Share |
يوليو 1986
1
الحرب العراقية - الإيرانية والقانون الدولى الإنسانى
المصدر: السياسة الدولية

يثير استمرار النزاع العراقى/ الإيرانى العديد من القضايا التى تحكمها وتنظمها قواعد القانون الدولى الإنسانى أو ما يسمى بقواعد الحرب لحماية الإنسانية، ونقصد بهذه القضايا على وجه الخصوص معاملة أسرى الحرب، وضرب المراكز السكانية المدنية واستخدام الأسلحة الكيماوية، أما الاتفاقيات التى تنظمها فهى على الترتيب:
اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949، واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 والبروتوكولات الملحقة بهما لعام 1977، وبروتوكول 1925 الماضى بتحريم استخدام الغازات الخانقة أو السامة فى الحروب أولا:
معاملة أسرى الحرب:
أدى استمرار النزاع العراقى/ الإيرانى إلى تزايد أعداد الأسرى لدى الجانبين، ووفقا لتقديرات لجنة الصليب الأحمر الدولية (ICRC) كان عدد الأسرى لدى إيران نحو 7000 أسير عراقى، ولدى العراق نحو 2500 أسير إيرانى وذلك فى أوائل عام 1982 (1) وصل فى أواخر عام 1984 إلى 50000 أسير عراقى لدى إيران، 10000 أسير إيرانى لدى العراق
(2) وتشير مصادر لجنة الصليب الأحمر الدولية الآن إلى تزايد هذا العدد بصورة واضحة حيث يتراوح عدد الأسرى العراقيين لدى إيران ما بين 55 ألف، 70 ألف أسير، بينما يبلغ عدد الأسرى الإيرانيين لدى العراق حوالى 15 ألف أسير وكان من الطبيعى مع تزايد أعداد الأسرى لدى الجانبين أن تثار العديد من المشاكل بشأن المعاملة السيئة للأسرى، وعموما فإن استعراض تقارير لجنة الصليب الأحمر الدولية وبعثات الأمم المتحدة إلى مواقع الأحداث (3)، يؤكد مسئولية الدولتين المتنازعتين عن خرق اتفاقية جنيف الثالثة الخاصة بمعاملة أسرى الحرب وذلك على النحو التالى: (1) رفض تقديم قوائم بأسماء الأسرى:
ترفض كل من العراق وإيران تقديم قوائم بأسماء الأسرى الأمر الذى يعد انتهاكا صريحا لأحكام المواد 69 77 من الاتفاقية المشار إليها والتى تنص على أنه لأى أسير من أسرى الحرب بمجرد وقوعه فى الأسر أو فى خلال مدة لا تزيد عن أسبوع منذ وصوله إلى معسكر الأسر أو حتى معسكر الانتقال، وكذلك فى حالة مرضه أو نقله إلى المستشفى أو معسكر آخر بأن يكتب مباشرة إلى عائلته من جهة، أو الوكالة المركزية لأسرى الحرب
(4)، من جهة أخرى بطاقة يوضح فيها عنوانه وحالته الصحية، وتسمى هذه البطاقة بطاقة الأسر Copture Card كما أن رفض تقديم مثل هذه القوائم يعنى عدم معرفة دولتهم بأشخاصهم أو عددهم أو حالتهم ويجعلهم تحت رحمة الدولة الآسرة أن شاءت أبقتهم على قيد الحياة وإن شاءت قتلتهم
(5) (2) التعذيب الجسدى:
من المفيد أن نستعرض الظروف والملابسات التى صاحبت حادث جورجان لسببين أولهما:
أن هذا الحادث حظى باهتمام دولى لنشر أخباره فور وقوعه، ثانيهما:
أنه لم يكن فريدا فى نوعه، بل كشف عن ممارسات أقسى وأعنف ضد الأسرى لدى الجانبين وذلك وفقا لتقرير بعثة الأمم المتحدة التى زارت طهران وبغداد خلال شهر يناير 1985 وقد كشف النقاب عن هذا الحادث عندما بعث وزير الخارجية العراقى برسالة إلى الأمين العام (وثيقة S/16799) فى 25/10/1984، ذكر فيها أن السلطات الإيرانية قامت بإطلاق النيران بصورة عشوائية على الأسرى العراقيين فى معسكر جورجان مما أدى إلى قتل وجرح أعداد كبيرة منهم وبعث ممثل إيران الدائم برسالة إلى الأمين العام (وثيقة S/16820) يكذب فيها مزاعم العراق مشيرا إلى تقرير لجنة الصليب الأحمر الدولية التى كانت متواجدة فى المعسكر أثناء وقوع أحداث الشغب وقد أعلنت الحكومة الإيرانية أن الحادث جاء انعكاسا لزيارة لجنة الصليب الأحمر الدولية حيث رفض بعض الأسرى مثل هذه الزيارة، وأن القتلى الستة ثلاثة منهم أصيبوا أثناء محاولتهم الهرب من المعسكر، بينما الثلاثة القتلى الآخرون قتلوا بواسطة زملائهم الأسرى أما رواية الصليب الأحمر فتؤكد أن الحادث أسفر عن وفاة ستة من الأسرى وإصابة نحو 35 أسيرا وأن العنف هو النتيجة الحتمية لسياسة إيران التى تمثلت فى الضغط الأيديولوجى والسياسى والتخويف وإعادة التلقين المنظم والاعتداء على شرف وكرامة الأسرى وهذا الوضع هو السمة المستديمة لحياة المعسكرات وطالب التقرير الدول الموقعة على اتفاقية جنيف بشأن أسرى الحرب بالضغط على إيران لمراعاة نصوص هذه الاتفاقية بعد ذلك هاجمت إيران لجنة الصليب الأحمر الدولية واتهمتها بالتجسس وعدم الحياد ورفضت التعاون معها، وأثر هذا الاتهام أعلن مسئول الصليب الأحمر أن إيران تقود حملة افتراء وكذب ضد الهيئة لم يسبق لها مثيل ومهما يكن من أمر، فإن تقرير بعثة الأمم المتحدة الذى نشر فى فبراير سنة 1985 يؤكد أن الحادث أسفر عن وفاة تسعة من الأسرى على الأقل، بينهم ثلاثة توفوا نتيجة للضرب والباقون نتيجة إصابتهم بعيارات نارية، وأن 47 شخصا نقلوا إلى المستشفيات وأن عددا أكبر من الأسرى أصيب بإصابات أقل حدة ولم ينقلوا إلى المستشفيات وأكد التقرير أنه لم تتوافر أدلة مقنعة على قيام لجنة الصليب الأحمر الدولية بأى إجراء غير سليم يكون قد أثار، فى حد ذاته المشاجرة الأصلية، أو ما نجم عنها من شغب وقد كشف التقرير المشار إليه عن حالات تعذيب جسدى يندى لها الجبين، ومعاملة لا إنسانية تتنافى وما تقرره اتفاقية جنيف الثالثة من حقوق وضمانات لأسرى الحرب، حيث جاء بالتقرير ما يلى:
إن المعاملة القاسية والعنف فى المعسكرات أمر يكاد يكون مألوفا، حيث يتعرض الأسرى لتعذيب جسدى بوسائل عدة مثل الجلد والضرب بالهراوات، وتوجيه ضربات إلى كلتا الأذنين فى أن واحد، والصدمات الكهربائية، والاعتداء على الأعضاء التناسلية والركلات التى غالبا ما حدثت فى أجزاء الجسم المصابة أصلا، وبدا أن العنف الجسدى أمر شائع بوجه خاص فى معسكرات أسرى الحرب فى العراق، بجانب تدابير العقاب الجماعى مثل الحبس لفترات طويلة والحرمان من الماء والطعام
(6) (3) الحرمان من الاتصال بالخارج:
يعيش أسرى الحرب فى كلتا الدولتين فى حالة عزلة عن العالم الخارجى، حيث تتردد الشكوى داخل معسكرات الأسر من عدم تواتر وصول البريد أن لم يكن انعدامه إطلاقا ولا سيما فى إيران، فضلا عن انقطاع الزيارات التى تقوم بها هيئات إنسانية غير منحازة إلى المعسكرات وهذا الوضع يتعارض مع ما تقرره المادة 71 من اتفاقية جنيف الثالثة حيث تلزم الدولة الأسرة بالسماح للأسرى بإرسال وتلقى الرسائل والبطاقات وتلقى الطرود وإن كان من حق الدولة الأسرة وضع تلك الرسائل تحت الرقابة
(4) التمييز فى المعاملة وعدم احترام حرية العقيدة:
وقد جاء هذا التمييز أساسا من قبل إيران حيث ثبت أن معسكرات الأسرى العراقيين فى إيران تنقسم إلى جناحين:
جناح المؤمنين (الفئات المعارضة للنظام العراقى)، وجناح الموالين (الفئات المؤيدة للنظام العراقى)، وإن كانت بعثة الأمم المتحدة التى زارت طهران فى يناير 1985 قد أكدت أن الفصل بين مجموعتى الأسرى هو إجراء أمنى مشروع وضررى، إلا أن محاباة جناح المؤمنين وهم أقلية من شأنه أن يخلق نفورا بين الأسرى أبناء الوطن الواحد وقد تأكدت هذه المحاباة من خلال الإجراءات التأديبية التى طبقت على فئة الموالين دون فئة المؤمنين عقب حادث جورجان وفى إيران أيضا يتعرض الأسرى لضغط أيديولوجى ودينى بما يتعارض وأحكام المادة 34 من اتفاقية جنيف الثالثة التى تنص على يترك لأسرى الحرب الحرية التامة فى ممارسة واجباتهم الدينية ولم يقتصر الأمر على ذلك بل وصل إلى حد محاولة تغيير ديانة بعض الأسرى
(7) (5) أعمال التشهير والتحقير:
يجبر أسرى الحرب فى البلدين على الاشتراك فى تمثيليات ذات طابع سياسى يتعرض فيها زعماء بلديهما للإساءة والاستهزاء والسخرية ومن ناحية أخرى يتعرض الأسرى أنفسهم لعمليات التحقير والإهانة مثال ذلك تعريضهم لفضول الجماهير كان يؤمروا بالسير جماعات فى الشوارع، أو أن يطاف بهم فى الطرقات فى سيارات مكشوفة، ويتكرر هذا الوضع بصفة خاصة فى العراق حيث يطاف بالأسرى الإيرانيين فى الشوارع وهم يهتفون ضد وطنهم بينما تصطف الجماهير على جانبى الطريق
(8) ولا شك أن مثل هذه الأعمال تتنافى مع مبادئ الأخلاق الدولية، فضلا عن أن بعض المحاكم العسكرية الدولية أدانت مثل هذا النوع من التحقير أو الإهانة الموجهة من قوات الدولة الأسرة إلى الأسرى من جنود العدو
(9) يضاف إلى المعاملة التحقيرية تجاهل معاملة الضباط وفقا لرتبهم ولا سيما فى إيران
(6) امتداد فترة الأسر:
غنى عن البيان أن جانبا من أسرى حرب الخليج قد مضى عليهم فى الأسر قرابة خمس سنوات أو يزيد
(10) ويضخم من المأساة عذاب عائلاتهم التى لا تعرف عنهم شيئا، ومن هنا يثور التساؤل: ألا يعتبر الأسر الممتد فى حد ذاته معاملة لا إنسانية؟ مما حدا بالبعض إلى القول بأن حق المتحاربين فى الاحتفاظ بالأسرى طوال مدة النزاع بأكملها يفقد مبرراته عندما تطول مدة النزاع بشكل مفرط إن بعثة الأمم المتحدة التى زارت طهران وبغداد فى يناير 1985 خرجت بسؤال هام وخطير نقلا عن الأسرى وهو متى تضع الحرب أوزارها؟ وكانت أكثر العبارات التى رددها الأسرى العودة إلى أرض الوطن وإذا كانت المادة 111 من اتفاقية أسرى الحرب تنص على:
أن الإفراج عن الأسرى يتم دون إبطاء عقب انتهاء العمليات العسكرية بين الدول المتحاربة ، ومن ثم فليس ثمة التزام يقع على عاتق الأطراف المتنازعة بالإفراج عما فى حوزتها من أسرى الطرف الآخر إلا بعد توقف القتال، إلا أن ظروف وطبيعة الحرب الحديثة عامة وحرب الخليج على وجه الخصوص تفرض إعادة النظر فى نص هذه المادة حيث كان لهذا النص وجاهته وقت وضعه عام 1949 إذ كان الاعتماد الكلى فى الحرب على القوى البشرية، أما الآن فلم يعد الأمر كذلك، فضلا عن أن عملية التبادل تتم بواسطة وكالات وهيئات مختصة لضمان عدم عودة الذين أطلق سراحهم إلى مسرح الحرب الوضع يستدعى القيام بدور الدولة الحامية:
فى ظل الممارسات اللا إنسانية لأسرى حرب الخليج، وإزاء عدم قدرة لجنة الصليب الأحمر الدولية على القيام بواجبها بشكل مرضى خاصة بعد رفض إيران التعاون معها فإن الأمر يستدعى القيام بدور الدولة الحامية للقيام بالإشراف على تطبيق أحكام الاتفاقية وتأمين مصالح الأسرى لدى الدولة الآسرة
(11) وهنا يثور التساؤل، أى الدول تصلح لأن تكون الدولة الحامية فى النزاع الإيرانى العراقى؟ دون الإغراق فى تفاصيل، نستطيع أن نقول أن الجزائر هى من أفضل الدول المؤهلة حاليا للقيام بهذا الدول حيث تربطها بطرق النزاع علاقات طيبة ولم تكف منذ اندلاع النزاع عن بذل الجهد من أجل تسوية المشكلة، وفوق ذلك كله فقد لعبت دورا رئيسيا فى إبرام اتفاقية الجزائر المعروفة عام 1975 وعموما لو نجح الطرفان فى اختيار الدولة الحامية سواء أكانت الجزائر أم دول محايدة أخرى فإنها ستكون خطوة مشجعة ليس فقط لضمان حقوق الأسرى وإنما على طريق التسوية الشاملة لنزاع طال أمده
ثانيا: ضرب المراكز السكانية المدنية:
بدأت الاتهامات بشأن ضرب المراكز السكانية المدنية فى فبراير 1983 عندما اتهمت الحكومة الإيرانية العراق أكثر من مرة بخرق اتفاقية جنيف الرابعة 1949 المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين فى وقت الحرب، ثم بدأت بعد ذلك الاتهامات المتبادلة من خلال الرسائل التى تلقاها الأمين العام وتنطوى على اتهامات بعدم احترام قواعد الحرب والقانون الدولى الإنسانى وذلك بمهاجمة أهداف مدنية وأحداث أشرار بشرية
(12) وأثر هذه الاتهامات طلب الأمين العام التشاور مع الدولتين لإرسال بعثات لتفتيش المناطق المدنية التى تعرضت لهجمات عسكرية فى كلا البلدين، وفى 20 يونيو بعث الأمين العام بتقرير إلى مجلس الأمن تضمن وجود وإحداث خسائر فادحة فى الأرواح، وأضرارا واسعة النطاق بالمدن والهياكل الأساسية الاقتصادية (من المدن الإيرانية المضرورة ديزفول عبدان سوزانجراد) ومن المدن العراقية (كركوك الفاو مندلى) وبناء عليه دعا مجلس الأمن إلى الوقف الفورى لجميع العمليات العسكرية الموجهة ضد الأهداف المدنية بما فى ذلك المدن والمناطق السكنية
(13) اتفاق 12 يونيو 1984:
وتزايدت حدة الهجمات ضد الأهداف المدنية فى عام 1984 فيما سمى بحرب المدن، وجاء التصعيد أساسا من قبل العراق، حيث هاجم الطيران العراقى فى 5 يونيو 1984 قرية بانة Baneh الإيرانية، ونتج عن هذا الهجوم خسائر فادحة فى أرواح وممتلكات المدنيين
