Share |
اكتوبر 1975
1
الانعكاسات الدولية لانقلاب بنجلاديش
المصدر: السياسة الدولية
بقلم:   مصطفى علوى

فى 15 أغسطس 1975 وقع انقلاب عسكرى فى بنجلاديش، أطاح بالشيخ مجيب الرحمن رئيس الجمهورية ونائبه ورئيس الوزراء وذلك، بعد مضى أقل من أربع سنوات على تحرير بنجلاديش، وفصلاها من باكستان، اثر حركة قادها الشيخ مجيب الذى كان يطلق عليه البانجا باندهو أى أبو الأمة فلماذا وقع ذلك الانقلاب؟ وما هى الآثار المتوقعة له سواء على الصعيد الداخلى، أو فى محيط التحرك الخارجى؟ إذا حاولنا أن نبحث عن الظروف التى هيأت المناخ الملائم لوقوع الانقلاب العسكرى ضد نظام الشيخ مجيب الرحمن، لاستطعنا أن نحدد أهمها على النحو التالى:
1- الحكم المطلق: كان الاتجاه المتزايد نحو الحكم المطلق، يمثل السمة الرئيسية فى البنيان السياسى، الذى كان يشيده الشيخ مجيب الرحمن فقد أعلنت حالة الطوارئ منذ بداية العام الحالى، وأوقفت الحقوق الفردية التى كان الدستور يضمنها، وتقرر حل جميع التنظيمات السياسية ولم يبق سوى رابطة عوامى الحزب الحاكم أى أن النظام اتجه إلى نظام الحزب الواحد واقترن بذلك، إلغاء حق تشكيل الأحزاب، ومعاودة الإشراف على الصحف ثم كان تنصيب الشيخ مجيب لنفسه رئيسا للجمهورية تصعيدا لدرجة التشخيص الاستبدادى للسلطة الأمر الذى مثل آثاره للعناصر الطامحة إلى السلطة من المناوئين للشيخ مجيب وفى تبريره للانقلاب، أعلن خندكار مشتاق أحمد الذى نصبه الانقلاب رئيسا لجمهورية بنجلاديش الإسلامية أن القضاء على الحكم المطلق هم الدافع الأساسى لتطور الأحداث الأخيرة فى بنجلاديش، وإذا كان الحكم المطلق هو أحد الظروف التى هيأت المناخ لوقوع الانقلاب، إلا أنه لا يمكن اعتباره السبب الوحيد، أو حتى الرئيسى أن الحكم المطلق، سمة تميز معظم النظم السياسية فى الدول المتخلفة ومع ذلك فإن بعض نظم الحكم المطلق، لا تعرف ظاهرة الانقلابات العسكرية، أو على الأقل لم تعرفها حتى الآن وحتى تعرف نظم الحكم المطلق ظاهرة الانقلابات، لابد أن تكون هناك عوامل أخرى تساعد على تفجر الموقف، وإشعال الفتيل كأن تقترن بسوء الأحوال الاجتماعية والاقتصادية إلى درجة كبيرة، وفشل أساليب النظام فى مواجهتها، أو أن يسود عدم التوازن فى علاقات القوة بين قوى السلطة الرئيسية داخل النظام وقد عرفت بنجلاديش هذين العاملين وبدرجة واضحة وبذلك تكتمل الصورة، ونعثر على مفتاح الأحداث، التى شهدتها داكا أخيرا 2- سوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية واضطرابها: نشأت دولة بنجلاديش، وهى تملك هيكلا اجتماعيا اقتصاديا مخلخل ومحتلا، ومن بين مظاهر ذلك، هذا العدد الهائل من السكان، فضلا عن زيادة هائلة فى معدل النمو السكانى ولم تقبل ذلك العدد الضخم، خاصة وان الدولة الناشئة قد برزت من بين أنقاض حرب شرسة يضاف إلى ذلك ارتفاع نسبة الأمية، والعجز عن التحكم فى الرأى وافتقار البنيان الاقتصادى إلى هيكل صناعى فعال، والفساد الإدارى، وتهريب البضائع ونفاذ المخزون منها، ولقد نستطيع أن نلم بصورة أفضل بخيوط المأساة التى تعيشها أيضا، الدورة المؤسفة للفيضانات والجفاف فالأمر يبدو كما لو كانت المشاكل التى توجهها بنجلاديش غير كافية، فإذا بالعوامل الطبيعية الجغرافية، أو تلك المأساة القادمة من السماء تأتى لتزيد من درجة قتامة الصورة ولم يعتمد نظام الشيخ مجيب على أساليب فعالة لمواجهة هذه المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، ولم توضع خطة متكاملة