Share |
يوليو 1983
1
مصر وظاهرة الهجرة فى الوطن العربى: الآثار الاقتصادية لهجرة العمالة المصرية
المصدر: السياسة الدولية


يجمع المشتغلون بالتنمية والمنظرون لها أن البشر هم غاية التنمية، وهم فى الوقت نفسه أداتها فالتنمية لا تتحقق إلا بجهود البشر كأفراد، وبدرجة أهم كأعضاء فى جماعات ومؤسسات ومن هذا المنطق يصبح الحديث عن هجرة العمالة المصرية حديثا ذا أهمية خاصة وذلك نتيجة للأبعاد الهائلة التى اكتسبتها هذه الهجرة خاصة فى الآونة الأخيرة، والتأثيرات التى أحدثتها فى البنيا الاقتصادى الاجتماعى للمجتمع
وسوف ينص حديثنا عن الهجرة الخارجية فقط وليس الهجرة الداخلية (مع تسليمنا الكامل بأهمية الثانية أيضا) فقد كان الارتفاع الكبير فى أسعار البترول وخاصة بعد 1973وتبنى الدول العربية البترولية لخطط التنمية الطموحة بها الأثر الكبير فى تزايد الطلب على العمالة من الخارج بصفة عامة وذلك بسب قصور أسواق تلك الدول التى عن الوفاء باحتياجاتها العمالية سواء من الناحية الكمية أو الكيفية وكانت استجابة العمالة المصرية لهذا الطلب تلقائية وذلك نتيجة للعديد من العوامل والظروف ودعم من هذه الاستجابة اتجاه الدولة إلى رفع القيود باستمرار عن الهجرة وقد لخص سياسة الحكومة فى ذلك الوقت الرئيس السابق حينما أكد قائلا علينا إغلاق الباب أمام من يرى أن من صالحه أن يعمل لفترة يحددها لنفسه ولا نحددها نحن له فى الخارج وعلينا أن نوافق على الفور بمجرد أن يصلنا من المصريين العاملين بالخارج طلب تجديد الإعارة لسنوات أخرى ورغم اتفاقنا الكامل مع حرية الأفراد فى الانتقال والعمل إلا أن المشكلة الحقيقة التى تتعلق بهجرة العمالة هى مدى تأثير هذه الهجرة على جهود التنمية فى مصر فمما لا شك فيه أن تصدير أو هجرة القوى العاملة من مصر تحمل المجتمع نفقات وتكاليف معينة وتعود عليه بفوائد من جانب آخر والقضية الرئيسية هى ما إذا كانت الفوائد التى تعود على المجتمع المصرى من خلال هجرة القوة العاملة خاصة الماهرة والمهنية تعود على مصر بعائد إيجابى صافى أو أنها على العكس أصبحت ذات مردود سلبى وقبل دراسة ذلك تجدر بنا الإشارة إلى موجة الهجرة خلال السبعينات تختلف عنها خلال الستينات فقد كانت القيادات الأولى لهجرة العمالة تأخذ طابعا انتقائيا يتركز فى المشتغلين بالمهن العلمية والفنية والوظائف الكتابية وكانت تتجه هذه الهجرة غالبا إلى الولايات المتحدة وكهذا أوروبا الغربية واستراليا، بينما تيارات هجرة العمالة فى السبعينات أصبحت أكثر تنوعا وشمولا للعديد من الفئات الماهرة وغير الماهرة فهى تشمل بجانب أساتذة الجامعات خدم المنازل وازدادت الأهمية النسبية لعمال الإنتاج والخدمات فى تركيب قوة العمل المصرية المهاجرة وكان مقصدها فى هذه المرة إلى البلدان العربية النفطية، ويشير د إبراهيم سعد الدين فى هذا الصدد إلى ملاحظتين أساسيتين هما: أن هذه الهجرة تتجه إلى البلاد العربية النفطية وهى فى أغلب الحالات أقل تقدما وتطورا من الناحية الثقافية والمهنية عنها فى مصر أو فى البلاد الأخرى المصدرة للعمالة أن هذه الهجرة هى هجرة مؤقتة بمعنى أن المهاجر ينتقل للعمل لفترة قد تطول أو تقصر ويعود بعدها إلى موطنه الأصلى وقد تزايدت أعداد