Share |
ابريل 1987
1
اليابان والعالم العربى
المصدر: السياسة الدولية
بقلم:   عماد جاد


يحتل العالم العربى أهمية بارزة على خريطة السياسة اليابانية وتأتى هذه الأهمية من حسابات يابانية دقيقة تنطلق من سيطرة
المعايير الاقتصادية دون غيرها على الرؤية اليابانية للعالم، فالسلوك اليابانى سلوك اقتصادى شديد الأحكام يهدف إلى تحقيق
أقصى منفعة بأقل تكاليف ممكنة وأقصى منفعة بالنسبة لليابان هى الحصول على المواد الأولية التى تحتاجها وتسويق منتجاتها
الهائلة أما أقل تكاليف فتفرض تقليل الوجود البشرى اليابانى وتجنب الانغماس فى مشكلات سياسية غير مأمونة العواقب (1).
ويلاحظ بصفة عامه سيطرة المعايير الاقتصادية على الرؤية والسلوك اليابانى تجاه العالم العربى فى مختلف الجوانب، فحتى عندما
تتجه اليابان إلى تقديم مساعدات اقتصادية لبعض دول العالم فإن ذلك يكون فى إطار رؤية شاملة وحسابات دقيقة لأثار وردود الفعل
ـ الإيجابية والسلبية بالنسبة لها ـ من أطراف إقليمية ودولية أخرى وهو الأمر الذى يساعد فى فهم السياسة اليابانية إزاء
العالم العربى والتغيرات التى تطرأ عليها، فإذا كان ثمة تغير قد طرأ على السياسة اليابانية إزاء العالم العربى فى أعقاب
صدمة النفط الأولى التى أعقبت حرب أكتوبر، فإن هذا التغير قد جاء فى ضوء الحسابات الاقتصادية الدقيقة من جانب السياسة
اليابانية
.
الجذور التاريخية للعلاقات اليابانية ـ العربية:

يرى البعض أن الاتصال بين اليابان والعالم العربى قد بدأ قرابة القرن السادس عشر الميلادى وإن كان اتصالا غير مباشر إذ كان
يتم عبر الصين وكوريا لقرون من الزمن (2) ولكن الاتصال الحقيقى لم يبدأ إلا فى العقد الثانى من هذا القرن بعد انتهاء
عهد شوجونيه تؤكد جاوا 1967 وانتصار اليابان على روسيا فى مطلع هذا القرن الأمر الذى أنتهج سياسة يابانية توسعية على حساب
كوريا ومنشوريا وجاراتهما ولما كانت معظم شعوب تلك البلاد تدين بالإسلام، اتجهت اليابان إلى الاهتمام بالدراسات الإسلامية
ومن ثم العربية فأنشأت أربع هيئات علمية فى هذا المجال وهى:
ـ جمعية اليابان العظمى للدراسات الإسلامية وكان من أبرز الباحثين الذين مارسوا نشاطهم العلمى فى إطار هذه الجمعية
ماتسورا هياءو وارواناجا هيروش وقد تنوع اهتمام هذه الجمعية من دراسة الشريعة الإسلامية إلى دراسة العقيدة الإسلامية
والتاريخ الإسلامى.
ـ معهد الدراسات الإسلامية وكان بمثابة وحدة بحوث مرتبطة بشركة حديد جنوب منشوريا، تهتم بدراسة أحوال مسلمى الصين وكان
أبرز الباحثين فيها مايجيماشنجى الذى يعد رائد الاستعراب وشيخ المستعربين اليابانيين على الإطلاق.

قسم البحوث بوزارة الخارجية اليابانية:
إذ أن وزارة الخارجية اليابانية قد رأت ضرورة الاهتمام بدراسة اللغة العربية، إذ تعد رائدة الاهتمام بدراسة اللغة
العربية، فدرجت منذ عام 1926 على إيفاد رجالها إلى مصر لتعلم اللغة العربية تمهيدا لإلحاقهم بالبعثات الدبلوماسية القائمة
بالمنطقة وكان من أبرز من درسوا بمصر تامورا هيديجى "السفير الأسبق لدى السعودية" كما اختير بعض ممن درسوا العربية
للعمل بقسم البحوث بالخارجية اليابانية الذى ركز اهتمامه على دراسة تاريخ المنطقة العربية والثقافة الإسلامية والأدب العربى.
