Share |
يناير 1974
1
الآثار السياسية على المجتمع الإسرائيلى
المصدر: السياسة الدولية

يسلم أغلب المراقبين السياسيين بأن أحداث حرب أكتوبر سوف تترك بصماتها على المجتمع الإسرائيلى والمتتبع للصحف الإسرائيلى يجدها تعكس حالة من الانتقاد لأغلب نواحى الحياة العامة من سياسة وحرب واقتصاد وإعلام ويعبر عن هذه الحالة موشى دور فى جريدة معاريف بقوله لقد حطمت حرب يوم الغفران، مثل قبضة جبار، طمأنينة المغفلين اللذين دللنا أنفسنا بها حتى صعقتا البرق هل ستعود حياتنا حقا إلى ما كانت علية قبل الحرب؟ هل من الممكن أن تعود إلى ما كانت عليه؟ هل ننسى؟ هل نستطيع أن ننسى؟(1)
وهكذا أوجدت الحرب جوا نفسيا اتسم بالاستياء والتوتر، عكسته التعليقات الصحفية، والسلوك الاجتماعى للإسرائيليين، وشويع هبوط الروح المعنوية والتشكك فيما تنقله أجهزة الإعلام الإسرائيلية (2)
وهكذا فإن حرب أكتوبر تطرح آثارا متعددة أو بعبارة أدق تؤثر على مجموعة التطورات الحاصلة فى المجتمع والتى كانت لها مؤشرات من قبل على جذب المجتمع الإسرائيلى وهياكله السياسية، وتوازنات القوى فيه ويعدد المراقبون هذه الآثار فى عودة قضية الأمن إلى البروز، باعتبارها أكثر القضايا إلحاحا بعد أن طرحت القضايا الاجتماعية ذاتها نسبيا فى عام 1973 نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية والتضخم المالى التى شغلت حيزا من المعركة الانتخابية، واحتمال حدوث تغيرات فى مراكز القوى داخل حزب العمل، كانخفاض الوزن النسبى لقوة ديان، وازدياد قوة سابير، وتصاعد لأسهم آهارون ياريف، واحتمال ضعف حزب العمل نتيجة مسئوليته عن الأحداث، وانفجار صراعات متعددة بداخله حول تحديد المسئوليات، الأمر الذى بلغ حد استقالة يعقوب شابيرو وزير العدل، وتبادل الاتهامات داخل الحزب، وتزايد فرص جبهة المعارضة ليكود فى الوصول إلى الحكم ومثل بروز مدى الاعتماد الإسرائيلى على الولايات المتحدة لدى الفرد الإسرائيلى العادى بشكل حاسم وقاطع أثناء النقاش الذى دار حول أسباب قبول إسرائيل لوقف إطلاق النار وكذا تزعزعت هيبة الحكومة عموما والمؤسسة العسكرية بصفة خاصة بعد أن كان ينظر إليها باحترام شديد إلا أن كل هذه التغيرات أو التطورات الممكنة والمحتملة، يجب النزر إليها فى إطار منهجى أشمل، وهو انخفاض مؤشرات الولاء الأيديولوجى، وبروز اتجاه نحو اليمين فى المجتمع، ونزع الصفة الكاريزمية عن النخبة الحاكمة، وهى تطورات كانت تحدث فى المجتمع ببطىء شديد، ولكنه مؤكد، وجاءت أحداث أكتوبر لتسرع بهذه التطورات وهدف هذه الدراسة هو التأصيل لهذه التحولات وإبراز أهم القضايا التى تثيرها، وانعكاساتها السياسية (3)
