Share |
يوليو 1978
1
معنى القومية.
المصدر: السياسة الدولية
بقلم:   لويس عوض

لكثرة ما كتب فى الأيام الأخيرة حول موضوع حياد مصر وموضوع القومية العربية أخذت القومية العقلانية الهادئة التى أبداها الأستاذ توفيق الحكيم والدكتور حسين فوزى، وحاول الدكتور وحيد رأفت والدكتور محمد إسماعيل على الأهرام عدد1978/5/1 (1078) والأستاذ رجاء النقاش (المصور, عدد 31/ 4/ 1978).
وقلمى المتواضع، أن يجتهدوا فيها وأن يوصلوها على أساس علمى موضوعى، أخذت هذه المناقشة تنجرف فى اتجاه العاطفة والحساسيات السياسة والاستصراخ والاستنفار وبدأت القضايا الأساسية المطروحة للبحث تختلط وتتوارى ملامحها وتستوعب قضايا ملتهبة كقضية الناصرية التى أثارها الدكتور يوسف إدريس فى أهرام 1978/4/22 أو قضية القنصلية التى طرحها الدكتور ميلاد حنا فى الجمهورية عدد 1978/4/24 أو قضية تسلية الجماهير وصرفها عن واجباتها الوطنية التى آثارها الدكتور عبد العظيم رمضان فى الجمهورية عدد 1978/4/21 ثم أخيرا قضية الشعور وقضية الآلف وخمسمائة سنة، عدد الأستاذ أحمد بهاء الدين (الأهرام 7/ 5/ 1978).
وبهذا ننتقل بسرعة شديدة من مستوى الفكر السياسى الذى يتقنه بعضنا إلى مستوى العملية التى يتقنها بعضنا الآخر قبل أن نتفق على معانى الألفاظ التى تتداولها فتتقطع الخطوط والأسلاك بين المراسلين والمستقلين ويستمر اللا تفاهم بينا ويستحيل التوصل إلى حد أدنى من الأرضية المشتركة ولو إننا استخدمنا العقل الهادئ بدلا من الانفعال الملتهب واعتبرنا أننا جميعا باحثون من الحقيقة ولسنا أطرافا فى خصومة فكرية أو سياسية، فربما اكتشفنا أن الهوة بيننا أضيق مما يبدو الآن وأنا شخصيا لست داعيا تطابق فى الأفكار أو فى المنظور ولكنى أطالب أولا بأن يفهم كل منا صاحبه على أقل تقدير. من أجل ذلك أجد أن من واجبى أن أجب مرة ثانية وأبدأ منذ البداية، ولتكن البداية هى تعريف القومية.
كلمة عربية مستحدثة لم يعرفها العرب الأوائل ولم تستجد فى اللغة العربية قبل القرن التاسع عشر كترجمة لكلمة nationalism وقد عرفت العربية الفصحى تعبيرين أقرب ما يكون إلى معنى القومية بالمدلول الحديث هما كلمة الشعوبية التى شاعت فى العصر العباسى للدلالة على ثورة القوميات على الخلافة العربية باعتبار أن حدة الدين الإسلامى لا تبرر سيادة الجنس العربى واستئثاره بالحكم المركزى، وكلمة أو اصطلاح العصبية أو العصبية الجامعة لكل العصائب الذى نجده فى مقدمة أبن خلدون كأساس لوحدة المجتمع.
على أساس العرق أو الجنس بديلا عن الجامعة الدينية كأساس لوحدة المجتمع والعصبية من العصب طبعا وبذلك يتضمن معناها بالضرورة معنى وحدة العرق أو الأعراق، أو وحدة الجنس كما نقول الآن فى لغتنا السلسة فهى أساس الجنسي أما كلمة قوم التى اشتقت منها كلمة القومية الحديث فهى كلمة عامة كانت تعنى أيام العرب الأوائل الناس كما فى قولهم يا قوم وقد تعنى جماعة أو مجتمعا مترابطا بالدم أو بغيره كما فى قوم لوط وحجمهما غير واضح أن كان العشيرة أو القبيلة أو الأمة أو كل هذه الأشياء ومع ذلك فهى تفى بالغرض الذى تفى به كلمة العصبية بل وتفضلها فى التعبير عن الكيان الاجتماعى لخلوها من العنجهية.