ـ جمعية أبحاث الباسيفيك: وكانت تضم بعض الباحثين المهتمين بالدراسات الاجتماعية المتصلة بالعالم الإسلامى وبخاصة
المنطقة العربية وكذلك الآداب العربية والإسلامية (3). ثم جاء عام 1920 الذى يمثل بداية علاقة اليابان الحقيقية
المباشرة بشئون الشرق أوسطية حيث اشتركت اليابان فى مؤتمر سان ريمو الذى أنتهى بتكريس الانتداب البريطانى على فلسطين، ثم
ازدادت المعرفة اليابانية بالعالم العربى بعد ظهور الأهمية الاقتصادية للمنطقة والتى بدأت عام 1926 عندما نشر الجغرافى
اليابانى ـ شيجيتا كاشيجا ـ كتابا بعنوان البلدان المجهولة الذى أشار فيه إلى الأهمية التى تمثلها بلدان منطقة الشرق
الأوسط بالنسبة لليابان لأنه يملك النفط الذى تحتاجه اليابان (4).

ثم جاءت الحرب العالمية الثانية التى حملت معها الهزيمة الساحقة لليابان لتبقى اليابان فى عزلة عن شئون الشرق الأوسط منشغلة
عن ذلك بإعادة البناء الداخلى وظلت اتصالات اليابان بالشرق الأوسط قليلة وغير بارزة الأهمية، حتى أنه عندما كانت اليابان
تحصل على كميات هائلة من نفط المنطقة ـ لمواكبة نموها الاقتصادى السريع ـ كانت تحصل على ما تريده من بترول المنطقة عبر
الوسطاء وبدأت العلاقات العربية اليابانية تأخذ الشكل المباشر فى مطلع عام 1957 بتوقيع اتفاقيتين بين اليابان وكل من
العربية السعودية والكويت حصلت بموجبهما اليابان على حقوق التنقيب عن النفط فى المنطقة البحرية بين البلدين
.
ـ المصالح اليابانية فى المنطقة:

يلاحظ أن منطقة الشرق الأوسط تمثل أهمية حيوية لليابان من الناحية الاقتصادية فالمنطقة تمثل المصدر الأول للنفط والغاز
الطبيعى لليابان ـ فإذا علمنا أن اليابان تستورد نحو 99,7% من نفطها من الخارج (5).
وأن معظم هذا النفط يأتى من الدول
العربية وإيران التى أمدت اليابان بنحو 91,9% من احتياجاتها من النفط فى عام 1967 و 87,3% من هذه الاحتياجات عام 1972 (6) ـ
تتضح لنا الأهمية التى توليها السياسة اليابانية ـ ذات الرؤية الاقتصادية ـ للمنطقة، أيضا تمثل المنطقة سوقا لتصريف
المنتجات اليابانية الهائلة والمتنوعة ما بين السيارات والآلات والمعدات والأجهزة الكهربائية الخ، وفى هذا الإطار تمثل
السوق العربية ـ لاسيما فى الدول النفطية ـ منفذا رئيسيا للمنتجات اليابانية وقد بلغت صادرات اليابان للمنطقة فى عام
1984 نحو 84% من إجمالى الصادرات اليابانية (7) ـ وقد بلغت قيمة الصادرات اليابانية للسعودية وحدها سنة 1985 ـ 4,44 %
مليار دولار أى فاقت قيمة الصادرات اليابانية إلى الولايات المتحدة التى بلغت فى نفس العام 425 مليار دولار.

