Share |
يناير 1977
1
الصين الشعبية بعد ماوتسى تونج - صراع القوى السياسى فى الصين بعد ماو
المصدر: السياسة الدولية

وفقا لتعاليم الرئيس ماو ستدعم استعداداتنا لمواجهة أى احتمال للحرب كما ستضاعف من اليقظة لكى تكون دائما على الأهبة لسحق أى عدو يتجرأ على غزو بلادنا سنحرر تايوان أن الشعب الصينى تحت قيادة الحزب الشيوعى الصينى لديه الثقة التامة فى أنه سينتصر على الأعداء فى الداخل وفى الخارج سواء كما أنه سيتغلب على الصعوبات ويصل إلى هدفه كياو كوان هوا رئيس الوفد الصينى لدى الأمم المتحدة 15 أكتوبر 1976 لم يكد يمر شهر على وفاة ماوتسى تونج، حتى بدأت الأنباء تتسرب من داخل العاصمة الصينية، مشيرة إلى وجود صراع حاد على السلطة بعد وفاة أعظم زعماء الصين فى التاريخ الحديث فقد أعلن عن اعتقال شيانج شينج أرملة الزعيم الراحل، وثلاثة من كبار زعماء الحزب والحكومة الصينية والمعروفين باتجاهاتهم الراديكالية وهم:ـ دانج هوانج وين (40 سنة) وشانج شان شياو (60 سنة) وياو وين يوان 50 سنة وهم الذين يطلق عليهم اسم مجموعة شنغهاى وبالإضافة إلى الزعماء الأربعة، فقد اعتقل نحو أربعين من الشخصيات معظمهم من الصف الثانى فى القيادة الصينية، من بينهم يوهوى يونج وزير الثقافة الصينى وماو يوان لياو أبن شقيق ماوتسى تونج والمسئول السياسى لوحدات شينيجانج العسكرية، والمشرفون على صحيفة الشعب وراديو بكين وسرعان ما أعلنت السلطات الصينية عن اتهام الزعماء الأربعة، بمحاولة اغتيال هواكو فينج خليفة الزعيم ماو فى رئاسة الحزب الشيوعى الصينى ورئيس الوزراء بغرض الاستيلاء على السلطة وأعقبت هذا الإعلان المظاهرات التى شملت معظم المدن الصينية متهمة الزعماء الأربعة بأنهم يثيرون الانقسامات داخل الحزب، ويحرقون أفكار ماو، ويعارضون توجيهاته وفى أول نوفمبر 1976 أعرب جيش التحرير الشعبى الصينى بشكل رسمى، عن ثقته فى هواكو فينج ووصفته صحيفة جيش التحرير بأنه الزعيم الذى سيدفع بقضية ماو إلى الأمام وكان إعلان الجيش هذا، حسما لذلك الصراع على السلطة الصينية والذى نشب بعد وفاة الراحل العظيم مباشرة والحقيقة أن الدراسة المستقبلية لما سيحدث فى الصين خلال الفترة المقبلة، تواجهها العديد من الصعوبات، فهناك بداءة أزمة فى المعلومات عن الزعامة الصينية، وما يدور فى كواليسها من أحداث، فالأسوار الصينية غامضة، وتخفى الكثير من خلفها، ولا يمكن الاعتماد كثيرا على التحليلات والتنبؤات الغربية فى هذا الصدد فقد دللت فى لحظات كثيرة على خطئها، وعدم قدرتها على فهم المجتمع الصينى وبنائه السياسى فالكثير من المحللين فى الغرب، يعتمدون فى رؤيتهم للمجتمع الصينى، على قراءة ما يصدره هذا المجتمع من صحف ونشرات، وعلى أجهزة التصنت والتسمع فى مدينة هونج كونج، وحين يعجز هؤلاء المحللون عن قراءة ما بين السطور وفهم الغاز اللغة الصينية ورموزها، فإنهم يعمدون إلى إسباغ تجارب أخرى على التجربة الصينية، محاولين الاستشفاف وإطلاق النتائج ومن جانب آخر فإن هناك صعوبة متعلقة باللغة السياسية التى تستخدمها المعسكرات المتصارعة فى الصين فالاتهامات المتبادلة يغلب عليها الحديث عن الخروج على خط الرئيس ماو و الجنوح إلى الطريق الرأسمالى ومن ثم فإن الأيديولوجية، هى التى غالبا ما تظهر فوق سطح الصراعات السياسية بينما تكاد تختفى تماما خلفها، ماذا تعنيه هذه الشعارات من مصالح وسياسات محددة وأخيرا، فإن الصعوبة الثالثة تتعلق بأن الصراع