Share |
يوليو 1983
1
مصر وظاهرة الهجرة فى الوطن العربى: مستقبل هجرة العمالة المصرية المؤقتة إلى الدول العربية البترولية
المصدر: السياسة الدولية


تتناول هذه الورقة بالتحليل هجرة العمالة المصرية المؤقتة، واحتمالات استمرار تلك الهجرة فى المستقبل وذلك من خلال تحليل العوامل التى يتوقف عليها تدفق العمالة المصرية فى المستقبل وتنقسم هذه العوامل إلى قسمين، ينصرف الأول منها إلى الدول العربية البترولية والتى تتمثل فى موقف الدول العربية البترولية من هجرة العمالة المصرية إليها من حيث الترحيب أو المنع وقدرة تلك الدول على سد احتياجاتها من قوة العمل الداخلية بها، ومدى توافر الموارد التمويلية لهذه الدول للعلاقة الوثيقة بين خطط التنمية والموارد التمويلية أما الثانى من هذه العوامل فينصرف إلى الاقتصاد المصرى، ويتمثل بصفة أساسية فى مدى توافر عنصر العمل اللازم للدول العربية بالكم والنوع المطلوب وقدرة الاقتصاد المصرى على إحداث التكيف الداخلى بما يتلاءم مع احتياجات الدول العربية البترولية من العمالة، وقدرة الحكومة المصرية على التحكم فى تيار الهجرة وتتناول هذه الورقة أخيرا تصورا لكيفية زيادة قدر الاستفادة من المظاهر، وذلك إذا ما استمرت فى المستقبل 2 هجرة العمالة المصرية المؤقتة (خلفية الظاهرة): ترتبت على حرب رمضان أكتوبر 1973 وما فرضته الدول العربية البترولية من حظر على صادراتها النفطية إلى دول الغرب زيادة مفاجئة فى أسعار النفط الخام أحدثت آثار بعيدة المدى على الصعيدين الإقليمى والدولى فقد نتج عن هذه الزيادة فى الأسعار زيادة هائلة فى الموارد التمويلية المتاحة للدول المصدرة للبترول ولقد دفعها ذلك إلى تبنى خطط تنموية ضخمة لم يكن من السهل عليها تبنيها لولا هذه الموارد التمويلية التى تهيأت لها ومع توافر الموارد التمويلية لهذه الخطط لم يكن عنصر العمل اللازم بمستوى المهارة المطلوب وهو من العناصر الحاسمة فى عملية التنمية، متوفرا لدى هذه الدول سواء من حيث الكم أو من حيث الكيف ويرجع ذلك إلى مجموعة من العوامل منها:
1- انخفاض أعداد السكان، والمقصود بذلك انخفاض عدد السكان إذا ما قورن بالموارد المتاحة
2- اتساع قاعدة الهرم السكانى أو ما يطلق عليه الفتوة السكانية حهغا بهمم والتى تعنى ارتفاع نسبة السكان ممن هم دون سن العمل (15 سنة) فى الكويت 44,2% وفى السعودية 44,7% وفى البحرين 44,2% وفى عمان وقطر 45% (1)
3- انخفاض نسبة مشاركة المرأة فى النشاط الاقتصادى ويرجع ذلك إلى عدة عوامل اجتماعية وثقافية ودينية إذ لازالت التقاليد تمنع المرأة من العمل لمهن معينة، بل قد لا تسمح لها بالعمل خارج المنزل على الإطلاق، فعلى سبيل المثال تبلغ نسبة مساهمة النساء البحرينيات فى سبق العمل 2% عام 1972 ولم تتعد هذه النسبة 32% فى الكويت عام 1975
(2) 4 انخفاض المستوى التعليمى والفنى لعمال هذه البلاد حيث يلاحظ قصور نظم التعليم والتدريب الموجودة بهذه الدول عن توفير مستويات المهارة العلمية والفنية والإدارية المطلوبة فى سوق العمل بهذه الدول، بل أن كثيرا من المهن والوظائف المطلوبة فى سوق العمل لم يكن يتوافر لها أى نوع، من التعليم والتدريب ويعنى ذلك أن الغالبية العظمى من عمال هذه الدول عمال غير مهرة ليس لديهم الخلفية العلمية ولا مستوى التدريب الكافى الذى يؤهلهم لشغل مجموعة المهن والوظائف المتاحة ففى عام 1972 كان 85% من العمال بالكويت دون التعليم الجامعى و75% منهم دون التعليم المتوسط أما فى قطر فقد شكل حملة الابتدائية 70% من المؤهلين بينما مثل الجامعيون أقل من 1% من قوة العمل، ونفس النتائج يمكن تطبيقها على كل من عمان والإمارات
(3) ونتيجة للعوامل السابقة عجزت أسواق العمل بالدول العربية البترولية عن توفير العمالة المطلوبة بالقدر اللازم ومستوى المهارة المطلوب ومن ثم كان من الضرورى اللجوء إلى العمالة المستوردة من الدول الأخرى الأمر الذى أدى إلى أن أصبحت ازدواجية سوق العمل بهذه الدول إحدى السمات البارزة لهذه الدول فقد مثل الأجانب فى عام 1975، 84,7% من العمالة فى الإمارات و81,1% من العمالة فى قطر و70% من العمالة فى الكويت و43% من العمالة فى السعودية و 42,5% من العمالة فى ليبيا و40% من العمالة فى البحرين
(4) ويلاحظ أن هذه النسب تزيد بمرور الوقت ومن بين الدول المصدرة للعمالة فى المنطقة العربية تهيأت الظروف لمصر لكى تلعب دور المصدر الرئيسى للعمالة إلى تلك الدول وساعدها فى ذلك كبر حجم السكان بها باعتبارها أكبر دول المنطقة سكانا، وقوة عمل تنشر بها البطالة الظاهرة والمقنعة، ونظام تعليمى يخرج سنويا أعداد كبيرة إلى سوق العمل مع محدودية الفرص المتاحة أمام خريجيه داخليا، ثم تخفيف نسبى لقيود الهجرة التى افتقدت سياستها لعنصر التخطيط وبذلك فتح الباب على مصراعيه أمام المصريين لتتزايد أعدادهم بشكل واضح فى الدول العربية البترولية بل وغير البترولية أيضا ففى الوقت الذى أشار فيه التعداد العام للسكان عام 1966 إلى أن عدد السكان بالخارج ليلة التعداد بلغ 100 ألف مصرى، نجد أن التعداد العام الأخير عام 1976 قد أشار إلى أن السكان بالخارج ليلة التعداد قد بلغ 1425 ألف مصرى ولقد تميز النمط الجديد من الهجرة بأنه ذو طابع مؤقت وليس بصفة دائمة، إذ أصبح من الممكن إهمال الهجرة الدائمة لانخفاض أعدادها بشكل واضح فى السنوات الأخيرة وعلى العكس من أنماط الهجرة التى سادت فى الماضى والتى اقتصرت على تخصصات معينة نجد أن الهجرة المصرية المؤقتة إلى الدول العربية البترولية قد امتدت لتشمل كل عناصر الهيكل الوظيفى لقوة العمل مؤهلين وغير مؤهلين، وقد شملت الهجرة العاملين بكافة القطاعات ويلاحظ تعدد تقديرات المصريين العاملين بالخارج حسب مصادرها المختلفة كما هو واضح بالجدول رقم (1) ويرجع ذلك إلى عدم توافر الإحصاءات الرسمية عن العمالة المصرية المهاجرة، وحتى بفرض توافر هذه الإحصاءات فليس من السهل الاعتماد فى تحديد رصيد العمالة المصرية المهاجرة وذلك لميل الكثير من المهاجرين بنية العمل إلى عدم الكشف عن وجهتهم أو تخصصاتهم ولسبب المغادرة الحقيقى كما ترتفع نسب المهاجرين هجرة غير منظمة (فردية) من إجمالى التدفق الخارجى للعمالة المصرية ففى خلال الفترة من 1968 إلى 1980 بلغت النسبة المتوسطة للهجرة غير المنظمة 90,6%