كما يوجد بالمنطقة قناة السويس التى تعد الشريان الحيوى الذى يربط اليابان بالقارة الأوربية وكذلك تدخل معظم المضايق
والممرات المائية التى تسلكها التجارة اليابانية استيراد وتصديرا ـ فى ـ أو تحت إشراف دول عربية كل هذه الأمور وغيرها
تجعل من منطقة الشرقى الأوسط مجالا حيويا لاهتمامات السياسة اليابانية وهو ما دعا رئيس وزراء اليابان إلى القول أنه إذا
قامت الحرب العالمية الثالثة فلابد أن تبدأ فى الشرق الأوسط
ـ. ـ السياسة اليابانية إزاء العالم العربى:

تمثل حرب أكتوبر وما رافقها من خطر نفطى عربى نقطة تحول جذرية فى مسار العلاقات العربية اليابانية ـ ذلك الخطر الذى أطلق
عليه اليابانيون صدمة النفط ـ فقبل الحظر النفطى كانت السياسة اليابانية تحاول قصر تعاملها مع المنطقة على الجوانب
الاقتصادية وكل ما يتعلق بها دون الانزلاق إلى التورط فى صراع الشرق الأوسط، فاستمرت السياسة اليابانية فى تجنب الانغماس فى
مشاكل المنطقة السياسية نظرا لعلاقاتها القوية بطرفى صراع الشرق الأوسط وكانت تحاول الخروج من كل محاولة لتوريطها فى الصراع
بالاتجاه نحو التركيز على اتخاذ موقف فى إطار العموميات، كالتأكيد لأطراف الصراع على دعمها لسيادة وسلامة أراضيه وتشجيع كل
المحاولات المحلية والدولية لأضواء الصراع وتسويته وكانت تحبذ حل النزاع فى إطار الأمم المتحدة وبواسطة إرسال قوات لحفظ
السلام وكذلك صياغة مواقفها فى إطار مبادئ الأمم المتحدة، وقواعد وأعراف العلاقات الدولية حتى لا تترك المجال مفتوحا لأحد
المتصارعين لتفسير المواقف اليابانية وكأنها تؤيده فى مواجهة خصمه، ولعل خير شاهد على حقيقة السياسة اليابانية إزاء العالم
العربى هو ما قامت به اليابان فى عام 1972 عندما قام ثلاثة يابانيون من الجيش الأحمر بالهجوم على السياح فى مطار اللد ـ
إذ سارع رئيس الوزراء اليابانى بتقديم اعتذاراته لجولدا مائير وعرض عليها التعويض المالى للضحايا ـ ثم قامت اليابان فى
نفس الوقت بإرسال مبعوثها الخاص للاعتذار عن الاعتذار ـ الذى أدلى به رئيس وزرائها لجولدا مائير (8).

هذه السياسة اليابانية كانت تلقى استياء بالغا فى العالم العربى وهو ما اتضح من تحذير الملك فيصل لرئيس وزراء اليابان ـ
أثناء زيارة الملك فيصل لليابان عام 1972 ـ من أن سياستها إزاء المنطقة تنتهج أسلوبا أعمى وثيقا للسياسة الأمريكية.

ولكن بعد نشوب حرب أكتوبر وقيام العرب ـ بفرض حظر نفطى ـ اتجهت اليابان إلى تغيير سياستها إزاء المنطقة وكان هذا التغير
قد بدأ بسعى من السيد ناكاسونى ـ وزير التجارة الدولية والصناعة فى ذلك الوقت ورئيس الوزراء فيما بعد ـ لدى تاناكا رئيس
الوزراء وإقناعه بضرورة تغيير السياسة اليابانية إزاء المنطقة ـ كما قام السيد نيكايدو بدور بارز فى هذا المجال حيث قام
بزيارة جميع مسئولى الحكومة والقادة السياسيين المختصين لتحقيق وفاق فى الرؤية أنتهى بقرار تاريخى بتبديل سياستها تجاه
الشرق الأوسط العربى وكان هذا القرار سريعا وحاسما لا يتماشى مع خصائص اليابان المعروفة ببطء عملية الوفاق فى سياق اتخاذ
القرارات المهمة ويفسر د ياسومازا كورودا أن هذا التغير فى السياسة اليابانية كان محاولة للتكيف مع خطر النفط العربى،
وأصبحت اليابان مجبرة على صياغة سياسة شرق أوسطية أكثر اعتدالا تجاه العرب وأكثر استقلالا عن سياسة الولايات المتحدة وقد
دعت هذه السياسة إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من جميع الأراضى العربية المحتلة سنة 1967 والاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب
الفلسطينى
.