قادرة على هذه المواجهة بل اتجه ذلك النظام إلى إجراء شكلى، يتمثل فى تحويل النظام إلى نظام الحزب الواحد لمكافحة الفساد والاعتداءات السياسية والعمليات الإجرامية الخ على حد تعبير النظام ذاته ولم يكن ذلك الأسلوب متفقا مع الهدف الذى وضع له من الناحية الرسمية، وهو إحداث الثورة الثانية 3- عدم التوازن فى علاقات القوة بين العناصر والقوى السياسية الهامة داخل النظام السياسى، ولعل حداثة الدولة، أهم العوامل الدافعة إلى ذلك، إذ لم يكن ممكنا بناء وترسيخ علاقات القوة داخل النظام، على أساس محدد ومتوازن ومتكافئ ولم تتضح أبعاد الدور السياسى الذى يمكن لكل قوة أن تلعبه لقد ميز عدم التوافق علاقة الشيخ مجيب الرحمن بالجيش، وهو واحد من أقوى وأهم القوى السياسية الداخلية ولا يخفى أن العسكريين لم يرضوا عن وضع بنجلاديش تحت الوصاية الهندية، لأن تلك الوصاية أو السيطرة الخارجية، كانت تحرمهم من لعب دور أساسى فى الحياة السياسية وقد زاد من تدهور علاقة الشيخ مجيب بالجيش، تكوينه لقوات ميليشيا، خاصة واكى باهيتى الذى كان الهدف الأساسى منها مساندة سلطة الشيخ والدفاع عنها والاضطلاع بدور الجيش الخفى لذا ليس غريبا أن يكون الجيش هو الذى نظم حركة الانقلاب ورغم أن الشيخ مجيب الرحمن، ظل لمدة عشرين عاما تجسيدا للقومية البنغالية، إلا أن رد فعل الشعب البنغالى على حركة الانقلاب، اتسم كما هى الحال فى الدول المتخلفة بعدم المبالاة فليس هناك فى الدول المتخلفة عادة مسالك وقنوات تضمن تنظيم فعال لحركة الشعب أو الرأى العام، للتأثير فى تطور فى تطور الحياة السياسية وإلى جانب ذلك، ربما يكون الفشل الذى لازم نظام الشيخ مجيب فى الاستجابة لمطالب الشعب بعد الاستقلال، وفى مواجهة المشاكل العميقة والصعبة التى تعرضت لها بنجلاديش منذ الاستقلال، ربما يكون قد ساعد على تدعيم خاصية عدم المبالاة التى تميز رد فعل الرأى العام وإذا أردنا أن نحدد النتائج المتوقعة لذلك الانقلاب، لواجهتنا مشكلة عدم تحدد هوية النظام الجديد بشكل قاطع حتى الآن، لأن المعلومات المتاحة عن تلك الهوية تتسم بالندرة، فلسنا نعرف سوى ما أعلن عن شخصية رئيس الجمهورية الجديد خندكار مشتاق أحمد فهو معاد للشيوعية، متمسك بالإسلام وموال للغرب وقد كان مسئولا عن إدارة الشئون الخارجية فى الحكومة المؤقتة لبنجلاديش قبل الاستقلال وتقول المصادر الغربية أنه كان غير راض عن المساندة الدبلوماسية السوفيتية، ولا عن التدخل العسكرى الهندى، وأنه كان يبحث عن تسوية بالمفاوضات مع باكستان بدرجة أكبر من البحث عن الاستقلال من خلال خوض معركة مسلحة وقد سحب الشيخ مجيب من يناير 1972 بعد الاستقلال مسئولية إدارة الدبلوماسية، وأخذ يسند إليه مناصب وزارية أقل أهمية (العدل، الرى، ثم التجارة) وعلى الصعيد الداخلى: كان أو إعلان من النظام الجديد عن اتجاهاته، يتمثل فى تغيير اسم بنجلاديش إلى جمهورية بنجلاديش الإسلامية ، فهل يعنى ذلك تجاهل الاتجاهات الاشتراكية المتحفظة للنظام السابق؟ وسواء كان ذلك يعنى رفض الصيغة الاشتراكية المتحفظة للنظام السابق أم لا، إلا أن تغيير اسم الدولة لا يعنى أن النظام الجديد سوف ينجح فى مواجهة مشاكل بنجلاديش فلم يعلن النظام الجديد حتى الآن، عن تخطيطه لمواجهة هذه المشاكل والخطر الذى يواجه النظام الجديد فى هذا الصدد، هو احتمال اتجاهه إلى عسكرة السلطة أى تحقيق سيطرة الجيش على مراكز صنع القرار أن قدرة النظام الجديد على الحياة والاستمرار والتغيير، سوف تتحد بمدى النجاح فى تجنب العوامل السلبية الثلاثة التى سبق أن حددناها فى البداية، كعوامل أدت إلى تقويض سلطة النظام السابق: الحكم المطلق، اضطراب الأحوال الاقتصادية والاجتماعية، ثم اختلال علاقات القوة بين عناصر وقوى النظام السياسى وعلى الصعيد الخارجى، ليس هناك شك، فى أن الانقلاب العسكرى فى بنجلاديش، آثاره على السياسة والاستراتيجية الدوليتين، وبصفة خاصة على علاقات القوة الدولية والإقليمية فى منطقة جنوب آسيا وهنا تحديد خطين أساسيين للتغيرات المتوقعة: 1- التأثير المتوقع على العلاقات الإقليمية فى منطقة شبه القارة الهندية فالأمر الواضح أن النظام الجديد، سوف يبتعد عن نطاق السيطرة الهندية، ويقابل ذلك احتمال الاتجاه إلى علاقات أقوى مع الباكستان، الأمر الذى قد يدفع الأخيرة، إلى نوع من الاتصالات الجارية لتنفيذ اتفاقية سيملا بين الهند والباكستان، والقاضية بالدخول فى خطوات جزئية من أجل تحقيق نوع من المصالحة بين الدولتين، وتخليص العلاقات بينهما من سمة الانقلاب يمكن أن يؤدى إلى زيادة درجة التوتر فى العلاقات الإقليمية لدول المنطقة لقد أعلنت الهند أنه لن تقف موقف عدم الاكتراث مما حدث فى بنجلاديش وقد تستشعر أنديرا غاندى الرغبة فى القيام بعمل من أعمال ممارسة القوة، حتى يستبعد النفوذ الهندى المتدهور فى المنطقة بعد انقلاب بنجلاديش 2- الأثر المحتمل على علاقات القوة بين الدول الكبرى فى المنطقة أن الانقلاب يمثل نظاما يمينيا وسط مجموعة من الدول غير المتعاطفة مع الولايات المتحدة على الأقل فى منطقة جنوب آسيا, ومن هنا، فإن الوضع الجديد يمثل أهمية استراتيجية للولايات المتحدة التى كانت أول دولة تعلن عن انقلاب بنجلاديش، كما أنها أعربت عن ارتياحها لذلك التغيير الذى يعد ملائما لمصالحها الاستراتيجية أما الاتحاد السوفيتى، فإن انقلاب بنجلاديش يفقده أحد مراكز تدعيم نفوذه فى مياه جنوب آسيا، وترى الصين الشعبية فى ذلك الانقلاب، مظهرا لفشل سياسة المحاصرة السوفيتية للصين وخلاصة ذلك، أن انقلاب بنجلاديش، يمكن أن يخلق حالة من عدم الاستقرار فى المنطقة، نتيجة لتزايد درجة التوتر الدولى، الأمر الذى تهدد تأثيراته أمن المحيط الهندى أن هذه التغيرات المحتملة، تعتمد قبل أى شىء، على درجة استقرار النظام الجديد من ناحية، وعلى تحديد هويته من ناحية أخرى فالجيش مقسم الآن بين الضباط الشبان بقيادة القومندان داليم، الذى قاد عملية الانقلاب والرتب العليا، وعنصر قوة الضباط الشبان، هو القوة العددية، أما عنصر ضعفهم، فهو انعدام الخبرة الإدارية والسياسية وقد أدى هذا الانقسام، إلى إيجاد توازن هش بين القوى، لا يجرؤ أحد على تحطيمه الآن، لكنه قى لا يستمر موجودا لفترة طويلة، مع التعرض لتيارات الصراع المحتمل بين الفئتين أضف إلى ذلك، افتقار المدنيين إلى ممارسة السلطة، الأمر الذى يدفع إلى استمرار الجيش فى الاضطلاع بها، دون أن يحدد الأساليب والقنوات الملائمة لممارستها وهذا هو الخطر المحتمل على استقرار النظام الجديد ومن ناحية ثانية، ربما كان ذلك التوازن الهش، هو الذى أدى إلى اتفاق داخل الجيش على استمرار الحكومة السابقة مؤقتا، مع بعض التغيرات الطفيفة وتكتفى الحكومة الجديدة بتصريف الشئون اليومية، دون دليل على وجود تغيير حاسم وجوهرى وفى ذلك تدليل على عدم وضوح هوية النظام الجديد من ناحية، وضعف استقراره من ناحية أخرى، حتى أن بعض المراقبين يرى أن ما حدث كان على أفضل تقدير ثورة صغيرة تشبه مؤتمرات القصور.