(14)، وأدى إلى وقوع هجمات انتقامية على المدن العراقية، وقد بعث الأمين العام فى 9 يونيو 1984 برسائل إلى الطرفين دعا فيهما إلى وقف القصف الجوى أو القصف المدفعى على المراكز السكانية المدنية المحضة، والامتناع مستقبلا عن شىء مثل هذه الهجمات وقد اشتدت ضراوة حرب المدن بصورة أعنف مما كانت عليه من قبل خاصة بعد احتلال إيران لجزء من شبه جزيرة الفاو العراقية، وقد جاء التصعيد أساسا من قبل العراق فى محاولة لإحداث توازن فى القتال فى مواجهة التفوق الإيرانى فى الحرب البرية، وقد تركزت الهجمات على الأهداف الاقتصادية الحيوية فى عاصمتى الدولتين، وقد ترتب على تلك الهجمات أضرار مادية وبشرية يصعب حصرها ونخلص من العرض السابق إلى أن الدولتين انتهكتا أحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 والخاصة بحماية السكان المدنيين فى وقت الحرب والبروتوكولات الملحقة بها لعام 1977 وبصفة خاصة المواد 35، 48، 51، 53، 54، 56، 57، 59، 63، 76، من البروتوكول الأول
(15)، والتى تقرر حظر الهجوم على المدنيين أو توجيه أعمال العنف الدامية أو بث الذعر بينهم أو التهديد بذلك، وكذلك حظر الهجمات العشوائية وهى تلك التى لا توجه إلى هدف عسكرى (16) محدد، أو التى تستخدم طريقة أو وسيلة للقتال لا يمكن حصر آثارها الأمر الذى يترتب عليه إصابة الأهداف العسكرية والمدنية دون تمييز وأثر مناشدة الأمين العام هذه تعهدت الدولتان فى 12 يونيو بإيقاف العمليات العسكرية ضد المراكز السكانية المدنية المحضة وتم الاتفاق أيضا على وضع فريقين تابعين للأمم المتحدة بهدف التحقق من الالتزام بالاتفاق، على أن يقوم كل فريق بالتفتيش على أثر أى انتهاك بناء على طلب الحكومة التى تدعى وقوع مثل هذا الانتهاك وقد استمر احترام هذا الاتفاق حتى نهاية عام 1984
(17)، ثم ما لبثت الدولتان أن انتهكتا الاتفاق المبرم بينهما وذلك مع بداية عام 1985 حيث تم تبادل القصف الجوى والقصف الصاروخى للقرى على الجانبين، وفى تقرير لبعثة الأمم المتحدة التى عهد بها تفتيش المناطق والقرى المضرورة تبين الآتى:
أكد الفريق المكلف بتفتيش القرى الإيرانية (دهلاويه برديه علوانه) بمنطقة سوزانجراد فى إقليم خوزستان أن قريتا برديه تعرضتا لهجوم جوى استخدمت فيه القنابل العنقودية، أما قرية علوانة فإنها تعرضت لهجوم جوى استخدمت فيه أيضا القنابل العنقودية إلا أنه نظرا لقرب القرية من إحدى المنشآت العسكرية فإنه من الصعب تحديد ما إذا كانت القرية ذاتها هى الهدف المقصود أما الفريق المكلف بتفتيش القرى العراقية المضرورة فقد أكد أن قريتى الجسواير وسارغة تشكلان فى ذاتهما مناطق سكنية خالصة إلا أن الطريق الذى يصل بغداد والبصرة الذى يمر بينهما يمكن أن يشكل خطأ للمواصلات ذا فائدة عسكرية ويتضح من تقرير بعثة الأمم المتحدة أن إيران كانت أكثر التزاما من العراق باتفاق 12 يونيو 1984 وقد بررت العراق موقفها هذا بمحاولة إجبار إيران على قبول التسوية السلمية الشاملة للنزاع بل وأعلنت فى 17 مارس 1985 أنها أى العراق تعتبر المجال الجوى الإيرانى منطقة حربية مما أدى إلى تزايد معدل رحيل الأجانب عن طهران وانخفاض وتعليق العديد من الرحلات الجوية إليها