ويمكن القول أن هذا التغير الجذرى ـ غير المعهودـ فى السياسة اليابانية إنما جاء وليد حسابات مصلحيه يابانية أملت عليها
ضرورة التكيف مع تطورات صراع المنطقة، فجاء البيان اليابانى مؤيدا لوجهة النظر العربية ومبتعدا لأول مرة عن الرؤى السياسية
الأمريكية وهو الأمر الذى استمر لفترة قصيرة لاحقة إذ سرعان ما عادت السياسة اليابانية ـ بعد انفراج أزمة النفط ـ إلى
السير فى انتهاج السياسة المتوازنة إزاء الصراع العربى الإسرائيلى، فكانت تنادى بحق إسرائيل فى الوجود بسلام وتقيم معها
علاقات دبلوماسية طبيعية ومنحت مكتب منظمة التحرير فى طوكيو الصفة الدبلوماسية التى كان يفتقدها ـ ولكن مع عدم الاعتراف
بكونها الممثل الشرعى الوحيد للشعب الفلسطينى، ولكنها تعترف فى نفس الوقت بحق الفلسطينيين فى تقرير المصير وكذلك بحقهم فى
تشكيل حكومتهم الخاصة بهم وتعتبر اشتراكهم فى عملية السلام بين مصر وإسرائيل ضرورة ملحة
.اليابان وحرب الخليج:

بعد نشوب حرب الخليج وجدت اليابان نفسها فى وضع يتسم بتهديد إمدادات النفط العربى إليها لذلك سارعت على الفور عقب نشوب
الحرب إلى إعلان حيادها فى هذه الحرب وسارعت اليابان إلى رفض بيان جامعة الدول العربية الصادر فى بغداد فى 1984/3/14
والمنادى بدعوة سائر بلدان العالم للامتناع عن أية تدابير من شأنها أن تؤدى مباشرة أو مداورة إلى إطالة حرب الخليج ـ وقد
جاء الرفض اليابانى فى صورة تحتفظ لها بعلاقاتها الودية مع الدول العربية، إذ قال مسئول وزارة التجارة اليابانية،
أن الحكومة تركت الأمر كليا للقطاع الخاص ليقرر ما إذا كان سيجرى عمليات تجارية مع إيران أم لا، ولا تنوى الحكومة من
جانبها بالطلب من القطاع الخاص أن يفرض على نفسه قيودا، وتكرر الرفض اليابانى فى 7/5 /1974 عندما طلب وفد جامعة الدول
العربية من شينتارو ابيه وزير خارجية اليابان أن تخفض اليابان من وارداتها البترولية من إيران ولا تبيع لإيران معدات قد
تستخدم فى أغراض عسكرية جاء الرد اليابانى بأن وقف واردات البترول الإيرانى يعتمد أساسا على قرار الشركات اليابانية الخاصة
ـ التى كانت تستورد نحو 400 ألف برميل بترول خام من إيران يوميا ـ أى %20 من صادرات إيران البترولية، وفيما يتعلق بوقف
بيع المعدات العسكرية أكد وزير الخارجية اليابانى للوفد العربى تمسك اليابان بسياستها المعتادة والتى تقوم على فرض حظر على
صادرات الأسلحة ومن هنا نجد أن السياسة اليابانية إزاء حرب الخليج لن تخرج عن إطار السياق العام للسياسة اليابانية إزاء
المنطقة ومشاكلها إذ أنها تحرص على تجنب الظهور بمظهر من يسعى للتوسط بينهما بصفة رسمية مع الحرص على إنهاء الحرب ولكن من
منطلق تأمين إمدادات البترول والشركات اليابانية العديدة المشتركة فى مشروعات تنمية فى البلدين، ففى الوقت الذى تزداد الحرب
اشتعالا بين إيران والعراق نجد أن لليابان علاقات قوية بطرفى الحرب وتقوم بتنفيذ العديد من المشروعات فى كلا البلدين حيث
قامت اليابان ـ عن طريق مجموعة من الشركات الخاصة ـ بتوصيل أنابيب البترول الخاصة بمشروع التوسع لخط أنابيب البترول