المصريين العاملين بالخارج خلال الستينات بمعدلات أكثر من ذى قبل ثم حققت خلال السبعينات معدلات غير عادية قدر التعداد العام الأخير الذى أجرى فى نوفمبر 76 عدد المصريين بالخارج حوالى 14 مليون نسمة وقد تزايد هذا الرقم خلال السنوات التالية وأن اختلفت التقديرات فى عددهم الآن، فالجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء يقدرهم بحوالى 1667 مليون عامل فى نهاية عام 1982، بينما تقدرهم وزارة الخارجية بحوالى 2962 مليون (يلاحظ الاختلاف الشاسع بين التقديرات أما المجالس القومية المتخصصة فتقدرهم بحوالى 2658 مليون عامل وأيا كانت التقديرات إلا أنه يلاحظ التزايد الهائل فى أعداد العاملين بالخارج وعلى الرغم من ذلك تؤكد دراسة البنك الدولى على أن هذا العدد للمصريين العاملين بالخارج منخفض لفرص العمالة المتاحة، هذا ومشير أيضا إلى عدم هجرة المتعطلين إلى الدول البترولية بحثا عن فرص لا يستطيعون الحصول عليها محليا وبالنسبة لتخصصات هؤلاء العاملين فيلاحظ من الجدول
(1) أنها تشمل السلم الوظيفى بأكمله ويلاحظ من الجدول السابق أنه نسبة العمالة الماهرة فى تزايد بينما تتناقص نسبة العمالة غير الماهرة (شاغلى الوظائف الكتابية والعمالة غير الماهرة) فقد تناقصت نسبة العمالة غير الماهرة من 543% فى عام 1975 إلى 413% فى عام 1980 فى حين ارتفعت نسبة العمالة الماهرة من 457% عام 1975 إلى 587% عام 80 وقد اختلف التوزيع الجغرافى لهذه العمالة خلال الفترة فبعد أن كانت ليبيا تحتل المرتبة الأولى بحوالى 40% فى عام 76 تليها السعودية بنسبة 35% ثم الكويت 11% إلا أن الصورة قد تغيرت فى بداية الثمانينات وأصبحت السعودية تحتل المرتبة الأولى بنسبة 32%، يليها العراق 25% وتراجعت ليبيا إلى حوالى 18% بينما ظلت الكويت على وضعها حوالى 12% آثار الهجرة على الاقتصاد المصرى: تعدد الآراء واختلفت فى شأن آثار هجرة العمالة على الاقتصاد المصرى بحيث يرى البعض أن الهجرة قد أحدثت العديد من الآثار السلبية وبالتالى يجب تقييدها حتى يستفيد الاقتصاد القومى من جهود هذه العمالة فى حين يرى البعض الآخر استمرار اتباع سياسة الباب المفتوح دون فرض أية قيود عملية وذلك لضمان استمرار الاستفادة من إيجابياتها وفيما يلى سوف نحاول أن نستعرض أهم هذه الآثار على الاقتصاد المصرى الهجرة والإنتاجية: دراسة أثر هجرة العمالة المصرية على الإنتاجية ينبغى معرفة أولا نوعية هذه العمالة المهاجرة، وثانيا نسبة هذه العمالة إلى القوى العاملة المصرية وبرغم غياب البيانات والإحصاءات وفى هذا الصدد إلا أنه وكما سبقت الإشارة يلاحظ تزايد معدلات العناصر المهاجرة والتى غالبا ما تكون من أكثر العناصر قدرة ومهارة وتناقص معدلات هجرة العمالة غير الماهرة وهو الأمر الذى انعكس على إنتاجية الأعمال وجودتها حيث يترتب على ذلك حرمان المؤسسات المصرية من هذه العمالة ونتيجة لضعف مرونة عرض العمل بالنسبة للتغير فى الأجر فإنها تمنع التحول من المهن والقطاعات ذات الإنتاجية المنخفضة إلى المهن والقطاعات ذات الأجور المرتفعة فالأجر المرتفع فى القطاع الصناعى فى مصر لا ينجح دائما فى جذب عنصر العمل من المهن والقطاعات ذات الأجر المنخفض بسبب اجتياح الصناعة إلى عمالة