ونقطة الانطلاق فى هذه الدراسة هى انخفاض مؤشرات الولاء الأيديولوجى فى المجتمع، وبروز اتجاه لتحلل من الأيديولوجية، يتمثل فى الانصراف عن الأمور الأيديولوجية كمصدر للقيم الاجتماعية، أو كأساس للتوزيع الاقتصادى أو المكانة الاجتماعية، وقد عبر هذا الاتجاه عن ذاته فى عدد من التطورات، كبروز دور الوضع الطبقى كأساس للتوزيع، وتأكيد مصادر جديدة للمكانة الاجتماعية كالتعليم، والاهتمام بالأمور العملية البراجماتية، والبحث والرفاهية الشخصية(4)
وتنبع خطورة هذه الظواهر من فهم المجتمع الإسرائيلى كمجتمع عقيدى (5)، لعبت فيه الأيديولوجية الصهيونية دورا متميزا، فالأيديولوجية سبقت الدولة والمجتمع، بل أن المجتمع نشأ نتيجة اعتقاد أيديولوجى والإيمان بالصهيونية، وعكست مؤسسات المجتمع وقيمة وثقافة هذه الأيديولوجية، وبالتالى فإن التحول بعد فى أحد جوانبه تحولا عن الأساس التاريخى لوجود الدولة ذاتها، ويثير عددا من المشاكل المتعلقة بالتنظيم الاجتماعى، ونظام القيم السائد والفرضية التى تقدمها هذه الدراسة، هى أن هذا التحول، فى مجمله، يعمل لصالح أحزاب المعارضة اليمينية لها الأيديولوجية السائدة فى المجتمع هى العمالية ، وبالتالى فإن أى تحول عن الأيديولوجية أو أضاف لدورها فى المجتمع، يعنى حقيقة إضعاف لدور العنصر العمالى الحاكم فى المجتمع، حتى لو أخذنا فى الاعتبار محاولة الطبقة الحاكمة احتواء هذه التطورات وتبينها ولتأصيل هذه الفرضية ستتناول الدراسة الإطار التاريخى لسيادة الأيديولوجية العمالية، وبداية التحول الأيديولوجى نتيجة التغير الاجتماعى، ثم مظاهر هذا التحول ومقوماته، ثم مشاكل النخبة الحاكمة على ضوء ذلك إن فهم الأيديولوجية السائدة فى المجتمع الإسرائيلى، هل ما تسمى بالأيديولوجية العمالية أو سيادة عنصر العمل فى المجامع يتطلب الرجوع إلى مرحلة اليشوف (المجتمع اليهودى فى فلسطين قبل عام 1948)، وبالذات الدور الذى لعبه أفراد الهجرتين الثانية والثالثة (1904- 1914- 1919- 1923) فى تأكيد إنما طمعينة للحياة الاجتماعية، والسلوك الاجتماعى، فيما أسمى بأيديولوجية الرواد، وأهم قيمها التضحية بالذات، وتقديس العمل اليدوى، وتأكيد قيمة الحياة الريفية، وسموها بالمقارنة بحياة المدن وقد اتخذ هذا الدور تغييرا سياسيا وتنظيميا، عندما أصبح حاييم أرلسوروف رئيسا للإدارة السياسية بالوكالة اليهودية، وبن جوريون رئيسا لمجلس إدارتها، كما تم توحيد العمل فى الهستدروت الذى لعب دورا هاما فى السيطرة على مصادر الهجرة إلى فلسطين وقام بدوره فى بناء قرى المهاجرين الجدد فى أمكان استراتيجية، بحيث تتمكن من اجتذاب واستيعاب مزيد من المهاجرين وكانت خلاصة هذه التطورات، سيادة عنصر العمل فى النخبة السياسية للييشوف، وإلى درجة أقل فى التنمية الاقتصادية والثقافية، ونجاحه فى خلق الشعور بضرورة سيادة رؤيته وأفكاره فى كل المجالات ويعبر عالم الاجتماع الإسرائيلى ايزنتشتادت عن كل ذلك بقوله أن عنصر العمل قدم إطار الشخصية الجماعية للييشوف، وأساس الانتماء الاجتماعى لأعضائه (6).