وكلمة nationalism الأوروبية بمعنى القومية المحدد كلمة حديثة أيضا استخدمت لأول مرة عام 1798كما يقوم العلامة اللغوى السويسرى فالترفون فارتبورج فى قاموسه الاشتقاقى فى اللغة الفرنسية (أنظر أيضا قاموس رؤبير ) ومع ذلك فكلمة nation فى اللغات الأوروبية الحديثة التى نترجمها عادة بكلمة أمة أقدم من ذلك بكثير، لاذ نجدها فى فرنسية القرنين الثانى عشر والثالث عشر (عام1270) بمعنى ميلاد ومعنى سلالة أو جنس race والكلمة لاتينية الأصل من كلمة ناتيو nation (وجمعها nations) اللاتينية بمعنى ميلاد وصيغة منها ناسيكو أو ناسيو nascio وفعلها ناسكور nascor بمعنى يولد وناتيو مستخدمة بندرة منذ شيشرون على الأقل فى القرن الأول قم بمعنى سلالة أو جنس وأحيانا بمعنى قبيلة وأحيانا عشيرة أو أسرة وكان شيشرون وغيره يستعملونها بمعنى يتضمن الزراية عندما يتكلمون عن القبائل البعيدة المتبربرة ومن هنا فهى تعنى قوم بالمعنى البدائى (قارن اثنوس اليونانية) على كل حال فاقترانها ناسيو بمعنى المولد يؤكد معناها العرقى ومن هذا نجد أن كلمة nation بمعنى أمة وكلمة nationalism بمعنى قومية فى اللغات الأوروبية قديمها وحديثها يتضمن دائما معنى وحدة العرق أو السلالة أو الجنس مهما كان مختلطا ولا سبيل إلا استبعاد فكرة العرقية أو العنصرية أو الانتماء إلى جنس واحد بسيط أو منصهر من مفهوم هذين اللفظين ومن مفهوم مرادفهما فى العربية الحديثة وقد كان من عربوا كلمة nationality بكلمة الجنسية على صواب فى هذا التعريب وعلى دراية بأصل الكلمة وتاريخها ودلالاتها فمعنى وحدة العرق أو العنصر أو الأصل إذن معنى ملازم بفكرة القومية ولفكرة الأمة وإذا قلنا أن وحدة العرق هى إحدى مقومات القومية العربية فليس فى هذا الكلام مدعاة للغضب أو الانزعاج، لأن وحدة الأصل هذه هى إحدى مقومات كل قومية فى تاريخ الإنسانية بل لعلها المقوم الأساسى فى فكرة القومية لأن الانتماء إلى مجموعة بشرية واحدة تربطها علاقة الدم بالمعنى الواسع طبعا هو الذى يحدد تماسك هذه المجموعة فى مجتمع واحد ويحدد تحركها الجماعى فى بلاد الأرض أو ثباتها على رقعة معينة من الأرض هى التى تعرف بالوطن وهو الذى يفسر ويعطى معنى لاشتراك أبناء هذه المجموعة المتماسكة كرجل واحد فى أعمال السلم والحرب وفى جهود الحضارة والبناء واشتراكهم فى المصير وكل ما نسميه وحدة التاريخ وهو الذى يفسر ويعطى معنى الاشتراك أبناء هذه المجموعة فى اللغة والين والثقافة بوجه عام.
فالقول إذن بان القومية العربية أو القومية المصرية أو أية قومية فى التاريخ ليست مؤسسة على وحدة العرق تخوف فى غير موضعه لأن ما تدينه الإنسانية والديان ليس الانتماء إلى جنس معين ولكن نعرة الشعور بأن هذا الجنس أرقى أو أشرف بالوراثة من غيره من الأجناس أو إنه جنس الله المختار كما يقول اليهود عن أنفسهم والخلو من الشعور بالانتماء إلى أى جنس أو عنصر أو سلالة أى جماعة بشرية مترابطة فيه درجة من درجة الضياع شبيهة بإحساس اللقطاء أو الأيتام أو من لا أسرة لهم ولا أهل ولا أقرباء.
