Share |
اكتوبر 1986
1
المديونية والنظم السياسية فى العالم الثالث
المصدر: السياسة الدولية


المديونية هى علاقة سياسية من الطراز الأول، فهى تربط بين طرفين، الدائن والمدين، تنفى بينهما علاقة المساواة فالدائن يمارس قوة على المدين، ويندر بحكم طبيعة الوضاع التى يعيش فى ظلها البشر فى الوقت الحاضر، ألا يسعى الدائن للاستفادة من وضعه، بفرض بعض الشروط على المدين، ويتردد المدين فى رفض هذه الشروط، ولكنه لا يملك إلا أن يسلم ببعضها، وسبيله إلى الفكاك من هذه القيود هو إما تسديد دينه أو عدم الاعتراف به أصلا إذا وجد إلى ذلك سبيلا وتنطبق هذه الملاحظة على أزمة المديونية التى تعانى منها الكثير من دول العالم الثالث الآن بل يذهب البعض إلى أن يرى فى هذه الأزمة رد الغرب على محاولة بعض دول العالم الثالث فى منظمة الأوبك تحدى وضعه المتميز بالانفراد بتحديد أسعار المادة الأولية التى ينتجونها وهو ما يترتب عليه ارتفاع دخولهم وتوافر قدر من الفوائض المالية لديهم وقد كان رد فعل الغرب عل ذلك هو رفع أسعار كل البضائع والخدمات التى ينتجها وهكذا استهلكت الدول المصدرة للنفط جانبا كبيرا من دخولها المتزايدة فى الإنفاق على وارداتها المختلفة، ووضعت ما تبقى لها من أموال فى مصارف الغرب التجارية، سواء فى البلدان الغربية أو فى هذه البلدان الأولى ذاتها والتى غزتها فروع المصارف الدولية واستخدمت هذه الودائع فى تمويل واردات دول العالم الثالث الأخرى غير المنتجة للنفط مقابل فوائد مرتفعة وقد كان يمكن لهذا الموقف أن يستمر ردحا من الزمن، لولا أن الولايات المتحدة وهى سوق أساسى بالنسبة لأكثر الدول تقدما فى العالم الثالث، قد غيرت من أولويات سياستها فى أواخر السبعينات، وقررت أن هدفها الداخلى الأول هو محاربة التضخم، مما اقتضى رفع أسعار الفائدة فيها وأدى إلى موجة انكماشية عمت اقتصاد الدول الغربية كلها وفى ظل هذه الظروف تضاءلت واردات دول العالم الثالث التى توجه إلى هذه الأسواق أكثر من ثلثى صادراتها ونتيجة لذلك تناقضت حصيلة صادراتها فى الوقت الذى كانت تحل فيه آجال دفع الدين وهكذا، فدول العالم الثالث مدينة للغرب، بتلك الأموال التى خرجت من بلدان العالم الثالث ذاته فى صورة ودائع حكومية للبلدان المصدرة للنفط أو ودائع أبنائها الذين هربوا أموالهم إلى البلدان المتقدمة وتسدد بلدان العالم الثالث هذه الديون مقابل فائدة مرتفعة قد ينطوى هذا العرض على بعض التبسيط، ولكنه يوجز المعالم الأساسية لمشكلة الدين فى بلدان العالم الثالث فى الوقت الحاضر فمعظم هذه الديون يتحملها عدد محدود من بلدان العالم الثالث (البرازيل، المكسيك الأرجنتين، كوريا الجنوبية، إندونيسيا، مصر، الهند، فنزويلا، شيلى، يوغوسلافيا) وتتحمل هذه الدول وحدها قرابة نصف ديون العالم الثالث الثابتة والتى بلغت 950 بليون دولار فى آخر سنة 1985 (1) كما أن ثمانين فى المائة من هذه الديون هى التزامات فى مواجهة المصارف التجارية الغربية، والباقى هو التزامات فى مواجهة الحكومات ووكالات المعونة الثنائية ومتعددة الأطراف وتشذ مصر عن هذا النمط العام، حيث أن أغلب ديونها منذ أواخر السبعينات هى أعباء قروض حكومية ومن مؤسسات المعونة الدولية
(2) وعلى الرغم من أن بعض التنبؤات التى انطلقت فى أوائل الثمانينات، وأنذرت بدخول العالم الثالث مرحلة من التقلب السياسى بسبب أزمة الدين لم تصدق بعد، إلا أنه من الثابت أن لهذه الأزمة أثار سياسية ولسعة، بالنسبة لتوزيع القوة على الصعيد الدولى وفيما بين المؤسسات الدولية، وداخل بلدان العالم الثالث ذاتها، فهناك أسباب سياسية للأزمة، تتعلق بنموذج التنمية المتبع، وبسياسات عامة معينة، وبنمط خاص فى الإدارة الاقتصادية، كما أن لهذه الأزمة نتائج تتعلق بمستوى الاستقرار السياسى، وبالتغير السياسى، وبتوجهات السياسات الداخلية والخارجية وسوف تشير هذه الدراسة باختصار إلى آثار أزمة المديونية السياسية على الصعيد الدولى ثم تنتقل بعد ذلك إلى شرح جوانبها السياسية على الصعيد الداخلى فعلى الصعيد الدولى، تعنى حقائق المديونية إعادة توزيع القوى فى المجتمع الدولى، فالدول المدينة لا نفقد فقط جانبا كبيرا من مواردها لصالح الدول الدائنة، ولكنها تفقد مع هذا النزح للموارد قدرا كبيرا من نفوذها وحريتها فى الحركة بل واستقلال إرادتها وهكذا شهدت السنوات الخيرة تراجع نفوذ دول العالم الثالث على الصعيد الدولى وتخليها عن الكثير من مطالبها الاقتصادية والسياسية معا لم تعد هذه الدول تصر على دعوة إقامة النظام الاقتصادى الدولى الجديد وتناقض التأييد فى المحافل الدولية لبعض قضايا العالم الثالث مثل قضية فلسطين، وفى المقابل تأكد نفوذ قلة من الدول الغربية على رأسها كل من الولايات المتحدة وألمانيا الغربية واليابان، وطرحت هذه الدول دعاوى مناقصة لما تسعى إليه دول العالم الثالث، فهى تنادى بالعودة إلى مبادئ الحرية الاقتصادية، كما كان يفسرها اقتصاديو القرن التاسع عشر، على الصيعدين الدولى والداخلى، فمثلما تدعو المدرسة المحافظة الجديدة (القديمة فى أن واحد) إلى التخلى عن تنظيم الدولة للنشاط الاقتصادى الداخلى، فإنها تدعو على المستوى الدولى إلى التخلى عن أى تنظيم جماعى لأسعار المواد الأولية أو لاستغلال ثروات البحار واتساقا مع ذلك، تتراجع أيضا أهمية المحافل الدولية التى تحظى قيها دول العالم الثالث بنقل بارز نتيجة لأغلبيتها العددية أو لاقتصار عضويتها عليها، سواء كانت منظمات دولية مثل الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة وخصوصا الأونكتاد، أو اتحادات للمنتجين مثل منظمة الدول المصدرة للنفط بينما تبرز إلى الصدارة المحافل التى تسيطر عليها الدول الصناعية إما لاقتصار عضويتها عليها أو لأن نظمها التصوتية تعطيها ثقلا خاصا، أو لأنها تعكس فلسفتها الاقتصادية وهكذا أصبحت لقاءات القمة بين رؤساء دول وحكومات البلدان الصناعية الكبرى هى الإطار الذى تتخذ فيه القرارات الخاصة بمسار الاقتصاد العالمى، كما صارت مستويات المعونة الدولية تتحد فى اجتماعات منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية، كما أن سياسات كل من صندوق النقد الدولى والمصرف الدولى للإنشاء والتعمير صارت هى المحدد لأولويات السياسة الاقتصادية الداخلية فى بلدان العالم الثالث، والتى عليها أيضا أن تلتزم بتعاليم الاتفاق العام للتعريفات والتجارة (الجات GATT) وألا أثارت غضب الأغنياء فى هذا العالم
(3) الجوانب السياسية للمديونية على الصعيد الداخلى: كذلك فلأزمة المديونية جوانب سياسية واضحة على الصعيد الداخلى، سواء فيما يتعلق بأسبابها أو فيما يتعلق بنتائجها:
أولا: أ: السباب السياسية للمديونية: وبالنسبة لأسباب المديونية فلا شك أن من أخطر القضايا التى تثيرها هى ارتباطها بنموذج معين فى التنمية قائم على الاندماج بلا قيود فى السوق الرأسمالية العالمية ويتضح هذا الارتباط من كون الدول المدينة الكبرى فى العالم الثالث هى إما من الدول المصنعة حديثا (البرازيل والمكسيك، والأرجنتين وكوريا الجنوبية) أو من الدول المصدرة للنفط وتتمتع بعدد كبير من المكان نسبيا مثل فنزويلا والجزائر ونيجيريا، أو مصر التى تحتل موقعا خاصا سواء بالنسبة لبيتها الاقتصادية أو لطبيعة مشكلة الدين فيها، فهى وإن كانت لا تعد من الدول المصنعة حديثا لقلة البضائع المصنعة فى إجمالى صادراتها، فإنها أيضا لم تكن تعتمد فقط على صادراتها النفطية، حتى وإن كانت تلك الصادرات تمثل مصدرا هاما لدخلها من العملات الصعبة وإن ارتبطت أيضا بأحوال سوق النفط بحكم تحويلات العاملين من أبنائها الذين ذهبوا إلى دول الخليج العربى واعتمد دخل قناة السويس كذلك على الرسوم التى تدفعا ناقلات النفط وقد تميزت كل هذه الدول باتباع نمط فى التنمية يرتبط من صادرات هذه البلدان يتوجه إلى هذا السوق، ومنه تحصل أيضا على اغلب وارداتها كذلك تعتمد فى تمويل التنمية فيها على خدمات الشركات دولية النشاط وعلى القروض التى تقدمها المصادر الغربية وهكذا فإن كل ما يجرى فى هذه السوق من تقلبات ينتقل إلى بلدان العالم الثالث الأكثر تقدما، كما أن نمط التنمية السائد فى تلك البلدان يتأثر حتما بالأوضاع القائمة فى هذا السوق وقد فصل بروفيسو فيشلو ماصادر التدهور فى الحساب الجارى فى موازين مدفوعات دول العالم الثالث غير المنتجة للنفط وذلك للفترة 1978 1982 وكان أكبر هذه المصادر هو ارتفاع أسعار الفائدة على الديون والذى خسرت هذه البلدان نتيجة له 592 بليون دولار فى سنة 1982 وحدها، وتلاه الكساد فى الدول الصناعية والذى فقدت بسببه 462 بليون دولار من حصيلة مصادراتها، بينما لم يتجاوز الأثر الصافى لارتفاع أسعار النفط 148 بليون دولار
(4) ولا تعنى هذه الملاحظة بالضرورة الدعوة إلى القطع الفورى والكامل للصلات مع هذا السوق فهناك موقع أيديولوجى واقتصادى واجتماعى وسياسى أنتج هذه الصلات، كما أنها ميراث تطور تاريخى طويل ولكن هذه الملاحظة تثير أهمية تأمل النتائج الخطيرة المترتبة على هذا الاندماج بلا قيود فى السوق الرأسمالية العالمية، وتدعو إلى أخذ الدعوة البديلة بالاعتماد الجماعى على الذات فى إطار العالم الثالث وبالاسترشاد بنموذج تنمية مختلف بالجد الذى يتفق مع خطورة النتائج التى ترتبت على هذا الاعتماد كذلك ترجع المديونية أيضا إلى بعض السياسات العامة التى اتبعتها بعض هذه الدول من كبار المدينين فى العالم الثالث ومن أهم هذه السياسات ولاشك الإنفاق الضخم المؤسسة العسكرية والذى قد يكون مفهوما فى حالة الإنفاق على التسلح فى بلدان القارات الثلاث كان فى كل من الشرق الوسط وأمريكا اللاتينية وحيث لا يوجد بالضرورة خطر مباشر على المن القومى وإن كانت هناك منازعات إقليمية لم تسو أو ميل للانخراط فى مغامرات عسكرية، وهكذا، فقد شاءت الحكومة العسكرية فى الأرجنتين أن تسلك سبيل المغامرات العسكرية بعد أن بدأت علامات إخفاق سياستها الاقتصادية تظهر للعيان فى أواخر السبعينات وكان ذلك هو نفس الحالى فى شيلى فقد تطورت واردات السلاح فى الأرجنتين من 131 بليون دولار فى سنة 1975 إلى 36 بليون دولار فى 1980 ثم قفزت إلى 10 مليون دولار فى سنة 1981 قبيل بدء حرب مالفينا فوكلاند مع المملكة المتحدة وكانت مخصصات شراء السلاح تستوعب فى ذلك الوقت حوالى 64% من الميزانية القومية
(5) وتمتد هذه الملاحظة إلى كثير من الدول العربية وخصوصا من غير دول المواجهة مع إسرائيل وبالذات الدول المصدرة للنفط ومن المعروف أيضا أن الدين العسكرى يشكل جانبا هاما من مديونية مصر، ومع أن لا يمكن القول بأن خطر إسرائيل على المن الوطنى المصرى قد تلاشى بعقد المعاهدة المصرية الإسرائيلية فى سنة 1979 إلا أن النقاش قد ثار بالنسبة لحكمة الاعتماد علاى الدول الغربية بصفة رئيسية فى بناء القوات المسلحة المصرية بما ترتب على ذلك من أعباء اقتصادية هى دائما محور الشكوى من رئيس الدولة فى زياراته المتكررة للولايات المتحدة الأمريكية
(6) وبالإضافة إلى ذلك كله فإن نمط إدارة الاقتصاد القومى يساهم بدرجة كبيرة فى تقليل استنزاف الموارد أو فى زيارته وذلك بحسب كفاءة السلطة الاقتصادية من ناحية والضوابط السياسية الداخلية على عملها من ناحية أخرى فمن الملاحظ مثلا أنه على الرغم من أن كثيرا من بلدان العالم الثالث تضع خططا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية إلى أن هذه الخطط لا تستند إلى تقدير صحيح لما يمكن أن يحدث فى الجل المتوسط فيزيد من أعبائها أو أن عملية التخطيط ذاتها تفتقد المرونة ومن ثم يصعب تغيير الخطة لتتلاءم مع الظروف المتغيرة وهكذا تطول آجال تنفيذ المشروعات، وترتفع نفقاتها بالضرورة، ويوجه قدر كبير من الموارد لمشروعات ذات فترة توليد طويلة ومن أبرز الأمثلة على ذلك مشروع سد اتيايبو على نهر بارنا الذى نفذته البرازيل بالتعاون مع باراجواى فى منطقة الحدود المشتركة بينهما فقد تضاعفت التكلفة المقدرة لهذا المشروع ست مرات عما كانت السلطات البرازيلية قد ارتأته، وبلغت عندما تم تنفيذه 153 بليون من الدولارات ولا شك أن مثل هذه المشروعات الضخمة تنطوى على قدر كبير من المدخلات يتم استيراده من الخارج وتساهم بالتالى فى زيادة حصيلة الواردات، فضلا عم آثارها غير المباشرة على ميزان المدفوعات وهناك أمثلة عديدة على مثل هذه النواقص التخطيطية فى البلدان المدينة الأخرى: كذلك قد تحجم السلطة الاقتصادية عن التحكم فى غدارة الطلب وخصوصا بالنسبة للطبقات ذات الدخل الأعلى والتى تشكل عادة قاعدة التأييد للنظم السياسية فى الدول المدينة الكبرى فى العالم الثالث ومن المعروف أن نمط توزيع الدخل فى هذه البلدان يتسم بالتركيز الشديد، وان الطبقات العلى دخلا فيها تميل إلى تقليد أنماط الحياة السائدة فى المجتمعات الغربية ويؤدى العزوف عن إدارة طلب هذه الطبقات إلى نتيجتين متلازمتين:
أولاهما: أن جانبا كبيرا من إنفاق هذه الطبقات ينصرف إلى سلع استهلاكية مستوردة أو منتجة محليا وتتسم بطبيعتها الكمالية وبأن الإنفاق عليها يخدم أغراضا تفاخرية ويؤدى ذلك إلى ارتفاع الواردات من هذه السلع أو ارتفاع الواردات من مستلزمات الإنتاج الضرورية لتصنيعها محليا ولما كان دخل هذا الإنفاق الاستهلاكى سوى جزء محدد منه، فإن بقية هذه الدخول يتم تهريبها إلى الخارج لإيداعها فى بنوك الدول الغربية وذلك بطرق مستترة كثيرة، ولكن أهم قنواتها هو البنوك التجارية المحلية وفروع البنوك الأجنبية فى العالم الثالث ولا تتوافر تقديرات دقيقة لحجم رؤوس الأموال المهربة من العالم الثالث، ولكنها قدرت فى حالة المكسيك مثلا ب 54 بليون دولار وهو ما يزيد عن نصف إجمالى المديونية الخارجية للمكسيك وقد بلغ اتساع هذه الظاهرة حدا جعل رئيس المكسيك يقوم بتأميم البنوك التجارية الرئيسية فى بلده على الرغم من أن وجود المشروع الخاص فى أغلب القطاعات هو واحد من السمات الرئيسية للاقتصاد المكسيكى
(7)، وقد تواترت تصريحات متعددة عن حجم رؤوس الأموال المصرية فى الخارج، ومن بينها تصريح السيد كمال حسن على بأن حجمها يصل إلى 120 بليون دولار، ذكر الأستاذ محمد حسنين هيكل أنها قد تبلغ حوالى ثلث هذا الحجم
ثانيا: الآثار السياسية لحالة المديونية:
يصعب تحديد آثار سياسية مباشرة لحالة المديونية، فتلك الحالة ى تتولد بين يوم وليلة، وإنما تستغرق عدة سنوات على الأقل حتى تتراكم الديون على بلد ما كذلك فإن وضع المدين فى حد ذاته لا يمثل أزمة الهام هو كيف يستخدم المدين وحتى عندما تتأزم حالة الدين، فإنه يصعب التنبؤ بسلوك كافة جماعات المواطنين، وإنما قد تظهر آثار سياسية غير مباشرة لحالة الدين عندما تقوم السلطة العامة باتخاذ بعض الإجراءات من أجل تصحيح هذه الحالة فمن المعروف أن أزمة المديونية تعكس بالتبسيط الشديد عددا من الاختلالات، بين الإنتاج والاستهلاك يبتلع معظم الإنتاج، فلا يبقى فائض كبير يوجه للادخار والاستثمار، وبين إنفاق الحكومة وإيراداتها، حين تنفق الحكومة أكثر مما تحصل عليه من إيرادات، وبين الصادرات والواردات، فيستورد بلد معين بأكثر مما يصدر من تسديد قيمة وارداته ومن المؤكد أن تؤدى كل هذه الظواهر إلى ارتفاع مستوى الأسعار، فيعرف الاقتصاد الوطنى ضغوطا تضخمية فى كافة القطاعات وهكذا، فالأرجح أن حالة المديونية تحدث آثارا شبيهة بحالة التضخم فى كافة القطاعات اقدر على الاستفادة من هذه الحالة إذ ترتفع قيم أصولها وما تنتجه، وفى المقابل يلحق هذا الوضع أشد الضرر بكاسبى الأجور وبصغار الملاك فهم لا يقدرون على رفع دخولهم على النحو الذى يتمشى مع ارتفاع الأسعار وهكذا فإن وضع المديونية يؤدى إلى إعادة توزيع الثروات والدخول فى غير صالح أغلبية المواطنين ومن ثم تقترن به مظاهر سخط واسعة قد تنفجر فى أعمال احتجاج جماهيرى عديدة ولكن يصعب فى مثل هذه الحالات نسبة هذه العمال مباشرة إلى حالة المديونية، وإن كانت ترتبط بها التحليل النهائى ولكن قد تكون هناك أثار سياسية غير مباشرة لحالة المديونية عندما تضطر السلطات العامة، بوحى من إرادتها هى، أو بضغوط من قوى خارجية، إلى إدخال بعض الإجراءات من أجل تصحيح الاختلالات التى تسببت فى المديونية أو التى ترتبت عليها ولعل أبرز صور الاستجابة لأزمة المديونية هى اضطرار السلطات العامة إلى اتباع سياسات انكماشية فى إطار برنامج للتثبيت الاقتصادى تهدف إلى تصحيح الاختلال، والعودة بعد فترة إلى استئناف النمو الاقتصادى على أسس أكثر سلامة وتتفق هذه الإجراءات عادة مع توصيات صندوق النقد الدولى، وتتمثل فى خفض الواردات تخفيضا كبيرا، وخفض قيمة العملة الوطنية بهدف تشجيع الصادرات، وتقليل الإنفاق العام بالحد من بعض الخدمات التى تقدمها الدولة أو رفع أثمانها وزيادة إيرادات الخزانة العامة عن طريق فرض ضرائب جديدة على الاستهلاك ورفع أسعار الفائدة لتشجيع الادخار وتخلى الدولة عن إدارة بعض الأنشطة الاقتصادية التى لا تحقق ربحا أو التى يمكن أن يقوم بها القطاع الخاص، واتخاذ إجراءات أخرى من شأنها تشجيع القطاع الخاص والاستثمار الأجنبى وذلك للتعويض عن نقص الاستثمارات العامة التى كانت تمول من قبل بطريق تضخمى أو بالاستدانة من الخارج
(8) وقد كانت حصيلة الأخذ بهذه الإجراءات فى أغلب الحالات هى دخول الاقتصاد الوطنى فى مرحلة انكماش وانخفاض الناتج المحلى، بما يصحب ذلك من ارتفاع معدلات البطالة وانتشار حالات الإفلاس بين المشروعات المتوسطة والصغيرة ويمكن القول بأنه ليست هناك حالة واحدة تثبت فيها صحة هذه الوصفة وأسباب ذلك عديدة منها أولا خطأ النظرية الاقتصادية التى تقوم عليها الوصفة والتى تفترض أن الهياكل الإنتاجية فى البلدان النامية ستستجيب على الفور لانخفاض أسعار بعض عوامل الإنتاج الذى يترتب على اتباعها وأنها ستجد أسواقا جاهزة وأسعارا مجزية لإنتاجها حتى ولو امتلكت من المرونة ما يمكنها من زيادة إنتاجها بسرعة كذلك فإن قيمة المساعدة التى يقدمها صندوق النقد الدولى والبنوك التجارية عند الأخذ بهذه الوصفة تكون أيضا أقل مما يكفى لتعويض الاقتصاد الوطنى فترة طويلة نسبيا حتى يستعيد نموه ومع أن قليلين من المسئولين عن الإدارة الاقتصادية فى العالم مازالوا يعتقدون بحكمة توصيات خبراء صندوق النقد الدولى إلا أنهم يرون أنه لا مفر لهم من قبول هذه الوصفة للحصول على بعض المعونة التى تمكنهم من التخفيف من حدة أزمة المديونية واستعادة ثقة المصارف التجارية الدولية حتى تظهر ظروف أفضل (9) وللأخذ بهذه الوصفة نتائج هامة بالنسبة لإحساس المواطنين بشرعية حكوماتهم وبالنسبة لمستوى الاستقرار السياسى فى البلدان التى تأخذ بهذه الوصفة ولكن هذه الآثار قد لا تظهر على الفور، وإنما يستغرق ظهورها بعض الوقت، بناء على أسلوب الأخذ بها فقد يتم تطبيق مجموعة متكاملة من هذه الإجراءات دفعة واحدة وفور إعلانهما الذى لا تسبقه أى مقدمات تستهدف إعداد الرأى العام وتفاجأ بها الأغلبية الساحقة من المواطنين وقد أصبح هذا الأسلوب يعرف بالعلاج بالصدمة Shock Treatment والهدف من اتباعه على هذا النحو هو إعادة التوازن إلى الاقتصاد الوطنى فى أقرب وقت، وضمان أكبر قدر من الفاعلية لهذه القرارات بتجنب إعطاء أى من القوى الاجتماعية التى ستأثر بها الفرصة لمقاومتها، وتمكين السلطات العامة من علاج مواضع الخلل فى الاقتصاد الوطنى فى أقرب وقت وقد أصبحت النتائج السياسية لهذا الأسلوب قصة ذائعة إذ يبدو أن الذين اتبعوا هذا الأسلوب قد أساءوا تقدير أمرين، أولهما مدى احتمال الطبقات الشعبية للتضحيات الهائلة التى تتضمنها هذه الإجراءات من ارتفاع فى الأسعار، وتخفيض فى العمالة بعد أن عانت بالفعل من آثار التضخم على تدهور قوتها الشرائية وهكذا، فقد كان إعلان مثل هذه القرارات يواجه باحتجاجات جماعية واسعة النطاق تأخذ شكل المظاهرات الصاخبة التى تعم الحياء الفقيرة فى المدن الرئيسية، حدث ذلك فى مصر فى يناير 1977، وفى تونس فى يناير 1978 وفى الدار البيضاء ومدن أخرى بالمغرب فى صيف 1981، وتكررت نفس الأحداث فى بلدان أمريكا الجنوبية فى بيرو فى 1978 وبنما 1985 والأرجنتين (1985) وشيلى (1985)