وفى الثلاثينات، بدأ البيشوف يواجه مشكلة إرساء الأيديولوجية فى صورة مؤسسات routinization of ldeology واتخذت المشكلة شكلا واضحا فى فترة الهجرة الخامسة (1932- 1944) عندما بدأت تتضح مظاهر اختفاء روح الريادة، وتحلل الالتزام الأيديولوجى الذى ميز الفترة السابقة، فلم يعد الدافع إلى الهجرة هو الالتزام العقيدى بالصهيونية، الأمر الذى فرض على البيشوف قبول قيم الحياة البورجوازية المهنية وإبراز دور القطاع الخاص، والخروج على عقيدة العمل وقد شهدت هذه الفترة أيضا بروز دور المؤسسات التى بدأت تكتسب لنفسها دينامية مستقلة من واقع أنشطتها، وتفرض ضوابط تنمية تخرج عن حدود الالتزام النظرى بالصهيونية ويوضح ايزنشتادت بأن عملية التغير الاجتماعى، وبروز دور المؤسسات، بدأ يخلق صداما بين الفكرة الصهيونية بالمعنى الريادى وأبنيته البيشوف، فالدور الريادى كان هو أساس تكوين النخبة السياسية، وأساس توزيع الموارد الاقتصادية، ومصدر القيم الاجتماعية، والإحساس بالهوية والمشاركة السياسية، ولكن هذه القيم تعرضت لاهتزاز نتيجة تطور المؤسسات، ونتيجة التمييز الاقتصادى والاجتماعى الذى بدأ فى الوضوح بسبب خلفية المهاجرين، وآثار التطور الاقتصادى والاجتماعى (7). هذا التطور الذى استعرضنا ملامحه نتيجة الهجرة الخامسة، وإرساء الأيديولوجية فى المؤسسات، عبر عن نفسه بشكل أكثر وضوحا فى المجتمع الإسرائيلى فى صور تحلل أيديولوجى، يتمثل فى التحول السريع للمجتمع إلى الاستهلاكية، وانهيار روح الهجرة الثانية، ويأخذ هذا التحلل صورا محددة، فحواه شيوع الحياة الحضرية، والانخفاض المتزايد لدور الكيبوتز فى الحياة العامة ولنسبة أعضائه لمجموع السكان (5 فى المائة) واقتباس الكيوبترز لبعض أشكال التنظيم الرأسمالى وارتبط بانتقال التركز السكانى إلى المدن، ويخلخل روح الريادة، اهتزاز قيمة المساواة فى المجتمع، وأن قيمة الإنسان الاجتماعية ترتبط بالعمل، فنجد خصائص المجتمع الإسرائيلى اليوم الاتجاه إلى التعدد الطبقى، وازدياد التفاوت الطبقى بين الأغنياء والفقراء ويشهد المجتمع مزيدا من التجمع الطبقى، والتكوينات الرأسمالية التى ترتبط من ناحية بالصراع بين الأجيال ومن ناحية أخرى بالتناقض بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين كما يشهد تحالفا بين العسكرية من ناحية والقطاع الرأسمالى من ناحية أخرى ويمكن فى هذا الإطار إثارة أربعة قضايا أساسية: أولا من يدفع ثمن الحرب: اتسم عام 1973 بتفاقم حدة التناقضات الاجتماعية، نتيجة للتضخم المالى فالاقتصاد الإسرائيلى يعانى من حالة تضخم نقدى، برز بشكل خاص منذ عام 1970، نتيجة لأعداء الإنفاق العسكرى ولوجود اتجاه استهلاكى واضح وقد حاولت السياسة المالية الإسرائيلية وقف هذا التضخم بأساليب شتى، مثل اتباع سياسة تثبيت الأسعار والأجور والضرائب فى فبراير 1970 ومرة أخرى فى يناير 1972 و 1973 ورفع سعر الفائدة فى أول أبريل 1970 حتى يكون هناك حافز للجمهور على الادخار، والتقليل من الافتراض، وخفض العملة للتقليل من الاستيراد، وامتصاص السيولة الداخلية ورغم هذه الجهود، استمرت الأسعار فى الارتفاع بشكل كبير ففى عام 1971- 1972 مثلا كان متوسط ارتفاع الأسعار 8 فى المائة وارتفعت بعض الأسعار نسبة 13 فى المائة، وفى عام 1972 كان متوسط ارتفاع الأسعار 13 فى المائة ويمضى ارتفاع الأسعار فى عام 1973 بنسبة أكثر من 20 فى المائة (8).