على السلطة فى الصين، لا نعتقد لأسباب متعددة إنه قد انتهى فهناك العديد من المتغيرات والتناقضات التى لا تزال آثارها وتفاعلاتها نشطة فى البنيان السياسى الصينى، ولذلك فإننا لا نطمح فى هذه الدراسة، لرسم صورة مستقبلية لما ستكون عليه السلطة السياسية بعد ماو، وبعد سقوط مجموعة شنغهاى، ولكن ما نرنو له، هو رسم خريطة للقوى السياسية الأساسية فى الصين، وتحديد الاتجاه العام للزعامة الصينية الحالية، مقدمين لذلك بنظرة ماوتسى تونج عن الخلافة السياسية فى الصين
أولا:ـ الأيديولوجية الماوية والثورة المستمرة:ـ تعد فكرة الثورة المستمرة إحدى الحقائق الرئيسية فى الفكر الماوى، وخاصة خلال السنوات العشر الأخيرة من حياته فقد كانت نظرة ماو الرئيسية أن التطور الصينى سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، لا يمكن أن يتم إلا من خلال الثورة والثورة فى فكرة ليست مأدبة ولا كتابة مقال ولا رسم صورة ولا تطريز ثوب، فلا يمكن أن تكون ممثل تلك اللياقة والوداعة والرقة، أو ذلك الهدوء واللطف والأدب والتسامح وضبط النفس، أن الثورة انتفاضة وعمل عنيف، تلجأ إليه إحدى الطبقات للإطاحة بطبقة أخرى وكان ماو يشعر دائما، أن هناك ضرورة لاستمرار العملية الثورية هذه، فهناك دائما خطر على الثورة كامن داخل الحدود، من الطبقات القديمة من البورجوازيين وملاك الأراضى والفلاحين الأغبياء والأشرار وسائر أنواع الشياطين والغيلان، والذين يرغبون فى امتصاص الثورة وعودة الصين إلى الوراء فانتصار الثور، واستيلاء حزب البروليتاريا على السلطة، لا يعنى أن الطبقة المهزومة سوف تركن إلى الاستسلام، ولكنها سوف تباشر كل أعمال الثورة المضادة وهنا فإن ماو يعطى ثقلا خاصا للمواجهة الأيديولوجية مع الطبقات القديمة فهو يقول فى مقال له فى فبراير 1957 حول المعالجة الصحيحة للتناقضات بين صفوف الشعب أن حسم نتيجة الصراع الأيديولوجى بين الاشتراكية والرأسمالية فى الصين، يتطلب فترة طويلة أخرى والسبب فى ذلك، هو أن تأثير البورجوازية والمثقفين الذين انحدروا من المجتمع القديم، سيظل فى بلادنا لفترة طويلة، وهو سيدوم بصفته أيديولوجية طبقية زمنا طويلا أيضا فإذا لم ندرك هذا الوضع كما ينبغى أو لم ندركه بتاتا، فسوف نرتكب أفدح الأخطاء، ونهمل شن الصراع اللازم فى الحقل الأيديولوجى أن ماو يعود مرة أخرى لترديد نفس الأفكار، وتتبناها اللجنة المركزية للحزب الشيوعى الصينى فى تقريرها فى أغسطس 1966 أبان الثورة الثقافية الصينية فالتقرير يتضمن مع أن البورجوازية قد انهزمت، فأنها ما تزال تحاول استخدام العناصر المستغلة من قديم الأفكار والثقافة والتقاليد والعادات، بغية إغواء الجماهير وسلب عقولها والسعى ما استطاعت إلى اصطناع نكسة فعلى البروليتاريا أن تتصدر مجابهة كل تحد بورجوازى فى الميدان الأيديولوجى، وأن تستخدم الأفكار والثقافة والتقاليد والعادات البروليتارية الحديثة، لتغيير المفاهيم الذهنية للمجتمع بأسره ولم يكن ماو يتحدث عن الطبقات القديمة فقط، ولكنه أيضا يتحدث عن الطبقات الجديدة التى نشأت بعد الثورة، وتريد أن تحافظ على امتيازاتها فالطبقات والصراع الطبقى مازالا قائمين، حتى بعد أن أنجز، من حيث الأساس، التحول الاشتراكى فيما يتعلق بملكية وسائل الإنتاج ومن ثم فقد خرج ماو بنظرية مؤداها أن البورجوازية موجودة فى داخل الحزب الشيوعى بالذات وطرح نظرية مواصلة الثورة فى ظل ديكتاتورية البروليتاريا أن هذه