ثالثا: استخدام الأسلحة الكيماوية:
أثير موضوع استخدام الأسلحة الكيماوية فى حرب الخليج لأول مرة من جانب الحكومة الإيرانية فى نوفمبر 1983، وذلك فى الخطاب الموجه منها إلى الأمين العام للأمم المتحدة وفيه تتهم العراق باستخدام أسلحة ممنوعة دوليا فى النزاعات المسلحة، وفى بادئ الأمر رفضت بغداد مثل هذه الاتهامات ورفضت أيضا استقبال بعثة الأمم المتحدة لتقصى الحقائق، وكررت إيران اتهاماتها فى عديد من الرسائل الموجهة إلى الأمين العام وبصفة خاصة فى فبراير ومارس عام 1984
(19) وفى 10 مارس 1984 أعلنت فيينا أن الاختبارات المعملية أكدت فى تقريرها الذى نشر فى 26 مارس من نفس العام أن هناك دليلا على أن غاز الأعصاب المعروف باسم تابيون قد استخدم ضد القوات الإيرانية ولم يتمكن مجلس الأمن من استصدار قرار بشأن هذه المسألة واكتفى بإصدار بيان وذلك فى 30 مارس 1984 يدين استخدام الأسلحة الكيماوية من جانب العراق، ويؤكد على ضرورة احترام بروتوكول جنيف لعام 1925 الذى يحظر استخدام الغازات السامة أو الخانقة أو غيرها فى الحرب وكذا الوسائل العسكرية البكترولوجية ولقد لقى البيان الذى صدر عن مجلس الأمن صدى لدى الدول الغربية فأعلنت الولايات المتحدة فى نفس اليوم الذى صدر فيه البيان وقف بيع أى مواد كيماوية يمكن استخدامها فى تصنيع مثل هذه الأسلحة، وفى 10 أبريل 1984 وافق وزراء خارجية ألمانيا الغربية هولندا، الخبراء استجوبوا جرحى عراقيين فى طهران أكدوا أن إصاباتهم سببها قنابل كيماوية أسقطتها طائرات عراقية أثناء غارات شنتها على مواقع إيرانية وأن العراق استمر فى إسقاط قنابل كيماوية على مواقع إيرانية مما أسفر عن سقوط ضحايا فى الجانب العراقى أيضا وجاء بيان مجلس الأمن فى 22 مارس 1986 مطابقا لبيانه فى 30 مارس 1984 مما دفع إيران إلى مناشدة الأمم المتحدة لاتخاذ إجراءات ملموسة لمنع العراق من استخدام هذه الأسلحة والاستمرار فى ارتكاب الجرائم الحربية وإلا فستضطر إلى اللجوء لوسائل جديدة للدفاع عن نفسها وإيقاف مثل هذه الأعمال الخطيرة خاتمة: واضح من العرض السابق أن مجموعة قوانين الحرب، لحماية الإنسانية قد انتهكت بشكل صارخ فى النزاع العراقى الإيرانى، ولما كان القانون الدولى الإنسانى يفتقر إلى الجزاءات الفعالة الرادعة التى ترغم أطراف النزاع على احترامه فإن الأمر جد يستدعى تدخل مجلس الأمن لاتخاذ تدابير فعالة وفورية وفقا لما جاء فى الفصل السابع من الميثاق خاصة وأن الميثاق كفل للمجلس حق التدخل من أجل حماية حقوق الإنسان واحترام حرياته الأساسية الدانمارك، بلجيكا، المملكة المتحدة فى اجتماعهم فى لكسمبورج على إجراءات من شأنها السيطرة على تصدير أى مكون كيمائى يمكن استخدامه بصورة مشابهة لما استخدم فى حرب الخليج
