Share |
يناير 1987
1
التجربة الديمقراطية فى السودان ومشكلة الجنوب
المصدر: السياسة الدولية
بقلم:   مدحت أيوب

قد تكون مشكلة جنوب السودان هى المحرقة التى تؤدى بحياة الديمقراطية الجديدة لم لا وتداعيات هذه المشكلة التى تهدد بتقطيع أوصال القطر السودانى الشقيق، وتستثير تدخلات القوى الأجنبية فى شئونه، وتستدعى التطلعات الانفصالية، ومطالب الحكم الذاتى فى مناطق أخرى من السودان تنتظر ما سوف يسفر عنه الحوار الدامى فى الجنوب، وتستنزف موارد البلاد المحدودة، وتزيد من استعصاء مشاكلها التنموية وتفاقم أزمة مديونيتها، لم لا وكل هذه التداعيات قد تتطلب ضرورة إعلان حالة الطوارئ والتعبئة العامة وتجميع الجهود فى إطار واحد والنبذ المؤقت لتعددية الحزبية، حيث لا تسمح الظروف بتشتيت الجهد المجتمعى، وقد بدأت بالفعل إرهاصات هذه الاحتمالات فى التواجد رغم المحاولات المستميتة للحكم المدنى الجديد فى السودان لإنضاج التجربة الديمقراطية الجديدة فى بلد تضج بتناقضات نقص الاندماج القومى إلى جانب التناقضات الاقتصادية الاجتماعية التى تنطوى عليها مجمل ظروف بلدان العالم الثالث الأخرى وليست هذه هى المرة الأولى التى تؤدى فيها تداعيات مشكلة الجنوب إلى إزهاق التجارب المدنية للديمقراطية، ففى نوفمبر 1958 أدت هذه المشكلة كسب رئيسى إلى وأد حكومة الأحزاب التى تولت السلطة فى السودان من 1956 ـ 1958، وقد تكرر نفس الشىء فى مايو 1969 وقد كان عدم أو نقص المشاركة السياسية للجنوب فى تسيير شئونه وشئون البلاد عموما سببا رئيسيا ظاهرا فى كل هذه الحالات ففى عام 1953 صدق الإنجليز على اتفاقية بين الأحزاب السياسية ومصر تتعلق بمستقبل الجنوب، ولم يستشر فيها الجنوب، ولم يدخل فى المفاوضات على أساس أنه ليس له حزب رسمى مسجل، مما دعا إلى تشكيل أول حزب جنوبى الذى أكتسب اسم الحزب الليبرالى فى 1954 وفى أكتوبر 1953 جرت الانتخابات لأول برلمان سودانى، وكان به 22 عضوا من الجنوب، أى نحو 25% من الأعضاء (معظمهم من الحزب الجنوبى) وجاء توزيع الوظائف العامة غير الرئيسية عاملا مضيفا للجفوة بيت الشمال والجنوب، فمن بين أجمالى 800 مركز غير رئيسى شغل الجنوبيين 4 فقط كمساعدى مديرين، وقد ترك هذا ثغرة استغلتها الدعاية الانفصالية على أساس أنه تم إحلال المستعمر البريطانى باستعمار شمالى، وأنشأت إحساسا قويا بالاغتراب لدى مثقفى الجنوب وفى أواخر يوليو 1955 طرد نحو 300 عامل من صناعة القطن فى نزارة، فوقعت مظاهرات أدت إلى مقتل عشرين على الأقل حين استخدمت الشرطة الأسلحة النارية فى تفريق المتظاهرين، ويرى بعض الجنوبيين فى هذه الحادثة علامة مميزة فى تحول الصراع بين الجنوب والشمال، وفى أغسطس 1955 وقع أول تمرد مسلح فى الجنوب، وبدأ فى صفوف فرقة جنوبية من الجيش السودانى فى المديرية الاستوائية وكان رد فعل الحكومة هو إخماد التمرد بالقوة