البورجوازية الجديدة هم من دعاهم ماو بالتحريفيين:ـ هؤلاء الذين يعتقدون أنه بالتحرير قد تم كل شئ، والضباط الذين يأبون أن يكونوا على نفس المستوى من الجنود، والبيروقراطيون الحزبيون الذين يرمون إلى حماية الميزات التى اكتسبوها، والتكنوقراطيون الذين يرفضون المساواة مع العمال، والمثقفون الذين يدافعون عن عملهم، الذى يمتاز عن عمل الآخرين، والفلاحون الذين بعد أن وصلوا إلى مستوى معيشة أفضل، يميلون إلى أن يصبحوا من ذوى الأملاك لقد كان هناك تخوف أساسى لدى ماو من هؤلاء، وعلى وجه الخصوص من البيروقراطيين والتكنوقراط الذين يرون عملية التنمية مجرد قضية فنية تتعلق بالتمويل والاستثمارات ومستوى التكنولوجيا وهى وجهة النظر التى رآها ماو مناقضة لفكرته عن ضرورة السير على القدمين معا وهى تعنى أن التقدم يحدث بالاعتماد على تطور متوازن بين القطاعات المتخلفة والمتقدمة، مع الاحتفاظ دائما بعلاقة جدلية بين المدينة والقرية، بين العمل الذهنى والعمل اليدوى، بين الصناعة والزراعة وفى النهاية وضع السياسة فى المرتبة الأولى، وأن تكون هناك علاقة دائمة بين القوانين الاقتصادية والموقف الاجتماعى ومن ثم فإن ماو فى مؤتمر اللجنة المركزية للحزب الشيوعى الصينى السالف الذكر، ذكر أن هدفنا فى الوقت الراهن، هو أن نكافح ونهزم أولئك القائمين بالحكم والمترسمين طريق الرأسمالية وهى العبارة التى ذاع صيتها بعد ذلك، واستخدمتها جميع الأطراف المتصارعة فى الصين وعاد ماو بعد أن أشعل نيران الثورة الثقافية بسياسته الشهيرة فى نهر اليانجتسى ليقول أن مسألة تكوين خلفاء يحافظون على الثورة، تتعلق بمعرفة ما إذا كنا قادرين أم لا على منع التحريفية فى الصين أنها مسألة حياة أو موت بالنسبة لحزبنا ولبلدنا، لعشرات الآلاف من السنين ولم تكن القضية لدى ماو، مجرد مقاومة الطبقات القديمة والتحريفيين الجدد فقط ولكنه كان يرى أن العملية الثورية، فى حد ذاتها، ضرورية لإنضاج الأجيال الجديدة فى الصين، ودفعها للاستمرار فى الطريق الثورى لقد كانت قضية الخلافة راسخة فى ذهن ماو بطريقة لا تقبل الجدل، وشغلته هذه القضية منذ نهاية الخمسينات على أن النباتات التى تزرع فى الغرف الزجاجية، لا يهيأ لها حظ وافر من الصلابة ومن ثم فقد قال لادجار سنو بوضوح:ـ أن مستقبل الثورة الصينية يبقى غير مضمون العواقب مادام أن هذا الجيل يقدم البراهين على قدرته على الكفاح وعلى إخلاصه للقضية الشيوعية ومن وجهة النظر هذه، كان ماو يعتقد فى ضرورة وجود ثورات ثقافية متلاحقة، تستجيب للتناقضات الجديدة التى تنشأ حتما فى المجتمع الاشتراكى، وتنصهر خلالها الأجيال الجديدة
ثانيا:ـ القوى السياسية الرئيسية فى الصين:ـ فى اعتقادنا، فإن الصين قد عرفت وخاصة خلال السنوات العشر الماضية ثلاث قوى سياسية رئيسية هى:ـ الراديكاليون ومن عرفوا بالمعتلين والجيش وسنتناول كلا منهم على حدة:ـ
1 ـ الراديكاليون:ـ أصبح من المتعارف عليه بين الذين يبحثون فى الشئون الصينية، إطلاق اسم الراديكاليون على هذه المجموعة من السياسيين الصينيين، الذين لمعوا مع الثورة الثقافية، وقاموا بدور بارز فيها، وعلى الأخص هذه المجموعة المعروفة بثلاثى شنغهاى، وبمعنى آخر، فإن هذه المجموعة تستمد شرعيتها فى الحياة السياسية الصينية، من الدور الذى لعبته خلال الثورة الثقافية وأهلها للمشاركة فى اللجنة المركزية والمكتب السياسى للحزب الشيوعى الصينى وهى بذلك على خلال الحرس القديم للثورة