(5) ومن الأمور المثيرة للدهشة هو أنه كيف توضع خطة للقوة العاملة فى غياب هذه الإحصاءات عن العمالة المهاجرة وتخصصاتها وانعكاساتها على قوة العمل المقيمة فى الداخل ولقد ترتب على هذا المد تزايد من هجرة المصريين الكثير من الآثار على الاقتصاد المصرى فقد أدت الهجرة إلى التأثر على ميزان المدفوعات، وهيكل العمالة، والأجور وأنماط توزيع الدخل، وأنماط الإنفاق من استهلاك واستثمار وأسهمت فى زيادة حدة التضخم وأدت إلى التأثير على الرفاهية الاقتصادية وغيرها من الآثار كثير ولقد تمثلت الآثار الإيجابية للهجرة فى آثارها على ميزان المدفوعات المصرى، فقد أسهمت تحويلات المهاجرين فى تغطية نسبة لا بأس بها من الواردات المصرية المنظورة خلال الفترة من 1970 إلى 81/1982 بلغت فى المتوسط 30% وبلغت النسبة المتوسطة لتغطية التحويلات لعجز الميزان التجارى 55% خلال السنوات الأخيرة بل لقد كفلت التحويلات بمفردها تغطية المدفوعات غير المنظورة وحققت فائضا بعد ذلك
(6) إلا أن هذا الأثر الإيجابى يتضاءل أمام الآثار السلبية الأخرى والتى من أهمها أثر الهجرة على هيكل العمالة المصرى فقد أدت الهجرة إلى التأثير على هيكل العمالة المهنى بالسالب وذلك نظرا لأن التركيبة الماهرة skill mix فى قوة العمل المهاجرة تختلف عن مثيلتها لقوة العمل المقيمة وذلك فى غير صالح الاقتصاد القومى حيث تؤدى الهجرة بهذا الشكل إلى ارتفاع معدل العمالة غير الماهرة إلى العمال المهرة، وذلك لارتفاع نسب العمالة المهاجرة من المهن ذات الندرة النسبية فى قوة العمل المصرية والماهرة وانخفاض النسب المهاجرة من المهن ذات الفائض النسبى وغير الماهرة، الأمر الذى أدى إلى تخفيض نوعية قوة العمل المصرية
(7) كما أدت الهجرة إلى التأثير على هيكل العمالة بالقطاعات المختلفة إذ يميل العمال المهاجرون إلى التركيز فى القطاعات التى تعانى من نقص أصلا قبل الهجرة، والقطاعات التى يتزايد الطلب المحلى عليها فقد أدت الهجرة إلى التأثير بصورة جوهرية على العمالة بقطاعات البناء والتشييد والمناجم والمحاجر والقطاع الزراعى، وأصبحت أحد أهم المشاكل التى يواجهها قطاع الصناعات التحويلية، وعلى العكس من ذلك يلاحظ أن القطاعات التى تواجه مشكلة نقص القوى العاملة بها، يلاحظ أن النسب المهاجرة منها تعد منخفضة ويتم تعويضها من خلال الداخلين الجدد (newcomers (8 يلاحظ أن أثر الهجرة على البطالة لم يكن بالدرجة التى توقعها صانعو السياسة فقد كان هذا الأثر ضعيفا وليس بالقدر المأمول من الهجرة أن تحققه، ويرجع ذلك إلى الطبيعة الانتقائية لعملية الهجرة
(9) ويستخلص من ذلك أن الهجرة قد تمخضت عن زيادة حدة الخلل فى هيكل العمالة وبنيت بصورة أوضح مدى حدة العجز والفائض فى قوة العمل المصرية ولقد نبع أثر الهجرة السلبى على هيكل العمالة من أن هيكل العمالة المصرى مختل أساسا ويعانى من نقص بشكل خاص فى الفئات التى هاجرت فضلا عن غياب سياسة الهجرة المخططة التى تضع فى اعتبارها مدى الآثار المحتملة لهذا التدفق الخارجى للعمال وأثره على هيكل العمالة فى مصر وأخيرا ضعف جهود الإصلاح والإحلال لمواجهة الآثار المترتبة على الهجرة بهدف تلافى الآثار السلبية للهجرة على سوق العمل المصرية وفيما تتناول هذه الورقة مستقبل هجرة العمالة المصرية المؤقتة للدول العربية البترولية وذلك من خلال تحليل العوامل التى يتوقف عليها استمرا هذا التيار
3- موقف الدول المستقبلية تجاه هجرة المصريين: ويلاحظ أن المقاطعة العربية لم تؤثر بصورة جوهرية على تدفق المصريين إلى الخارج وذلك إذا ما استثنينا ليبيا فقد نصت قرارات المقاطعة العربية على استمرا التعاون مع الشعب المصرى ومع الأفراد باستثناء من يتعامل بصورة مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل
(10) ولا شك أن استغناء تلك الدول عن العمالة المصرية كلية أمر ليس سهلا، وذلك لما يتمتع به العامل المصرى من كفاءة إنتاجية مرتفعة ورخص نسبى فى أجره فضلا عن ذلك سهولة الاتصال والتعامل معه ففى عام 1977 أشارت مجلة MEED إلى أن معظم الليبيين متفقون على أنه من بين الأجانب يعد المصريون أسهل العمال من حيث الاتصال والتعامل
(11) أضف إلى ذلك أن الدول العربية البترولية تعج الآن بالعمالة غير العربية الآسيوية، وبصفة خاصة دول الخليج وقد لاقى وجود غير العرب من العمال ترحيبا من تلك الدول فى البداية على أساس أنهم سيعملون إلى الحد الذى يحصلون فيه على ما يكفيهم من دخل ثم يعودون إلى بلادهم، وعلى ذلك فأنهم لا يمثلون مشكلة على المدى الطويل أما اليوم فقد تصاعد الشعور بالقلق من الآثار السلبية المحتملة التى يمكن أن يتركها هؤلاء الأجانب على الشخصية والثقافة العربية بل ومن الأخطار السياسية أيضا فأكثر المربيات فى بعض الدول العربية البترولية من آسيا ذوات لغات وأديان مختلفة عن تلك السائدة فى المنطقة وهو ما يترك أثرا خطيرا على النشء فى هذه الدول
(12) فضلا عن ذلك فإن هؤلاء العمال غير العرب يعتبرون مصدرا لتغيير عادات وتقاليد المواطن العربى وهناك احتمال لأن يعمل هؤلاء العمال غير العرب على تفتيت الرابطة بين المواطن العربى المهاجر إلى تلك الدول وبين سكان البلاد الأصليين إذ أن الرابطة بين السكان العرب تعد تهديدا لمصالحهم وذات أثر سلبى على تدفقهم كما أن هناك احتمال أن تتدخل دول الأصل لهذه العمالة لحماية عمالها إذا ما اقتضت الضرورة ذلك، فضلا عن ذلك، فإن تواجد العمالة غير العربية بصورة كثيفة لا يعطى البلاد المستقبلة ديناميكية وحرية الحركة سواء على النطاق الداخلى أو على النطاق الدولى، ففى الإمارات تعثر إصدار قرارات تنظيم العمالة لأن البرلمان الهندى يصر على مناقشة هذه القرارات والتوصيات
