Share |
ابريل 1983
1
أزمة الديون الخارجية للدول النامية
المصدر: السياسة الدولية


تشير آخر الإحصاءات إلى أن إجمالى المديونية المستحقة على الدول النامية ودول الكتلة الشرقية قد بلغت رقما فلكيا يزيد على 853 مليار دور، وهو ما يزيد 14 مرة عن احتياطى رأس المال لدى المنظمات التقديرية الدولية (67 مليار دولار) ، ويتعين على حوالى مائة دولة أن تقوم بسداد هذه الديون كاملة فى غصون السنوات الثلاث القادمة (لوموند ديبلوماتيك نوفمبر 1982) وقد بدأت قصة أزمة الديون الخارجية للدول النامية ولدول الكتلة الشرقية، فى مارس سنة 1981 عندما أعلنت بولندا
(المدينة ب 27 مليار دولار) أنها لن تستطيع دفع 2,5 مليار دولارا يتعين عليها دفعها للدائنين وتفجرت المشكلة اكثر عندما أعلنت المكسيك فى أغسطس 1982 أنها لن تستطيع دفع الفائدة على ديونها (80 مليار دولار) كما أعلنت البرازيل أيضا أنها لن تستطيع مواجهة خدمة ديونها (87 مليار دولار) وفى نفس الوقت امتنعت الأرجنتين عن دفع فوائد ديونها (ويبلغ إجمالى ديون الدول الثلاث الأخيرة ما يزيد على مائتى مليار دولار) وقد قرر صندوق النقد الدولى تقديم قرض عاجل للمكسيك يقدر بحوالى 4 مليار دولار لمساعدتها فى سداد ديونها، كما تعهد بتقديم ما يزيد على سبعة مليارات أخرى فى العام القادم لمواجهة الموقف المالى الخطير للمكسيك وتتوالى تلك الأنباء فى وقت تشير فيه التقارير إلى أن 34 دولة من دول العالم الثالث وأوربا الشرقية قد أصبحت مشرفة على الإفلاس بعد أن ارتفع حجم المديونية المستحق عليها بحوالى مائة مليار دولار جديدة فى غضون عام 1981 فقط والجدول التالى يبين لنا تطور ديون الدول النامية غير البترولية: وتظهر من الجدول السابق زيادة الدين الإجمالى حوالى 4,5 مرة من سنة 1918 وقد زادت نسبة خدمة الديون (العلاقة بين الأقساط والفوائد وبين صادرات السلع والخدمات) ست مرات من 16 مليار دولار إلى 96 مليار دولار سنة 1981 أسباب أزمة الديون: أشار تقرير للبنك الدولى إلى أسباب تلك الزيادة الرهيبة فى مديونية البلاد النامية ولخصها فى عدة نقاط:
أ-‌ الارتفاع الرهيب فى الإنفاق العسكرى لدول العالم الثالث ب-‌ ارتفاع أسعار البترول ومواد الطاقة ت‌ التزايد المستمر فى معدلات الفائدة التى تفرضها البنوك ومؤسسات الإقراض البنوك ومؤسسات الإقراض كما أشار التقرير أيضا إلى مسئولية الدول الصناعية الكبرى عن تردى الأوضاع الاقتصادية فى دول العالم الثالث وللنظر فى تفصيلات أسباب ازدياد المديونية لبلاد العالم الثالث، نجد أن البلاد الغنية بالبترول مثل المكسيك ونيجيريا وفنزويلا وإندونيسيا أرادت الاقتراض لتمويل خطط التنمية فيها وللتحصيل المبكر لعائدات البترول أما الدول النامية الغير منتجة للبترول وهى الغالبية فهى تريد الاقتراض لسداد فاتورة الطاقة المتزايدة ولزيادة نسبة التنمية الاقتصادية المتردية لديها ومن ناحية ثالثة نجد أن هناك العديد من الدول النامية قد اقترضت لأسباب بذخية فقد اقترضت ليبيريا لكى تستضيف منظمة الوحدة الأفريقية، كما أن نيجيريا اقترضت لاستضافة مؤتمر دولى وقد حول السياسيون فى زائير القروض إلى حساباتهم السرية فى