ذات مميزات خاصة كالعمال الفنيين وقد لا تتوفر هذه الخصائص فى القطاعات التى ينخفض فيها معدل الأجر، هذا جنبا إلى جنب مع انتقال بعض العناصر الماهرة إلى المشاريع الاستثمارية والانفتاحية وبالتالى فإن العجز الناتج عن هذه الهجرة يتم تغطيته عن طريق انتقال العمالة الريفية غير المدربة إلى المدن لسد هذا العجز وهو ما انعكس على إنتاجية الأعمال وجودتها من ناحية وبدأ يظهر فى الريف عجز واضح فى العمالة الزراعية أخذ يتفاقم بطريقة أدت إلى ارتفاع سريع فى أجورها مما أثر على الإنتاج الزراعى وأسعار منتجاته فضلا عن ترك بعض الأراضى دون زراعة، لقد أظهرت قلة الأيدى العاملة فى الزراعة وارتفاع أجورها أشياء ما كنا لنراه فى الريف المصرى من قبل أولها عدم توافر العمالة لحصد المحاصيل وخاصة القطن الأمر الذى اضطرت وزارة التربية والتعليم من أجله إلى تأجيل بدء العام الدراسى فترة حوالى أسبوعين لاستغلال التلاميذ فى جنى القطن؟ ثانيها اضطرار بعض ملاك الأراضى الزراعية أو مستأجريها إلى ترك جزء من أراضيهم دون زراعة فى موسم معين وقد حدث فى إحدى المحافظات أن بلغ عدد المساحات التى لم تزرع فى الموسم النيلى حوالى ثمانية آلاف فدان وذلك نتيجة العجز الواضح فى الأيدى العاملة وارتفاع الأجور وأيضا يلاحظ أن حدة الفروق الأجرية بين من يستمرون فى العمل فى مصر ومن ينتقلون للعمل فى الخارج تؤدى إلى سيادة شعور متزايد بالإحباط لدى العاملين المتبقين بالإضافة إلى ذلك سيادة اتجاه لديهم بأن أملهم الأساسى لا يكمن فى زيادة إنتاجيتهم وخدمة مؤسساتهم وتحقيق الترقى بل أن التقدم يتم فى هذه الحالة بترك المؤسسة والانتقال منها إلى خارج البلاد ويؤدى ذلك إلى فقد الحافز على التقدم وزيادة الإنتاجية هذا بالإضافة إلى أن نقص العمالة الناتج عن الهجرة وارتفاع معدلات التضخم فى الاقتصاد المصرى تدفع بمن يستمرون فى العمل داخل مصر إلى الاشتغال بأكثر من عمل فى أن واحد وهو ينعكس بالضرورة على المجهود العقلى والجسدى الذى يبذل الأفراد فى هذه الأعمال الإضافية على أعمالهم الأصلية مما يعنى بالضرورة انخفاض إنتاجيتهم فى العمل الأساسى ومما يزيد من خطورة هذا الأمر طبيعة هذه الهجرة من حيث كونها هجرة مؤقتة كما سبقت الإشارة ونتيجة لما تخلفه الهجرة من قيم مختلفة تماما لدى هؤلاء العاملين بالخارج سواء بالنسبة للعمل أو الإنتاج حيث أنه يحصل على أجر لا يتناسب مع الإنتاجية فى هذه البلدان فهو يحصل على أجر مرتفع مقابل إنتاجية منخفضة، ولكن عندما يعود إلى المجتمع يطالب بإنتاجية مرتفعة ويحصل على أجر منخفض وبالتالى فإن هذا الأمر يعكس لديه شعورا بالإحباط وعدم الارتياح وهو الأمر الذى يمكن أن ينشر خلال أعداد كبيرة من العاملين المصريين وذلك من خلال معدلات دوران هذه العمالة فى الخارج فعندما يعود المواطن المصرى إلى الاستقرار فى الوطن ويصبح لزاما عليه أن يحقق معدلات لا تتناسب مع الدخل فلا يمكن أن يعود إليها وكمثال على ذلك العامل الزراعى فإذا هاجر ثم عاد إلى وطنه فإنه لا يعود إلى فلاحة الأرض أبدا بل يعود إلى ممارسة الأنشطة التجارية والخدمية ذات الأرباح المرتفعةالخ وتقدر بعض الدراسات قيمة الإنتاج الضائع على الاقتصاد القومى نتيجة هجرة المصريين