(13) وهو ما يعد أحد أشكال التدخل فى شئون هذه الدول بل أن هناك احتمال لأن تفرض دول الأصل رغباتها على الدول العربية البترولية وذلك اعتماد على عمالها المقيمين بتلك الدول فالكثير من عمال الدول الآسيوية يقيمون فى معسكرات عمل شبه عسكرية، بل أن بعض عمال هذه الدول عسكريين بالفعل مثل العمال الكوريين وقد عبر أحد قادة الدول بعيدى النظر وهو الملك الراحل فيصل عن كل ما سبق بقوله أنه يتمنى لو أنه قيد التنمية فى السعودية بصفة جزئية بسبب المخاطر التى يمكن أن يحدثها هذا التدفق الكبير من المهاجرين الغربيين
(14) ولا شك أن تنامى هذا الشعور بالقلق فى تلك الدول قد يحمل تلك الدول على تقييد هجرة العرب إليها ولا شك أن ذلك فى صالح العمالة العربية والتى من بينها وأهمها العمالة المصرية ويلاحظ أن هناك اتجاه متزايد فى الدول العربية البترولية لدفع الشركات الوطنية نحو المشاركة بقدر أكبر فى الأنشطة الإنشائية والمشروعات والبرامج الصناعية فالقوانين الآن فى السعودية والكويت والإمارات متحيزة بصورة واضحة أو ضمنية نحو الشركات المحلية، ففى خطة 1982 1986 السعودية، من المقرر أن تحصل الشركات الوطنية على 80% من عقود الإسكان
(15) بل لقد أعلن أنه يمنع على المقاولين الأجانب العمل فى مجالات الطرق والكبارى والمشروعات الإنشائية الصغيرة والمتوسطة
(16) وأعلن فى الكويت أن هيئة الإسكان القومى سوف تمنح العقود للشركات المحلية فقط
(17) كما أن الشركات الأجنبية تواجه صعوبة العمل فى الإمارات بسبب الشروط المقيدة التى تحابى الشركات الوطنية
(18) ورغم أن المشروعات ذات المستوى التكنولوجى المتقدم تمثل التحدى الرئيسى أمام الشركات الوطنية، وأن الكثير من الشركات الأجنبية العاملة بتلك الدول قد غطى موقفه بالدخول مشاركة على هيئة JOINT VENTURE مع الشركات الوطنية إلا أن الدور المتنامى للشركات الوطنية بأسواق الدول سوف يحد من تدفق العمالة غير العربية إلى تلك الدول ومن ثم زيادة تدفق العمالة العربية إلى تلك الدول ومنها العمالة المصرية وذلك بافتراض أن العمالة المصرية وذلك بافتراض أن الشركات الوطنية سوف تعتمد بصفة أساسية على العمالة العربية4 قدرة البلاد العربية البترولية على توفير احتياجاتها من قوة العمل الوطنية بها تعمل الدول العربية البترولية جاهدة على سد النقص فى قوة العمل المطلوبة لها من خلال قوة العمل بها، وذلك بالعمل على رفع مستويات التعليم والتدريب بها والاهتمام بزيادة مشاركة الأفراد الوطنيين بها فى سوق العمل بعد تدريبهم وتأهيلهم ويحتل ذلك الأمر أهمية كبيرة فى موازنات تلك الدول فعلى سبيل المثال احتلت تنمية القوة البشرية فى السعودية أولوية فى خطة تنمية 81- 82-85-86، حيث وضعت خطة طموحة تهدف إلى خفض العمالة المهاجرة فى قوة العمل السعودية من 70% فى بداية الخطة إلى 55% فى نهاية الخطة
(19) وإن كان المراقبون يرون أن واضعوا الخطة متفائلون للغاية كما أن هناك اتجاها متزايدا من جانب الحكومة السعودية نحو ربط تنفيذ المشروعات بواسطة الشركات الأجنبية بقيام تلك الشركات بتدريب السعوديين على إدارة وتشغيل تلك المشروعات
(20) إلا أنه يلاحظ أن هذه الدول سوف تظل غير قادرة على سد احتياجاتها من العمالة من حيث الكم والكيف، سواء على الأجلين القصير والمتوسط وإذا ما نظرنا إلى إمكانيات تنمية قوة العمل من الناحية الكمية، ويلاحظ بداءة أنه كما أشير سابقا أن هذه الدول تعانى من انخفاض فى أعداد سكانها من ناحية، وانخفاض معدلات النشاط من ناحية أخرى والتى ترجع إلى اتساع قاعدة الهرم السكانى وانخفاض معدلات المشاركة للمرأة فى سوق العمل، ولا شك أن العمل على أحداث زيادة كمية فى أعداد قوة العمل لهذه الدول يأخذ على الأقل اتجاهات ثلاثة الاتجاه الأول هو رفع معدلات الزيادة الطبيعية فى السكان ومن ثم القوة العاملة ويصعب فى الحقيقة زيادة معدلات النمو السكانى بهذه الدول، فطبقا للجدول رقم (2) يلاحظ أنه فيما عدا الكويت فإن معدلات المواليد بهذه الدول تعد مرتفعة أصلا فضلا عن أن معدلات الوفيات منخفضة ويعنى ذلك أن معدلات الزيادة فى سكان تلك الدول تعتبر مرتفعة كما هو موضح بالجدول، ومن ثم فإن احتمالات نمو السكان بمعدلات أعلى من المعدلات الحالية تعد ضعيفة، فمن المعروف أن هناك حدودا للنمو فى السكان ناهيك عن أنه بفرض أن تلك الدول استطاعت أن ترفع معدلات النمو فى سكانها فإن ذلك يحتاج إلى فترة طويلة كى يظهر أثره على سوق العمل
(21) أى يوم أن يصبح هؤلاء المواليد الجدد قادرون على العمل أما الاتجاه الثانى فهو محاولة رفع معدلات النشاط للذكور، وفى هذا الصدد يلاحظ أن نمو وتطور تلك الدول ارتبط بانتشار وتوسع النظم التعليمية، وهو ما ساعد على زيادة التحاق الأطفال بالنظام التعليمى ومن المعلوم أن انتشار التعليم يؤدى إلى تخفيض معدلات النشاط، لأنه يؤخر دخول الأفراد إلى قوة العمل، ويقلل من عمالة الأطفال يبقى بعد ذلك الاتجاه الثالث وهو محاولة رفع معدلات النشاط للإناث فى قوة العمل
(22) ويرجع انخفاض معدلات المشاركة للإناث إلى عوامل اجتماعية وثقافية متصلة بالعادات والتقاليد ولا شك أن التحرر من العادات والتقاليد المترسخة عملية تحتاج إلى وقت طويل، وذلك فإن رفع معدلات النشاط للإناث أمر وارد ولكن ليس من المحتمل أن يظهر أثره على المدى القصير ونخلص من ذلك إلى أن إمكانيات الزيادة الكمية فى قوة العمل بتلك الدول تعد ضعيفة أما من الناحية النوعية فيلاحظ أنه بالرغم من محاولات تلك الدول وضع خطط لتنمية قوة العمل بها إلا أنها لا تسير وفق خطة أو منهاج مدروس بتحديد الاحتياجات المطلوبة فى ضوء معايير محددة تنتهى بالمخرجات المطلوبة