وإعلان حالة الطوارئ فى الجنوب ليزيد هذا من عزلة الجنوب عن الشمال وحدوث المواجهات العسكرية، والحرب الأهلية التى استمرت 17 عاما من 1955 ـ 1972، وتكونت الجماعات والحركات الداعية لانفصال الجنوب عن الشمال وفى 19 ديسمبر 1955 تبنى البرلمان السودانى قرارا ينص على أنه بمجرد تحقيق الاستقلالية سيعطى اعتبارا للمطالب الجنوبية من أجل اتحاد فيدرالى، وفى المقابل صوت الجنوبيون لصالح الاستقلال الذى أصبح نافذا من أول يناير 1956 ولكن حكومة الأحزاب التى تولت السلطة فى السودان 1956 ـ 1958 رغم استخدامها لبعض أدوات التكامل القومى كالتعليم وتمثيل النخبة فى الجهاز الإدارى لم تفلح فى معالجة مشكلة التكامل القومى عموما ومشكلة الجنوب على وجه الخصوص، فوجدنا أن اللجنة الكلفة بوضع الدستور تقرر أن أضرار الإقليمية تتفوق على منافعها، وساءت العلاقات بين الجنوب والشمال، لما لوحظ من تحيز واضح لصالح الشمال وضد الجنوب وفى نوفمبر 1958 سقطت الحكومة المدنية وتولى العسكريون السلطة واعتمدوا على استراتيجية بوتقة الصهر لتحقيق التكامل القومى بالإكراه المادى، واستمر اتباع هذا الأسلوب فى ظل هذه الحكومة حتى عام 1964، وكان الجيش هو الأداة لذلك من خلال الحكام العسكريين بالأقاليم ومجلس اعلى للقوات المسلحة فوض جميع صلاحياته التشريعية والتنفيذية إلى رئيسه الذى احتفظ أيضا بمنصب القائد العام للقوات المسلحة وتصاعدت المواجهة العسكرية فى الجنوب مع قوات الحكومة، وكانت العمليات العسكرية فى ذاتها باهظة التكاليف فأخذ الموقف الاقتصادى يسير من سيئ إلى أسوأ حتى سقط الحكم العسكرى فى أكتوبر 1964 وحلت محله حكومة مدنية برئاسة سر الختم الخليفة الذى سمح بحريات الصحافة وتكوين الأحزاب السياسية ومزاولة نشاطها، وتألف حزب سياسى من الجنوبيين فى الخرطوم، وارتبط هذا الحزب بالسانو الذى ظلت قيادته تقيم فى كمبالا وقد سعى النظام الجديد لمعالجة مشكلة الجنوب من خلال سعيه لتحقيق الوحدة من خلال التعدد، ولما كانت مشكلة الجنوب من أهم أسباب إسقاط الحكم السابق، فقد وضع النظام الجديد هذه المشكلة فى مكان متقدم من أولوياته وفى الفترة من 16 ـ 29 مارس 1965 عقد مؤتمر فى الخرطوم لبحث مشكلة الجنوب ولكن الجنوبيين كانوا منقسمين على أنفسهم، كما كانت الثقة منعدمة بين الجنوب والشمال، ففشل المؤتمر، وكان هذا الفشل تمهيدا للأحداث الدامية التى وقعت فى جوبه فى 8 يوليو 1965، وفى واو فى 11 أغسطس 1965، مما أدى إلى تدخل الجيش وتحطيم ثقة الجنوب فى الشمال، وخروج الكثيرين من أبناء الجنوب إلى أثيوبيا وأوغندا وزائير وأفريقيا الوسطى، وفى هذا الوقت كانت توجد ثلاث منظمات رئيسية تعمل من أجل انفصال الجنوب عن الشمال وهى:
أ ـ منظمة الانيانيا، وتقوم بالعمل العسكرى.
ب ـ جبهة تحرير أزانيا، وتتولى الدعاية فى الخارج وجمع الأموال من الدول الغربية وإسرائيل.