سويسرا كما أن أفريقيا الوسطى أنفقت 50 مليون دولار (نصف الميزانية النسوية للدولة) فى سنة 1977 لحفلات تتويج الإمبراطور بوكاسا الذى أطيح به فيما بعد، وهكذا ومن ناحية الظروف الاقتصادية العالمية نجد أن الكساد التضخمى الحادث حاليا فى البلاد الصناعية المتقدمة منذ سنة 1973 قد سبب ارتفاع أسعار الفائدة إلى نسب عالية جدا (18%) (وان مال للانخفاض فيما بعد) وكان هدف رفع سعر الفائدة فى البنوك الأمريكية هو اجتذاب رؤوس الأموال خاصة البترو دولارات إليها كما أدى الكساد التضخمى إلى تخفيض الصادرات وازدياد أساليب الحماية التجارية فى الدول الصناعية فى وجه صادرات الدول النامية كما أن معدلات التبادل الدولى قد انهارت لغير صالح الدول النامية حيث ارتفعت أسعار السلع الصناعية بأسرع من زيادة أسعار صادرات الدول النامية، ما عدا البترول فبين سنة 1980 والآن فان أسعار السلع فى العالم ما عدا البترول قد نقصت ب 35% وقد نقص سعر السكر (إنتاج البرازيل وكوبا الرئيسى) من 495 دولارا إلى 120 دولارا للطن، وانخفضت أسعار النحاس (إنتاج رئيسى لزامبيا) من 95 سنتا للرطل إلى 69 سنتا وقد لخص جوليوس نيريرى رئيس تنزانيا الوضع فى المثال التالى، لشراء سيارة حمولة نقل 7 طن فى عام 1981، فان على تنزانيا أن تنتج أربعة أضعاف انتاجها الحالى من القطن، وثلاثة اضعاف انتاجها من البن أو عشرة اضعاف انتاجها من الدخان إذا ما اشترت نفس السيارة منذ خمس سنوات مضت ومن ناحية أخرى، فان خدمة الديون المتزايدة تلتهم جزءا اكبر من صادرات الدول النامية والجدول التالى يبين زيادة نسب خدمة الدين (أى نسبة الأقساط والفوائد إلى إجمالى الصادرات السلعية والغير سلعية) ومن الجدول السابق تبين أن خدمة الدين قد زاد من 10% سنة 1965 إلى 19% سنة 1982 فما يضيف سببا جديدا لتزايد طلب الدول النامية لقروض جديدة لسداد تلك النفقات المتزايدة كما أن الدول المقترضة تعرف انه فى ظروف التضخم العالمى السائد حاليا فان قروضها تنكمش قيمتها مع التضخم مما يجعلها تظن هذه القروض الرخيصة ونجد أن الأزمة المالية للدول النامية هى فى قلب الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية إذ يقول أحد الخبراء الاقتصاديين الأمريكيين انه لا يمكن أن يكون من المبالغة أن الكساد والمعدلات المرتفعة للفائدة فى الدول الصناعية الكبرى هى فى قلب مصاعب الدول النامية فى دفع ديونها وفوائدها وبالتالى نجد أن الأزمة المالية للدول النامية فى دفع ديونها وفوائدها وبالتالى نجد أن الأزمة المالية للدول النامية هى مظهر وجزء من الأزمة الاقتصادية العالمية السائدة حاليا لسببين:
1- أن النظام المالى العالمى هو جزء مندمج فى الاقتصاد العالمى فبدون القروض فان دول العالم الثالث ستشترى اقل من بلاد الغرب الصناعية والتى كانت ستعانى من ركود اكبر مما تعانى حاليا وبكلمات أخرى فان ارتفاع الدخول البترولية ودورة البترودولارات فى البنوك الغربية تدخل فى دورة السيولة للنظام المالى العالمى، حيث يعاد إقراضها للدول النامية، لكى تشترى سلعا من الدول الصناعية