والشعور بالقومية أقدم من الشعور بالوطنية، لأن الأقوام عاشت فى عصور الصيد ثم الرعى متنقلة بغير وطن محدد، وهى لم تعرف الوطن إلا بالاستقرار بعد اكتشاف الزراعة ومع ذلك فنحن لا نستطيع أن نتحدث عن القومية إلا مقترنة بظهور درجة كافية من التنظيم الاجتماعى والسياسى داخل المجموعات البشرية يجعل كلا منها متماسكا ومدركا لضرورة تماسكه ولأسباب هذا التماسك ولاختلافه عن المجموعات البشرية الأخرى، فالقومية أقدم نشأة من الوطنية والوطنية أكثر رقيا من القومية لأن المدنية لا تظهر حقا الا ببداية حياة الاستقرار بين الشعوب وبداية تكون الأمم بالمعنى الراقى.
ومع ذلك فقد عرف التاريخ قوميات بلا أوطان فى عصور الهجرات الكبرى فيما قبل التاريخ وعبر التاريخ القديم والوسيط كتحركات الهكسوس والحيثيين والإغريق والرومان الأولى ثم كتحركات القوط والفندال والهون والأقوام السلافية وكتحركات التتر والمغول وكان أخر نموذج للقوميات التى تعيش بلا وطن ثابت يهود العالم بعد الدياسبورا أو التشتت أو فلتقل إنها كانت قوميات تبحث عن أوطان لأن أوطانها الأولى جف ضرعها وأصبحت غير ملائمة للحياة فالرابط بين الإنسان والإنسان لم يكن عندئذ وحدة الوطن، ولكن وحدة الدم وهذا هو السبب فى أن كل قومية من هذه القوميات القديمة كانت تفترض إنها تنحدر من جد واحد أعلى مثل جرايكوس أبو الإغريق أو هيللين أبو الهيلنيين أو رومولوس أبو الرومان أو قحطان أو عدنان. الخ. وبعضهم جعل نسبه فى السماء وفى كثير من الأحوال كان هذا الجد الأعلى أو مؤسس القوم eponym شخصا أسطوريا وقد كانت أديان التوحيد خطوة إلى الأمام فى طريق الإنسانية لأنها أبرزت وحدة الجنس البشرى بنسبته إلى أدم وحواء لتحل مشكلة القوميات المتناحرة وكان هذا جوهر محنة إخناتون وكل قومية تبحث دائما أبدا عن وطن تستقر ومنه تبدأ حياتها المدنية بالمعنى المتعارف عليه وإلا هلكت واندثرت وكان مصيرها مصير مجتمعات النمل والنحل لا تعرف لنفسها رابطا اجتماعيا إلا وحدة العنصر التى قد تكون لأزمة للبقاء على المستوى البيولوجى ولكنها غير كافية على المستوى الحضارى.
ومن هنا كانت القومية فى صورها الأولى أقرب إلى الفطرة وأكثر سذاجة وعدوانية من الوطنية، لأن الحضارة بأى معنى حقيقى لم تبدأ إلا باستقرار القوميات فى أوطان ثابتة.
وكثيرا ما كان يحدث أن الأقوام الغازية حين تستقر فى الأوطان المفتوحة تنسب الوطن إلى القوم لا القوم إلى الوطن، فالأنجلو سكسون حين فتحوا بريطانيا بلاد البريتون بين 500، 600 ميلادية سموها إنجلاند أى أرض الإنجليز) إنجلترا (وبقيت كلمة بريطانيا فقط كتعبير سياسى شامل لاسترضاء السكان الأصليين وكذلك الفرنجة أعطوا أسهم لفرنسا بعد أن كان أسمها جاليا وقبائل الأليمانى أعطوا أسمهم لألمانيا أو جيرمانيا، وهكذا.