ج ـ جبهة الجنوب، وهى تمثل هذين التنظيمين فى داخل السودان، وتمارس نشاطها بصفة شرعية فى الشمال وفى الجنوب، وتصدر صحيفة يوميا باللغة الإنجليزية، هذا إلى جانب حزب الوحدة الذى يطالب بالاتحاد الفيدرالى وفى يونيو 1966 حلت حكومة صادق المهدى محل حكومة المحجوب، وادى استمرار تدهور الموقف الأمنى فى الجنوب، إلى أن الانتخابات العامة التى أجريت فى 1968 وجدت إقبالا ضعيفا فى كثير من الدوائر، كما أن بعضها لم يتم فيه تصويت كلية، وتشكلت حكومة مؤقتة من جميع الأحزاب الجنوبية جنوب السودان فى 1968، وعرفت باسم حكومة النيل المؤقت، ثم نشأت حكومة منافسة لها هى حكومة انيدى المؤقتة وفى مايو 1969 وقع انقلاب عسكرى فى الخرطوم بقيادة مجموعة من صغار ضباط القوات المسلحة بالاشتراك مع بعض المدنيين، وعبرت بياناتهم عن سبب الحركة وإرجاعه إلى الظروف غير المستقرة وإلى الأزمة السياسية، الأمر الذى انسحب بدوره على كل جزئيات الحياة فى السودان، مما عرقل عملية التنمية فى كافة مجالاتها، وحلت الثورة جميع الأحزاب وبدأت الحكم من خلال مجلس قيادة الثورة،وأقامت تنظيم سياسى واحد هو الاتحاد الاشتراكى السودانى لتحالف قوى الشعب العاملة، ولكن نظرا لأنه تنظيم قد نشأ من السلطة وارتبطت العضوية فيه بقضاء المصالح، فقد صار تنظيما بلا عضوية فاعلة، قد احتوى الصراعات فى داخله، وانشأ النظام الجديد مجالس شعبية وتنفيذية فى كل مديرية كمرحلة أولى فى تحقيق اللامركزية، وكانت بعدها مرحلة تقليص السلطة المركزية، ثم اقر الدستور الدائم مبدأ الحكم الإقليمى كمنهج لحكم السودان، ومنهج أقاليم سلطات تشريعية وتنفيذية وذلك كله فى إطار السودان الموحد، وتدعيم مبدأ الوحدة القومية، وفى 9 يونيو 1969 وعد نميرى الجنوب بحكم ذاتى وبرنامج مكثف لتنمية المنطقة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، وتعيين وزير لشئون الجنوب، وتدريب الجنوبيين ليتولوا مسئوليات أوسع فى الإدارة وفى 8 نوفمبر 1971 عقدت مباحثات تمهيدية بين وفد حكومة السودان ووفد حركة تحرير جنوب السودان وتكللت هذه المفاوضات التمهيدية بالنجاح على أساس فكرة السودان الموحد، وبدأت المفاوضات الرسمية واستمرت أسبوعين من 16 ـ 27 فبراير 1972 فى أديس أبابا، وشارك فيها مجلس الكنائس العالى، ومؤتمر كنائس عموم أفريقيا، وفى 27 فبراير وقع الجانبان ثلاث اتفاقيات:
1 ـ مسودة هيكل قانون تنظيم الحكم الذاتى الإقليمى، وفيها تقرر أن الاتفاقيات سيتم التصديق عليها من جانب حكومة السودان وقيادة تحرير جنوب السودان فى أقرب وقت ممكن.
2 ـ بروتوكولات تعنى بتنظيمات وؤقته فيما يختص بالإدارة والشئون العسكرية والثقافية والتوطين وإعادة التوطين.
3 ـ وقف إطلاق النار وفى 3 مارس أعلن نميرى هذه الاتفاقيات، وأصدر أمرا جمهوريا بمنح مديريات الجنوب الثلاث الحكم الذاتى الإقليمى، وفى 27 مارس تم التصديق النهائى على هذه الاتفاقيات.
ولكن هذه الاتفاقيات لم تنه مشكلة الجنوب، ذلك أن أساس المشكلة هو انعدام المشاركة الاقتصادية للجنوب وليس فقط المشاركة السياسية فى حكم البلاد، فقد استمر التخلف الاقتصادى والاجتماعى لهذا الجزء من السودان، والتمييز فى توزيع التنمية بالتحيز ضد هذا الأقاليم يعزز عدم الثقة فى علاقاته مع الشمال، واستمر النظام الجديد يتعرض لعدم الاستقرار السياسى وتعددت محاولات الانقلابات والمظاهر وأعمال العنف إلى أن تمت الإطاحة بنظام نميرى فى أبريل 1985، وما زالت الاضطرابات الأمنية مستمرة فى جنوب السودان رغم حسن النوايا الذى أبدته الحكومة الديمقراطية الجديدة فى هذا القطر الشقيق أن مشكلة الجنوب تعتبر إحدى المشاكل المترتبة على التحيز فى توزيع الدخل القومى على المستوى الإقليمى، وهذا هو لب المشكلة لذلك أن إقليم جنوب السودان يعتبر من أكثر مناطق العالم تخلفا نظرا لعوامل العزل الطبيعية والسياسية التى حالت دون اتصاله بالعالم الخارجى واستفادته من إمكانيات التقدم، ويقول توينبى أن الزمن قد توقف هناك، فسكان الجنوب لم يصلوا بعد إلى مرحلة الزراعة المستقرة، وكل ما فعلوه انهم أضافوا حرفة الرعى إلى حرفتهم التقليدية، وهى صيد الحيوانات والأسماك، وتثير مشكلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للجنوب عدة مسائل منها:
أ ـ ظاهرة ضعف الحوافز الاقتصادية.