(10) وبلدان أخرى كثيرة مثل تركيا (1979) والسودان (1985) (11) وقد بلغ ذيوع هذه الظاهرة جدا جعلها تعرف باضطرابات صندوق النقد الدولى T M F Riots والمر الثانى هو مدى استجابة جماعات رجال الأعمال والطبقات ذات الدخل العلى لهذه القرارات فالملاحظ أن النفوذ الذى تتمتع به هذه الجماعات فى كثير من البلدان التى أنتجت نموذج التنمية الذى أشار إليه قسم سابق فى هذه الدراسة يجعلها لا تكترث كثيرا بما تقرره السلطة العامة من قيود على أوجه نشاطها وتسعى إلى التهرب من هذه القيود أو الحصول على استثناءات من تطبيقها عن طريق صلاتها بأجهزة الإدارة العامة على كافة المستويات وهكذا لا تكون حصيلة علاج الصدمة سوى تثبيت المسار الانكماشى للاقتصاد الوطنى
(12) وقد أدت ردود الفعل هذه من جانب كل من الطبقات الشعبية وجماعات رجال الأعمال على السواء إلى وقف الأخذ بهذه الإجراءات فى أغلب هذه البلدان فى منتصف الطريق بعد إسقاط المسئولين عن الإدارة الاقتصادية ككباش فداء بعد إخفاقها لذلك أصبحت نفس الحكومات تميل إلى أن تتبع أسلوبا تدريجيا فى تطبيق سياسات التثبيت، وأن تقرن إجراءات التثبيت بحوافز شكلية تقدم لبعض القطاعات الشعبية، فلا يتم رفع أسعار عدد كبير من السلع مرة واحدة، و|إنما يجرى الرفع بطريقة انتقائية ومتدرجة وأحيانا كثيرة بأساليب ملتوية لا تبدو ظاهريا وكأنها رفع للأسعار، ويصحب ذلك زيادة الحد الأدنى للأجور لبعض فئات العاملين وعلى نحو لا يتفق مع معدل التضخم، وبدلا من خفض سعر التحويل للعملة الوطنية والذى يؤدى إلى ارتفاع أسعار الواردات يتم السماح بوجود أكثر من سعر للعملة وقبول وجود سوق موازى يتم فيه تبادل العملة المحلية لأغراض الاستيراد أو بسعر يفوق سعرها الرسمى، كذلك تعدل الحكومات التى تتبع هذا الطريق عن التسريح الفجائى لأعداد كبيرة من العاملين فيها، وإنما تتوقف عن زيادة التشغيل فى بعض مرافقها، بأنها تسمح إنفاقها على بعض الخدمات الأساسية بالتهور مع الحفاظ على قيمته الاسمية فى وقت ترتفع فيه الأسعار، مما يؤدى بالضرورة إلى انكماش حجم هذه الخدمات
(13) ومع أن حكومات البلدان المدينة التى تتبع هذا الأسلوب التدرجى Gradual Approach قد تتجنب على هذا النحو انفجار مشاعر السخط الشعبية التى يستفزها الإعلان الفجائى عن إجراءات التثبيت، إلا أنه قد أصبح من المفهوم الآن أن مثل هذه الإجراءات وحدها لا تكفى لتصحيح الاختلال فى الاقتصاد الوطنى، وأن لابد من أن تقترن بها إجراءات مباشرة لزيادة الإنتاج فى القطاعات السلعية وأن تصحبها بيئة دولية مناسبة تخفف من أعباء الدين على البلدان النامية، بل وتوفر لها تدفقات من المعونة تيسر لها استئناف نموها وقد أصبحت الحكومات الغربية ومعها الدوائر المالية الدولية تدرك ضرورة عدم الاقتصار على جانب الطلب فى تصحيح الاختلال فى اقتصادات الدول النامية، وإنما لابد من التأثير على جانب العرض كذلك وعلى التدفقات الدولية لرؤوس الأموال، وقد انعكس ذلك فى الاجتماع السنوى لكل من صندوق النقد الدولى والبنك الدولى فى سيول عاصمة كوريا الجنوبية فى أكتوبر 1985
(14) المديونية والتغير السياسى:
إذا كان تفاقم وضع المديونية وما قد تؤدى إليه من الأخذ بإجراءات التثبيت التى تثير سخطا واسع النطاق سواء طبقت بأسلوب الصدمة او على نحو تدرجى قد هدد فى حالات عديدة الاستقرار الحكومى فى البلدان المدينة، فهل يمكن القول بأن حالة المديونية قد ساهمت أيضا فى دفع التغير السياسى Political Change فى هذه البلدان؟ وما هو مسار التغير السياسى الذى ينتج عن تفاقم حالة المديونية؟ لقد ضمت قائمة الدول المدينة العشر الكبرى فى العالم الثالث فى سنة 1985 كلا من البرازيل والمكسيك والأرجنتين ونيجيريا والهند ويوغوسلافيا وكانت الدول الخمس المدينة الكبرى فى سنة 1983 هى بالترتيب المكسيك والبرازيل والأرجنتين وكوريا الجنوبية وفنزويلا ويلاحظ أن ثلاثا من هذه الدول فى سنة 1983 كان يحكمها العسكريون (البرازيل والأرجنتين وكوريا الجنوبية) بنسبة (60%) وأن واحدة منها (20%) وهى المكسيك سادتها صورة معدلة من نظام الحزب الواحد لا أمل لها فى تولى السلطة بينما تميزت بلد واحدة فقط بنظام التعدد الحزبى الأقرب إلى نظام الحزبين (فنزويلا) أم فى سنة 1985 فإن الدول الخمس المدينة الكبرى تميزت ببقاء نظام حكم عسكرى واحد فيما بينها (كوريا الجنوبية) وإن كان قد قطع شوطا على طريق التحول إلى نظام التعدد الحزبى، وأساد نظام الحزب المهمين فى دولتين (المكسيك ومصر) وانتقلت دولتان إلى نظام الحكم المدنى القائم على التعدد الحزبى (البرازيل منذ يناير 1985 والأرجنتين منذ أكتوبر 1983)، أما الدول الخمس الأخرى فقد توزعت بين نظم الحكم العسكرى (إندونيسيا ونيجيريا) بنسبة 40% ونظام التعدد الحزبى (الهند وفنزويلا) بنسبة 40% ونظام الحزب الواحد (يوغوسلافيا) بنسبة 20% وإذا ما قصرنا التحليل على الدول الخمس المدينة الكبرى فى العالم الثالث فى 1983 وسنة 1985 فإن كما فى الجدول التالى وهكذا يمكن القول بأنه قد حدث تحول هام فى الدول المدينة الرئيسية من نظم الحكم العسكرية إلى نظم التعدد الحزبى سواء تلك التى تتميز بوجود حزب واحد مهيمن كما هو الحال فى المكسيك ومصر أو التى تتسم بوجود عدد محدود من الأحزاب المتنافسة المتقاربة فى القوة والأقرب فى الحقيقة إلى نظام الحزبين كما هو الحال فى كل من البرازيل والأرجنتين ويلاحظ أن مثل هذا الانتقال إلى نظم التعدد الحزبى قد جرى فى عدد آخر من الدول المدينة فى أمريكا اللاتينية مثل بيرو وأورجواى وفى تركيا فى الشرق الوسط، وأنه كان هناك توسيع لنطاق الحريات السياسية فى الدول التى يسودها نظام الحزب المهيمن (مصر بعد 1981)، وإن كان يرصد اتجاه مضاد بالعودة إلى نظام حكم عسكرى فى نيجيريا فى أواخر سنة 1983 وتشديد قبضة الحزب المهيمن فى حالة المكسيك (خصوصا فى سنة 1983) ومع ضيق هذه العينة إلا أنه يمكن طرح عدد من الملاحظات الأولية استنادا إلى التطور السياسى الذى جرى فى الدول المدينة الرئيسية خلال الثمانينات: أولا: يلاحظ وجود نسبة عالية (60%) من الحكومات العسكرية بين الدول المدينة الرئيسية، وندرة النظم القائمة على التعدد الحزبى فيما بينها وإذا كان من الصحيح أن هذه النظم الأخيرة هى قليلة على أى حال فى العالم الثالث، إلا أن ارتفاع نسبة النظم البيروقراطية السلطوية عموما بين الدول المدينة الرئيسية هو أمر يلفت الاهتمام