وفى أبريل 1973 قامت وزارة التجارة والصناعة، برفع أسعار السكر والطحينة واللحوم المجمدة ومشتقات الألبان والوقود والغاز، رغم معارضة ممثلى الهستدروت لذلك أدت هذه التطورات إلى نقصان القيمة الشرائية للنفوذ فى أيدى الطبقات الفقيرة ومتوسطة الدخل الأمر الذى دفع بالتناقضات الاجتماعية إلى البروز فى شكل موجة إضرابات وخلافات عمالية عارمة فى كافة قطاعات المجتمع وإذا كانت حرب أكتوبر قد أدت إلى إخماد هذه التناقضات مؤقتا، نتيجة التركيز على قضية الأمن، فهى موضوعيا وفى الأجل الطويل تعمق من هذه التناقضات نتيجة زيادة الإنفاق العسكرى فى إسرائيل، والإجراءات الاقتصادية التى اتخذتها الحكومة مثل زيادة ضرائب الاستيراد والرسوم الجمركية بنسبة فى المائة، الأمر الذى سيؤدى كما ذكرت دافار فى 5 نوفمبر إلى زيادة تتراوح بين 6 فى المائة إلى 7.5 فى المائة فى نفقات المعيشة، كما ارتفعت تكاليف التدفئة المنزلية بنسبة 30 فى المائة والكهرباء بنسبة 30 فى المائة، وكذلك ارتفعت أسعار الثلاجات والغسالات وأجهزة التلفزيون كذلك قامت الحكومة بإلغاء الإعانات الحكومية للحوم المجمدة من 65 ليرات إلى 10 ليرات، وسعر كيلو الأرز من 1.89 ليرة إلى 2.80 ليرة (9) والأمر المؤكد إذن أن الطبقات الفقيرة والمتوسطة الدخل سوف تواجه أعباء كثيرة، وسوف تعبر عن نفسها فى شكل توترات اجتماعية وبالذات إذا وضعنا هذه النقطة فى إطار تزايد التفاوت الطبقى فى المجتمع من ناحية، وارتباط الفقر فى إسرائيل باليهود الشرقيين من ناحية أخرى ويعبر يورام كينوك عن قضية الطبقات التى ستتحمل نفقات الحرب بمطالبة فى دافار بتاريخ 11 نوفمبر 1973 بأن يشترك الأغنياء الجدد مع الشعب فى تحمل أعباء الحرب، ويقول لقد دفع الشعب ضرائب من أجل رفاهية الأغنياء الجدد والباشوات، وسيضطر إلى الدفع ثانية، وسيدفع عن طيب خاطر إذا عرف أن أولئك الذين استحموا بالشمبانيا وطاروا بالسيارات الفاخرة فى شوارع البلد سيدفعون أيضا (10) ويرتبط ذلك بالتكوين الأنثى للمجتمع إذا تذكرنا نتائج تقرير لجنة كاتز وهى لجنة حكومية يرأسه الدكتور إسرائيل كاتز مدير مؤسسة الضمان الاجتماعى عن التفاوت الاجتماعى والطائفى فى إسرائيل والتى أصدرت تقريرها عام 1973 والتى وصلت إلى أن 19 فى المائة من مجموع أطفال إسرائيل يعيشون فى حالة ضيق اجتماعى، وأن من 12 فى المائة إلى 94 فى المائة من هؤلاء ينتمون إلى أصول أفريقية وأسيوية (11)
ثانيا التحالف العسكرى الرأسمالى: لاحظ عدد من الباحثين وبالذات بعد عام 1967 بروز ما يمكن تسميته بالمركب العسكرى الصناعى وهو يتمثل فى تحالف العسكريين الذين يسعون إلى مزيد من السلاح وآلات الحرب مع الرأسماليين الصناعيين، الراغبين فى مزيد من الاستثمارات فى مجالات مضمونة وقد صاحب هذا التطور نفاذ الطبقة الرأسمالية إلى مستويات القيادة السياسية من خلال العسكريين ودخول بعض الضباط المتقاعدين ميدان الاستثمار الرأسمالى، الأمر الذى أوجد صلة أكثر قربا بين القطاعين (12).