ب ـ تخلف وسائل المواصلات.
ج ـ انخفاض مستوى التعليم والخبرات الفنية والإدارية.
وبينما يتمتع الجنوب بمساحات هائلة من الأراضى الزراعية وثروة حيوانية كبيرة، فإن النظام الاقتصادى فيه نظام استكفائى وليس سوقيا، ناهيك عن سيطرة المعتقدات الدينية والاجتماعية على السلوك الاقتصادى للسكان، ويتطلب تغيير هذا الوضع التعامل مع الجانب الإدراكى للسكان فى الجنوب، يضاف إلى هذا الوضع صعوبة المواصلات وتعذرها فى كثير من مناطق الجنوب، كما تصل نسبة المتخلفين عن التعليم من أبناء الجنوب الشباب إلى 95% وعليه فلم يكن من شأن توقيع الاتفاقية للحكم الذاتى للجنوب وحدها أن تنهى المشكلة، فهى تتعامل فقط مع جانب واحد من جوانبها، أما الجانب الآخر وهو الأهم، وهو الجانب الاقتصادى الاجتماعى فمازال قائما دون معالجة حتى يومنا هذا، وهذا هو المصدر الرئيسى لاستمرار الاضطرابات وتفاقمها وتصاعدها لتؤدى بتجارب الحكم المختلفة المدنية والعسكرية التى شهدها السودان منذ حصوله على الاستقلال حتى الآن، أننا نجد مثلا أن المواصلات إلى الجنوب وداخله توقف بصورة فعلية طوال موسم الأمطار الطويل، حتى أننا نجد فى تقرير لليونيسيف لابد قبل إعداد أى برنامج للمعونات من إنشاء الطرق وترميمها وليس فى الوقت الحاضر أى طريق صالح يصله بين الشمال وجنوب السودان، كما أن السكة الحديد تصل فقط إلى مدينة (واو) عاصمة بحر الشمال، أما حركة النقل النهرى فى النيل فتعوقها طول المسافة والسدود النباتية ونقص قطع الغيار وعليه فالبضائع التى تفرغ فى بورسودان تحتاج إلى ستة شهور حتى تصل إلى الجنوب، كما أن النقل الجوى غير متوفر فى معظم مناطق الجنوب، لعدم وجود المهابط المناسبة، هذه العزلة التى سببها عدم الاهتمام بتطوير وسائل المواصلات إلى الجنوب قد أدت إلى أن اقتصاديات الجنوب وطرق مواصلاته وأسواقه قد غدت أكثر ارتباطا بشرق أفريقيا أكثر من ارتباطها بشمال السودان، فضلا عن ارتباط المواطنين أنفسهم نفسيا واجتماعيا بمجتمعات شرق أفريقيا وإذا كان جنوب السودان يمثل نحو 25% من مساحة السودان الكلية، وبه نحو 27% من سكانه، فإنه لم يحظ تنمويا بالاهتمام الذى يتلاءم مع هذا الوضع، فقد ظل الجنوب بعيدا عن المشاركة لا فى الاوليجاركية المالية المسيطرة على النشاط الاقتصادى الداخلى والخارجى، ولا فى ملاك الأراضى والرأسمالية الزراعية المسيطرة على النشاط الزراعى التقليدى والحديث ولا فى البرجوازية البيروقراطية الهيمنة على القطاع الرسمى فى الدولة، فقد اقتضت عملية التغلغل الاستعمارى البريطانى جنوب مصر والتكون التاريخى للسودان فى إطار هذا التغلغل كتجمع لأقاليم متعددة متباينة وتوحيدها فى كيان واحد، إلى تنشيط تلك الفئة الأكثر قدرة على أحداث التراكم الرأسمالى وتحويل الفائض إلى الدولة الأم، وتمكينها من أجهزة الدولة الاقتصادية والإدارية والأمنية وقد كانت هذه الفئة قد ولدت بالفعل فى المنطقة الوسطى، مما أفرز للسودان وضعيته الذى يساوى فيه بلدان العالم الثالث، تلك الوضعية المزدوجة التى يؤدى إليها التطور الذى تقوده البرجوازية الكولونيالية، فدون أن يتحطم