ولم ينجح غاز فى أن يغير أسم ايجيبت (هت كا بتاح) أى قصر روح الإله بتاح ولم ينجح غاز فى أن يغير أسمها الآخر مصر (بير أوسير أى بيت الإله اوزيريس) وقد بقيت منه آثار فى أسم بوصير، أبو صير التى كان اليونان يسمونها بوزيريس لم ينجح فى تغيير أسم مصر إلا أبن من أبنائها حاسبا إنه يستطيع بذلك أن يصبح إمبراطور العرب، ولكنه خرج من ذلك صفر اليدين.
فالقومية الراقية إذن لم تبدأ إلا حين اقترنت بالوطنية، بل لم تبدأ إلا حين ظهرت الدولة المركزية وحل فيها حكم القانون والمؤسسات محل إرادة الحاكم والعرف والتقاليد، وتحول فيها القوم من مجرد قطيع يرعاه راع ويهشم بعصاه، أى من مجرد رعية إلى أمة فيها مواطنون لا رعايا ولهذا كان من تعريفات الأمة إنها شخصية قانونية مكونة من مجتمع يسوده دستور واحد وقوانين واحدة وسيادة لا تتجزأ على أرضه ومواطنيه فالمصريون مثلا لم يكونوا أمة أيام حضارة نقادة أو البدارى أو دير تاسا أو مرمده بنى سلامه فى عصر ما قبل الأسرات بل لم يكونوا أمة قبل أن يوحد مينا أو نعرمر الوجهين ويقيم فى مصر الدولة الواحدة، بل كانت شعبين ودولتين ودولتين ومن قبل ذلك كانت شعوبا ودويلات وبالمثل فالعرب لم يصبحوا أمة قبل أن يوحدهم النبى بل وكانوا قبائل متفرقة والفرق كان باختصار ظهور الدولة الواحدة والوطن الواحد.
وبهذا المعنى نحن لا تستطيع أن نتلكم اليوم عن الأمة العربية وعن الوطن العربى إلا بعد زوال الحدود السياسية داخل العالم العربى وقيام الدولة المركزية الواحدة التى يحكمها دستور واحد وقوانين واحدة وتكون صاحبة سيادة لا تتجزأ على كل أراضيها وكل مواطنيها وهذا لا وجود له فى الحاضر، وهو على أحسن الفروض مرهون بالمستقبل لو توافرت شروط تحققه أما قبل ذلك فهو مجرد أمل عند البعض ومن غير المعقول أن نستمر فى التعامل مع الأحلام أو الأمانى تعاملنا مع حقائق الواقع وقد كان عبد الناصر نفسه أول من إدراك هذا الخطأ بعد انفصال سوريا وعبر عنه فى الميثاق بشعار حرية، اشتراكية، وحدة، أى أنه أرجأ فكرة الوحدة إلى ما بعد تحرير كل دولة فى العالم العربى وإلى ما بعد سيادة نظام واحد فيها جميعا ثم بعد ذلك تكون الوحدة أى أنه أرجأ الوحدة إلى أجل غير مسمى لإدراكه أن مقوماتها غير متوفرة أو لن تتوفر إى فى المستقبل البعيد، ربما بعد مئات من السنين فأول مظهر من مظاهر القومية العربية ظهور الدولة المركزية الموحدة صاحبة الولاية التى لا رجعة فيها على بلاد العالم العربى، على الأقل فى الدستور والقوانين الأساسية ونظام الحكم والاقتصاد والجيش والسياسة الخارجية قبل هذا لا مجال للاكلام بأى معنى علمى وبأى معنى رسمى عن الأمة العربية وعن الأوطان العربى ومع ذلك فنحن عنهما كأنهما حقيقة واقعة ونعلمها للتلاميذ فى الدارس ونشير إليهما فى أجهزة الإعلام وفى البيانات الرسمية وفى الخطب السياسية وفى الأبحاث الجامعية وفى المؤلفات الأدبية وفى المراسلات كالدبلوماسية، نتكلم وكان هناك قومية عربية فعلا وكأن هناك أم عربية فعلا وكأن وطنا عربيا فعلا ناسين أن للقومية معنى محددا وأن الأمة معنى محددا وللوطن معين محددا، وهكذا نخلط الأمانى بالواقع ونكتب على أنفسنا وعلى الغير لأن كل دولة من الدول العربية تتصرف فى نهاية الأمر تصرف الدولة القومية داخل نطاق سيادتها على أراضيها وعلى مواطنيها ولم نر بعد دولة عربية نزلت عن شبر من هذه السياسة لغيراها من الدول العربية رغم كثرة حديثنا عن الوحدة وعن القومية المشتركة وسوف يؤدى هذا إلى انقسام الشخصية وبلبلة الهوية، أن لم يكن ضياع ما هو يقينى منها جريا وراء ما هو افتراضى، وهذا ما سميته من قبل الاسترسال فى أحلام اليقظة المرادف للمراهقة السياسية وهو الإصرار على أحلام سياسية لا نفعل شيئا لتحقيقها بل ونعلم إنه لا سبيل إلى تحقيقها بسبب كثرة التناقضات من الداخل ومن الخارج، إلا بظهور قوة قاهرة من داخل العالم العربى تقيم فيه هذه الدولة المركزية.