(23) إذ يعتمد النظام التعليمى بتلك الدول على المدرسين والعاملين بحقل التعليم المصريين بصورة كبيرة ولقد بنى النظام التعليمى بتلك الدول إلى حد كبير على التجربة والخبرة المصرية، ومن الطبيعى أن تنعكس سمات وخصائص النظام التعليمى المصرى على النظم التعليمية بتلك الدول، ولذلك نجد أن هذه الدول تعانى من نفس ما تعانى منه مصر، وهو زيادة فى أنظمة التعليم ومخرجاتها لا تتناسب مع ما تتطلبه عملية التنمية، كما أنه بالرغم من التوسع فى برامج التدريب إلا أن الأثر مازال ضعيفا وأقل مما هو مطلوب لمواجهة احتياجات التنمية أضف إلى ذلك أن الالتحاق والتهافت يأتى بالدرجة الأولى نحو التعليم الرسمى
(24) تماما كما هو الحال فى مصر فعلى سبيل المثال أنشأت السعودية عددا كبيرا من مراكز التدريب المهنى بالمملكة إلا أن الاهتمام بهذه المراكز من جانب السعوديين ضئيل للغاية
(25) ومما سبق نخلص بأن هذه الدول سوف تعتمد وإلى وقت غير قصير على العمالة الوافدة من الدول الأخرى، وذلك لعد قدرتها على استيفاء احتياجاتها من العمالة سواء من حيث الكم أو الكيف المطلوب من قوة العمل الداخلية بها مدى توافر الموارد التمويلية اللازمة لتنفيذ خطط التنمية بهذه الدول: تعتمد الدول العربية البترولية فى المقام الأول على صادراتها من النفط الخام، وذلك للحصول على مواردها التمويلية وعلى ذلك يعد استمرار تدفق المواد النفطية لهذه الدول عاملا ضروريا لاستمرار تلك الدول فى تنفيذ خططها التنموية الطموحة وقد لوحظ فى الفترة الأخيرة أن هناك تغيرات عنيفة يتعرض لها سوق النفط الخام فقد أعلن فى عام 1981 عن وجود فائض فى المعروض من النفط الخام، وإزاء استمرار هذا الفائض مالت الأسعار إلى الانخفاض فى السوق الحاضر SPORT MORKET وتسابقت الدول المصدرة للنفط بصفة خاصة الدول غير الأعضاء فى الأوبك إلى تخفيض أسعار بترول المصدر لكى تحافظ على تصدير نفس الكمية التى تقوم بإنتاجها لضمان انسياب الموارد التمويلية اللازمة لها وبالعودة إلى الأسباب المسئولة عن الوفرة الحادثة فى سوق النفط الخام نجد أنها مجموعة من العوامل توافقت من الناحية الزمنية لتعمل فى اتجاه واحد هو زيادة المعروض من النفط الخام، وبالتالى الانخفاض فى الأسعار ويمكن تلخيص هذه العوامل فى الآتى:
1- انخفاض الطلب على النفط الخام ففى عام 1980 قدر الانخفاض فى الطلب على النفط الخام بحوالى 3 مليون برميل يوميا عن العام السابق وفى عام 1981 انخفض الطلب بحوالى 26 مليون برميل يوميا أخرى ليصل مجموع الانخفاض فى الطلب على النفط بحوالى 56 مليون برميل يوميا خلال عامى 1980،1981
(26) هذا ويقدر البعض الانخفاض فى الطلب على النفط الخام خلال فترة من 1979 إلى 1982 بحوالى 65 مليون برميل يوميا
(27) 2- زيادة الإمدادات من دول غير الأوبك وبصفة خاصة بحر الشمال
3- السحب من المخزون الاستراتيجى للشركات البترولية ارتفع هذا المخزون بصورة واضحة فى أعقاب ظروف عدم التأكد التى نتجت عن الحرب العراقية الإيرانية، إلا أنه بعد ذلك لم تبد هناك حاجة ملحة للاحتفاظ بهذا المخزون وبصفة خاصة فى ظل ظروف اتجاه الأسعار نحو الانخفاض
4- تزايد الاتجاه لتخفيض الاستهلاك من الطاقة بصفة خاصة البترول وإدخال تكنولوجيا توفير الطاقة SAVING ENERGY -TECHNOIOGY- 5 تزايد معدلات الإحلال للنفط وبصفة خاصة من الفحم والطاقة النووية
6- تسابق الدول المصدرة للنفط نحو تخفيض أسعار بترولها المصدر وبصفة خاصة إيران والمملكة المتحدة (28) للأسباب السابقة مالت الأسعار نحو الانخفاض وكذلك الكميات المصدرة من النفط وبديهى أن المحصلة النهائية لذلك هى الانخفاض فى عوائد النفط وقد يدعو ذلك إلى الاعتقاد بأن الانخفاض فى الموارد التمويلية للدول العربية البترولية لا بد وأن يحدث أثره على خطط التنمية بها وعلى حجم الأهداف التى تسعى إليها تلك الخطط وكانت العلاقة بين أهداف التنمية والطلب على العمالة فى المستقبل خصوصا وأن بعض هذه الدول بدأ يواجه المصاعب المالية فها هى الكويت تعلن عن وجود عجز فى ميزانية عام 82/1983 ولأول مرة فى تاريخها الحديث حيث قدر عجز الميزانية بحوالى 1097 مليون دولار وتصاعدت الدعوة نحو تخفيض الاتفاق الحكومى بها (29) غير أن تحليل العوامل التى أدت بالأسعار والطلب على البترول إلى الانخفاض يشير إلى أن هذا الاتجاه ليس اتجاها طويل المدى فلا شك أن أهم العوامل هو انخفاض الطلب على النفط الذى قدر كما أشير بحوالى 56 برميل يوميا خلال عامى 80، 1981 يرى المراقبون أن انخفاض الطلب على النفط الناجم عن انخفاض الاستهلاك لم يكن كرد فعل للأسعار المرتفعة التى سادت فى أعقاب الحرب العراقية الإيرانية، ولكن يرجع بالدرجة الأولى إلى حالة الكساد التى سادت دول العالم الحر حيث انخفضت معدلات النمو الاقتصادى فبلغت على سبيل المثال فى دول ال OECD حوالى 1% فى المتوسط
(30) ولذلك يكاد يكون هناك إجماع على أن استعادة النشاط الاقتصادى فى دول العالم الحر سوف تعمل على استعادة الطلب لمستوياته السابقة، ومن ثم الأسعار وعلى ذلك فإن الطلب على النفط وأسعاره سوف تتجه إلى الارتفاع مرة أخرى، اللهم إلا إذا افترضنا استمرار معدلات النمو الاقتصادى متدنية فى باقى عقد الثمانينات، وهو أمر لا يمكن الجزم به ومن شأن النمو الاقتصادى أن يزيد من الطلب على النفط وذلك بالعمل على إعادة التنشيط الصناعات الكثيفة الاستخدام الطاقة، أى القطاعات التى تعانى أكثر من غيرها فى أوقات الانكماش