البنيان التقليدى للمجتمع يوجد بنيان مستحدث ويتطور الآخر ويختلف الأول يؤدى هذا إلى تفكيك المجتمع وتصعيد صراعاته وقد كان أواسط السودان موطن الثقافة العربية والإسلامية وحوت أكثر القوى المنتجة قدما فى إقليم السودان، لهذا فهو الذى هيأته عملية إدماج السودان فى النظام اقتصادى الرأسمالى العالمى كى يتطور ويكون مركز السودان، بينما جرى تهميش باقى السودان بما فى ذلك الجنوب، وكان هذا المركز هو الذى احتكر السلطة السياسية دون مشاركة من هذه الأطراف، وترتب على احتكاره لهذه السلطة أن القطاع العام سواء كان مؤمما أو جديدا، والمشروعات الحكومية سواء كانت إنتاجية أو خدمية كان توزيعها لصالح المركز وضد صالح الأطراف، ولما كانت السيطرة الاقتصادية والسياسية قد صاحبها اختلاف لغوى وقبلى ودينى عن مجتمعات الأطراف، فقد غذى سوء التوزيع هذه الثغرات الانفصالية، وإذا كانت مشكلة سوء التوزيع هذه قد عولجت منذ البداية ما كان أتيح لهذه العوامل الثقافية أن تنتج هذه المساعى الانفصالية، فقد كانت مطالب أبناء الجنوب فى البداية متواضعة ولا تتعدى التطور الاقتصادى والتقدم الاجتماعى فى ظل السودان الموحد، وتمتع أبنائه بنصيب عادل من مناصب الخدمة المدنية التى أنشأتها السودان وبينما اعتبرت الصناعات التحويلية وسيلة لتطوير المجتمع السودانى، فإن أكثر من 70% من الصناعات التى أنشئت قد تركزت فى مدينة الخرطوم وحدها، وكمؤشرات لسوء التوزيع نجد ما يلى:
- عدد السكان لكل سرير (1980) 385 فى الخرطوم، 20238 فى مديرية النيل.
- عدد السكان لكل طبيب 1213 فى الخرطوم، فى المديريات الأخرى من 26 إلى 47 ألف.
- نسبة الطلاب إلى السكان 16.04% فى الخرطوم، فى المديريات الأخرى من 0.04% ـ 8%.
ـ نصيب الفرد من الدعم 12 جنيها سودانيا فى الخرطوم، من 4 إلى 8 فى المديريات الأخرى.
وبينما ذاد عدد سكان الخرطوم من 505 آلاف نسمة فى 1955 إلى 1150 ألف نسمة فى 1973، فإن عدد سكان مديرية بحر الغزال قد زاد فقط من 991 ألفا إلى 1388 ألف نسمة، وتناقص عدد سكان المديرية الاستوائية من 903 آلاف نسمة إلى 758 ألف نسمة، وسكان أعلى النيل 880 ألفا إلى 799 ألف نسمة وإذا كانت الزراعة هى النشاط الاقتصادى الرئيسى فى السودان فإن هيكل توزيع الثروة والنخيل فى قطاع الزراعة السودانى لا يتسم بالعدالة بين الشمال والجنوب، فبينما الجنوب يتسم بالزراعة التقليدية التى تتميز بسيادة الحيازات الصغيرة والمزارعين المعدمين، نجد الإقليم الأوسط والشرقى يتمتع بالزراعة المروية، واحتكرت مشاريعها الكبرى كمشروع الجزيرة وامتداده، وبالزراعة الآلية الحديثة، وتعود ملكية الحيازات الزراعية فى قطاع الزراعة المروية إلى 300 آلف عائلة تستخدم أكثر من مليون زراعى موسمى، ويتراوح الدخل السنوى لمالكى الحيازات بين 300 ـ 600 جنيه سنوى، بينما العامل الزراعى من 30 ـ 60 جنيها، ويتكون قطاع الزراعة الآلية الحديثة من 5000 حيازة يملكها القطاع الخاص، ويستخدم حوالى نصف مليون عامل موسمى، ويتراوح متوسط الدخل النقدى لمالكى الحيازة من 2 ـ 5 آلاف جنيه فى الموسم، بينما دخل العامل من 50 ـ 100 