الذى يستمد شرعيته من مشاركته فى الزحف الطويل، والمقاومة ضد اليابانيين، والإطاحة بشأن كاى شيك، وإقامة المجتمع الاشتراكى فى الصين، والتى أدرجت معظم أسمائها فى قائمة من سموا بالمعتدلين وأبرز نجوم هذا الاتجاه، وانج هونج وين، عامل نسيج سابق بمدينة شنغهاى حتى عام 1967 وعرف فى المجال السياسى الصينى مع الثورة الثقافية، عندما أسس فصيلة الحرس الأحمر بالمدينة، فأحرز النصر على العناصر المعادية للثورة، ثم اصبح عضوا باللجنة المركزية عام 1969، ونائبا لرئيس الحزب عام 1973 والثانى تشانغ تشون تشياو، الذى عمل فى وكالة أنباء الصين الجديدة، ومنذ عام 1954 أصبح يدير أكبر صحف شنغهاى اليومية ويعد أحد المخططين للثورة الثقافية، مما دفع به لعضوية اللجنة المركزية عام 1969، ثم عضوا دائما بالمكتب السياسى ونائبا لرئيس الوزراء فى 1975 والثالث باو وين يوان، وكانت مقالته فى مجلة شنغهاى الأدبية ين هوى باو والتى هاجم فيها أوبرا يوهان عزل هاجوى أحد مثيرات الثورة الثقافية التى هاجمت الثقافة التقليدية ودفعه موقفة هذا ليكون أبرز المحرضين فى الثورة الثقافية، ويصبح رئيسا للجنة الثقافية الثورية عام 1966، ثم عضوا باللجنة المركزية فى نفس العام والمكتب السياسى وأخيرا تأتى تشيانج شينج زوجه ماو والنجمة السينمائية القديمة فى مدينة شنغهاى والتى دخلت الثورة الثقافية الصينية مثل ياو وين وان، من باب الفن والأدب ثم أصبحت بعد ذلك عضوا فى اللجنة المركزية والمكتب السياسى فى عام 1969 لقد شاركت هذه المجموعة ماو بقوة أبان الثورة الثقافية، فى الدعوة إلى نظريته عن الثورة المستمرة، وضرورة وضع السياسة فى مقدمة كل المسائل الصينية، والدعوة إلى دراسة وتطبيق آراء ماو، وتنمية الأولويات الربع:ـ أولوية الإنسان على المادة والعمل السياسى على الأنشطة الأخرى، والعمل العقائدى على الصور الأخرى للعمل السياسى، والأفكار الحية على الأفكار البالية وشاركت هذه المجموعة فى صياغة تقرير اللجنة المركزية فى أغسطس 1966 الذى أقر بشرعية الثورة الثقافية والذى حدد أهدافها فى ست عشرة نقطة، تتلخص فى تنمية التقاليد الثورية والديموقراطية المركزية، وتصفية المفاهيم الآتية من الخارج، والتقدم فى طريق التنمية الصناعية الذى يتلاءم مع البلاد، ودعوة الحزب لكى يستحوذ فى يديه على الشئون العسكرية، ودعوة الأمة لكى تصبح كلها أمة محاربة لقد لعبت هذه المجموعة دورا بارزا فى الحياة السياسية الصينية، وعلى وجه الخصوص فى المجال الإعلامى والأيديولوجى ومما دعم قوتها، أنها كانت تستند إلى ماوتسى تونج شخصيا، الذى عضد الكثير من آرائها الثورية فشنت حملات دورية على هؤلاء الذين فى السلطة وفى الحزب ويسيرون على الطريق الرأسمالى وكانت آخر معاركها المنتصرة، هى التى قادتها فى مواجهة تنج هسياو بنج وهو أحد النجوم البارزة فى معسكر المعتدلين وكان تنج أحد الذين أدينوا أبان الثورة الثقافية، وأقيل من منصبه فى اللجنة المركزية للحزب سنة 1966، وقدم نقدا ذاتيا علنيا لنفسه فى أكتوبر من نفس العام، وظل يعمل بين القواعد فى إحدى المزارع فى منغوليا الداخلية، بعيدا عن مسرح السياسة العامة لمدة سبع سنوات، حتى عاد إلى السلطة مرة أخرى، بتأثير من شواين لاى فى عام 1973 وانتخب فى يناير 1975 نائبا لرئيس الحزب الشيوعى وعضوا باللجنة الدائمة للمكتب السياسى بالإضافة إلى منصب نائب رئيس الوزراء ومع مطلع عام 1976 توفى شواين لاى فى 8 يناير، وبادر