هذا الاتجاه سوف يتدعم نتيجة تزايد الإنفاق العسكرى، فقد أعلن جدعون لأهاف المدير العام بوزارة التجارة والصناعة، أن طلبات وزارة الدفاع من القطاع الصناعى فى إسرائيل ستتزايد كثيرا عام 1974 (13) كما نشرت دافار فى 7 نوفمبر 1973 أن جهاز الأمن قدم بالفعل طلبات مختلفة إلى الصناعة المحلية بمبلغ 1.6 مليار ليرة إسرائيلية خلال شهر أكتوبر، نتيجة الحرب، وتتضمن الطلبات أنواعا مختلفة من الذخيرة وأجهزة الاتصال والملابس والأحذية والأغذية (14) ثالثا بروز دور اليمين:
وقد عبرت هذه الظاهرة عن ذاتها تنظيميا بإعلان جبهة ليكود فى 16 أغسطس عن خوض معركة انتخابات الهستدروت بين جحل والمركز الحر والقائمة الرأسمالية، ثم استمرار التحالف لخوض معركة انتخابات الكنيست، ووقع بروتوكول هذا التحالف فى 11 سبتمبر 1973 (15)، وكان ذلك تتويجا للاستراتيجية السياسية لليمين، التى تمثل أجروت، ثم جحل والتى تقوم أساسا على طرح نفسيو كبديل وليس كعارضة ويكفى أن نذكر أنه فى عام 1969 مثلا كان وزراء التجارة والصناعة والمواصلات والبريد ينتمون إلى جحل، الأمر الذى اسبغ عليهم وزنا سياسيا حقيقيا فى المجتمع (16).
لقد كانت مشكلة اليمين السياسى فى إسرائيل ذات شقين: الأول، عدم وجود أساس اقتصادى واضح له يرتبط به، ويعبر عن مصالحه والثانى، ارتباط أحزابه فى ذهن الفرد الإسرائيلى باللامسئولية والتطرف والمعارضة وأن نجاح اليمين السياسى لإسرائيل فى طرح نفسه كبديل لا يرتبط فقط بنجاحه فى توحيد صفوفه، ولكن فى ارتباطه بأساس اقتصادى يتمثل فى تحالف مع القطاع الرأسمالى الذى هيمن اقتصاديا ويسعى إلى مزيد من القوة السياسية (17)، ومن خلال المركب العسكرى الصناعى واليمين السياسى، يدرك اليوم أن نجاحه سياسيا يتحدد بارتباطه بالقطاع الرأسمالى والتعبير عن مصالحه أما المشكلة الثانية وهى ارتباط اليمين السياسى بالمنظمات الإرهابية الأردون وشترن ولشخصيات كميناحين بيجن التى تعبر عن تيارات متطرفة تصلح لأعمال العنف، ولكن تعجز عن إدارة شئون الدولة، ولمن يكن لدبه من الشخصيات العسكرية اللامعة ما تجعله مقبولا فى مجتمع تنطلق نخبته الحاكمة من تصور أن الأمن هى قضيته الأولى، فقد أمكن مواجهة هذه المشكلة عن طريق دخول بعض الشخصيات ذات الماضى العسكرى اللامع إلى صفوته مثل عزرا وايزمان، واريل شارون، وشلومو لاهام، وافراهام يوفى، وبالتالى أصبح للجيش أبطاله العسكريون الذين يمثلون المقابل لديان ورابين وياريف وهكذ انفتح الباب لليمين لتغيير صورته من معسكر عاجز ومعدوم الخبرة فى النطاق الأخر إلى معسكر قوى(18) ويزيد من هذا التطور أن شارون يقدم نفسه للرأى العام الإسرائيلى على أنه بطل حرب 1973 وهكذا يجد اليمين الإسرائيلى فى ظروف ما بعد حرب 1973 أفضل مناسبة لتأكيد دوره وطرح نفسه كبديل