جنيه أما قطاع الزراعة التقليدية فهو القطاع الأكبر، ويستوعب أكثر من 10.7 مليون نسمة إن النمو الإقليمى غير المتوازن والتوزيع شديد التفاوت فى الدخل، كان مفجرا أساسيا لمشكلة الجنوب، ومن الجدير بالذكر أن حركة الانيانيا المسلحة الجنوبية قد تكونت أساسا من الفلاحين الذين انضموا إليها بسبب صعوبة الظروف الاقتصادية التى واجهوها، وقد كان من أهم نقاط الاتفاق للمصلحة بين الأحزاب الشمالية والجنوبية إنشاء مجلس للتنمية الاقتصادية يكون له فرع خاص بالجنوب إن استمرار مشكلة الجنوب أيضا يهدد الديمقراطية الجديدة فى السودان من حيث تعريضه لمن السودان القومى لخطر من أكثر من زاوية، فهو من ناحية يؤدى إلى عرقلة الجهود التى تستهدف التطوير الاقتصادى للسودان، ومن ناحية أخرى يشيع عدم الاستقرار السياسى، ومن ناحية ثالثة يدفع إلى استثارة التدخلات الأجنبية بما فيها التدخلات الإسرائيلية والأمريكية، ومن ناحية رابعة يؤدى إلى استثارة النزعات الانفصالية فى أقاليم أخرى من السودان ويهدد بتمزيق أوصال إقليم الدولة وبعثرته إلى كيانات صغيرة ومن ناحية خامسة يعطل آلة الحرب السودانية عن التوجه الخارجى، فيترك السودان معرضا للاختراق من أكثر من جبهة، فضلا عن عدم فعاليته فى التوجه إزاء إسرائيل العدو المشترك للأمة العربية ومن حيث تأثير المشكلة على عرقلة جهود التنمية الاقتصادية نجد أن الإنفاق العام على الدفاع والأمن قد حقق نموا سنويا مركبا 14.96% بالأسعار الجارية خلال الفترة 64/ 1965 ـ 80/ 81، وهو معدل أعلى من معدل نمو الإنفاق العام على الخدمات الاجتماعية والاقتصادية، وكان هذا نتيجة للحرب الأهلية فى الجنوب وفى خلال الفترة من 1964 إلى انقلاب مايو 1969 بلغ ما انفق على الحرب فى الجنوب نحو 156 مليون جنيه سودانى، أى أكثر من ثلث إيرادات الحكومة المركزية، مما أثر بالطبع على جوانب الإنفاق الأخرى، وزاد من حدة الأزمة الاقتصادية التى أدت بدورها إلى مزيد من التعقيد لمشكلة الجنوب، انعكس على الصراع للمشكلة قد تبادل التأثير مع إمكانية معالجتها، فالمشكلة ترهق البلاد اقتصاديا، مما يؤدى بدوره إلى صعوبة تبنى برامج إصلاح اقتصادى فعالة، وتزيد حدة المشكلة وهكذا أن مشكلة الجنوب أثرت أيضا فيما يمكن تقديمه من مبالغ للدعم السلعى والخدمات التى تستطيع الحكومة المركزية الإنفاق عليها كما ترتب على استعمال العنف فى معالجة المشكلة أن كثيرا من المشاريع الإنشائية قد توقف أو تدمرن مثل مصانع السكر والتعليب وصياغة الأخشاب ولكتان ودبغ الجلود، كما دمر العديد من هياكل البنية الأساسية كالكبارى والطرق ووسائل المواصلات، هذا فى الوقت الذى استمر فيه الصرف على بند الأجور والمرتبات، لكثير من الخدمات دون خدمة فعلية تؤدى ولم تفلح الخطة العشرية 60/ 61 ـ 70/ 71 التى استهدفت زيادة الناتج القومى الإجمالى بنسبة 64% والتركيز على القطاع الحديث، وتنويع هيكل الاعتماد فى الاقتصاد السودانى، وتوزيع الاستثمارات على أقاليم السودان المختلفة بشكل متوازن، فى إنجاز أهدافها، فلم تزد نسبة الاستثمار المحقق إلى المستهدف عن 59.6% كما تناقض الناتج