2- أن الأزمة ليست مالية فقط بل اقتصادية فى الأساس، لأنها أزمة إنتاج بالدرجة الأولى، فالإنتاج هو حافز قوى للاستهلاك خاصة إذا ما تذكرنا بناء السكك الحديدية فى الغرب وصناعة السياسات وصناعات الحروب الخ أن مساعدة الدول المتقدمة للدول النامية ماليا قد سببت الأزمة الحالية، ولكنها أضعفت فى نفس الوقت من اشتداد أزمة الإنتاج فى العالم الغربى ومن ناحية أخرى نجد أن المؤسسات المالية الخاصة قد بحثت عن الربح العاجل وفى الأجل القصير بإقراضها للدول النامية بأسعار فائدة فاحشة فمن سنة 1974 إلى سنة 1978 زادت البنوك التجارية من قروضها الخارجية من 280 مليار دولار أى 900 مليار دولار وقد بلغ نصيب البنوك الخاصة فى هذا الدين للدول النامية إلى 49% من الإجمالى عام 1973 وتجاوز 57% فى عام 1981 أى زاد فى 8 أعوام من 48 مليار دولار إلى 245 مليار دولار كما أننا نجد أن شبكة البنوك التجارية الخاصة مندمج جدا فى ديون الدول النامية، إذ أن هناك 1600 بنكا تجاريا خاصا مشتركا فى عمليات المديونية للمكسيك وتتجه البنوك التجارية الخاصة حاليا إلى القروض العامة خاصة من المنظمات الدولية (صندوق النقد الدولى والبنك الدولى) لحل الأزمة المالية الحالية حلول الأزمة: يضع صندوق النقد الدولى لحل الأزمة الحالية، وصفة صارمة آذانه قرر تقديم قرض عاجل للمكسيك يقدر بحوالى 4 مليارات دولار على أن يتم تقديم ما يزيد على سبعة مليارات أخرى فى العام القادم لمواجهة الانهيار الخطير فى الوضع الاقتصادى للمكسيك وبمقتضى هذا القرض تعهدت المكسيك للبنك بان تضع الخطط الخاصة بخفض إجمالى العجز الذى تعانيه ميزانيتها من 6,5 مليار دولار إلى 4,25 مليار دولار وخفض معدلات التضخم السنوى الذى يصل الآن إلى 100% بنسبة النصف تقريبا وتعهدت المكسيك بإلغاء الدعم الذى تقدمه إلى مؤسسات القطاع العام أو تقليصها مع تجميد الأجور والتوظيف ووقف الاستثمارات فى مشروعات الإنفاق العام والخدمات كنهج جديد فى سياستها الاقتصادية النقدية وكل ذلك سيؤدى إلى خفض الناتج القومى للمكسيك 5% للعام 1983 وهكذا فان مستوى معيشة 75 مليون نسمة ستقل بنسبة 8% أو 9% وتلك هى وصفة صندوق النقد الدولى للتقليل أو التخلص من الديون الخارجية ولكن نجد أن حل أزمة الديون الخارجية للدول النامية الحالية يرتكز على شقين:
الأول: حدوث تحول فى الاقتصاد العالمى نحو الانتعاش والثانى: إصلاح النظام النقدى العالمى ومؤسساته الحالية فازدياد نمو الدول الصناعية وزوال الكساد، وزوال الدعوة للحماية الجمركية، وازدياد الطلب على منتجات الدول المتقدمة هو ما سيحسن من اقتصاديات الدول النامية ويجعل من الأسهل لها أن تدفع قروضها فى الوقت المحدود بالكامل كذلك فان انخفاض سعر الفائدة إلى (11%) فى البنوك الأمريكية سوف يساعد الدول المقترضة حيث أن انخفاض أسعار الفائدة سيساعد على النمو والانتعاش فى الدول الصناعية مما يزيد طلبها على منتجات الدول النامية كما أن انخفاض أسعار الفائدة سوف يعنى انخفاض تكلفة القروض الجديدة التى تعقدها الدول النامية وثانيا: فان الأمر يتطلب إصلاح النظام المالى الحالى وخاصة المؤسسات العالمية القائمة عليه حيث يعتقد بعض الخبراء أن العالم فى حاجة إلى منظمة جديدة لمساعدة الدول المقترضة