Share |
ابريل 1982
1
أزمة الديون الخارجية فى الدول النامية
المصدر: السياسة الدولية


إذا كانت عملية التنمية تفترض فى أحد أبعادها الأساسية، الاتجاه بالمجتمع نحو تحقيق القيم والمثاليات السياسية كالحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية داخليا، كما تقتضى تحقيق هذه المثاليات فى علاقة المجتمع بالنظام الدولى فى صورة حرية الدولة واستقلالها السياسى، فأن أزمة الديون الخارجية التى تواجهها غالبية دول العالم الثالث، تمثل تحديا رئيسيا أمام تحقيق هذه المثاليات، وتعبر عن الوجه الآخر لفشل هذه الدول فى تحقيق التنمية مؤشرات الأزمة: طبقا لبيانات البنك الدولى التى لا تتضمن الديون العسكرية، والديون الخاصة التى لا تضمنها الحكومات، قفز حجم الديون الخارجية للدول النامية من 19 مليار دولار عام 1960، إلى ما يزيد على 62 مليار دولار عام 1970، إلى حوالى 370 مليار دولار عام 1979، أى أنه بينما زاد حجم الديون فى عقد الستينات حوالى ثلاثة أمثال ونصف، زاد حجمها فى عقد السبعينات بحوالى ستة أمثالها، بمعدل سنوى قدره 205% بينما يشير إلى اتجاه الأزمة نحو التفاقم وإذا تم النظر فى التوزيع الجغرافى لهذه الديون فإنه يلاحظ كما فى الجدول رقم (1) أن دول أمريكا اللاتينية والكاريبى تحتل المكان الأول بين مناطق العالم النامى فى حجم الديون الخارجية واتجاه متزايد، حيث مثلت ديونها من إجمالى ديون دول العالم الثالث بنسبة 338% عام 1970، ارتفعت عامى 1978و 1979 إلى 389% وبينما كانت دول البحر المتوسط تحتل المرتبة الثالثة عام 1970 (145%) فإنها صعدت إلى المرتبة الثانية عام 1975 بنسبة 172% وارتفعت عام 1978 إلى 177% ثم إلى 189% عام 1979 وقد جاءت فى المرتبة الثالثة منطقة شرق آسيا والمحيط الهادى، وذلك منذ عام 1975 بنسبة حوالى 14%، تلتها دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط منذ عام 1978 بحوالى 11% بينما كانت هذه الدول تحتل المرتبة السادسة قبل ذلك بنسبة 77% عام 1975 و64% عام 1970 وبالانتقال من مستوى المناطق إلى مستوى الدول، فإنه كما يتضح فى الجدول رقم (2) كانت الدول العشر الأولى من حيث حجم الديون الخارجية عام 1970 هى: الهند (7935 مليون دولار)، والبرازيل (3227)، والمكسيك (3206) ، والباكستان (3059)، وإندونيسيا (2443)، وإيران (2193) وشيلى (2066)، والأرجنتين (1878)، فكوريا الجنوبية (1797)، ثم مصر (1644 مليون دولار) ، أما عام 1979 فقد ظلت هذه الدول العشر تحتل القائمة الأولى من حيث حجم المديونية باستثناء ثلاث دول هى الباكستان وإندونيسيا وشيلى، حيث هبطت دون مستوى الدول العشر ليحل محلها فى الترتيب كل من الجزائر وتركيا وفنزويلا هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، تغير ترتيب الدول فينما كانت الهند الأولى عام 1970 أصبحت عام 1979 فى المرتبة الثالثة (15641 مليون دولار)، حيث سبقتها كل من البرازيل التى احتلت المرتبة الأولى (35092)، والمكسيك (28805) فى المرتبة الثانية، وبينما كانت كوريا الجنوبية ومصر فى المرتبتين التاسعة والعاشرة على التوالى عام 1970، فإنها صعدتا إلى المركزين الخامس والسادس على التوالى عام 1979 الانعكاسات الاقتصادية: قبل التطرق إلى تحليل آثار تفاقم مشكلة الديون الخارجية على عملية التنمية بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقيمية، تجدر الإشارة فى البداية إلى مصادر هذه الديون وكما يتضح من الجدول رقم (3) فإنه فى الفترة السابقة على عام 1975 كانت الديون الحكومية الثنائية تمثل الجزء الأكبر من المجموع الكلى لديون العالم الثالث وإن كانت نسبتها قد أخذت فى النقصان من 542 عام 1967 إلى 45% عام 1974، ولكن فى عام 1975 هبطت هذه النسبة إلى 33% فقط، لتفسح المكان لصعود نسبة ديون المصادر الخاصة التى ارتفعت من 28% عام 1967 إلى 35% عام 1974، إلى 56% عام 1975 وقد استمرت اتجاه تزايد نسبة الديون الخاصة وتناقص نسبة الديون الثنائية فبلغت نسبة الأولى 63% عام 1979، وانخفضت نسبة الثانية إلى 25% فقط فى نفس العام أما المصادر المتعددة الأطراف (هيئات التمويل الدولية والإقليمية) فإنها تمثل أقل نسبة وباتجاه عام متناقص، فبينما كانت عام 1967 حوالى 178% انخفضت إلى 11% عام 1975و12% عام 1979 وتمثل الدول الغربية الرأسمالية، المصدر الأول للديون الحكومية الثنائية، حيث تتجاوز نسبتها ثلثى حجم هذه الديون، بينما لا يتجاوز نصيب الكتلة الاشتراكية نسبة العشرين فى المائة وهذا أحد أبعاد الأزمة، فالقروض التى تقدمها الدول الغربية للدول النامية، تتسم بأنها ذات أسعار فائدة تبلغ أكثر من ضعف أسعار فائدة قروض الدول الاشتراكية، كما أنها لا تتجه إلى المجالات الإنتاجية، كما فى حالة الأخيرة، وغالبا ما تكون مرتبطة بشروط سياسية تخدم مصالحها الاستعمارية فضلا عن أنه فى حالة الدول الاشتراكية، غالبا ما يتم سداد أقساط الدين فى حسابات اتفاقيات دفع، ومن الناتج الذى تغله المشروعات التى تمولها هذه القروض على خلاف الدول الغربية وإذا كانت نسبة الديون الحكومية الثنائية بوجه عام قد أخذت فى التناقض لتصل إلى المرتبة الثانية منذ عام 1975 لصالح ارتفاع نسبة الديون من المصادر الخاصة، فإن هذا أيضا من مؤشرات تفاقم المشكلة، حيث أن قروض المصادر الخاصة تتسم بأنها ذات أسعار فائدة اكثر ارتفاعا من غيرها، كما أن فترات استحقاقها أقل ولعل هذا يفسر انخفاض متوسط فترات استحقاق السداد من 20 عاما فى عام 1970 إلى 127 عام فقط، فى عام 1980، وانخفاض عنصر الهبة من 78% فى عام 1970 إلى 63% فى عام 1979، وانخفاض نسبة الدين التساهلى من الدين الكلى من 39% عام 1970 إلى 236% عام 1979 على هذا الضوء فإنه يمكن تناول الآثار السلبية للديون الخارجية على عملية التنمية الاقتصادية على النحو التالى:
1- تشير الدراسات الاقتصادية إلى أن تزايد عبء خدمة الدين أدى، إلى أن معدل خدمة الدين فاق معدل التدفق السنوى للقروض الجديدة، أى أنه أصبحت هناك حالة انتقال عكسى للموارد من هذه الدول المدينة إلى الدول الدائنة، لها، وبصورة متزايدة، مما جعل العديد من الدول النامية تعقد قروضا جديدة من أجل سداد ديونها القديمة، أى أن الاستدانة أصبحت من أجل تنمية الديون، لا من أجل التنمية الاقتصادية، ولعل هذا يقف جزئيا وراء هبوط معدل نمو الناتج القومى الإجمالى لكافة البلدان النامية من متوسط سنوى قدره 55 سنويا فى عقد الستينات، إلى 51% فى عقد السبعينات، وليس هذا غريبا إذا علم أن متوسط النسبة المئوية للدين إلى الناتج القومى فى جميع البلدان النامية عام 1970 كان حوالى 123% وارتفع عام 1975 إلى 139% ثم إلى 178% عام 1979 هذا على