فى القطاع الزراعى، وهو القطاع الرئيسى فى اقتصاد السودان بنسبة 16% فى نهاية الخطة عما كان فى بدايته ولم يحقق القطاع الصناعى زيادة بأكثر من 1%، وكان لأزمة الجنوب انعكاساتها الواضحة فى نقص الدخل القومى، ونقص ما يمكن إنجازه بالتالى وتوجيهه للاستثمار، وكان لهذا أثره فى انخفاض دخل الفرد الحقيقى وارتفاع حدة التضخم (انخفضت قيمة العملة المحلية أربع مرات فى الفترة من 1975 ـ 1982)، وبينما ارتفعت نفقة المعيشة بنسبة 201.2% فى 75/ 1978 ارتفعت الأجور بنسبة 33.5 %,وجاءت خطة 70/ 71 ـ 74/ 75 تستهدف رفع معدل النمو الاقتصادى القومى بنسبة 7.6% سنويا، وزيادة الإيرادات الحكومية بمعدل 11.9% سنويا، وزيادة الإنتاج الزراعى بنسبة 75.5%، والصناعى بنسبة 7.4%، وارتفاع بقيم التجارة الخارجية، واستثمارات القطاعين العام والخاص ومعالجة مشكلة النقل، ومحاربة العطش، والارتفاع بمتوسط دخل الفرد إلى 46.1% جنيه سنويا فى 74/ 1975 وتحقيق العمالة الكاملة، وتحسين رفاهية الشعب السودانى، وتحقيق استغلال الطاقات العاطلة والتى تتراوح بين 40 ـ 60% ومن بعدها جاءت خطة 77/ 1978 ـ 82/ 1983 كجزء من خطة طويلة الأجل تمتد إلى 94/ 1995 بهدف الوصول بالاقتصاد السودانى إلى مرحلة النمو الذاتى، وزيادة دخل الفرد من 60 جنيها فى 76/ 1977 إلى 300 جنيه فى نهايتها وقامت على حسن توزيع الاستثمارات بين أقاليم السودان توزيعا متوازنا لكل الأقاليم السودانية لإزالة الشعور بالاضطهاد والنقص فى بعض الأقاليم والمساعدة فى توحيد الأمة السودانية، كما استهدفت الخطة زيادة الصادرات بنسبة 12% سنويا لتحسين وضع ميزان المدفوعات.
إلا أن الإنجاز على مستوى هذه الخطط جاء مخيبا للآمال، فلم تحقق الأهداف الإقطاعية، والقطاعات التى شهدت نموا ملحوظا هى فقط قطاعات التجارة والخدمات الإنتاجية والإدارة والتشييد، وشهد ميزان المدفوعات عجزا مستمرا كنتيجة لزيادة الواردات وانخفاض الصادرات، وبلغ العجز فى 74/ 1975 نحو 52 مليون جنيه مقابل فائض مستهدف 20 مليون جنيه، ولم يتجاوز معدل النمو المحقق 5% بينما المستهدف 7.5% وظل التمويل بالعجز هو المصدر الرئيسى للتمويل منذ 1960، وفى مقابل استثمارات مستهدفة 2900 مليون جنيه، لم يتحقق إلا 10% فقط، واتجهت كثير من المشروعات إلى فشل، كشركة كاردفان التى عملت على استغلال المطاط فى بحر من الجنوب، وقوض التمرد تجارب زراعات القطن، كما اتلف مزارع البن والشاى وأدى إلى إهمال العمل فى مناشير الأخشاب إن مجمل تأثير هذا الوضع هو زيادة عجز الاقتصاد السودانى فى الاستيراد، والدخول فى دائرة التبعية فى دول المراكز الرأسمالية، وتعميق هذا الارتباط التبعى، كما يؤدى الضغط الاقتصادى الناتج عن ضعف المقدرة، إلى وجود حالة إحباط لدى جماهير الشعب السودانى وهى التى كان من شأنها إحداث جو عام من عدم الاستقرار السياسى مازال مستمرا وإن كان كامنا حتى الآن أن نظام جعفر نميرى قد تعرض وحده إلى أكثر من 12 محاولة اغتيال وانقلاب خلال ال 16 عاما التى قضاها فى السلطة، كما شهدت السودان حوادث عنف متهددة بدءا بأعمال الاحتجاج السلمية إلى