(16) وبطبيعة الحال تصعب نسبة هذه الظاهرة إلى وضع المديونية ولكن يمكن افتراض أن الدين قد نتج عن نموذج التنمية الذى اتبعته أغلب البلدان المصنعة حديثا والذى استند إلى تكثيف الاندماج فى السوق العالمى من أجل تعميق عملية التصنيع فيها (17) وكما كان هذا النموذج يستلزم تضحيات واسعة من جانب ما يعرف بالقطاعات الشعبية والتى تشمل إلى جانب كاسبى الأجور من العمال والموظفين صغار ومتوسطى المنتجين فى الريف والمدينة، فقد كان من غير المحتمل أن يقترن هذا النموذج بنظام سياسى يتيح حرية التعبير والتنظيم لهذه القطاعات ومن هنا صاحبت نموذج التنمية فى البلدان المصنعة حديثا فى أغلب الأحوال نظم حكم سلطوية بيروقراطية أو نظم حكم عسكرية لم تكتف بالتقييد من حريات القطاعات الشعبية وإنما مارست أيضا أبشع الانتهاكات لحقوق الإنسان وعلى أوسع نطاق
(18) ثانيا: أن التحول إلى نظم الحكم القائمة على التعدد الحزبى الحقيقى وعلى الاستناد إلى اختيار أغلبية المواطنين فى ظروف تتسم بالنزاهة عموما لم ينتج فقط عن تفاقم أزمة المديونية التى تتحمل المسئولية عنها نظم الحكم العسكرية، وإنما نتج عن إخفاق نموذجها العام فى التنمية بما تضمنه من انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان فضلا عن بعض العوامل الخاصة فى بعض الحالات مثل هزيمة الحكومة العسكرية الأرجنتينية فى حرب مالفينا فوكلاند التى أثارتها إلى حد كبير وهكذا بدا فى كل من بيرو والأرجنتين والبرازيل وأوروجواى وشيلى أن العودة إلى الديموقراطية هى السبيل لتصحيح أوضاع اقتصادية مختلفة، لوقف الاعتداء على حقوق المواطنين الأساسية، وكذلك لاتباع سياسات داخلية وخارجية أكثر استقلالا فى مواجهة مطالبات الدول الرأسمالية الكبرى والتى تعكسها سياسات صندوق النقد الدولى وقد اكتملت هذه العودة فى كل من هذه البلدان باستثناء شيلى حتى الآن
(19) ثالثا: على الرغم من أن القطاعات الشعبية هى التى تحملت العبء الكبر لنموذج التنمية الذى اتبعته الدول المدينة الكبرى فى العالم الثالث، إلا أن إخفاق هذا النموذج عموما قد ضيق من قاعدة التأييد الذى استندت إليه نظم الحكم العسكرية، فسحبت أقسام هامة من رجال العمال من متوسطى المنتجين والطبقات الوسطى مسانداتها لهذه النظم، ومن ثم فإن حملة المطالبة بعودة الديموقراطية قد تزعمتها أحزاب تعبر فى الغالب عن تآلف قوى عديدة، فى صدارتها الطبقة المتوسطة بل وأقسام من رجال الأعمال الذين أضارتهم السياسات الانكماشية التى اضطرت هذه الحكومات إلى اتباعها أو الذين ضاقوا بتشجيعها للمشروعات المحلية الكبرى القادرة على المساهمة فى الانطلاق إلى السوق الدولى فضلا عن جماعات المثقفين ورجال الدين الذين أثارهم البؤس المتزايد لأغلبية المواطنين نتيجة هذه السياسات وقد تفاوت مسار العودة إلى نظم الحكم المدينة فى البلدان المدينة الرئيسية، فبينما حاولت المؤسسة العسكرية البرازيلية الإشراف على هذا الانتقال، انسحب العسكريون فى كل من بيرو (1978) وأوروجواى (1985) من السلطة وسلموها لحكومات منتخبة وجاءت نهاية الحكم العسكرى فى الأرجنتين فى أعقاب هزيمته المنكرة فى حرب مالفينا ومن ثم فقد تفاوتت قدرة النخبة الحاكمة القديمة فى التأثير على مسار الانتقال وعلى توجيه السياسات فى النظام المدنى الجديد، وبلغت هذه القدرة أوسعها فى حالة البرازيل، وإنعدمت فى حالة الأرجنتين بينما مثلت كل من بيرو وأوروجواى موقفا وسطا وتقترب كوريا الجنوبية من المراحل الأولى لنموذج الانتقال البرازيلى
(20) ويمكن القول بأن المكسيك تمثل حالة مخالفة لهذا الاتجاه العام بين الدول المدينة الرئيسية فى توسيع نطاق الحريات بعد تفاقم أزمة الدين فقد تبددت آمال أحزاب المعارضة فى أن تحترم حكومة حزب الثورة المؤسسة إرادة الناخبين وخصوصا فى الأقاليم الشمالية والمدن الكبرى، وقد غذى هذه الآمال قبول حكومة الرئيس ميجل ديلامدريد نتائج الانتخابات المحلية فى إقليم شيهواهوا المجاور للحدود الأمريكية، فى سنة 1983 والتى اكتسحها حزب العمل القومى وهو حزب محافظ يؤيد توثيق الصلات مع الولايات المتحدة الأمريكية فقد حصل هذا الحزب على الأغلبية فى مجالس المدن السبع الرئيسية كما كسب انتخابات العمودية فى شيهواهوا عاصمة الإقليم وسيوداد خوارز رابع المدن الكبرى فى البلاد ويبدو وفقا لأنصار المعارضة المكسيكية أن حزب الثورة المؤسسة الحاكم خشى من امتداد انتصارات أحزاب المعارضة وخصوصا حزب العمل القومى، ومن ثم لم تتكرر مثل هذه الانتصارات فى الانتخابات المحلية التالية فى سنة 1984 واحتفظ الحزب الحاكم بأغلبية الثلثين فى الانتخابات التشريعية التى جرت فى يوليو 1984 وقد احتج أنصار المعارضة اليمنية على ما اعتبره تزويرا للانتخابات المحلية فى مناطق بيدراس نجراس ومونكلوفا فى ولاية كواهويلا المجاورة للحدود، وادى عنف هذا الاحتجاج إلى تدخل قوات الجيش لوقفه وقد ذكر أحد المعلقين المتعاطفين مع المعارضة اليمنية أن دوائر حزب العمل القومى ربما كان قد حصل على الأغلبية فى معظم هذه الانتخابات المحلية لو كان الحال فى انتخابات شيهواهوا ويشير نفس المعلق إلى أن المراقبين المحايدين يجمعون أيضا على وجود أغلبية مؤيدة لحزب الثورة المؤسسة فى الانتخابات التشريعية، ولكن لو كانت نتائجها المعلنة صحيحة فربما كانت هذه الأغلبية ستنخفض من 65% من الأصوات إلى 56% وكان نصيب حزب العمل القومى المعارض سيرتفع من 15 فى المائة إلى ما بين 22 23%
(21) وتعكس هذه النتائج أن حزب الثورة المؤسسة يفقد نتيجة للأزمة الاقتصادية المرتبطة بالمديونية تأييد الطبقات والأقاليم الأعلى دخلا فى المكسيك فبالإضافة إلى موظفى إقليم الشمال القريبين من الولايات المتحدة والذين أضارهم تخفيض قيمة البيزو العملة الوسطى فى المدن الكبرى من المحامين والأطباء والمحاسبين وصغار رجال الأعمال والموظفين بل وبعض عمال الصناعة والخدمات لم يعودوا يثقون فى قدرة الحكومة على حل مشاكلهم وهكذا فقد انخفض التأييد للحزب الحاكم فى المدن الخمس الكبرى إلى حوالى 45% وفقا للبيانات الرسمية، وكان ذلك أقل بنسبة 20% عن الأغلبية القومية، بينما ظل الحزب الحاكم يحتفظ بأغلبيته الساحقة فى الولايات الريفية الأكثر فقرا فى الجنوب حيث يحصل بسهولة على ما بين 80 و 90% من الأصوات وتعمق هذه النتائج الانقسام فى المجتمع المكسيكى بين الجماعات الأعلى دخلا فى الشمال والمدن الكبرى والتى زاد سخطها على حزب الثورة المؤسسة والجماعات الأقل دخلا فى المدن الكبرى والجنوب والتى مازالت تؤيد هذا الحزب