إلى الخارج بحوالى 145 مليون جنيه فى عام 1975 وارتفاعها إلى نحو 683 مليون جنيه فى عام 81/82 بمعدل زيادة قدره 27% سنويا فى المتوسط، وذلك على أساسا أن إنتاجية الفرد منهم التى تضيع على الاقتصاد القومى مساوية فى المتوسط لقيمة مساهمة العامل فى القيمة المضافة الإجمالية أو الناتج المحلى الإجمالى بتكلفة عوامل الإنتاج وذلك بعد استنزال عائد قناة السويس والبترول وذلك لأنها موارد طبيعية لا دخل للمجتمع المصرى فيها تحويلات المصريين العاملين بالخارج: أصبحت تحويلات المصريين العاملين بالخارج تمثل ثقلا أساسيا ورئيسيا فى ميزان المدفوعات المصرى ولعبت دورا هاما كمصدر للسيولة وموردا رئيسيا للنقد الأجنبى فى مصر ولقد تطورت وتزايدت تحويلات المصريين العالمين بالخارج تزايدا كبير خلال حقبة السبعينات (وذلك كما يتضح من الجدول المرفق) وترجع الزيادة الكبيرة التى حدثت فى تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى عوامل مختلفة لعل أهمها تزايد أعداد المصريين العاملين بالخارج (بالمعدلات السابق الإشارة إليها) بالإضافة إلى ارتفاع متوسط الأجر فى الدول المضيفة لهم فإذا نظرنا إلى هذه التحويلات من وجهة نظر الاقتصاد المصرى فنجد أنها ذات شقين الأول إيجابى حيث أنها أصبحت مصدرا رئيسيا للعملات الأجنبية التى تحتاجها الدولة، وشق سلبى وهو الخاص بالتحويلات التى تتم بشكل عينى وليس نقديا وخاصة التى تتم وفقا لنظام الاستيراد بدون تحويل عملة فقد تزايدت الواردات عن هذا الطريق بصورة أكبر من الصورة النقدية (كما يتضح من الجدول 2، حيث ارتفعت نسبة الاستيراد بدون تحويل عملة من 272% فى عام 1975، إلى أن وصلت إلى 48% فى عام 79، 45% فى عام 1980 وقد ازدادت نسبة الواردات بدون تحويل عملة إلى إجمالى الواردات من 31% فى عام 75 إلى ما يقرب من 202% فى عام 1980 وقد أحدثت تحويلات المصريين العاملين بالخارج أثرها على الاقتصاد المصرى من جانبين الأول من خلال تأثيرها فى أنماط الاستهلاك داخل المجتمع وثانيهما من خلال تأثيرها فى الفجوة التضخمية بالمجتمع أولا التأثير فى أنماط الاستهلاك: فمن المعروف أن هذه التحويلات تتجه أساسا لإشباع حاجات استهلاكية مؤجلة مثل المسكن الملائم، والسلع المعمرة مثل الثلاجة والتليفزيون والسيارة أولى مجالات الاستثمار التقليدى مثل شراء الأراضى وتملك العقارات وتختلف الأهمية النسبية للجزء المخصص للاستهلاك عن الجزء المخصص للادخار والاستثمار حسب مستويات الدخول والرواتب التى يتم الحصول عليها فى البلدان العربية النفطية وهى مرتبة بدورها بطبيعة المهارات والمجموعات المهنية المختلفة التى تتشكل منها قوة العمل المهاجرة وهو الأمر الذى أحدث أثره على الاقتصاد المصرى سواء من جهة تأثيرها فى نمط الاستهلاك من خلال تبنى النمط الاستهلاكى السائد فى المناطق التى تعمل فيها خاصة وأن زيادة دخولها تمكنها من تبنى هذا النمط ثم هى تساعد بعد ذلك على نقل هذا النمط إلى المجتمع المصرى عند عودتها الدائمة أو المؤقتة وهى من ناحية ثانية تلعب دورا مساعدا فى استيراد السلع الاستهلاكية إلى السوق المصرية ومما ساعد على ذلك كثيرا نظام الاستيراد بدون تحويل عملة (وهو الذى أباح دخول مدخرات المصريين العاملين