الجناح الراديكالى بشن الهجوم على تنج، وخاصة بعد أن قام عدد من العناصر الموالية لتنج بالتظاهر فى إبريل 1976 استنكارا لإزالة الملصقات وأكاليل الزهور التى وضعت على النصب التذكارى لإبطال الشعب بمناسبة ذكرى وفاة شو فى يوم عيد الموتى الصينى وآنذاك شن هذا الجناح حملة عنيفة على تنج وأنصار الجناح المعتدل ووصفت صحيفة الشعب الصينية هذه الأحداث، بأنها موجهة من جانب قوى المقاومة الشعواء ضد الزعيم ماو والحزب وقالت أن تنج هسياو بنج عميل البرجوازية أصبح أكثر عزلة يوما بعد يوم وحينما تمت إقالة تنج من جميع مناصبه، قالت الصحيفة أن الحزب حقق انتصارا عظيما، رغم أن الصراع الطبقى فى الصين يتسم بدرجة كبيرة من الحدة والتعقيد وآنذاك بدأ لكثير من المراقبين، أن الجناح الراديكالى أصبحت له اليد الطولى فى الحياة السياسية الصينية، ولأفكاره حول المساواة، والاعتماد على الذات، والتكنولوجيا الصينية، والنظر بشك متزايد لنظريات الانفتاح على الخارج وبدأ اختيارهم لهواكوفينج رئيس الوزراء وزعيم الحزب الحالى مقدمة للانتزاع الكامل للسلطة السياسية
2 ـ المعتدلون:ـ فى مواجهة الجناح الراديكالى، كان هناك دائما جناح معتدل ينظر بحذر شديد إلى الأفكار التى طرحها الراديكاليون وكانت القضية الأولى لدى هؤلاء المعتدلين هى التنمية الاقتصادية فقد رأت هذه المجموعة، أن هناك فرقا بين الأيديولوجية الثورية التى تقوم أساسا على فكرة المساواة، وبين الفعالية فى العمل الاقتصادى، وضرورة اعتماده على درجة من الاستقرار السياسى، وأن بناء الاشتراكية لا يتم من خلال استثارة الجماهير ولكن من خلال حزب بروليتارى يسعى لتقوية الهياكل الأساسية للمجتمع لقد مثل هذا الجناح مجموعات البيروقراطيين والتكنوقراط من الحزبيين القدامى، الذين انخرطوا فى السلك المدنى والحزبى بعد الثورة، ورأوا أن عديدا من السياسات التى طرحها ماو فى المجال الاقتصادى، قد انتهت إلى الفشل، أو إعطاء نتائج متواضعة، نتيجة عدم اتباع قواعد الرشاد الاقتصادى فى هذه الأعمال فقد فشلت استراتيجية القفزة الكبرى التى رسمها ماو، فى تحقيق الأهداف المطلوبة منها، وحتى تجربة الكوميونات التى بدأت عام 1958، قادت إلى نتائج متواضعة لقد رمت تجربة الكوميونات، بالإضافة إلى المحافظة على مبدأ الملكية الجماعية للأرض، إلى تحويل المجتمعات الزراعية إلى مجتمعات صناعية، عن طريق دفع أجور شهرية كما فى الصناعة، على أساس أن يعمل أعضاء الكومونه كالعمال فى المصانع وفقا لساعات محددة ويأكلون فى مطاعم، ويقلون أطفالهم لدور الحضانة كما يفعل عمال المدن وقد سببت التجربة فى بدايتها تفاؤلا ضخما فى الصين، فورد فى قرار اللجنة المركزية فى أغسطس 1958:ـ لا يبدو أن تحقيق الشيوعية فى الصين ليس احتمالا بعيدا أننا سنستخدم الكومونات الشعبية لكى تحاول بفعالية، فتح طريق جديد نحو المجتمع الشيوعى وأصبحت النتيجة المنتظرة من التجربة أن تؤدى إلى تحول بروليتارى عام فى البلاد ولكن تجربة 1958 لم تؤد إلى النتيجة المنتظرة، فلم تكن الوحدات الإنتاجية تعمل بكفاءة، فضلا عن أن صغر هذه الوحدات رفع من تكلفة الإنتاج وأدى التخلف التكنولوجى، إلى رداءة الإنتاج، وأصبح من غير المعقول تطبيق الطرق الصناعية فى مناطق تتمتع بالشروط الاقتصادية الملائمة من تجمع سكانى ملائم، مزود بجملة من المنشآت والمرافق الكافية، فضلا عن رداءة طرق الاتصال بين الكوميونات وهكذا لم تبق الأفران العالية المصغرة