(31) كما أن قرار الشركات البترولية بتخفيض مخزونها من النفط بسبب انخفاض الأسعار والضغط على المنتجين لزيادة قدر الانخفاض فى الأسعار، يرجع فى الحقيقة إلى أسباب تجارية بحتة أكثر منه ضغطا على المنتجين لزيادة قدر الانخفاض فى الأسعار يرجع فى الحقيقة إلى أسباب تجارية بحتة أكثر منه ضغطا على تخفيض الأسعار، إذ أن الاحتفاظ بالبترول فى صورة سائلة أمر مكلف، حيث تبلغ تكلفة التخزين لبرميل حوالى 4 دولارات كل ستة شهور، وهو من الأمور المعقولة إذا كان هناك اتجاه نحو ارتفاع الأسعار ولكن حينما تكون الأسعار أخذة فى الانخفاض مع انخفاض السيولة للشركات البترولية بسبب حالة الكساد، فإن الحاجة تبدو ملحة نحو تخفيض هذا المخزون
(32) أضف إلى ذلك أن الاعتماد على المخزون سياسة قصيرة الأجل جدا، إذ لا يكفى هذا المخزون إلا لأشهر معدودة ونتيجة للعاملين السابقين لم يكن من المستغرب انخفاض الطلب والأسعار فى الوقت الذى انخفض فيه العرض من البترول الإيرانى والعراقى الذى أملته ظروف الحرب بينهما ولا شك أن عدم وجود سياسة واضحة المعالم داخل دول الأوبك فيما يتعلق بسياسات الإنتاج وردود الفعل للتكيف مع ظروف السوق كانت أحد العوامل التى ساعدت على استمرار اتجاه الأسعار نحو الانخفاض وقد يعود ذلك إلى أن دول الأوبك فى الحقيقة تجد نفسها الآن بين خيارين أحدهما مر، وكلاهما يؤدى إلى نتيجة واحدة فقبول دول الأوبك لتخفيض الكميات المصدرة بغية المحافظة على أسعار النفط الخام عند مستويات مرتفعة يعنى انخفاض الإيرادات التمويلية لهذه الدول مما يؤثر على خططها التنموية واستمرا تلك الدول فى الإنتاج والتصدير عند المستويات الحالية يسهم فى زيادة اتجاه الأسعار نحو الانخفاض وهو ما يؤدى إلى التأثير على الحصيلة من الصادرات النفطية وبالرغم من أن ظروف السوق تملى تخفيض الكميات المنتجة والمصدرة من النفط فإن الظروف الاقتصادية والاحتياجات التمويلية لتلك الدول تملى عليها ليس فقط الاستمرار عند مستويات الإنتاج الحالية، بل أيضا زيادة الكمية المنتجة لمواجهة احتياجات التنمية فى الداخل، وهى بلا شك معادلة صعبة وسوف تعتمد اتجاهات السوق على قدرة دول الأوبك على التكيف مع ذلك الوضع المتناقض ويهمنا هنا أن نشير إلى أن هناك عامل أخر لكنه يعمل فى الخفاء وهو الرغبة المحمومة للدول المتقدمة فى كسر احتكار دول الأوبك كأنجح نموذج لتكتل الدول المصدرة وما يشكله ذلك من تهديد لمصالحها خصوصا وأن البترول سلعة حيوية لهذه الدول ويبالغ البعض بالقول بأن الانخفاض فى الطلب على النفط الخام محصلة لتغييرات هيكلية والتى لا يمكن أن تنعكس بسرعة وسهولة
(33) والحقيقة أن وجود الفائض فى سوق النفط الخام لا يعنى وجود فائض نفطى على المدى الطويل، إذ لا يستقيم ذلك منطقيا مع طبيعة النفط كطاقة غير متجددة، أى لا يمكن إعادة استخدام ما استهلك منه مرة أخرى وكذلك طبيعته كمادة قابلة للنفاد ونخلص مما سبق إلى أن الانخفاض فى الموارد التمويلية هو انخفاض مؤقت سرعان ما يعود إلى حالته السابقة ويعتمد ذلك على توقيت استعادة النشاط الاقتصادى فى دول العالم الحر ومن ثم فليس هناك خطر من انخفاض الموارد التمويلية لهذه الدول على تدفق العمالة إليها، إذ تستطيع هذه الدول الاعتماد ولفترة معقولة على احتياجاتها الضخمة وعائد استثماراتها فبالرغم من انخفاض إيرادات صادرات النفط فى الكويت بحوالى 2000 إلى 3000 مليون دولار عام 1982، وحدوث عجز فى موازنة عام 82/1983 بحوالى 1097 مليون دولار، فإن ذلك يرجع إلى أن الكويت لا تدرج عائد استثماراتها فى موازنتها، والذى يقدر بحوالى 6000 إلى 7000 مليون دولار (34) ومن الواضح أن هذا العائد يصل إلى حوالى 2 إلى 3 أضعاف النقص فى إيراداتها النفطية وحوالى ستة أضعاف العجز فى موازنتها وبالرغم من أن البعض قد توقع أن الإنتاج السعودى من البترول يتراوح بين 7 إلى 57 مليون برميل يوميا، فقد صرح وزير البترول السعودى زكى يمانى أن الإنتاج السعودى يمكن أن ينخفض إلى 62 مليون برميل يوميا دون أن يؤثر ذلك على مشروعات خطط التنمية الطموحة التى يجرى حاليا فى المملكة
(35) أكثر من ذلك فإن تقديرات الأرصدة الضخمة من العملات الأجنبية المتوافرة حاليا لهذه الدول تشير إلى أن أرصدة المملكة العربية السعودية تصل إلى أكثر من 160 مليار دولار، وحوالى 75 مليار دولار للكويت، و35 مليار للإمارات، و30 مليار لليبيا وحتى العراق تصل احتياطاته إلى 30 مليار دولار
(36) ومما سبق نخلص بأن الانخفاض الطارئ فى المواد التمويلية فى الدول العربية البترولية لن يحدث تأثيرا ذا وزن على خطط التنمية بها، ومن ثم فسوف تستمر بمعدلاتها الحالية ويستمر معها الطلب على العمالة الوافدة وأنه إلى أن تستعيد الأسعار مستوياتها السابقة تستطيع الدول العربية البترولية الاعتماد ولفترة معقولة على احتياجاتها الضخمة من العملات الأجنبية وعائد استثمارها 6 مدى توافر فائض فى قوة العمل فى مصر، وقدرة الحكومة المصرية على تنظيم الهجرة بحيث تعطى عائدا أفضل تشير الدراسات المتاحة إلى استمرار تواجد فائض فى قوة العمل المصرية وحتى عام 2000
(37) إلا أن توافر الفائض أو عدمه ليس عاملا حاكما فى هجرة المصريين، إذ أن الهجرة لا تتم بصفة أساسية من فائض قوة العمل، بل أن جانبا كبيرا من الهجرة يتم من الفئات التى تعانى من نقص ولذلك فإن ما يحتل أهمية أكبر هو مدى توافر العمالة من المتخصصات المطلوبة من جانب الدول المستقبلة للعمالة المصرية وفى هذا الصدد تشير دراسة البنك الدولى عن العمالة والهجرة فى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى أنه فى عام 1985 سوف تتضاعف العمالة بقطاعات الكهرباء والغاز والمياه والبناء والتشييد والتصنيع، وسوف تتزايد العمالة فى قطاع التجارة والتمويل بنسبة 75% والخدمات بنسبة 66% أما الزراعة فسوف تقتصر بنسبة الزيادة فى العمالة فيها على 7% كما ستستوعب الخدمات 30% من الزيادة الكلية فى حجم العمالة والبناء والتشييد 29% والتصنيع 13% بينما تستوعب قطاعات الزراعة والتعدين والكهرباء والغاز والمياه والتجارة والنقل النسب الباقية وذلك فى الدول العربية البترولية