رابعا: التنظيم السياسى والنخبة الحاكمة: أن أحد خصائص التزام الإسرائيلى، هو الدور المتميز لحزب الماباى فى الحياة السياسية؟، بحيث أصبحت قوته وتماكسه مصدر دعم للنظام السياسى، كما أن ضعفه وتفككه ينعكس على النظام فتاريخ الخمسة والعشرين سنة الماضية يوضح أنه لا يوجد حكومة بدون الماباى، وأن رئيس الوزراء ينتمى دائما إلى الماباى، وكذلك النخبة التى تسيطر على أهم الوزارات، وأن الحزب يعبر عن كل القوى السياسية فى المجتمع، وهو ما يعبر عنه بن جوريون بعبارة من الطبقة إلى الشعب (19) وثمة خصيصة أخرى للنظام هى وجود وحدة قيادية، تتمثل فى نخبة حاكمة متجانسة تستقر خلف التعدد التنظيمى للأحزاب والهيئات والتنظيمات فى المجتمع، ولها خصائص وسمات مشتركة (من الهجرتين الثانية والثالثة أو أولاد المهاجرين ينتمون إلى الهجرتين أصولهم ترجع إلى مشرق أوروبا وبالذات روسيا وبولندا إطار نفسى وتاريخى مشترك طابع الأسرة هو الطبقة العاملة أو البورجوازية الصغيرة أو الكبيوتز قدر متوسط من التعليم وبالذات التعليم الزراعى خبرة عسكرية فى الهاجاناه أو البالماخ سيطرة عقلية الجيتو عدم وجود مثقفين أو أساتذة جامعات) (20) من ناحية الماباى (حزب العمل) سوف يتعرض الحزب بالتأكيد لتوترات داخلية تتعلق بتحريد المسئولية عما حدث، وبالذات دور ديان، خاصة إذا أخذنا دور ديان، حصاة إذا أخذنا فى الاعتبار أن الفترة التى سبقت الحرب قد شهدت تعاظما لنفوذ ديان فى الحزب، الأمر الذى عبر عنه برنامج الحزب الانتخابى، وكيف أنه هدد بترك الحزب فى حالة عدم قبول آرائه وقد انفجر هذا الصراع بالفعل فى أكثر من شكل، الأمر الذى سيؤثر على قوة الحزب تجاه ليكود، وعلى صرة الحزب وهيبته لدى الرأى العام علاوة على ذلك فلسوف تتعرض نخبة حزب العمل التساؤلات حول طريقة إدارة عملها، ومدى ديمقراطية عملية صنع القرار السياسى وقد عبر عن ذلك الميجور جنرال احتياط ماتيتياهوبيليد رئيس إمدادات الجيش خلال حرب 1967 بقوله لدينا فى هذه الدولة وزارة مطبخ، وليس هناك من يعرف تشكيلها، أو على أى أساس تتخذ قراراتها وعندما ذكرت مائير أن الوزارة بأكملها سوف تتحمل المسئولية، رد شابيرو وزير العدل بأنه هو وآلون وسابيز وهافتيب وزير الشئون الدينية لم يؤخذ رأيهم بشأن الأزمة حتى قبل ساعات من اجتماع الحكومة وقرارها بتعبئة الاحتياطى يوم 6 أكتوبر (21) ويرتبط بذلك ما لوحظ من تركز بالغ للسلطة فى يد جولدا مائير على نطاق الحزب والحكومة، فلائحة حزب العمل الجديدة تعطى رئيسة الوزراء سلطة اختيار الوزراء، ثم عرضها على الحزب للموافقة (22) كما أن أصواتا فى الحزب ارتفعت ضد انعدام الديمقراطية (23) وفى الحكومة تركزت فى مائير السلطة، إلى درجة أن كل موضوع يصل إلى مكتبها، ولا يمكن أن يتخذ قرار بدون علمها، وكان الوحيد الذى يمارس بوجه الاستقلالية فى تصرفاته هو موشى ديان (24) لقد كانت النخبة الحاكمة تواجه مشاكل حقيقية، مثل تجاوز قياداتها لسن الستين (مائير 75، شابيرو 72، جفتى 72، سابير 66 أشرف 67) وازدياد عناصر السابرا فيها، وازدياد عملية تصنيع المجتمع، الأمر الذى يطرح مشاكل وقضايا اجتماعية جديدة، تستلزم مهارات قيادية مختلفة، وازدياد نسبة اليهود الشرقيين فى المجتمع مع عدم تمثيلهم الموازى فى النخبة، ثم مشكلة من يخلف جولدا مائير فى الحزب والوزراة مشاكل مازالت النخبة تواجهها بعد الحرب، لكن الحرب سوف تطرح أثرها بالتأكيد من زاوية الأسرع بزوال