لمصانع الفولاذ فى الريف طويلا حتى انطفأت، وعادت هذه الكوميونات فى أغلبها للاقتصار على الشئون الزراعية لقد كان تواضع النتائج الاقتصادية للتجربة الماوية فى الخمسينات، سببا فى تقوية الاتجاهات المعتدلة وزيادة نفوذ البيروقراطيين والتكنوقراط، الذين طرحوا التنمية كقضية فنية ذات قواعد اقتصادية علمية وتزعم هذا الاتجاه، ليو تشاوتشى رئيس الجمهورية ونائب رئيس الحزب، الذى تغلغل مع أنصاره فى الحزب، وبدأ أن سلطة ماو أخذت فى التقلص، حتى أن كثيرا من المحللين يرون أن ماو قد قام بثورته الثقافية فى منتصف الستينات لانتزاع السلطة من هؤلاء بالخروج على الحزب، والالتجاء إلى الجماهير وتأليبها على الحزب الذى أصبح يشبه إلى حد كبير، الحزب الشيوعى السوفييتى، إذ أصبح المكتب السياسى هو السلطة الحاكمة فى البلاد ورغم الضربة التى وجهت لهذا الجناح أبان الثورة الثقافية، فقد ظل ذا تأثير قوى فى المجتمع الصينى خاصة إنه لقى تأييدا من قبل شواين لاى رئيس الوزراء الصينى، الذى كان بحكم منصبة، يرى ضرورة أن يسير الإنتاج قدما بنفس الطريقة التى يحدث بها العمل الثورى ومن ثم فإنه مع بداية السبعينات، بدأت الصين تعود إلى وضعها الطبيعى، فقد استعاد الحزب قيادة البلاد، وتم تقليص دور الجيش كما سيرد فيما بعد فى العمل السياسى، وأعيد تشكيل لجان الحزب، وأصبحت تشرف على اللجان الثورية التى تشكلت ابان الثورة الثقافية وأعيد تشكيل المنظمات النقابية ومنظمات الشباب وفى يناير 1975 عقد المؤتمر القومى للحزب الذى كانت أهم قراراته المصادقة على الدستور الصينى الدائم ولم تكتف هذه المجموعة بالاتجاه نحو الشرعية داخليا فقط، ولكنها أيضا أخذت فى الاتجاه نحو الشرعية دوليا، بعودة الصين إلى الأمم المتحدة ومن ثم عادت شعارات هذه المجموعة إلى الارتفاع مرة أخرى، وأعلن تنج هسياو بنج نائب رئيس الوزراء شواين لاى، أنه لا يهم لون القط، وإنما المهم قدرته على صيد الفئران وكان يعنى بذلك أن المهم هو الإنتاج وزيادته، وليس مهما بعد ذلك اللون الأيديولوجى للقائمين بذلك ورأى المعتدلون كذلك، أن الانفتاح على العالم الغربى، يمكن أن يسرع بخطى التكنولوجيا الصينية نحو الرقى وأكثر من هذا، فقد هاجموا كفاءة الأجيال الجديدة التى نشأت وفقا للبرامج الخاصة بإعداد الإنسان وبنائه، والتى كان وراءها الراديكاليون، وعبروا عن اعتقادهم بأن الأجيال التى نشأت وفقا لهذه البرامج، إنما هى أجيال أقل كفاءة من هؤلاء الذين تربوا فى المدارس الأمريكية والسوفيتية، وأن المستوى العلمى المنخفض لهذه الأجيال، لن يصلح لسد متطلبات التطورات الاقتصادية، التى تهدف الصين إلى تحقيقها
3 ـ الجيش:ـ يجب التنبيه منذ البداية، إلى حقيقة أن الفاصل بين المدنيين والعسكريين فى الصين، هو أقل وضوحا مما هو عليه فى البلدان الأخرى، وخاصة فى المناصب القيادية فإن كثيرا من الشخصيات الهامة تحتل مراكز فى كل من الحكومة والحزب والمؤسسة العسكرية ولكن بشكل عام، فإن العسكريين الصينيين، يخضعون للإطار الماركسى اللينينى الذى يجعل المدنيين فى قيادة الحزب يشرفون على المؤسسة العسكريةتبعا للمبدأ القائل أن الحزب هو الذى يوجه البندقية وقد ظل الجيش الصينى متبعا هذه القاعدة منذ قيام الدولة حتى عام 1966 حيث حدثت الثورة الثقافية وأبان الثورة، فإن ماو استعان بالجيش، بمساندة العناصر الراديكالية فى الثورة الثقافية وهنا حدث تناقض بين الجيش الذى تزعمه آنذاك لين بياو، الذى