(20) ولم تكف إيران عن اتهاماتها للعراق باستخدام الأسلحة الكيماوية حتى أوفد الأمين العام فى أبريل 1985 مبعوثا طبيا إلى مستشفيات أوروبا التى يعالج فيها جرحى إيرانيون، وجاء تقرير المبعوث الطبى ليؤكد استخدام الغازات ضد الجنود الإيرانيين وأن استخدام هذه الغازات قد تم بواسطة إسقاطها فى شكل قنابل من الطائرات
(21) وكرر مجلس الأمن إدانته لاستخدام مثل هذه الغازات الممنوعة وأنه يدين استخدامها فى المستقبل وقد تكررت للمرة الثالثة الاتهامات الإيرانية للعراق باستخدام الأسلحة الكيماوية وذلك فى أوائل عام 1986، وإثر ذلك أوفد الأمين العام للأمم المتحدة فى الفترة من 26 فبراير 3 مارس 1986 بعثة خبراء لتفقد المناطق المحيطة بعبدان، وقام الخبراء بإجراء فحوص على الأشخاص المصابين، وجمعوا أقوال بعض الذين تم ترحيلهم من الفاو وجاء فى التقرير الذى صدر فى 14 مارس 1986 إنه ما من شك فى أن جميع الإصابات التى لوحظت سببها غاز الخردل وأن وفى هذه القضية أدانت المحكمة العسكرية الدولية القائد الألمانى بسبب ما قام به من أعمال تعتبر تحقيرا للأسرى، كذلك الحكم الصادر من المحكمة العسكرية الدولية للشرق الأقصى الصادر فى سنة 1945 بإدانة المسئولين من قوات الجيش اليابانى لطوافهم بأسرى الحرب فى الشوارع بقصد مشاهدة الجماهير لهم والسخرية والاستهزاء بهم الهوامش:
المراجع:
(1) Keesing s Contemporary Archives; 1982; p31519 (2)
pual Tavernier; la Guerre du Golfe: quelques Aspects de I application du droit des Confglicts Armes et du droit Hamanitair, AFDI;1984;PPB ET SEQ (3) لمزيد من التفاصيل حول هذه التقارير انظر: UN Chroicle vol VI,NO1,2,51985 Paul Tavernier; Opcit;PP61 63 (4) منصوص عليها فى المادة 123 من الاتفاقية ووظيفتها تجميع كافة البيانات الخاصة بأسرى الجانبين المتحاربين وإرسالها إلى الدولة التى يتبعها هؤلاء الأسرى
(5) د عبد الواحد الفار، أسرى الحرب: دراسة فقهية وتطبيقية، (القاهرة: عالم الكتب 1975) ص 224
(6) راجع نص هذا التقرير فى: UNChronicle, No2,1985, pp3 5, 41 43 (7) استمعت بعثة الأمم المتحدة أثناء زيارتها لمستعمرات الأسرى الراقيين فى طهران إلى مزاعم بأن ضغوطا دينية تمارس على الأسرى العراقيين من غير المسلمين، وبأن بعضهم اعتنق الإسلام ولم تتمكن البعثة من الوقوف على ما إذا كانت عمليات تغيير الدين هذه قد وقعت إكراها إلا أنها لاحظت شيوع جو من الحمية التبشيرية Missionary Zeal فى بعض المعسكرات انظر فى ذلك: UNChranicle No21985,p41 Trail of Kurt Maslzer, war Crimes reports; 11 (1949) p 53 وفى هذه القضية أدانت المحكمة العسكرية الدولية القائد الألمانى بسبب ما قام به من أعمال تعتبر تحقيرا للأسرى كذلك الحكم الصادر من المحكمة العسكرية الدولية للشرق الأقصى الصادر فى سنة 1945 بإدانة المسئولين من قوات الجيش اليابانى لطوافهم بأسرى الحرب فى الشوارع بقصد مشاهدة الجماهير لهم والسخرية والاستهزاء بهم War crimes reports I (1947) p88 مشار إلى هذه الأحكام فى: د عبد الواحد الفار، المرجع السابق، ص209