خذ مثلا نموذجا واحدا يوضح هذه المتناقضات من الداخل، كل دولة عربية لديها حصتها من اللاجئين أو المهاجرين الفلسطينيين منذ نكبة 1948 ومع ذلك فكل بلد عربى حريص على أن يعامل من فيه من الفلسطينيين معاملة الضيوف الأجانب، ضيوف من الدرجة الأولى حقا، ولكنهم فى نهاية الأمر أجانب فلو كنا جميعا عرب حقا ولو كانت هناك قومية عربية حقا فلم كل هذا الإصرار على حجب صفة المواطنة عن الفلسطينيين فى كل بلد يعيشون فيه. ضيوفا، وكأنهم أقلية قومية مستقلة فى كل وطن عربى يعيشون فيه والأصل فى القومية فى أبسط صورها كما رأينا هو وحدة العرق أو الجنس التى تتبعها عادة وحدة الثقافة) اللغة والدين والتقاليد والعادات والتراث الأدبى والفنى ولكن القومية فى معناها لا تكتمل إلا بوحدة الوطن، أى إلا إذا اقترنت بالانتماء إلى وطن واحد من الأوطان يتكامل به وعليه معنى الأمة سياسيا وقانونيا وحضاريا وتتبلور فيه شخصية المجتمع وأفراده بقوة التاريخ المشترك والجغرافيا المشتركة.
ولكثرة تنقل الأقوام فى الماضى بالهجرات والغزوات اتسعت معانى هذه الوحدة فغدت مركبة بعد أن كانت ساذجة فانصهرت فيه الأجناس الفاتحة مع الأجناس المفتوحة وانصهرت فيها الثقافات المتعددة من لغات وأديان وآداب وفنون وتقاليد وعادات داخل الوطن الواحد ولكن كل هذا لم يحدث إلا نتيجة لظهور الدولة الواحدة المرتبطة بوطن واحد، وحيث تم الانصهار ظهرت القوميات والأمم بالمعنى العلمى لهاتين الكلمتين وفى أحوال عديدة قامت الدولة الواحدة دون أن يتم هذا الانصهار فتجاوزت الأجناس والثقافات داخل الوطن الواحد وتحت راية الدولة الواحدة، وتم الانصهار فى بعض المقومات من دون بعضها الآخر فتعايشت القوميات داخل الوطن الواحد.
خذ مثلا ما جرى للبريطانيين كانت بريطانيا فى تاريخها المعروف فى القرون الأولى قبل الميلاد يسكنها قوم من سلالة سلتيه أو كتلية يتكلمون لغة تعرف بالغالية، فلما غزاهم يوليوس قيصر فى القرن الأول، ق. م وحكمهم الرومان خمسة قرون حتى 410 ميلادية حتى انسحبت آخر حامية رومانية من لندن لحماية رما نفسها من هجمات القوط وبرابرة الشمال عامة، تركوا فى البريتون وفى بريطانيا آثارا محددة بعض أسماء البلدان ورواسب من اللغة اللاتينية وبعض آثار الحضارة كالقوانين والنظام الاثنى عشر فى العملة والمقاييس والموازين الخ ولكن لغتهم الغالبة ظلت غالبة وديانتهم الوثنية لم تتراجع أمام وثنية روما ودماءهم الكلتية ظلت كلتية لماذا؟ لأن الرومان جاءوهم محتلين لا مستوطنين.