المستوى الكلى، أما عند البحث على مستوى كل دولة على حدة، فإنه كما يتضح من الجدول رقم (4) فإن أكبر عشر دول نامية من حيث نسبة الدين إلى الناتج القومى عام 1970 كانت: مالى (881%)، والكونغو (545%) وغينيا (517%)، وليبيريا (496%)، وأفغانستان (482%) وبوليفيا (464%) وملاوى (387%)، وتونس (385%)، وزامبيا (345%)، وباكستان (305%)، ولعله من الملاحظ أن معظم هذه الدول العشر (7دول) من القارة الأفريقية، أما عام 1979 فكانت الدول العشر الولى هى موريتانيا (1209%)، وتوجو (859%)، وبنما (839%)، والكونغو (758%)، وغينيا (686%) ومصر (604%) وزائير (518%)، وزامبيا (505%)، وجامايكا (4945)، ثم الجزائر (491%) وقد ارتفع عدد الدول الأفريقية هنا إلى ثمانى دول على أن يوضح نسبة ما تستنزفه الديون الخارجية سنويا من إجمالى الناتج القومى للدول النامية، هو ما يعرف باسم معدل الدين بنسبة القسط السنوى + فوائده إلى إجمالى الناتج القومى، وقد كان متوسط هذا المعدل لكافة الدول النامية عام 1970 حوالى 13% ارتفع إلى 25% عام 1979 أى بحوالى الضعف على أن دراسة هذا المؤشر على مستوى الدول فرادى، يعطى صورة أوضح لأبعاد الأزمة وكما هو واضح فى الجدول رقم (5) فأنه فى عام 1970 بلغت أقصى نسبة خدمة الدين إلى الناتج القومى 55% لدى ليبيريا، ولم ينقص لدى الدولة العاشرة فى الترتيب وهى غينيا عن 24% وقد كان أكثر من نصف هذه الدول العشر (6 دول) من القارة الأفريقية وهى ليبيريا، تونس، مصر، الكونغو، سيراليون، غينيا أما عن عام 1979 فقد تصاعد الحد الأقصى لمعدل خدمة الدين ليصل إلى 157% (بنما) وليكون أدناه لدى الدولة العاشرة فى الترتيب 74% (إكوادور) ومن الملاحظ هنا أيضا أن الدول الأفريقية تشكل أغلبية (6 دول)
2- يشير الاقتصاديون أيضا إلى أنه إذا كانت قدرة الدولة على الاستيراد تتوقف إلى حد كبير على مدى توفر العملات الأجنبية وهى حصيلة الصادرات المنظورة وغير المنظورة وإذا كانت خدمة الدين تلتهم نسبة متزايدة من هذه الحصيلة، فإن هذا معناه تقييد قدرة الدول النامية بصورة مطردة على استيراد المواد اللازمة لمشاريعها التنموية فقد ارتفع متوسط نسبة خدمة الدين إلى الصادرات لكافة الدول النامية من 216% عام 1970 إلى 25% عام 1979 وكما هو مبين فى الجدول رقم (6) فإن أكبر عشرة دول نامية من حيث نسبة خدمة الدين إلى عائد الصادرات عام 1970، كانت هى مصر (287%) وغينيا (267%) وأورجواى (252%) والمكسيك (241%) وباكستان (236%) والأرجنتين (215%) والهند (209%) تونس (185%) وتركيا (163%) وبورما (15%) أما عن عام 1979 فكانت الدول العشر الأولى هى المكسيك (641%) والبرازيل (346%) والسودان (33%) وموريتانيا (324%) وإكوادور (296%) وبوليفيا (296%) والجزائر (256%) وتوجو (244%) وبيرو (223%) وسيراليون (222%)
3- وإذا كانت الحاجة إلى التمويل الخارجى تنشأ نتيجة لما يطلق عليه الاقتصاديون فجوة الموارد المحلية، وهى الفجوة القائمة بين معدل الادخار المحلى ومعدل الاستثمار المطلوب لتحقيق النمو المستهدف فإن تزايد عبء الديون الخارجية على غالبية الدول النامية أدى إلى إضعاف قدرة هذه البلاد على تكوين المدخرات المحلية سواء لما تؤدى إليه هذه الأعباء من تخفيض حجم الفائض الاقتصادى الممكن ادخاره وما يؤدى إليه تزايد الاعتماد على التمويل الخارجى