(38) وبالعودة إلى قوة العمل المصرية نجد أن هناك ندرة حادة فى قطاع البناء والتشييد كما أن الهجرة أصبحت أحد العوامل المقيدة لقطاع الصناعات التحويلية فى مصر، أما قطاع الخدمات فرغم توفر فائض داخلى به إلا أن الهجرة تتم بصورة كبيرة من الفئات التى يعانى قطاع الخدمات من ندرة فيها، كما يلاحظ أن هناك بعض القطاعات التى لا تعانى من مشاكل نقص العمالة بها، وينخفض الطلب على العمالة المطلوبة منها فى الدول العربية البترولية
(39) وعلى ذلك فإن إمكانيات توفير العمالة المطلوبة للدولة العربية البترولية من الاقتصاد المصرى تعد ضعيفة، ويؤكد ذلك التوزيع الوظيفى للعمالة المطلوبة للدول العربية البترولية حسب مستويات المهارة عام 1985 والمقدر بواسطة الدراسة السابقة إذ تشير الدراسة إلى أنه بينما تمثل العمالة غير الماهرة المطلوبة بتلك الدول 63% من قوة العمل بها عام 1975، فإن العمالة غير الماهرة المطلوبة بهذه الدول سوف تقل إلى 53% عام 1985
(40) وعلى العكس من ذلك سوف يتزايد الطلب على العمالة الماهرة، والتى لا يتواجد منها رصيد كبير فى قوة العمل المصرية وفى نفس الوقت يلاحظ أن الجهود لإعادة التكيف داخل سوق العمل المصرية تعد محدودة ولم يتخذ موقف جاد حتى الآن من هذه القضية رغم خطورتها وبجانب ضعف قدرة الاقتصاد المصرى على مد الدول العربية البترولية بالعمالة الماهرة وضعف جهود الإحلال وإعادة التكيف، فإن تنظيم الهجرة لم يتخذ تجاهه أية إجراءات إيجابية بعد، فمازالت الحكومة تنظر إلى الهجرة الخارجية نظرة تشجيعية، إذ جاء قانون الهجرة المصرى ليؤكد ما سبق أن أعطاه الدستور للأفراد من حق الهجرة والعمل بالخارج سواء بصورة دائمة أو مؤقتة ولم يتخذ من الإجراءات ما يحد من الهجرة أو يقيدها وبالرغم من إنشاء وزارة لشئون الهجرة إيمانا من الدولة بأهمية الهجرة للاقتصاد المصرى فإن تنشيط الوزارة فى هذا المجال مازال محدودا ولا شك أن عدم تنظيم الهجرة يترك أثاره السيئة على سوق العمل المصرية والسابق الإشارة إليها، فضلا عن تعرض العمالة المصرية للمنافسة من جانب عمالة الدول الأخرى والتى تتدفق فى شكل منظم إلى أسواق الدول العربية البترولية، وبصفة خاصة عمالة الدول الآسيوية ونخلص مما سبق إلى أن هجرة المصريين سوف تستمر فى المستقبل وإن كانت مؤشرات الطلب على العمالة الفنية والماهرة تشير إلى التزايد فى المستقبل الأمر الذى قد يضع سوق العمل المصرية فى موقف أكثر حرجا إذا ما استمرت الهجرة تتم بدون تخطيط كما هو متبع حاليا ولكن السؤال الذى يطرح نفسه الآن هو، إذا كان للهجرة أن تستمر فى المستقبل فهل سيتم التعامل معها كما هو متبع حاليا؟ لقد ورد فى خطة التنمية 78/1982 المصرية أنه من الحكمة السياسية والاقتصادية تشجيع الهجرة حتى نساند الدول العربية الشقية والصديقة وحتى يخفف العبء الناتج عن الزيادة المستمرة فى إجمالى المعروض من قوة العمل، ومن ثم المساهمة فى حل مشكلة البطالة داخل الجمهورية
(41) ولقد اتضح فيما سبق أن الهجرة لم تتمخض عن تخفيف العبء الناتج من إجمالى المعروض من قوة العمل داخل الجمهورية، ولم تسهم الهجرة فى حل مشكلة البطالة، بل أسهمت فى إبراز اختلالات هيكل العمالة بصورة أوضح وعلى ذلك فهل تمنع الهجرة كسبيل لحل مشاكل هيكل العمالة؟ أن حل مشاكل هيكل العمالة لا يقتضى فى حقيقة الأمر منع الهجرة، إذ بذلك يكون قد تم التركيز على الأسباب الجوهرية الكامنة وراء هذا الاختلال فبالرغم من أن الهجرة قد أدت إلى زيادة الاختلال فى هيكل العمالة إلا أن ذلك لا يرجع إلى الهجرة فى حد ذاتها بقدر ما يرجع إلى أن هيكل العمالة المصرى مختل أصلا وتوافق ذلك زمنيا مع تشجيع الهجرة التى افتقدت عنصر التخطيط فبالرغم من أنه من الحكمة تشجيع الهجرة على حد تعبير واضعى الخطة إلا أن ذلك يقتضى مراقبة تركيبية المهارة لقوة العمل المقيمة ودراسة أسواق العمل المستقبلية للهجرة لتحقيق الاستفادة المثلى من الهجرة، وكذلك ضرورة أن تعمل كل من سياسات التعليم والتدريب والاستخدام وتخطيط القوى العاملة مع سياسة الهجرة فى إطار واحد إذ أن الانفصال التام بين سياسة الهجرة وسياسات التعليم والتشغيل والتدريب ليس تشجيعا حقيقيا للهجرة بقدر ما هو إهمال لها أن الأمر يقتضى استبدال سياسة الهجرة العشوائية بسياسة الهجرة المنظمة حتى لا تتعدى الآثار السلبية للهجرة الآثار الإيجابية لها وفى هذا العدد قد يكون من المفيد التطرق لما يسمى الهجرة الفعالة EFFECTIVE-MIGRATION RATEST فمعدل الهجرة الفعال هو ذلك المعدل الذى يتحدد جزئيا بواسطة الأهداف التى تسعى الدولة إلى تحقيقها، فإذا فرض أن هدف الدولة هو تحقيق زيادة فى متوسط الدخل الفردى فإن معدل الهجرة الفعال هو ذلك المعدل الذى يجعل معدل الزيادة فى السكان أقل من الزيادة فى النتائج
(42) وتبعا لذلك يختلف معدل الهجرة الفعال حسب الهدف المرجو منه أن يحققه وبالنسبة لهيكل العمالة المصرية فإن معدل الهجرة الفعال هو ذلك المعدل الذى يقلل من البطالة المفتوحة والمقنعة ويرفع من معدل المهرة إلى غير المهرة، أى أنه ذلك المعدل الذى يستوعب العرض الزائد من العمال غير المهرة والعمال الذين هم فى حالة بطالة مقنعة ويقضى علاج الآثار السلبية للهجرة أن تعمل سياسة التعليم والتدريب الاستخدام وتخطيط القوى العالمة فى إطار واحد فسياسات التعليم التى اهتمت أساسا بفتح فرص التعليم أمام الجميع مع عدم التنسيق بين المخرج من التعليم واحتياجات سوق العمل سواء من حيث الكم أو الكيف مما ترتب عليه أن تخرج الكثير من المؤهلين بدون وجود حاجة حقيقية لهم، مع وجود واستمرار العجز فى فئات أخرى، أى وجود الفائض والعجز فى وقت واحد، ينبغى أن يكون هدفها الأساسى التقليل من الفائض بالحد من أعداد الخريجين من التخصصات ذات الفائض، ومواجهة احتياجات سوق العمل من كافة المستويات الوظيفية إلى الأجلين القصير والطويل ومؤسسات التدريب التى لم تحظ بنفس الاهتمام الذى حظيت به دور العلم