فلما غوت قبائل الانجلوسكسون بريطانيا ولم تكن لهم قاعدة إمبراطورية فى الخارج كالرومان يرتكزون إليها كانت غزواتهم أشبه شئ بالهجرة الجامعية فاتخذوا من بريطانيا وطنا لهم وسيطروا على مادون اسكتلندا وويلز وسموا هذا القسم الأكبر باسمهم انجلاند إنجلترا أى أرض الأنجليز وسموا إقاليم إنجلترا باسمهم اسكس أى سكسونيا الشرقية سكس أى سكسونيا الغربية و سسكس أى سكسونيا الجنوبية. الخ.
وتزوجوا من السكان الأصليين البريتون الذين استسلموا لهم، أما البريتون الذين رفضوا الاستسلام فتراجعوا غربا واعتصموا وراء جبال ويلز حيث حافظوا على سلالتهم الكلتية وعلى لغتهم الغالية حتى اليوم أو تراجعوا إلى جبال الشمال) الهايلانذز (فى جنوب اسكتلندا ورغم أن هؤلاء وأولئك تعلموا الإنجليزية إلى جانب لغتهم الأصلية إلا أنهم حافظوا على قوميتهم الكلتية وعلى لغتهم الغالبة إلى يومنا هذا وحافظوا على استقلالهم زمنا حتى أيام كرومويل الذى وحد كل بريطانيا بحد السيف.
وبين 80و 1066ميلادية تعاقب الغزاه البحريون على بريطانيا من الشمال ومن الشرق ومن الجنوب البكت والجوت والنرويجيون والدنماركيون وأخيرا النورمانديون من شمال فرنسا، وكان هؤلاء أعمقهم أثرا فى حياة إنجلترا لأنهم حكموها قرونا وكانوا يتكلمون الفرنسية ويكتبون اللاتينية فتركوا فى اللغة الإنجليزية رواسب لاتينية مباشرة ولاتينية عن طريق الفرنسية بما غير شخصية اللغة الإنجليزية تغييرا ملموسا وجعلها أكثر خصوبة وأقدر على حمل معانى الحضارة وقرنا بعد قرن ذابت الارستقراطية النورماندية أيضا بالتزاوج فى الشعب الإنجليزى حتى لتكاد تقول أن القومية الإنجليزية بالمعنى الراقى الحضارى المركب تبلورت نحو 1400 وكان التعبير عنها فى أدب تشوسر العظيم.
ومع ذلك فنحن نرى منذ منتصف القرن التاسع عشر ألوانا من الثورة البريطانية على القومية الإنجليزية انتهت بانفصال أيرلندا الجنوبية، ومعركة أيرلندا الشمالية دائرة رحاها اليوم، وتمرد القومية الاسكتلندية يزداد يوما بعد يوما ويهدد بالانفصال على إنجلترا أو بالحكم الذاتى، والأمر نفسه قد بدأ فى ويلز لماذا؟ لأن القومية الإنجليزية لم تستطع أن نطمس الأقليات القومية داخل بريطانيا الايرلندية والاسكتلندية وقومية سكان ويلز لاختلاف الأجناس من جهة ولاختلاف الثقافة القومية والوطنية من جهة أخرى، رغم وحدة اللغة ووحدة الدين بوجه عام، ورغم أن أدباء أيرلندا كانوا عبر العصور من أعظم بناة الأدب الإنجليزى ومن أصفاهم فى الأساليب مثل سويفت صاحب رحلال جليفر واوسكار وايلد وبرنارد شو ووليم بتلربيتس وجيسم جويس. الخ.