الصفة الكاريزية للنخبة، فقد كانت إحدى خصائص النخبة الحاكمة، وبالذات فى فترة الجيل الأول بن جوريون وموشى شاريت وجولدا مائير إعطاء قيمة تاريخية أو أيديولوجية لكل قرار سياسى (25) دعم من ذلك الدور التاريخى لهذا الجيل فى العمل من أجل إنشاء الدولة وتدعيمها بعد 1948 ولكن بالاختفاء التدريجى لهذا الجيل من القادة، وبروز قيادات شابة بدأت عملية ضعف الطابع الكاريزمى للقيادة، وتأكيد العوامل البراجماتية فى العمل السياسى، الأمر الذى دعمه التطور الاجتماعى وضعف مؤشرات الولاء الأيديولوجى الذى تناولناه من قبل؟ وهكذا تكتمل حلقات هذه الدراسة مجتمع يواجه تحولات أيدلوجيا والاتجاه نحو مجتمع صناعى استهلاكى كنتيجة لتطور العلاقات الرأسمالية فى المجتمع، وضعف قيم الأيديولوجية العمالية تفاوت واضح بين الطبقات يتجه إلى مزيد من التبلور والتجمع فى إطار ازدياد لنفقات الحرب تدفع أعباءه البشرية والنفسية والاقتصادية الطبقات الصغيرة الأمر الذى يؤدى إلى تفاقم حدة التناقضات الاجتماعية، وبالذات لارتباطها بالتفرقة الاثنية ثم بروز تحالف بين الرأسمالية الراغبة فى التوسع والاستثمار والمؤسسة العسكرية، ووحدة اليمين السياسى، وصعوده فى فترة تتميز باهتزاز صورة وهيبة الحكومة، وتواجه فيها النخبة الحاكمة مشاكل داخلية وخارجية شتى وإذا أدى ذلك كله إلى توازن فى القوى السياسية بين المعراخ وليكود، ألا يؤدى ذلك إلى إضعاف قدرة كل منهما على المناورة وبروز دور الأحزاب الصغيرة التى ستمتلك فى يدها وقت ذاك قدرة الحسم، على طريق قبول التآلف مع أى من الكتلتين الكبيرتين؟
الهوامش:
(1) معاريف بتاريخ 30 سبتمبر 1973 نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية م. د. ف. بتاريخ 16 نوفمبر 1973 ص 673
(2) أنظر تفاصيل ذلك ونماذج متعددة تعبر عن أغلب الصحف والتيارات السياسية فى إسرائيل فى ملحق العدد 20 من نشرة م د ف بتاريخ 6 نوفمبر 1973
(3) استخدامنا لكلمة يمين ويسار هو استخدام عام ويجب أن يفهم فى إطار المجتمع الإسرائيلى والحركة الصهيونية فاليمين يشير أساسا إلى مجموعة الحركات والتنظيمات التى انشقت على الحركة الصهيونية فيما يعرف باسم حركة المراجعة أو التصحيح وكذلك الأحزاب الدينية، واليسار أو الأحزاب العمالية تنصرف إلى الماباى والمابام واحدوت هاعفودا حول مشاكل تصنيف الأحزاب السياسية الإسرائيلية أنظر على الدين هلال: تكوين إسرائيل القاهرة 1969 ص 31- 54 وكذلك و10 سعد زروق نظرة أحزاب إسرائيل (بيروت 1966)
(6) SN EISENSTADT, ISRAELI SOCIETY (NEW YORK 1967) , PP 38 44 (7) المرجع السابق ص 44 46، 52 54
(8) أنظر ملحق هارتس بتاريخ 13 يونيو 1973، أنظر أيضا مقال عوديت زرطيل بعنوان ارتفاع وأكياس مثقوبة، فى ملحق دفار بتاريخ 15 يناير 1973
(9) إذاعة إسرائيل بتاريخ 5 نوفمبر 1973 أنظر كذلك نشرة م د ف بتاريخ 16 نوفمبر 1973 ص 677 679
(10) نشرة م د ف بتاريخ 16 نوفمبر 1973 ص 679