مع خطورة ما تؤديه من دور خصوصا فى ظل الاتجاه السائد بين أصحاب المهن الحرة بعدم توريث مهنهم لأبنائهم كما كان سائدا من قبل، ينبغى أن يوجه إليها المزيد من الاهتمام إذ تعانى مراكز التدريب المهنى من عدة معوقات منها النظرة الاجتماعية نحو التعليم الفنى على أنه تعليم من الدرجة الثانية، وأن مراكز التدريب لا تستوعب سوى الذين أخفقوا فى أن يجدوا طريقهم إلى التعليم العام، كما تعانى مراكز التدريب من نقص المعدات اللازمة لها وعدم ملائمة مناهج التدريب مع احتياجات التقدم التكنولوجى الحديث لذا ينبغى الاهتمام بهذه المراكز بما يتلاءم مع أهمية الدور الذى تؤديه ووضع سياسة تدريبية تضع فى اعتبارها التغيرات الحادثة فى سوق العمل اليوم أما بالنسبة لسياسة الاستخدام فيلاحظ أنها تتم وفقا للاعتبارات الاجتماعية أكثر منها بالنسبة للاعتبارات الاقتصادية إذ تلتزم الدولة بإيجاد وظيفة لكل مؤهل حتى ولو لم يكن للعمل حاجة حقيقية له، مثل هذه السياسة فى حاجة إلى تعديل بحيث لا توجه نحو استيعاب الفائض كما هو متبع حاليا وإنما إلى إعادة توجيه الفائض نحو العمالة المنتجة لسد النقص فى المهارات المطلوبة وذلك من خلال جهاز قومى لإعادة التدريب المهنى السريع، يتم إنشاؤه بهدف إعادة تدريب الخريجين الجدد الذين هم فى حالة فائض لتأهيلهم لسد العجز فى الفئات التى تعانى من نقص وكذلك رفع قدرة العمال على التحول الوظيفى تبعا لظروف سوق العمل ولا شك للعمل الإعلامى أهميته فى تعديل النظرة السائدة نحو العمل الفنى ومن الأمور الملفتة للنظر أن من الآثار الإيجابية للهجرة أنها أسهمت فى تعديل النظرة السائدة نحو العمل الفنى وبالنسبة لسياسة الهجرة، ينبغى أن يكون الهدف الأساسى لها هو التحكم فى تدفق المهاجرين إلى الخارج وذلك من خلال الاتفاقيات الثنائية لتشغيل العمالة المصرية حتى يتسنى مراقبة هيكل المهارة للعمالة المهاجرة، ومنع استغلالها سواء فى الخارج أو فى الداخل، إذ لوحظ أن العمال المصريين يتقاضون أجورا أقل من أمثالهم من الجنسيات الأخرى، كما لوحظ أيضا تزايد عمليات النصب والاحتيال على الراغبين فى الهجرة إلى الخارج، وهو نشاط ازدهر داخليا بصورة واضحة فى الفترة الأخيرة، كما يمكن من خلال ذلك إلزام المهاجرين المصريين بتحويل جزء من دخولهم من العملات الأجنبية وعملية التغذية العكسية FEEBBACK بين سياسة الهجرة وسياسة التعليم والتدريب والاستخدام تهدف إلى معالجة الاختلالات التى يمكن أن تنتج عن الهجرة، وعلى ذلك تنقسم سياسة الهجرة إلى شقين مترابطين، الأول خاص بالسياسات الخاصة بالهجرة ذاتها مثل حجمها واتجاهها الخ والثانى خاص بالسياسات التى تستجيب لآثار الهجرة وذلك بهدف تقليل الآثار السلبية للهجرة وتعظيم الآثار الإيجابية لها (43) ويعنى استمرار الهجرة فى المستقبل أن يوجه الاهتمام نحو معالجة اختلال هيكل العمالة لمواجهة احتياجات سوق العمل المحلى والخارجى آخذا فى الاعتبار وضع سياسة مرنة للاستخدام تسمح باستيعاب المهاجرين العائدين إذا ما جد من الظروف ما يؤثر على تدفق العمالة إلى الخارج إذ لا شك أن تبنى سياسة الهجرة فى غياب مثل هذه السياسة يخضع سوق العمل المحلى للتغيرات المنعكسة من الخارج
الهوامش:
(1) مكتب العمل العربى أحوال العمل والعمال فى الخليج العربى (مكتب العمل العربى، العراق 1976) ص 27
اعتمد الباحث فى إعداد هذه الورقة على بحث قدمه لنيل درجة الماجستير فى التجارة الخارجية بعنوان الهجرة الخارجية المؤقتة للعمالة وآثرها على ميزان المدفوعات وهيكل العمالة فى جمهورية مصر العربية (كلية التجارة وإدارة الأعمال جامعة حلوان، القاهرة، 1983)
(2) المعهد العربى للتخطيط بالكويت ندوة تنمية الموارد البشرية فى الخليج العربى (المعهد العربى للتخطيط بالكويت، الكويت، 1975) ص71
(3) المرجع السابق ص155
(4) bricks j s & Sinclair ca -international migration and development in the Arab region: rapid growth, changing patterns and broad implications- (instut of Arab planning Kuwait, 1978) p522 (5) أنظر الباحث: محمد إبراهيم السقا الهجرة الخارجية المؤقتة للعمالة ولآثارها على ميزان المدفوعات وهيكل العمالة فى جمهورية مصر العربية، (رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التجارة وإدارة الأعمال، جامعة حلوان، القاهرة، 1983) ص 35
(6) المرجع السابق، ص 76 78
(7) المرجع السابق، ص 117 121
(8) المرجع السابق، ص 121 128
(9) المرجع السابق، ص 128 130
(10) د عثمان أحمد عثمان، د أحمد يوسف أحمد، الأبعاد الإقليمية والدولية لبدائل التنمية فى مصر (جهاز تنظيم الأسرة والسكان، القاهرة، 1980) ص54
(11) Meed Vol 21 no48 1977, p7 (12) د نادر فرجانى النفط والتغير السكانى فى الوطن العربى ندرة البترول والتغير الاجتماعى فى الوطن العربى (المعهد العربى للتخطيط، الكويت، 1981) ص 132
(13) أنظر تعليق د عبد الرازق الفارسى على المرجع السابق مباشرة ص 149
(14) الاقتصاد العربى، عدد (71) يونيو 1982، ص 21 (15) MEED VOL25, NO9, 1981 P21 (16) MEED VOL25, NO2, 1981P28 (17) MEED SPECIAL REPORT KUEAIT 1982 P28 (18) MEED VOL24, NO40, 1980 93 (19) MEED VOL 25, NO29, 1981 P43 (20) IBID P43 (21) د عبد الفتاح ناصف هجرة المصريين للخارج (جهاز تنظيم الأسرة والسكان، القاهرة، 1981) ص 5 9
(22) المرجع السابق ص 56
(23) د/ أسامة عبد الرحمن البيروقراطية النفطية ومعضلة التنمية سلسلة عالم المعرفة، عدد رقم (57)
(المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1982) ص50 (24) المرجع السابق ص 205 206 الهوامش:ـ
(25) MEED VOL25, NO29, 1981, P43
ـ ـ(26)ـ BROODMAN J& MOORE J -THE OUTLOOK FOR WORLD OIL SUPPLY AND DEMAND THROUGH 1983- JOURNAL OF ENERGY AND
ـ DEVELOPMENT VOL7, NO2, 1982 P8
ـ
(27) IBID P8