بالخارج فى صورة عينية فأصبح فى مقدور الأفراد أن يستوردوا مختلف أنواع السلع وكان من الطبيعى أن ينصرف نشاط الاستيراد إلى طائفة السلع الكمالية والترفيهية التى تتميز بالندرة فى السوق المحلى والتى يطلبها ويستهلكها سكان المدن وأصحاب الدخول المرتفعة وتحقق لمستورديها هامشا عاليا من الربح ويكفى بالتدليل على ذلك من أن نشير إلى أن عدد السيارات المستوردة فى مصر قد قفز من 1400 سيارة فى عام 66/67 إلى 40 ألفا فى عام 75/76 ثم ارتفع إلى 74 ألفا فى العام الماضى وزاد المستورد من أجهزة التليفزيون خلال الفترة 71/79 من 71 ألف جهاز إلى 480 ألفا، والثلاجات زادت من 36 ألف ثلاجة إلى 214900 ثلاجةالخ الأمر الذى يدفعنا إلى القول بأن نظام الاستيراد بدون تحويل عملة لم يشجع على جذب مدخرات المصريين العاملين بالخارج، بل على العكس، خلق من خلال السلع الاستهلاكية الكمالية التى دخلت البلاد من خلاله حالة هوس استهلاكى بذخى لا يتناسب مع طبيعة موارد البلاد والظروف الاقتصادية الحرجة التى تمر بها وهو ما أدى إلى تبديد جزء هام من موارد البلاد من العملات الأجنبية هذا بالإضافة إلى أثار ذلك على الادخار والمدخرات المصرية ثانيا التأثير فى التضخم: مع تسليمنا الكامل بأن هناك العديد من الأسباب التى أدت إلى إشعال نار التضخم فى الاقتصاد المصرى، أننا لا يمكن أن نغفل أثر هجرة العمالة على التضخم فقد ساهمت هجرة العمالة فى إشعال نار التضخم فى الاقتصاد المصرى من خلال ثلاثة جوانب أولها القوى الشرائية الضخمة التى تجمعت لدى العاملين المصريين فى البلاد العربية النفطية والتى لم يقابلها عرض مواز من السلع والخدمات المحلية، وهو ما أحدث أثره خلال فجوة التضخم الناشئة عن زيادة الطلب وخاصة الطلب على السلع التى تتميز بعدم مرونة العرض المحلى منها مثل الأراضى الزراعية والعقارات وهو ما أدى إلى ارتفاعها ارتفاعا شديدا ثانيها ونتيجة لتصاعد الطلب على العالمين فى قطاعات مهنية مع عدم مرونة العرض من العالمين فى هذه المهن بالقدر الكافى لمواجهة الطلب أدى ذلك إلى حدوث تصاعد كبير فى الأجور وهو ما انعكس بدوره على تكاليف إنتاج السلع والخدمات فى المجتمع، وهذا بدوره يغذى العملية التضخمية (التضخم الناشئ عن ارتفاع التكاليف) ثالثهما: أن الطلب على السلع والخدمات المستوردة الناتج عن عدم تلبية المعروض المحلى من السلع فى الأسواق للطلب المتزايد أدى إلى مزيد من الضغوط على العملات الأجنبية وخاصة خلال الوسطاء والسماسرة وتجارة العملة وهو ما أدى بدوره إلى تخفيض القيمة الخارجية للجنيه المصرى وبنسب مرتفعة للغاية وهذا بدوره يمثل إحدى القنوات التضخمية فى الاقتصاد المصرى هذه هى بعض الآثار الناجمة عن هجرة العاملين المصريين العاملين بالخارج وهى تؤكد بلا شك على أن هجرة العمالة المصرية إلى الخارج أصبحت ذات مردود سلبى على الاقتصاد القومى وأن آثار هذه الهجرة السلبية قد أصبحت أكثر بكثير من آثارها الإيجابية وبالتالى فينبغى العمل على دراسة هذه الآثار دراسة جادة وكيفية الاستفادة منها بحيث تصبح ذات مردود إيجابى وتتم هذه الاستفادة فى الأساس عن طريق إشباع السوق المحلى من هذه العمالة ويأتى بعد ذلك تلبية الطلب الخارجى عليها وتبقى نقطة أخيرة