أصدر المبادئ الخمس للثورة وأصبح من أكبر دعاتها، والحرس الأحمر الذى شكله شباب الثورة، مما نجمت عنه مصادمات عديدة بين الفريقين وفى يوم 5 سبتمبر 1967 تلقى الجيش الصينى تعليمات من ماو، مفادها أن مهمة الجيش هى توفير الأمن للبلاد، وإيقاف الصراعات التى تدور بين العناصر المتخاصمة ومنذ ذلك الحين، تدعمت سلطة الجيش فى الحياة السياسية الصينية، فقام بإجراءات صارمة ضد الحرس الأحمر، وأصبح مهيمنا على الثورة، وظهرت ذلك واضحا عند انعقاد المؤتمر التاسع للحزب الشيوعى الصينى فى إبريل عام 1969 فقد وافق المؤتمر رسميا على قانون جديد، ينص على اختيار لين بياو خليفة لماوتسى تونج، وعند تشكيل اللجنة المركزية للحزب، ضمت 44 فى المائة منها من القوات المسلحة، وبلغ عد العسكريين فى المكتب السياسى أحد عشر عضوا من بين عشرين عضوا، هم أعضاء المكتب ولكن قبل انعقاد المؤتمر العاشر للحزب، كان ماو قد تنبه إلى خطورة تزايد دور العسكريين، فتم اغتيال لين بياو، وقبلها كانت قد تمت تنحية رفاقه من منطقة بكين العسكرية وحين عقد المؤتمر العاشر، تم اختيار عدد من النواب للرئيس ماو، وتمت زيادة عدد الأعضاء باللجنة المركزية 40 عضوا، بحيث صار العدد 319، وهذه الزيادة كانت متعمدة، إذ كان القصد منها تقوية العناصر الممثلة لماو والحكومة، بحيث تنخفض نسبة العسكريين وبذلك عاد الجيش مرة ثانية ليكون تابعا للحزب ولكن هذا لا يعنى أن العسكريين قد ابتعدوا عن العمل السياسى، ولكن يمكن القول أنه حدث انقلاب فى اتجاهه السياسى فبعد أن كان الجيش ذا اتجاهات يسارية بتأثير من لين بياو والعناصر الراديكالية الأخرى، فإن الجيش أخذ بعد ذلك فى الاتجاه أكثر ناحية المعتدلين والحقيقة أن للجيش مصلحة فى ذلك، فرغم أن الفكرة الماوية عن الصراع ضد الأعداء الخارجيين تقوم على تأكيد الكفاءة الأكيدة للحرب الشعبية، والتى منها نبع شعار ماو احفروا الأنفاق، خزنوا الغلال فى كل مكان، ولا تبحثوا أبدا عن الهيمنة، فإن الجيش الذى حدث له تطور ضخم أبان رئاسة لين بياو، أصبح عليه أن يواجه قضايا السلاح والتكنولوجيا، خاصة وأن الصراع الصينى السوفييتى، قد امتد بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة ولذلك فإننا نعتقد، أن حاجة الجيش إلى التطوير، جعلته يجنح إلى جانب المعتدلين أنى الصراع الأخير وهو ما بدأ من موقف شى هس لين قائد منطقة بكين العسكرية، والذى تردد أن الراديكاليين حاولوا الاستعانة به ضد هواكوفينج، ولكنه قام بإبلاغ الأخير بالمؤامرة
ثالثا:ـ الصين فى ظل هواكوفينج:ـ نخلص مما سبق، إلى أن هناك ثلاث قوى رئيسية فى الصين:ـ الراديكاليون من مجموعة شنغهاى الذين يصرون على نقاء الفكرة المادية وصفائها فى ضرورة استمرار الثورة، ووضع الأيديولوجية والسياسة فوق الاقتصاد، ويطرحون الأفكار المثالية حول المساواة ويريدون يوتوبيا صينية تقوم على الاعتماد على الذات والمعتدلون الذين يضعون الممارسة العملية فى المقدمة، والاقتصاد قبل السياسة، ويرون أن التنمية الاقتصادية، هى التحدى الأول للصين، وأن هذه التنمية بحاجة إلى دفعة قوية من التكنولوجيا فى العالم الغربى والجيش الذى يرغب فى أن يرفع من مستواه وينمى قوته الذرية وصناعة الدبابات والطائرات تلك الصناعات التى تطورت كثيرا فى الصين، وخاصة فى السنوات من 1969 ـ 1971 أبان سيطرة لين بياو على الجيش، ويرغب الآن فى تطويرها وتحسينها، ويحتاج إلى مناخ مستقر بلا توترات، يتم