العراقى عبر الأراضى السعودية والذى افتتح فى أكتوبر 1985
وبدأت اليابان فى الحصول على 150 ألف برميل يوميا من البترول العراقى المنقول عبر هذا الخط الجديد، كانت اليابان تقوم
بتنفيذ مشروع مجمع بتروكيماوى فى ميناء بندر خمينى الواقع على رأس الخليج بتكلفة 4 مليارات دولار ـ كما عملت اليابان على
الحفاظ على مستوى مرتفع من العلاقات الودية بين طرفى الحرب عن طريق عدم إظهار أى ميول تجاه طرف على حساب الأخر حتى أنه
عندما زار طارق عزيز ـ وزير الخارجية العراقى ـ اليابان فى مايو 1984 سارعت اليابان بإرسال يوشيوهاتانو ـ المدير العام
لمكتب شئون الشرق الأوسط وأفريقيا فى الخارجية إلى طهران لإطلاع المسئولين الإيرانيين على زيارة الوزير العراقى لطوكيو، وفى
نفس الوقت كانت تحرص على تناوب مسئوليها لزيارة الطرفين حتى لا تفسر زيارة إحداهما دون الأخرى على أنها تنطوى على تأييد
ضمتى لهذا الطرف فى مواجهة الأخر الذى لم يقم بزيارته كزيارة شينتالوابى وزير الخارجية للعراق وإيران فى أغسطس 1983
كذلك اتجهت اليابان إلى محاولة تحقيق مكاسب ـ اقتصادية ـ من وراء تعاملها مع طرفى الحرب فاتجهت إلى الإعلان عن وقف
إرسال ناقلاتها البترولية إلى جزيرة خرج بحجة ارتفاع تكاليف جلب البترول الإيرانى والخوف من التعرض لهجوم الطائرات العراقية
وهو القرار الذى ظل ساريا حتى قامت الشركة الوطنية الإيرانية للبترول بتخفيض أسعارها بمقدار 3 دولارات للبرميل لتعويض
النفقات الإضافية المفروضة نتيجة لارتفاع تكاليف التأمين والشحن فقامت الشركات اليابانية على الفور بإبرام عدة عقود مقدارها
48 مليون برميل بترولى خام وبدأت الناقلات اليابانية فى الرسو فى ميناء خرج
وأيضا حين حاولت اليابان أن يكون لها نصيب فى محاولات إيجاد حل سلعى للصراع استهلتها اليابان بطلب تعهد وضمان لمرور السفن
فى الخليج كوسيلة لضمان التوصل إلى تسوية سلمية للحرب ونفس الشىء ينطبق على المشروع الذى تقدمت به اليابان فى يونيو 1985
والرامى لإنهاء حرب الخليج كما تقدم به شينتاروابى وزير الخارجية الذى أنطوى على خمسة مطالب هى:
1) دعوة الطرفين إلى استخدام موانئ كل طرف لتصدير نفطه
.
2) عدم تعريض هذه الموانئ للقصف.
3) وقف ضرب ناقلات البترول
.
4) وقف ضرب المدن الآهلة بالسكان
.
5) عدم استخدام الأسلحة الكيماوية
وفى نفس الوقت تتجنب اليابان إضفاء الصفة الرسمية على وساطتها ومحاولاتها الرامية لإنهاء الحرب واتجهت فى نفس الوقت ـ
كترجمة صادقة للدوافع الاقتصادية للدبلوماسية اليابانية ـ إلى الانسحاب تدريجيا من منطقة الصراع والتوجه لمناطق أخرى
كبديل مؤقت لسد الاحتياجات اليابانية من البترول، فقللت من اعتمادها على بترول المنطقة بخفض وارداتها من البترول الإيرانى
بنحو 50% سنة 1984 وكذلك خفض وارداتها من السعودية والكويت وإيران والعراق لتصل وارداتها من المنطقة سنة 1984 إلى 71% من
(9) إجمالى وارداتها ثم إلى 65,7% فى أواخر 1984 ـ وهى أول مرة منذ عشر سنوات يشكل فيها بترول الشرق الأوسط أقل من 70%
من واردات اليابان
.