من استرخاء فى جهود تعبئة المدخرات المحلية نتيجة النظر إلى هذا التمويل على أنه بديل لها لا مجرد عنصر مكمل هذا بالإضافة إلى أثر المحاكاة وعدوى الاستهلاك الترفى وما ينتج عن مبدأ الاعتماد على الغير من تواكل وإسراف، ومن ثم ضعف الميل الحدى الادخارى 4- أن إحدى النتائج الاقتصادية أيضا لتفاقم مشكلة الديون الخارجية هو تزايد العجز فى موازين مدفوعات الدول النامية المدينة قد يكون هذا العجز مقبولا فى المراحل الأولى للتنمية التى تقترن بالتوسع فى الاستيراد من أجل المشاريع الجديدة ولكن أن يستمر هذا العجز وبنسب متزايدة، معناه الفشل فى تنمية قطاع الإنتاج وهو ما يعود فى جزء منه إلى أن القروض الخارجية غالبا ما تكون مشروطة باستيراد سلع أو خدمات من الدولة المقرضة لا تكون هناك حاجة حقيقية أو ملحة إليها أو لا تكون أسعارها أو مواصفاتها هى المثلى، وفى ذلك استخدام للقرض فى تمويل تصدير سلع الدول المقرضة على حساب تحميل الدولة المقرضة عبئا إضافيا كل هذه الآثار تؤدى فى النهاية إلى إعاقة معدل النمو الاقتصادى وأمام تزايد الاحتياجات بفعل تزايد السكان ترتفع الأسعار ويحدث التضخم الذى يترتب عليه نقص الميل الحدى للادخار ومن ثم لجوء الدولة مرة أخرى إلى الاستدانة وتستمر الحلقة المفرغة وهكذا فإنه برغم تزايد اعتماد الدول النامية على التمويل الخارجى خلال العقدين الأول والثانى للتنمية فإن هذه الدول لم تصل بعد إلى مرحلة الانطلاق الاقتصادى بل ما زالت تفصلها عن هذه المرحلة فترة طويلة من الزمن وما فتئت حاجتها إلى الاستدانة تتزايد فترة بعد أخرى الانعكاسات السياسية والقيمية: الديون الخارجية أذن ثبت أنها عقبة أمام التنمية الاقتصادية للعالم الثالث ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد فالتنمية ليست مجرد نمو اقتصادى فحسب، وإنما هى فى المقام الأول الانتقال بالمجتمع نحو تحقيق القيم والمثاليات السياسية كالحرية والعدالة الاجتماعية داخليا، وحرية الدولة واستقلالها السياسى خارجيا من هذه الزاوية تمثل قضية الديون الخارجية عقبة هامة أمام تحقيق هذه المثل العليا فكلما تبين من قبل الاستراتيجية التى تنتهجها معظم الدول النامية وهى استراتيجية التنمية بالاعتماد على الخارج تكرس تبيعها لمصادر ديونها ولما كانت القروض الخارجية سواء الرسمية أو الخاصة من اخبث الأساليب التى تلجأ إليها الدول المتقدمة فى فرض هيمنتها على عملية صنع القرار فى الدول النامية، فإن الحديث عن أزمة ديون خارجية فى العالم الثالث هو بالدرجة الأولى حديث عن أزمة فى حرية هذه الدول فى صنع قراراتها الداخلية، والخارجية فالسياسة الدولية كما هو معروف لا تعرف الصداقة أو القروض التساهلية أو المنح أو الهبات وحينما تتدفق قروض الدول الرأسمالية الغربية على دول معينة فى العالم الثالث دون أخرى فإن هذا مرتبط بفرض توجهات سياسية محددة على قيادات هذه الدول، بدءا بالمجال الخارجى بأحداث تحولات جذرية على مرافقها السياسية تجاه القضايا المصيرية رغم تعارض هذه التحولات على الأمن القومى لها بمفهومه الشامل، إلى المجال الاقتصادى بفتح الباب على مصراعيه أمام الشركات المتعددة الجنسية لتمارس دورها فى تشويه الهيكل الاقتصادى وتنهب الموارد الوطنية، إلى المجال الاجتماعى بإطلاق العنان أمام الطبقة البرجوازية لتضرب بيد من