(11) ملخص للتقرير فى ملحق العدد 16 من نشرة م د ف بتاريخ 16 أغسطس 1973 وربما كان ذلك فى ذهن كاتزير رئيس الدولة فى إسرائيل عندما ذكر أن إسرائيل فيما بين 1967 و 1973 عاشت فى نشوة لم تكن الظروف تبررها أن هذه الحالة النفسية سادت كل المجالات عسكرية وسياسية واجتماعية وأحدثت فيها مواطن ضعف خطيرة تلقى مسئوليتها على الأمة بأسرها يجب أن نستخلص الدروس من نواحى الضعف المذكور وتتعلم كيف تعيش أكثر تواضعا وأن تكون أقل نزوعا إلى المادية وأن نبذل ما فى طاقتنا لتقريب النوادى بين مستويات معيشة مختلف عناصر شعبنا إذاعة إسرائيل بتاريخ 24 نوفمبر 1973
(12) د سعد الدين إبراهيم فى سوسيولوجية الصراع العربى الإسرائيلى (بيروت 1973) ص 125 126
(13) وأ ف بتاريخ 19 نوفمبر 1973
(14) نشرة م د ف بتاريخ 16 نوفمبر 1973 ص 668
(15) دارت المباحثات لتكوين هذا التحالف طيلة شهرى يوليو وأغسطس وتعرضت لمشاكل عديدة بين الأحزاب الثلاث وتوقف المباحثات أكثر من مرة أنظر تحليل لمشاكل التحالف THE JERUSALEM POST AUGUST, 14, 16, 1973 إعلان التحالف فى the jerusalem post august 31, 1973 أنظر المناقشات داخل جحل والخلافات بخصوصها فى معاريف 1 أغسطس 73 وكذا فى دافار بنفس التاريخ حول رفض مفادال الاشتراك فى التحالف أنظر هاتسوفية 2 أغسطس 1973 بالنسبة للتخلف الانتخابى للكنيست أنظر the jerusalem post august 31 and september 4 -6 -9, 1973 ومن الجدير بالذكر أن حركة أرض إسرائيل الكاملة قد مثلت خلال كل مراحل المباحثات (16) أنظر مقالات أورى افنيرى فى هاعولام هزى بتاريخ 29 ديسمبر 1969 و 29 ديسمبر 1973
(17) مقال بن ابراهام فى عل همشمار تاريخ 17 أغسطس 1973 فى نشرة م د ف بتاريخ 16 ديسمبر 1973 ص 582
الهوامش:
(18) بن ابراهام المرجع السابق
(19) الكتاب الأساسى فى الموضوع peter medding, mapai in israel cambridge, 1972 (20) د سعد الدين إبراهيم المرجع السابق ص 92- 129
(21) ى ب فى 4 نوفمبر 1973 يشير بيليد بوزارة المطبخ إلى الاجتماعات الخاصة التى تعقدها مائر مع عدد من وزرائها ومستشاريها وفيما تتخذ القرارات الكبرى والتى تعرض بعد ذلك على مجلس الوزراء كإجراء شكلى أنظر ى بن فوارت: مراكز القوى فى إسرائيل (بيروت 1973) ص 18- 20
(22) يوسف حريف جولدا تعود إلى السوق معاريف 13 يوليو 1973
(23) وزعت دائرة المشاكل الاجتماعية بالدائرة الرابعة بتل أبيب وثيقة تنتقد طريقة التعيين المتعلقة بالمناصب الهامة وكذلك انعدام الديمقراطية فى الحزب فيها يتعلق باتخاذ القرارات المتصلة بمسائل مبدئية، أنظر ران محسلو المتمردون فى حزب العمل هآرتس 14 ديسمبر 1972
(24) دان مرجليت كل شى يرجع إلى جولدا هآرتس 7 يوليو 1972 وتهكمت هآرتس يوم 4 سبتمبر 1972 فى مقال بعنوان تهديد لا يطاق بقولها كثير من الناس لا يحبون السبانخ ولكن يحتمل أنه إذا أرادت جولدا مائير أن يأكل جميع المواطنين الإسرائيليين سبانخ فى الشهر القادم فإننا جميعا سنأكل سبانخ أنظر أيضا مقال يوئيل ماركوس بعنوان الشكوى من عدم مرونة رئيسة الوزراء هآرتس 4 يوليو 1972
(25) ى. بن فورات: المرجع السابق ص 12- 15 ويرى أن أحد عناصر القيادة فى إسرائيل كانت وضع الأشخاص الناخبين فى مجال تاريخى مهم وإحساسهم بأنهم جزء من عملية تاريخية كبرى.