(22) رابعا: تحمل السياسات التى اتبعتها الحكومات الجديدة فى الدول المدينة بعض القسمات المشتركة كما توجد بينها خلافات هامة وربما تعكس هذه الخلافات التباين فى طبيعة القوى الاجتماعية التى ورثت الحكم العسكرى فى الدول المدينة الكبرى فى العالم الثالث فبينما آلت السلطة فى البرازيل فى 1985 إلى تآلف واسع فى إطار حزب الحركة الديموقراطية البرازيلية ضم إلى جانب أعضاء هذه الحركة أقساما من كل من الحزب العمالى البرازيلى الذى كان فى السلطة قبل الانقلاب العسكرى فى سنة 1964 بل ومن الحزب الديموقراطى والاجتماعى الذى يساند العسكريين وانتقلت السلطة فى الأرجنتين إلى الحزب الراديكالى وهو المعبر الرئيسى عن الطبقات الوسطى فى المجتمع، أما فى بيرو فقد تعاقب على حكم البلاد حزب العمل الشعبى المحافظ بزعامة بولندى تيرى 1980 1985 ثم حزب التحالف الشعبى الثورى بقيادة الشاب آلان جارسيا ويمثل الحزب الأول القوى التقليدية المحافظة فى مجتمع بيرو بينما يستمد الحزب الثانى تأييده من الطبقات الوسطى وخصوصا البورجوازية الصغيرة وبعض الشرائح العمالية وتتفق هذه الحكومات الجديدة جميعا على تحفظها بالنسبة لقبول شروط تصحيح الاختلال التى يطرحها صندوق النقد الدولى، وتختلف فى هذا عن الحكومات العسكرية السابقة والتى كانت تقبل هذه الشروط عادة بسهولة وتتحمس فى تنفيذها ولكن يختلف مدى مقاومة هذه الشروط وتشترك حين لا تظهر حكومة البرازيل مقاومة كبيرة لهذه الشروط وتشترك فى ذلك مع حكومة المكسيك، تعثرت مفاوضات الصندوق مع الحكومة الأرجنتينية بل وتوقفت ولكن انتهى أمر هذه الحكومة بوضع برنامج للتثبيت يتفق فى عناصره الرئيسية مع ما كان يطلبه صندوق النقد الدولى وبدأت فى تنفيذه فى 15 يونيو 1985 ويقوم هذا البرنامج المعروف بخطة الأوسترال على تخفيض حاد للميزانية وتجميد الأجور والأسعار، والإصلاح النقدى من خلال إصدار عملة جديدة تحل محل العملة القديمة المنهارة وتعرف العملة الجديدة باسم الأوسترال والذى أطلق على هذه الخطة
(23) ولكن أيا من الدول الثلاث لم تعترض على ضرورة الاستمرار فى تسديد دينها الخارجى وإن كانت قد سعت وحصلت على اتفاقات لإعادة جدولة مواعيد سداد هذه الديون ولم تشذ عن المسلك حكومة بيلوندى يترى فى بيرو غير أن حكومة التحالف الشعبى الثورى قد اتبعت مسلكا مختلفا، فقد أعلن آلان جارسيا زعيم هذا الحزب الذى انتخب رئيسا للجمهورية فى 1985 أن بيرو لن تخصص أكثر من نسبة 10 فى المائة من حصيلة صادراتها السنوية لخدمة الدين وقد شرح أسباب اتخاذه هذا الموقف فى خطابه الذى ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فى دورتها الأربعين فى سنة 1985 قائلا
(24): لقد أصبح الدين صراعا بين الجنوب الفقير فى قارتنا الأمريكية والشمال الصناعى المالى الاستعمارى أن مسئوليتى كرئيس للدولة هى تجاه شعب بيرو قد انتخبها الشعب، ولم تنتخبها بعض الاحتكارات المالية فيكون عليها أن تشبع شهيتها إننا نواجه اختيارا مصيريا فإما الدين وإما الديموقراطية وقد اتبعت حكومة التحالف الشعبى الثورى فى بيرو خطة من مرحلتين لمواجهة الاختلالات المرتبطة بحالة الدين، وبدأت تنفيذها بعد وصولها إلى السلطة بأيام قليلة وقد اتسمت المرحلة الأولى بطابع تقشفى واضح، وإن لم يكن نتيجة توصية من صندوق النقد الدولى أو البنوك التجارية فقد جمدت الحكومة أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية، وشددت من الرقابة على النقد، ورفعت سعر الجازولين، وخفضت من قيمة العملة الوطنية وهبطت بأسعار الفائدة وتمكن الرئيس جارسيا من إقناع الشركات الخاصة بخفض أسعار بعض المواد الأساسية مثل الأدوية والأطعمة ومن ناحية أخرى فقد أظهر الجدية فى السعى إلى خفض الإنفاق الحكومى بطرد ثلثى المديرين فى مؤسسات الدولة المتضخمة وفرض حدا أقصى على المرتبات الحكومية، كما أظهر للعسكريين أن ميزانية القوات المسلحة لن تعفى من التخفيض، فخفض عدد طائرات الميراج الست والعشرين التى كانت بيرو قد طلبتها، ثم بدأت المرحلة الثانية من هذه الخطة فى أكتوبر 1985 وتتميز بطابع إنعاشى واضح، فقد خفضت أسعار الفائدة للمرة الثالثة من توليه السلطة، وارتفعت الأجور الحقيقية على نحو طفيف، وتم حظر قائمة طويلة من الواردات، وتم تجميد سعر التحويل الرسمى مع الدولار حتى نهاية العام، وكان هناك بعض التخفيف فى الرقابة على السعار، ومع ذلك ظلت الحرب ضد التضخم مستمرة، فنل معدله من 10 فى المائة عندما تولى آلان جارسيا السلطة إلى 35% سنويا فى نهاية العام وهكذا فإذا كانت المرحلة الأولى تعالج الجانب النقدى من الاختلالات، فإن المرحلة الثانية تمثل خطوة فى الانتقال لتشجيع زيادة الإنتاج
(25) ومع أنه من السابق لأوانه الحكم على نتائج هذه السياسات، إلا أنه من الواضح أن أيا منها لا تمثل ردا كافيا على مشكلة الدين، فعلى الرغم من النجاح عموما فى خفض عجز ميزان المدفوعات ومن إعادة جدولة الديون فى حالات المكسيك والبرازيل والأرجنتين وتقديم المزيد من القروض لها من المؤسسات المالية الدولية والمصارف التجارية إلا أن حجم الموارد التى تم توفيرها عن هذا الطريق هى أقل من أن تكفى لخدمة ديون الدول الثلاث ومن ثم فإن اقتصادياتها لم تخرج بعد من حالة الانكماش التى دخلتها بسبب إجراءات التثبيت التى أقدمت عليها أما فى حالة بيرو فقد أعلن صندوق النقد الدولى فى الأسبوع الثالث من أغسطس 1986 توقفها عن سداد بعض ديونها التى حلت آجالها وتجاوزت قيمة خدمتها 10% من حصيلة صادراتها السنوية وأعلنت حكومة بيرو أنها لا تأبه لهذا الإعلان من جانب الصندوق ويبدو أن أغلبية المواطنين فى هذه الدول لم تفقد الأمل بعد أن تتمكن حكوماتها التى تتمتع بقدر أكبر من الشرعية فى أن تواجه مشاكل الدين الذى تسببت فيه حكومات بدون شرعية ولكن هل يطول صبرها طويلا؟ المديونية واستقلال الإرادة الوطنية:
أوضح القسم السابق من هذه الدراسة أن الحكومات التى وصلت إلى السلطة بالانتخاب فى البلدان المدينة الرئيسية وغيرها من الحكومات التى تستند إلى تأييد شعبى مؤكد قد تحفظت بالنسبة لقبول شروط صندوق النقد الدولى، وحاول بعضها مثل حكومة راؤول الفونسين فى الأرجنتين إيجاد بديل عن الشروط التى يفرضها الصندوق ولكن اغلب هذه الحكومات باستثناء حكومة آلان جارسيا فى بيرو قد انتهى بها الأمر إما إلى قبول شروط الصندوق مباشرة حتى تتمكن من الحصول على معونته وحتى يفتح لها الباب للاقتراض من البنوك التجارية الدولية من جديد، وللاتفاق مع الدول الدائمة على إعادة جدولة ديونها،أو أنها اتبعت هذه السياسات دون أى اتفاق مع الصندوق، أملا فى أن تحظى برضاء المؤسسات المالية الدولية وهكذا فقد خفضت البلدان المستوردة لرؤوس الأموال عجز إنفاقها الجارى من 1125 بليون دولار فى سنة 1984 وذلك على الرغم من استمرار ارتفاع أسعار الفائدة والحجم الكلى لدينها وقد تحققت هذه النتيجة وفقا لما تقوله إحدى الاقتصاديات التى عملت سابقا بالصندوق نتيجة اتباع إجراءات تقشف حادة لخفض الاستهلاك وشملت هذه الإجراءات بالإضافة إلى الجرعة المألوفة من تخفيض العملات، والإزالة التدريجية للدعم السلعى، ورفع أسعار الفائدة، وإبطاء معدل نمو الائتمان، كذلك اتباع سياسات للاستثمار الأجنبى أكثر تحررا، والانتقال إلى أسلوب اقتصاد السوق، ونقل أجزاء كبيرة من القطاع العام إلى الملكية الخاصة وقد ذهبت بعض البلدان مثل المكسيك والأرجنتين وشيلى وكوستاريكا واكوادور وغانا حدا أبعد من غيرها، ولكن الاتجاه المعلن للسياسات العامة كان واحدا فى أغلب البلدان المدينة (26) ومن الواضح أن توصيات الصندوق بالنسبة لكل هذه المسائل لا تمثل فقط تدخلا فى الشئون الداخلية للبلدان المدينة، ولكنها تعكس أيضا الفلسفة الاقتصادية المحافظة التى يقوم عليها عما المؤسسات المالية الدولية وهى تلك التى يقوم عليها عمل المؤسسات المالية الدولية وهى تلك الفلسفة التى تمجد المشروع الخاص والاستثمار الأجنبى، وربما كانت هذه الملاحظة بلا معنى لو كان قد ثبت أن اتباع هذه التوصيات بعث الانتعاش فى اقتصاد الدول المدينة أو خرج بها من أزمة الدين، ومن ثم تتفق توصيات الصندوق مع مصلحة هذه البلدان ولكن لم يكن ذلك هو ماحدث، فقد أدت هذه السياسات إلى انكماش حاد فى الواردات ى يمكن المحافظة عليه فى المدى البعيد لارتباط الواردات بتوفير الغذاء ومستلزمات الإنتاج للمواطنين كما أن أحجام الصادرات أو قيمتها لم تزد بسبب خفض قيمة العملة الوطنية، واستمرت هذه البلدان تنتج أقل بكثير مما تتيحه قدراتها الإنتاجية، وظلت تتسم بمعدلات تضخم مرتفعة ونمو محدود أو سلبى فى الناتج القومى وهكذا تضطر الدول المدينة إلى التسليم بقسم من إرادتها الوطنية عندما تقبل شروطا لا تتفق بوضوح مع مصالحها تحت ضغط أزمة مديونيتها
(27) ولا تقتصر هذه المتنازلات على مجال السياسة الاقتصادية وحدها، بل تمتد إلى جوانب أخرى فى السياسة الداخلية والخارجية فقد اضطرت الحكومة المكسيكية مثلا تحت ضغط الولايات المتحدة إلى التقليل من تأييدها للقوى الثورية فى أمريكا الوسطى والكاريبى كما فترت علاقتها مع الحكومة الساندينية فى نيكاراجوا وقد بلغت هذه الضغوط الأمريكية حدا جعل أحد المراقبين المكسيكيين المتعاطفين مع الولايات المتحدة يقرر أنه على الرغم من أن قطاعات مكسيكية عديدة تتفق مع الدوائر الأمريكية بالنسبة للتغييرات التى ينبغى إدخالها فى المكسيك، إلا أن كل هذه القطاعات بما فى ذلك المسئولون الحكوميون ورجال الأعمال والمثقفين والصحفيين يتفقون على أن هذه الضغوط الأمريكية بصرف النظر عن آثارها المباشرة لا تشجع على إدخال هذه التغيرات، كما أنها أصبحت مشكلة فى حد ذاتها تمثل عقبة أمام أى إصلاح له مغزى (28) ومع ذلك، فإن كل هذه التنازلات لم تؤد إلى التخفيف من مشكلة المديونية بالنسبة للبلدان التى قبلت بها فى سياساتها الداخلية أو الخارجية صحيح أن الولايات المتحدة قد أظهرت بعض الإدراك لخطورة الموقف فى البلدان المدينة التى يهمها استقرار أنظمتها، وقدرت ضرر الاعتماد على توصيات صندوق النقد الدولى وحدها ومن ثم فقد اقترح جيمس بيكر وزير الخزانة الأمريكى فى المؤتمر السنوى المشترك لصندوق النقد الدولى والبنك الدولى فى سيول فى أكتوبر سنة 1985 خطة من ثلاث عناصر لمساعدة هذه الدول ووفقا لها، فقد طلبت الحكومة الأمريكية من البنوك التجارية أن تقدم قروضا قيمتها 20 مليون دولار لمساعدة خمسة عشر من الدول المدينة وهى على وجه التحديد الأرجنتين، البرازيل، والمكسيك وفنزويلا وأوروجواى وشيلى واكوادور وكولومبيا وبيرو وبوليفيا ويوغوسلافيا والفيليبين ونيجيريا وساحل العاج والمغرب وتحتفظ أغلب هذه الدول بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة أما يوغوسلافيا فلاشك أن دعمها يحقق أهدافا دبلوماسية واضحة وذلك للحفاظ على علاقات يوغوسلافيا القوية الدول الرأسمالية الغربية وإضعاف أى توجه فيها لدعم الروابط مع الاتحاد السوفيتى ودول شرق أوروبا الأخرى أما بالنسبة لبيرو فربما كان يستهدف تمكينها من تجاوز نسبة ال 10% من حصيلة صادراتها التى خصصتها لخدمة دينها والذى تلتزم بجانب كبير منه فى مواجهة بنوك أمريكية ويلاحظ أن الدول العربية الوحيدة التى شملتها الخطة هى المغرب ولم تدرج مصر لأن معظم ديونها هو فى مواجهة الحكومات الغربية وليس فى مواجهة البنوك التجارية والشق الثانى من الخطة هو دعوة البنك الدولى وبنوك التنمية الأخرى إلى زيادة مدفوعاتها للدول المدينة الرئيسية بنسبة 50% أو ما يقدر بتسعة ملايين من الدولارات وأخيرا ستضمن وكالة ضمان الاستثمارات متعددة الأطراف التابعة للبنك الولى الاستثمارات المباشرة فى البلدان النامية، كما سيقدم الصندوق الائتمانى بصندوق النقد الدولى 27 بليون دولار للدول التى كانت أعضاء الصندوق الأفقر خلال السبعينات وفى المقابل، تلتزم الدول المدينة بأن تقدم تعهدات حازمة بمواصلة تعزيز اقتصاداتها من السيطرة الحكومية، وبالتأثير على جانب العرض فى اقتصاداتها من السيطرة الحكومية، وبالتأثير على جانب العرض فى اقتصاداتها عن طريق إصلاح النظم الضريبية وعلاقات العمل وتحويل مؤسسات الدولة غير الكفء إلى القطاع الخاص، وتحرير التجارة واتباع سياسات لاجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية
(29) ومع أن خطة بيكر تمثل تقدما فى فهم مشكلة المديونية فى بلدان العالم الثالث بالمقارنة بتحليلات صندوق النقد الدولى السابقة وخصوصا بتأكيدها على جانب النمو وبالدور الذى تحدده للبنك الدولى فى دعم عملية التكيف الهيكلى فى البلدان النامية إلا أنها تمثل فى نهاية المطاف محاولة لشراء تغيرات فى البنية الاقتصادية للبلدان المدينة مقابل ثمن زهيد للغاية أن مبلغ ال 315 بليون دولار الذى تعرضه الخطة هو لا يتجاوز 327% من إجمالى مديونية البلدان النامية فى سنة 1985، كما أن مبلغ ال 20 بليون دولار التى طلب من البنوك التجارية توفيرها للبلدان المدينة لمساعدتها على تحمل أعباء خدمة الذين يبدء ضئيلا للغاية بالمقارنة بأعباء خدمة الدين فى تلك البلدان فى أواخر سنة 1985 وطوال سنة 1986 وتبلغ هذه الأعباء بالنسبة للمكسيك وحدها حوالى 7 بليون دولار، أى أكثر قليلا من ثلث المبلغ الذى طلب من البنوك التجارية توفيرها للبلدان الخمسة عشر والخطر من ذلك أنه لا ينتظر أن ترتفع كثيرا قيمة صادرات البلدان النامية إلى البلدان الرأسمالية المتقدمة لاستمرار الكساد فى الفئة الثانية وبقاء أسعار الفائدة فيها على درجة من الارتفاع النسبى، كما أن ظاهرة هرب رؤوس الأموال من البلدان الرئيسية ظاهرة لا يبدو أنها فى طريقها إلى الوقف وفضلا على ذلك، فمن المشكوك فيه أن يؤدى الانتعاش الاقتصادى فى البلدان الصناعية إذا ما حدث إلى ارتفاع طلبها على منتجات البلدان النامية، فمن المحتمل أن يتركز فى قطاعات لا يتولد عنها طلب كبير على منتجات البلدان النامية، ومن المواد الخام أو البضائع المصنوعة على السواء وفى هذا الإطار يبدو من المستحيل حقا حل مشكلة الدين فى الإطار الذى حددته خطة بيكر لقد جاء فى تعليق لفيديل كاسترو الرئيس الكوبى حول مشكلة الدين قوله: من الناحية الرياضية البحتة، من المستحيل دفع الدين، ومن الناحية السياسية لا يمكن ذلك أيضا، لأنه ينبغى فى هذه الحالة أن تفرض على المواطنين تضحيات هائلة عبر فترة طويلة من الزمن تنهك الحكومة التى تفرضها وتؤدى بها إلى الانهيار، بكل بساطة وأقول كذلك انه من الناحية الأخلاقية أيضا فإنه من المستحيل دفع الدين لأن جانبا كبيرا من هذه النقود المقرضة قد هرب إلى البلدان الصناعية، كما أن جانبا غير ضئيل منها قد سرق أو استخدم فى أغراض سيئة، واستخدم قسم آخر فى شراء السلاح وقسم أخير تم تبديده ولكن هناك ما هو أهم من ذلك، فبالنسبة لأمريكا اللاتينية لن يكفى إلغاء الدين وإقامة نظام اقتصادى دولى جديد وإنما ينبغى كذلك المضى إلى تحقيق التكامل الاقتصادى فبدونه لا يمكن لنا أن ننمى اقتصاداتنا ولا أن نبقى كأمم مستقلة
(20) وهكذا، فإن حسم مشكلة الدين يتم على الصعيد السياسى، ويقتضى البحث عن نموذج بديل للتنمية يستبعد الاندماج الأعمى فى إطار السوق الرأسمالى العالمى، كما يستبعد إقصاء القطاعات الشعبية عن المشاركة فى صنع مستقبلها، ويجرى تطبيقه فى إطار من الاعتماد الجماعى على الذات بين دول الجنوب ولا ينبغى أن يظل مثل هذا الحديث مجرد شعارات تلوكها الألسن وتدبجها الأقلام الهوامش:
(1) أنظر آخر بيانات الدين فى تقرير للبنك الدولى عرضته لوموند الفرنسية CROUIGNEAU, Francoise l Endettement du Tiers Monde, Les Enjeux d une Nouvelle Straegie Le Monde 15 Avril P 86 (2) أنظر دراسة لطبيعة الدين لبلدان العالم الثالث فى: FISHLOW, Albert: The Debt Crisis: Round Two Ahead? in: FEINBERG, Richard E R Valeriana KALLAB eds Adjustment Crisis in the Third World Published for Overseas Development Council Transaction Books New Brunswick (U S A) 1984 PP 31 57 (3) أنظر مناقشة بعض جوانب هذه الموضوع فى: UNITED NATIONS CONFERENCE ON TRADS AND DEVELOPMENT The History of UNCTAD 1964 1984 United Nations New York 1985 PP 46 48
(4) FISHLOW, Albert Op Cit Table 2 PP 36 37 (5) BARTHELEMY, Francoise L Argent Gaspille de la Dette Le Monde Diplomatque Mai 1985 P 21 نقلا عن: The Strategic Balance (6) أنظر النقاش الذى دار حول هذه المسألة فى الصحف القومية والحزبية فى مصر فى أواخر يوليو أنظر خصوصا مقال اللواء أحمد فخر فى الأهرام والتعليقات المختلفة حول هذا الموضوع فى صحف الأهالى والشعب والوفد على سبيل المثال اللواء أجمد فخر: حوار صيف ساخن حول الإنفاق العسكرى المصرى، الأهرام، 25/ 7/ 1986 الصفحة الثالثة، محمد أحمد لبيب حوار هادئ حول موضوع ساخن الإنفاق العسكرى الوفد، 31/ 7/ 1986
(7) BARTHELEMY, Francoise Op Cit P 21 (8) AHMED, Liaquat Stabilization Policies in Developing Countries in Research Observer Published by the World Bank Uol 1 No 1 January 1986 PP 79 110 KILLICK, Tony, Graham BIRD et al The IMF: Case for a Change in Emphasis in FEINBRG & KALLAB Op Cit PP 59 81 (9)
NELSON, Joan The Politics of Stabilization in FELINBERG & KALLAB Op Cit PP 103 105 (10) BARTHELEMY, Francoise Dette ET la Democratie Vents de Revolte en Ameriqe Latine Le Monde Diplomatique October 1985 P 1, 16 (11) NELSON, Joan Op Cit P 111 (12)
Ibid P 113 (13) NELSON, Ibid (14) BOGDAANOWICZ BINDERT, Christin A World Debt: The United States Reconsiders Foreign Affairs Vol 1985 PP 267 269 (15) نفس الريب كما فى سنة 1983 أنظر: FISHLOW Op Cit PP 34 35
(16) فى عريف النظم كما فى سنة 1983 أنظر: O Donnell, Guillermo Modernization and Bureaucratic Authoritarianism in Latin America University of California Press Berkeley, California 1973 (17) BRADFORD, Colin I Jo The NIC,S: Confronting U S Autonomy in FEINBERG & KALLAB Op Cit PP 119 137 الهوامش:
(18) بالنسبة لانتهاكات فوق الإنسان فى هذه الدول أنظر التقارير السنوية لمنظمة العفو الدولية
(19) حول الانتقال إلى نظم حكم مدينة أنظر: L Exigence Democratique en Amerique Latine Le Monde Diplomatique November 1984 PP 4 9 (20) أنظر مناقشة لهذه النماذج فى: VIOLA, Eduardo & MAINWARING, Scott Transitiok to Democracy Brazil and Argentina in the 1980 S in Journal of International Affairs Columbia University New York Winter 1985 Vol 38 No 2 PP 193 219 (21) CASTANEDA, Jorge G Mexico at the Brink Foreign Affairs Vol 64 No 2 1985 Pp 289 291 (22) نفس المصدر السابق:
PP 290 292 (23)
GABETTA, Carlos L Argentine ET le Plan Austral Le Monde Diplomatique October 1985 P 17
(24) من خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مقتبسة من: ROETT, Riordan Peru: The Message from Garcia Foreign Affairs Vol 46 No 2 1985 283 (25) ROETT, Riordan Idib PP 280 281 (26) BOGDANOWICZ BINDERT Op Cit PP 265 266 (27) Idib PP 66 67 (28)
CASTANEDA, Jorge, G Op Cit PP 300 301 (29) أنظر تفاصيل الخطة وخلفيتها فى:
BOGDANOWICZ Bindert, Op Cit PP 267 268 (30) من مقابلة مع صحيفة El Dia المكسيكية، فى 8 يونيو 1985 نشر الاقتباس فى Le Monde Diplomatique، أكتوبر 1985 ص 17.