المظاهرات إلى الحرب الأهلية، ولم ينه اتفاق أديس أبابا حالة عدم الاستقرار، فقد استمرت الظروف الاقتصادية السيئة لجنوب السودان تشكل مناخا قويا دافعا للحركات الانفصالية فى الجنوب سعت لاستغلال فى تصعيد المطالبة، بالانفصال، وفى 1974 وقعت أحداث جوبا حين استغلت العناصر الجنوبية لاتفاقية أديس أبابا أزمة الثقة التى تميز علاقات الشمال بالجنوب، لتأليب أبناء الجنوب بإثارة مخاوفهم من مشروع قناة جونجلى، فاندلعت مظاهرات الطلبة واصطدمت بالشرطة ووقعت الأحداث الدامية وفى محاولة انقلاب 5 سبتمبر 1975 كشف المتورطون عن دوافعهم لهذا التحرك، فأكدوا أن الإحساس بالحرمان والإهمال الواضح من جانب النظام لمنطقة غرب السودان وجبال النوبة، كان هو الدافع الرئيسى، وفى مارس 1975 وقعت أحداث أكوبو حين تمردت وحدات من الجيش الجنوبى المنتمية أصلا إلى قوات الانيانيا ووقع اشتباك بينها وبين القوات المالية للحكومة، وترتب على هذه الأحداث فرار كثير من أبناء الجنوب إلى أثيوبيا، وكانت هذه الأحداث بداية لسلسلة اضطرابات فى الجنوب خلال 1975، حيث ظهر بوضوح عدم الرضا الشعبى على النظام الذى فشل فى تحقيق وعوده فى تحسين أحوال الجنوب الاقتصادية، واصبح الجنوب يشكل ضغطا قويا على النظام وفى يناير 1976 أعلنت سلطات الأمن اكتشافها لمخطط يستهدف خلق الفوضى وإشاعة عدم الاستقرار فى الجنوب، وفى فبراير من نفس العام وقع تمرد عسكرى آخر واشتباك مسلح، وازدادت موجة السخط الشعبى فى الجنوب نتيجة عدم وفاء حكومة الخرطوم بوعودها المختلفة برفع المعاناة عن أبناء الجنوب وتحسين أوضاعهم، وقد شهد مطلع عام 1982 انتفاضة شعبية احتجاجا على قرار الحكومة برفع الدعم عن السكر، وفى قلب هذه الانتفاضة ولد التجمع الشعبى السودانى الذى ضم تنظيمات سياسية من الشمال والجنوب، واصدر بيانا فى 14/ 2/ 1982 يدعو إلى إقامة فروع له فى كل مواقع العمل والسكن والدراسة بهدف التنسيق، ووضع إسقاط النظام هدفا له وعادت الحرب الأهلية فى الجنوب بصورة أشد فى 1983، وأعلنت حالة الطوارئ فى البلاد فى أبريل 1984 الذى شهد سلسلة مستمرة من المظاهرات أعمال العنف داخل المدن السودانية، أدت الإجراءات الاقتصادية التى اتخذها نميرى استجابة لتوصيات صندوق النقد القومى المتعلقة برفع الدعم عن السلع الأساسية، وارتفاع سعر الخبز بنسبة 33%، وحجم الديون إلى 9 بلايين دولار إلى تأجج أعمال العنف واستمر هذا الوضع حتى استيلاء سوار الذهب على السلطة فى أبريل 1985، إلا أن تغيير نظام جعفر نميرى لم يؤد إلى إنهاء حالة عدم الاستقرار، فقد شهد السودان بعد هذا التغيير فترة من الترقب والحظر وأعمال العنف المتفرقة فى الجنوب التى تصاعدت إلى حد إسقاط طائرة ركاب مدنية والتهديد بقطع طريق مرور المعونة الغذائية، وذلك رغم وعد النظام الجديد بتبنى منهج ديمقراطى بدأ إرهاصاته بالفعل، ولكن مع استمرار التوزيع المتحيز للتنمية ضد الجنوب، تظل التربة المولدة لعدم الاستقرار السياسى موجودة مهددة باستمرار نتفجر مشكلة الجنوب وتصاعدها لتؤدى مرة أخرى بتجربة مدينة جديدة للديمقراطية فى هذا القطر الشقيق.