(28)ـ QUARTERLY ENERGY REVIEW -MIDDLE EAST- 2ND QUARTER 1982 P5

(29) MEED SPECIAL REPORT -KUWAIT- OP CIT P7

(30) BROODMAN J&MOORE J -THE IUTLOOK FOR WORLD OIL- OP CIT P8

(31) روبرت مابرو طبيعة مشكلة الطاقة نشرة الأقطار العربية المصدرة للبترول، السنة السابعة، العدد (11)
نوفمبر 1981 ص13

(32) PETROLEUM ECONOMIST:ـ THE INTERNATIONAL ENERGY JOURNAL VOL LXIX, NO2, 1982 P122

(33) QUARTERLY ENERGY REVIEW -MIDDLE EAST- OP CIT P7

(34) MEED SPECIAL REPORT -KUWAIT- OP CIT P8
(35) OIL & GAS JOURNAL VOL80, NO9, MAR 1982 P59

(36) PETROLEUM ECONOMIST:ـ THE INTERNATIONAL ENERGY REVIEW JOURNAL OP CIT P124

(37) أنظر على سبيل المثال:ـ
د/ عبد الفتاح ناصف هجرة المصريين للخارج سبق ذكره ص 47 ـ 54
ـ ARMAN I <(38) SERAGELDINE I ET AL-MANPOWER AND INTERNATIONAL MIGRATION IN THE MIDDLE EAST AND NORTH AFRICA (WORLD
ـ BANK, WASHINGTON DC, 1981) P7

(39) محمد إبراهيم السقا الهجرة الخارجية المؤقتة سبق ذكره ص 147

(40) IBID PP 44 ـ 46

(41) وزارة التخطيط ـ الخطة الخمسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية 78/1982 الإنسان المصرى المجلد الثانى
(وزارة التخطيط، القاهرة، 1977) ص22

(42) FRIEDLANDER SL -LABOUR MIGRATION AND ECONOMIC GROWTH:ـ A CASE STUDY OF PEURT ـ RICO(MIT PRESS, USA, 1965)ـ P(43) أنظر فى ذلك:ـ
HOPHNER KH& HUBDR M -REGULATION INTERNATIONAL MIGRATION IN THE INTERST OF DEVEOPING COUNTRIES, WITH PATICULAR
ـ REFERENCE TO MEDITERRANEAN COUNTRIES- (INTERNATIONAL LABOUR OFFICE , GENEVA, 1978)
المصدر:ـ
(1) bricks j s & Sinclair ca international migration and development in the Arab region (inter ـ national
ـ labour office, Geneva, 1981) table 10 statistical appendix

(2) معهد بحوث التنمية والتخطيط التكنولوجى تقرير عن هجرة العمل المصرى إلى الدول العربية
(معهد بحوث التنمية
والتخطيط التكنولوجى، القاهرة، 1980) ص3

(3) د/ عبد الفتاح ناصف هجرة المصريين بالخارج (جهاز تنظيم الأسرة والسكان، القاهرة، 1981) ص 5 ـ 9

SERAGELDINE I ET AL MANPOWER AND INTERNATIONAL MIGER ATION IN THE MIDDLE EAST AND NORTH AFRICA (WORLD WANK,
ـ WASHINGTON DC, 1981) P7

(5) وزارة التخطيط مشروع الخطة الخمسية 78/1982 الإنسان المصرى، المجلد الثانى
(وزارة التخطيط ـ القاهرة، 1977)
ص 164

(6) MOHIE EL ـ DINE A EXTERNAL MIGRATION OF EGYPTIAN LABOUR A PAPER SUBMITTED TO ILO STRATEGY MISSION TO EGYPT,
(INTERNATIONAL LABOUR ORGANIZATION, GENEVA, 1980) P91
ـ (7) ibid p91

(8) ibid p91