فيها هذا التطوير هذه التيارات الثلاثة أصبحت الآن مطلقة اليد فى الصراع، خاصة بعد أن اختفى أو قارب على الاختفاء، معظم جيل الثورة القديم حتى لقد كان عام 1976 عاما للدموع بين الشعب الصينى، فقد توفى فيه ماوتسى تونج وشواين لاى وشوته، وقبلهم بعدة شهور توفى تونج بى ود رئيس الجمهورية بالنيابة (إبريل 1975) وكانج شنج عضو اللجنة الدائمة للمكتب السياسى (ديسمبر 1975) لقد كانت هذه الشخصيات التاريخية تقوم بعمل توازنات بارعة، نظرا لتأثيرها الشخصى وقدرتها على خلق الموازنات والأثقال المضادة بين التيارات المختلفة أما الآن فقد بدأ الصراع ينطلق من عقاله ولكننا فى هذا المجال، لا نتفق مع بعض الصحف الغربية مثل صحيفة الهيرالد تريبيون الدولية التى رأت فى شهر سبتمبر الماضى أن الصين على شفا حرب أهلية والواقع أن كل هذا الصراع والتناقضات، تدور بدرجة أو بأخرى فى فلك الحزب الشيوعى الصينى، ووفق تفسيرات مختلفة، فى إطار الفلسفة الماركسية اللينينية الماوية ومن ثم فإننا لا نصل إلى هذا الحد من إمكانيات الصراع، وإن كان سيأخذ أسلوب تصفية بعض هذه التيارات على مستوى القمة، ثم دفع قواعد الحزب والشارع الصينى، لتأييد الخطوة الجديدة وكان هذا هو ما حدث تماما فى صراع أكتوبر 1976، الذى أطاح بمجموعة شنغهاى والراديكاليين، ليندفع تيار المعتدلين، ليحكموا سيطرتهم على الحزب والحكومة، ويقف الجيش مؤيدا لهم خلف الستار، تحت قيادة الزعيم الجديد هواكوفينج ولقد بدأ هناك عديد من المؤشرات، التى تشير إلى إعطاء أولوية للتنمية الاقتصادية والعمل على زيادة الإنتاج ففى الأيام التالية لأزمة أكتوبر مباشرة، صعد نجم لى هين نين نائب رئيس الوزراء، والمعروف عنه أنه أحد أعضاء الحرس القديم فى القيادة الصينية ورغم أن ذلك نقطة قد تسجل ضده نظرا لكبر سنة (71 عاما)، إلا أن وجوده قد يكون باعثا على اطمئنان أعداد غفيرة من الصينيين وفضلا عن ذلك، فإنه ظل دائما أحد الوثيقى الصلة بشواين لاى، ويعتبر أحد المهندسين للتجربة الاقتصادية فى الصين وهى السياسة التى كان يعترضها الراديكاليون وهناك إشارة أخرى إلى العودة إلى الاقتصاد فى عودة وأن لى وزير السكك الحديدية، الذى كان قد أقصى مع تنج هيساو بنج، نظرا لأنه حاول التغلب على مشاكل العمل فى السكة الحديد، عن طريق رفع الأجور وهى السياسة التى كان يناوئها الراديكاليون، ويفضلون عليها الحوافز المعنوية، كذلك فإن هناك مؤشرات عديدة، إلى أن الخطة الخمسية للتنمية التى طرحها هيساو بنج من قبل، قد بدأت علاماتها تعود إلى الظهور ولكن ذلك لا يعنى أن هواكوفينج قد حسم كل شئ، فقد أصيبت قيادة الحزب بخلل شديد من جراء أزمة أكتوبر وإقصاء العناصر الراديكالية فمن بين نواب رئيس اللجنة المركزية السبعة، لم يبق غير نائب واحد هو شين ينج (78 عاما) الذى عين وزير للدفاع فى يناير 1975 بالإضافة إلى منصبه كنائب رئيس اللجنة العسكرية فى الحزب وبالنسبة للمكتب السياسى للجنة المركزية فلم يبق من عدد أعضائها العشرين سوى عشرة، ومن بين أعضاء اللجنة الدائمة للمكتب السياسى العشرة، لم يبق سوى اثنين أحدهما هواكوفينج نفسه أن إعادة بناء زعامة الحزب، سوف تكون أحد المهام الشاقة التى على هواكوفينج أن يواجهها، وما قد يترتب عليها من صراعات وفضلا عن ذلك، فإن عليه أن يخوض معركة كبرى فى المجال الأيديولوجى الذى ركز عليه الراديكاليون طويلا، لكى يعود بالصين مرة أخرى إلى طريق الاستقرار والتنمية.