وتتركز المناقشات حاليا فى كيف تزيد الاقتصاديات المتقدمة فى العالم من قروضها القصيرة الأجل للدول النامية وكيف يمكن مساعدة صندوق النقد الدولى فى هذا الصدد حيث يحتاج صندوق النقد الدولى لأموال جديدة حيث أن موارده قد استهلكت بواسطة معاملاته خاصة مع المكسيك والبرازيل وباقى دول العالم الثالث وقد أصدرت لجنة برانت الدولية تقريرا فى لندن حذرت فيه من حالة الفوضى التى يمكن أن يترك العالم فيها إذا لم يتخذ السياسات المناسبة للحيلولة دون تحول اتجاهات الركود إلى حالة كساد عام ودعت إلى تقديم المزيد من المساعدات إلى الدول النامية لأنه السبيل المتاح لإعادة تنشيط الاقتصاد العالمى ومن ناحية أخرى دعت مجموعة إلى 24 الممثلة للدول النامية فى صندوق النقد الدولى فى فبراير 1983، إلى مضاعفة الموارد المالية لصندوق النقد الدولى وأوضح متحدث باسم المجموعة بان الدول النامية لن تستطيع دفع ديونها الباهظة، للدول المتقدمة وبنوكها الخاصة ما لم يتم إجراء إصلاحات فى النظام المالى الدولى وقد حدد بيان مجموعته ال 24 مجموعة من الاقتراحات التى تهدف إلى إنقاذ النظام الاقتصادى العالمى من المشكلات الخطيرة التى يواجهها حاليا ومن ضمن هذه الاقتراحات:
1- وضع برنامج إنعاش اقتصادى عالمى يهدف إلى بذل الجهود لزيادة النمو الاقتصادى ومشاركة الدول النامية والدول المتقدمة فى تأثير هذا النمو مع السماح بتدفق رؤوس الأموال من الدول المتقدمة والمؤسسات النقدية إلى الدول الفقيرة
2- وضع خطة متوسطة الأمد يستطيع خلالها صندوق النقد الدولى تقديم قروض متوسطة الأجل للدول النامية
3-
طالب البيان صندوق النقد الدول بالمرونة فى شروطه الخاصة بتقديم القروض للدول الفقيرة ونتيجة لجهود الولايات المتحدة المعارضة لزيادة موارد الصندوق بنسبة كبيرة فقد وصلت اللجنة المؤقتة لصندوق النقد الدولى إلى اتفاق بزيادة حصص دول الصندوق بنسبة 47% (بدلا من 100% التى طالبت بها الدول النامية) وأعلنت الولايات المتحدة أنها غير مستعدة بسبب معارضة الكونجرس الأمريكى لزيادة حصتها فى الصندوق (أى اكثر من 40%) بينما وافقت الدول المتقدمة الأخرى على زيادة نسبتها وتتراوح ما بين 50% إلى 65% من الحصص التى تشترك بها فى الصندوق ولكن تلك الزيادات الطفيفة ستؤدى لتأجيل الأزمة إلى حين، وليس إلى إنهائها فهى حلول مؤقت إذ تشير الجنة الدولية التى يرأسها فيلى برانت فى تقرير نشر فى لندن أن دول الشمال لا يمكنها أن تتجاهل أوضاع الاضطراب الاقتصادى السائدة فى دول الجنوب لان هذا يؤثر عليها بالتالى وأشار التقرير إلى أن اتباع الدول الصناعية لسياسات تقشف داخلية ولجوئها إلى إجراءات الحماية التجارية لتقييد وارداتها وزيادة صادراتها يعقد الحلول المناسبة ويوشك أن يؤدى إلى حالة من التفكك الاجتماعى وخلق الظروف المناسبة للفوضى الاجتماعية وقالت اللجنة انه على الرغم من النتائج الإيجابية الضئيلة للغاية التى أسفر عنها مؤتمر الحوار بين الشمال والجنوب والذى عقد بالمكسيك فى عام 1981 إلا أنها مازالت توصى باستمرار الحوار ودعمه من خلال إعطاء دفعه سياسية به لان دول العالم جميعا تقبع فى قارب واحد معرض للغرق حاليا .