(10) يحدث من أن لآخر عمليات تبادل لفئات محدودة من الأسرى (المرضى، المسنين، المدنيين الذين أسروا بطريق الخطأالخ) كما حدث فى الفترة من يونيو إلى ديسمبر عام 1981، كما أن الطرفين أبديا قرارا للأمين العام للأمم المتحدة عن رغبتهما فى الإفراج عن أعداد كبيرة من هذه الفئات إلا أن هذه التعهدات تذهب أدراج الرياح كلما اشتدت ضراوة الحرب
(11) يعرف البروتوكول الأول الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1949 الدولة الحامية بأنها دولة محايدة أو دولة أخرى ليست طرفا فى النزاع وقد عينت بواسطة الطرف المناوئ ووافقت على أن تقوم بالمهمات المخصصة للدولة الحامية وفقا لمعاهدات جنيف ووفقا لهذا البروتوكول حول دور الدولة الحامية انظر: د عبدالواحد الفار، المرجع السابق، ص 421 إلى ص 429
(12) poul Tavernier; opcit;pp58 59 (13) s/Res/540/31October 1983 (14) بلغت هذه الخسائر وفقا للرواية الإيرانية Iranian Kayhan Newspaper) (325 قتيلا وأكثر من 300 جريح من المدنيين انظر:
Keesing s, 1984,p33059 (15) paul Tavernier;opcit;pp58 59 (16) وفقا لنص المادة 24/2 من مشروع لاهاى للحرب الجوية 1907 فإن الأهداف العسكرية تشمل القوات العسكرية، المنشآت العسكرية، المخازن والمستودعات العسكرية، مصانع الأسلحة والذخائر، المهمات السكرية، خطوط النقل والمواصلات التى تستخدم فى أغراض حربية وتقرر الفقة الثالثة من المادة المذكورة أنه فى حالة ما إذا كان موقع الأهداف المبينة بالفقرة الثانية بحيث لا يمكن معه تحديدها دون أن يؤدى ذلك إلى وقوع ضرب أعمى بين السكان المدنيين فعلى الطائرات أن تمتنع عن التدمير انظر: د على صادق أبو هيف، القانون الدولى العام (الإسكندرية، منشأة المعارف، الطبعة الحادية عشرة، 1975) ص 873
(17) لم يكن التزام الدولتين كاملا بل كان نسبيا حيث أبلغ الجانبان عن هجمات تعرضت لها مناطق سكنية خلال الفترة المذكورة، ولكن لم يكن هناك إصرار على اعتبارها انتهاكات للاتفاق المبرم ولم يطلبا إجراء تفتيش
(18) اعتمد الفريق التابع للأمم المتحدة فى تحديده لمدلول المراكز السكانية المدنية المحضة بخلوها من المنشآت العسكرية والمنشآت الصناعية
(19) فى مقابل ذلك اتهمت العراق إيران بإشراك الأطفال فى القتال مستندة إلى تقرير لجنة الصليب الأحمر الدولية المنشورة فى 1983 والذى جاء فيه أن الأطفال يشكلون نسبة كبيرة من الأسرى الإيرانيين لدى العراق الأمر الذى يتعارض مع مبادئ الأخلاق الدولية، ومع نص المادة 77 من البروتوكول الأول لعام 1977 الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1977 والتى تنص فى فقرتها الثانية على أنه يحظر على أطراف النزاع إشراك الأطفال دون سن الخامسة عشرة ضمن صفوف المقاتلين انظر: paul Tavernier; OPcit;p57 ويتعارض السلوك الإيرانى أيضا مع إعلان حقوق الطفل لعام 1959 الصادر عن الأمم المتحدة والذى يقضى بتأمين الحياة المادية والمعنوية الأفضل للطفل
(20) Keesing s, 1984;p33058 (21)
UN Chronicle, No5,1985,pp,24 26.