أن العلاقة بيننا وبين أى عضو فى المجتمع الدولى ليست صورة معكوسة للعلاقة بين هذا العضو وإسرائيل فإذا تقلصت علاقاتها تمددت علاقاتنا، وإذا تمددت علاقاتها تقلصت علاقاتنا، إذ يجب أن نستبعد هذا الفهم من تصورتنا لأمور السياسة الدولية.
كما يجب ألا نغالى فى تقدير قيمة الدور الذى تقوم به الجالية اليهودية فى رومانيا، رغم فعاليته، فى توجيه السياسة الخارجية، وإلا كان هذا يعنى أن نقف عاجزين مكتوفى الأيدى حتى يبت فى أمر هذه الجالية، فإما أن تحل أى تهاجر إلى إسرائيل وهو أمر لا نرتضيه، وإما أن نستعدى عليها المجتمع الذى تعيش فيه، وهو أمر غير مقبول، لاسيما فى المجتمعات الاشتراكية التى تفتح أبواب الإنتاج أما جميع الأقليات الدينية، والثقافية والعنصرية.
لهذا يتعين علينا أن نتحرك من هذا الفهم المدرك لطبيعة العوامل المعقدة التى تحكم العلاقات بين الأمم، إذ أن شأن هذه المبادرات الواعية أن تكسب دبلوماسيتنا الرسمية والشعبية مرونة كافية تكفل لها النجاح والتأثير على طول المدى فى حجم وطبيعة العلاقات التى تقيمها إسرائيل مع الآخرين.
ومن الملاحظ فى الآونة الأخيرة أن الدبلوماسية الرومانية قد زادت من حركتها فى اتجاه تنمية العلاقات مع الدول العربية وفى مقدمتها الجمهورية العربية المتحدة. فقد زار القاهرة فى شهر مارس عام 1970 وفدا اقتصاديا رومانيا، وفى شهر مايو قدم وزير التجارة الخارجية الرومانية. علاوة على أن وفدا كبيرا برياسة رئيس الوزراء الرومانى حضر إلى القاهرة فى أول أكتوبر للمشاركة فى تشييع جنازة القائد الرئيس جمال عبدالناصر. وفى أوائل ديسمبر زار الجمهورية العربية المتحدة مسيو أيليسو وزير الشباب الرومانى الذى عقد عدة اجتماعات مع المسئولين والقادة العرب. كل هذا يضاعف من مسئولية الدبلوماسية العربية لتنمية حركتها الإيجابية استجابة للحقائق والظروف التى تحكم عالمنا المعاصر.