فى هذا الصدد الأولى هى مستقبل هجرة العمالة خلال حقبة الثمانينات وخاصة فى ظل انخفاض أسعار البترول الخام وتخفيض البلدان العربية النفطية من مخصصات استثماراتها بنسبة مرتفعة للغاية مستقبل هجرة العمالة المصريات: لقد أحدثت الظروف والملابسات الأخيرة والاضطرابات فى أسواق النفط العالمية أثرها على أسعار البترول الخام، حيث انخفض سعر البرميل الواحد بمقدار خمسة دولارات تقريبا، وقد ترتب على ذلك إعلان الكثير من البلدان العربية النفطية تخفيض معدلات الاستثمار بها، فالسعودية أعلنت عن تخفيض استثماراتها بنسبة 30% وقطر أعلنت عن تخفيض الإنفاق العام فى ميزانيتها الجديدة بنسبة 20% ه ذا بالإضافة إلى توقف البحرين عن عمل مشروعات جديدة وكذلك بقية دول الخليج وقد دفع ذلك الكثيرين إلى التساؤل عن مستقبل المصريين العاملين بهذه الأقطار ومدى تأثير ذلك على الاقتصاد المصرى وقد اتجهت الدراسات التى أجريت على هذا الموضوع إلى احتمالين: أولهما تفاؤلى حيث يرى أن الطلب على العمالة المصرية فى الأسواق العربية سوف يظل على حالة، أن لم يتزايد، وذلك يعود إلى الأثر الناجم عن تخفيض الاستثمار فى البلدان النفطية سوف ينعكس فى الأساس على العمالة الآسيوية وليس العمالة العربية، وذلك لما أصبحت تمثله هذه العمالة من خطورة سواء كانت على الأوضاع الاقتصادية أو الاجتماعية للبلدان المضيفة لها وبدأت فعلا البلدان الخليجية فى دراسة آثار هذه الظاهرة أما إذا كانت هناك معدلات تناقص فى الطلب على العمالة فهى ستكون فى القطاعات التى تم إشباعها مثل عمال البناء والتشييد، الأمر الذى يعنى أن هيكل التركيب المهنى للعمالة المهاجرة هو الذى سيتغير وذلك بعد أن يتم الاستغناء عن نوعيات معينة مقابل الطلب على نوعيات أخرى ثانيهما وهو التشاؤمى حيث يرى أن الدول العربية سوف تضطر إلى التخلص من جزء كبير من العمالة المصرية نتيجة لتخفيض الاستثمارات بها من ناحية ونتيجة للإشباع الذى حدث فى بعض القطاعات من ناحية أخرى وذلك مع إحلال العمالة الآسيوية محل العمالة المصرية والعربية ويدللون على ذلك بأن هناك العديد من الأسباب التى تدفع إلى مثل هذا الاتجاه وهى: أن هذه العمالة منخفضة الأجور بالمقارنة بمثيلتها العربية أن هذه العمالة أكثر مهارة وإنتاجية من العمالة العربية أن سرعة دورانها عالية مما يسمح باستغلالها فى فترة إنتاجيتها الاستغلال الأقصى أنها عمالة (عابرة) ولن تستقر فى المنطقة بحكم بعدها الحضارى عن المجمعات الخليجية العربية وتبقى نقطة أخيرة ألا وهى سواء أخذنا بالاحتمال الأول أو الثانى، أن هذه العمالة المهاجرة لا بد أن تعود يوما إلى الوطن وهو ما يتطلب توفير فرص عمالة ومعيشة كاملة لها من ناحية وما يمكن أن يحدثه من آثار فى تخفيض العائدات من العملات الأجنبية من ناحية أخرى وأثر ذلك على ميزان المدفوعات المصرى والمجتمع المصرى بصفة عامة وحتى الآن لم تجر أية دراسة تهتم بإعداد تصور لمثل هذه الأمور والتخطيط لها ومما هو جدير بالملاحظة أن هناك بعض القطاعات من العمالة بدأ ينخفض الطلب عليها مثل قطاع البناء والتشييد وهو ما يؤدى إلى احتمال العودة متوقعا بشكل كبير هذا مع الأخذ فى الاعتبار الانخفاض فى الأعداد الكلية من هذه العمالة .