حديد على أية محاولات لتحقيق العدالة الاجتماعية ولتهدم ما تم إنجازه منها وهكذا تتحول استراتيجية التنمية بالاعتماد على الخارج إلى استراتيجية تنمية التبعية للخارج وتزداد خطورة هذا الاتجاه حينما لا يقتصر فرض التبعية على القيادات السياسية والبرجوازية ويتعداها إلى محاولة غرس مفهوم التبعية ورذيلة الاعتماد على الغير فى عقول مواطنى الدول النامية بدلا من غرس مفهوم التحرر وقيمة الاعتماد على الذات، حيث يغدو أحد أهداف عملية التنشئة السياسية فى هذه الدول توجيه ولاء المواطنين والأجيال الجديدة نحو الدول الدائنة صاحبة الفضل فى إنقاذ الدولة من حافة الهاوية بعد أن نجحت هذه الدول الدائنة التى تمتلك 99% من أوراق اللعبة فى حل المشاكل المستعصية وهكذا فإنه إذا كانت عملية التنمية تفترض فى أحد جوانبها الأساسية التحرك نحو تحقيق التحرر والاستقلال مع أزمة الديون الخارجية بمثابة تحرك نحو التبعية والاعتماد على الغير على أنه إذا كانت أزمة الديون الخارجية بصفة خاصة وقضية التخلف والتبعية بصفة عامة، لها نشأتها وظروفها الموضوعية فى سياق تاريخى ودولى معين، فإن استمرار هذه الدول المدينة فى تبنى استراتيجية تنمية التبعية رغم جلاء الاستعمار القديم وانتهاج بعض القادة لها فى بلاد معينة ورغم ما أثبتته استراتيجية التنمية المستقلة التى انتهجها سابقوهم من نجاح إنما يرجع فى الاعتبار الأول ليس إلى عوامل اقتصادية ودولية كما تشير العديد من الدراسات الاقتصادية، وإنما إلى تبعية الأطر الادراكية لقيادات هذه الدول فقضايا التبعية والمديونية ليست اقتصادية بقدر ما هى إدراكية سياسية تكمن فى المفاهيم الخاطئة للتنمية التى تحملها هذه القيادات وإن كانت لا تخلو من ضغوط جماعات المصالح المحلية والدولية التى تشعر هذه القيادات بأنها مدينة لها، ويقضى واجب الوفاء العمل من أجلها أن دول العالم الثالث، إذن لا تواجه أزمة ديون مالية، بقدر ما تواجه أزمة ديون إدراكية بعبارة أخرى المدخل لتجريد أزمة الديون الخارجية من انعكاساتها السلبية على عملية التنمية بمفهومها الشامل، خاصة بعدها القيمى هو تحرير الأطر الإدراكية المدينة من مديونيتها، أو تحرير الدول النامية من هذه الأطر الإدراكية المدينة فعلى هذه الأطر وليس على طبيعة اقتصاديات العالم الثالث أو طبيعة الإطار الدولى، تقع المسئولية الأولى عن استمرار التخلف أو تأزم المديونية الخارجية ودليل ذلك أنه مع تثبيت هذين المتغيرين فإن تغيير الإطار الإدراكى أو النظام القيمى للقيادة السياسية قد أحدث تحولات جذرية فى مسار عملية التنمية مرة نحو تنمية حقيقية، أى تنمية التحرر والاستقلال والعدالة الاجتماعية، ومرة أخرى نحو تنمية التبعية بهدم الإنجازات السابقة، والأمثلة ليست بعيدة خلاصة القول إنه إذا كان يمكن الزعم بأن نجاح عملية التنمية على المدى البعيد يتوقف إلى حد كبير على مدى قدرة دول العالم الثالث على حل أزمة ديونها الخارجية، فإن الانطلاقة فى تحقيق هذه العملية، تتوقف على نوعية البديل الذى سيختاره صانعو القرارات فى هذه الدول: فأما تنمية حرة مستقلة، وهذا هو بديل التنمية الحقيقية، وإما تنمية التبعية والاعتماد على الغير، واستمرار أزمة المديونية وهذه هى تنمية التخلف بعينه والاختيار بين البديلين هو قرار سياسى يرتبط بالإطار الإدراكى فى المقام الأول.