وكذلك الأمر بالنسبة لكتاب اسكتلندا: جيمس بوزويل ودافيد هيوم وروبرت بيزنز وولتر سكوت وتوماس كارلايل. الخ. وما يقال فى القومية الإنجليزية والأمة الإنجليزية يقال أيضا فى القومية الفرنسية والأمة الفرنسية فقبل أن تكون الأمة الفرنسية كان يستوطن فرنسا الغاليون وكان أسمها غاليا وبعد أن فتحها يوليوس قيصر حكمها الرومان جملة قرون حتى اجتاحتها فى القرن السادس قبائل الفرنجة الذين غيروا أسم غاليا إلى فرنسا لأنهم حلوا بها حلول الغزاة المستوطنين وليس مجرد الفاتحين من قاعدة إمبراطورية من الخراج كما فعل الرومان ورغم أن الرومان أعطوا الغاليين والفرنسيين اللغة اللاتينية والمسيحية الكاثوليكية، إلا أن اختلاف الأعراق كان الأساس الذى بنيت عليه القومية الفرنسية فلم يزعم أحد أن الفرنسيين رومان رغم وحدة اللغة والدين.
بل أن الرومان والفرنجة والنورمانديين عجزوا عن تغيير شخصية بعض أقاليم فرنسا عرقيا أو لغويا مثل إقليم بريناتى فى أقصى الشمال وإقليم الباسك فى أقصى الجنوب حيث حافظ البريتون والباسك على سلالتهم ولغتهم القومية الأصلية رغم مشاركتهم فى لغة البلاد الفرنسية وهكذا استمروا أقليات قومية داخل الكيان الفرنسى الكبير ينتابهم ما ينتاب الاسكتلنديين والواش والإيرلنديين من قلق الأقليات القومية ومع ذلك فنحن لا نستطيع حتى الآن ن نتكلم عن أمة البريتون أو أمة الباسك أو أمة الولش أو أمة الاسكوت لأنها أقليات قومية داخل الكيان القومى الفرنسى أو الإنجليزى.
ومثل العرب مثل الرومان فالرومان أعطوا أوروبا اللاتينية (إيطاليا وأسبانيا والبرتغال وفرنسا) الدين المسيحى (الكاثوليكى) واللغة اللاتينية بلهجتها الحديثة فهل من أجل ذلك نستطيع أن نسمى الفرنسيين أو الأسبان مثلا بأنهم رومان طبعا لا وهل نستطيع ن نتحدث عن القومية الرومانية أو القومية اللاتينية فى الكلام عن فرنسا وأسبانيا والبرتغال؟ طبعا لا لماذا؟ لأن أعراق الأمة الفرنسية والأمة الأسبانية والأمة البرتغالية أعراق غير رومانية مهما كانوا قد أخذوا عن روما اللغة المشتركة والدين المشترك أو الثقافة المشتركة، ولأن تاريخ هذه الأمم وأوطانها (بيئتها الجغرافية) لا اشتراك بينها وبين تاريخ الرومان والوطن الرومانى.
فوحدة الجنس اذن ملازمة لمفهوم القومية مثل وحدة الدين واللغة ومع ذلك فهى وحدها غير كافية لتأسيس القومية كما أن وحدة الثقافة (الدين واللغة الخ) وحدها غير كافية لتأسيس القومية ولقد يجتمع عنصران أو ثلاثة من هذه العناصر ومع ذلك لا يكتمل لمجموعة بشرية عنصر القومية إذا كانت تنقصها وحدة التاريخ ووحدة الجغرافيا (الوطن) فالألمان والنمساويون مسيحيون ويتكلمون الألمانية ومع ذلك لم يقل أحد غير هتلر أن كل من يتكلم الألمانية فهو الألمانى فالالمان شىء والنمساويين شىء آخر لأن أعراقهم مختلفة من جهة ولأنه لا يربط هؤلاء باولئك تاريخ مشترك أو جغرافيا مشتركة ومعروف أن النمساويين كان يربطهم بالمجريين تاريخ مشترك فى عصور الإمبراطورية النمساوية الهنغارية أكثر مما كان يربطهم بالألمان وقد تعدد الأجناس بل واللغات فى أمة كما هو الحال فى بريطانيا وفرنسا ومع ذلك تتبلور فيها عناصر القومية بسبب الاشتراك فى بقية المقومات وفى مقدمتها التاريخ المشترك والجغرافيا المشتركة.
(الأهرام11 مايو 1978)