واتجهت فى نفس الوقت إلى زيادة اعتمادها على بترول ماليزيا الذى زادت منه بنسبة 2,2% وبترول بيرونى بنسبة 74,2% والصين
بنسبة 59,5% ومن هنا مثلت واردات اليابان من بترول الشرق الأقصى نحو 3% من واردات اليابان سنة 1984 فى مقابل 36% سنة 1975
.
مستقبل العلاقات العربية اليابانية:

يلاحظ فى هذا الصدد أن اليابان تعمل على تدعيم علاقاتها الاقتصادية بالعالم العربى فى صورها المختلفة مع العودة مرة أخرى
ـ لا سيما بعد انفراج أزمة النفط الأولى ثم الثانية ـ إلى إتباع المبدأ التقليدى فى السياسة اليابانية والرامى إلى محاولة
إيجاد علاقات متوازنة مع مختلف أطراف المنطقة والابتعاد بقدر الإمكان عن القضايا والصراعات السياسية
فنجد أن اليابان فى الوقت الذى تزيد فيه من تدعيم علاقاتها مع الدول العربية تصوت ضد إدانة قرار ضم إسرائيل لمرتفعات
الجولان خضوعا للضغط الأمريكى " 1982" الأمر الذى يعد مناقضا لبيان الحكومة الصادر فى 1973/11/23 والذى تضمن فى أحد
بنوده معارضة اليابان لضم واحتلال أى أرض عن طريق استخدام القوة ـ وظهرت الازدواجية مرة أخرى فى السياسة اليابانية عندما
زار شامير اليابان بعد انفراج أزمة النفط والتحرر اليابانى من التأثير العربى إلى حد ما ـ فسارع بعدها بقليل سفير اليابان
فى الأردن ـ اكيداماكيما ـ فى 1985/9/15 بإعلان عن أن هذه الزيارة قد جاءت بناء على طلب من الحكومة الإسرائيلية
اليابانية لا يمكن تفسيرها إلا فى ضوء محركات السياسة اليابانية والتى تنطلق من الاعتبارات الاقتصادية فاليابان بصفة عامة
تتخذ موقف المحايد من الصراعات الدولية المختلفة ولكن عندما تجد أن مصالحها مهددة ما لم تنحاز إلى أحد الطرفين فأنها تستطيع
التكيف مع مثل هذه التغيرات عن طريق إجراء تعديل فى توجهاتها السياسية إزاء الأطراف المختلفة، وإذا كنا قد لاحظنا نوع من
الاقتراب العربى اليابانى بعد حرب 1973 فمرد ذلك للصدمة البترولية التى جعلت اليابان تتخذ عده بيانات وقرارات مؤيدة للعرب
بل وقرارات عقابية لإسرائيل مثل قرار وقف مساعدات بنك التصدير والاستيراد اليابانى لإسرائيل فى نوفمبر سنة 1973، كما أن
استمرار سياسة التقرب من العرب يمكن تفسيرها وكما يقول تايكيوكى كومدرا فى مقال له فى مجلة اليابان الاقتصادية فى يوليو 1982 أن سياسة الحكومة اليابانية القريبة من العرب ما هى إلا محاولة لتحاشى إغضاب العربية السعودية وغيرها من البلدان
العربية المعتدلة نتيجة للسياسات الأمريكية الموالية لإسرائيل الأمر الذى قد يؤدى إلى إعادة رسم السياسات العربية تجاه
الدول الشيوعية مما قد يعرض التدفق الدائم لنفط الشرق الأوسط إلى اليابان للخطرإذا كان ذلك كذلك فهل تستطيع اليابان
الاستمرار فى التركيز على الجوانب الاقتصادية للعلاقات وتجاهل الجوانب السياسية لها؟

حقيقة هناك تعاون اقتصادى واسع النطاق بين اليابان والدول العربية فى مجالات مختلفة مثل مجال التعاون التكنولوجى والذى بلغ
عام 1984 نحو 24,408 مليون دولار كما بلغ عدد العرب الذين يتلقون تدريبا فنيا فى اليابان فى نفس العام 355 بالإضافة إلى 112
خبيرا يابانيا فى البلاد العربية ـ كما بلغت واردات اليابان نحو 29865,6 مليون دولار من البلاد العربية أى ما يوازى 23,6%
من إجمالى الواردات اليابانية منها 86% من النفط الخام ـ أو ما يوازى 64% من جملة واردات اليابان من النفط الخام تأتى من
البلاد العربية، كما مثلت صادرات اليابان إلى البلاد العربية سنة 1983 نحو 9,5% من جملة الصادرات اليابانية " نحو 14016
مليون دولار كما تم خلال عام 1983 74 عقدا فى مختلف المجالات بين شركات يابانية وبين الدول العربية .(10)
كما أن اليابان
قدمت خلال 1983 مساعدات اقتصادية ضخمة وصلت بالنسبة لمصر إلى 201,180 مليون دولار مقابل 201,080 مليون لسنة 1982 أى زيادة
بنسبة 71% ويلاحظ أن أكثر ـ من 50% من مساعدات اليابان للمنطقة تذهب لمصر.
إلا أن كل هذه العلاقات والترابطات الاقتصادية
تعد محدودة الأهمية بالنسبة للدول العربية التى تحاول تسييس علاقاتها مع اليابان التى تتخوف من ذلك، وعلى الرغم من ـ كما
يقول د إسامة الغزالى ـ أن السلوك الاقتصادى اليابانى المحض ليس هو السلوك الأمثل فى كل الحالات لأن المصالح الاقتصادية
والتجارية ـ فى لحظة معينة ـ تحتاج إلى مؤازره سياسية ودرجه من الوجود البشرى والعلاقات الإنسانية، إلا أن اليابان
تصر على ضرورة الفصل فى قرار السياسة الخارجية بين السياسة والاقتصاد انطلاقا من رؤية اقتصادية خالصه، فالقرار اليابانى فى
محاولته لضمان الحصول على أعواد الأولية وفتح أسواق جديدة لتصريف منتجات الصناعة اليابانية يفصل السياسة عن الاقتصاد بدافع
الحرص على الحياد والابتعاد عن التورط فى الصراعات الدولية والخوف من فقدان اليابان لأسواقها التجارية ولذلك يلاحظ فيما
يتعلق بالعلاقات العربية اليابانية أن الاعتبارات الاقتصادية لها الأولوية بالنسبة لليابان على حين تحتل الاعتبارات
السياسية لهذه الأولوية ـ بالنسبة للدول العربية التى تعمل على تأسييس العلاقات العربية اليابانية وذلك من خلال حوار عربى
يابانى يضمن للعرب كما يقول عبد الخبير عطا ـ سياسة يابانية إيجابية تتفهم الموقف العربى من الصراع بجانب حتى منافع
اقتصادية من هذا التعامل، مع ضرورة تفهم خصائص عملية صنع القرار السياسى اليابانى من حيث تأثره بالاعتبارات الاقتصادية
وحساسيته الشديدة إذا ما تعرضت المصالح الاقتصادية اليابانية للخطر
وفى النهاية يمكن القول بأن السياسة اليابانية التى تسعى إلى أدوار جديدة ـ دون تبديل أسس السياسة اليابانية التقليدية ـ
كقرة غربية غير عسكرية تحصر الدور السياسى والعسكرى فى أضيق الحدود ـ يمكن أن تتلاقى مع سياسة الدول العربية من خلال
التنسيق العربى وتوحيد الصف العربى من ناحية وتفهم الحسابات الذاتية للسياسة اليابانية تلك الحسابات التى تفض طابعا من
التذبذب والتغير على السياسة اليابانية التى لا تحاول اتخاذ مواقف مؤيدة على طول الخط للعرب حتى لا تستثير الولايات المتحدة
الحليف الضامن لأمنها
والمدافع الأول عن إسرائيل فى الأمم المتحدة
من هنا جاء القرار اليابانى برفض إدانة القرار الإسرائيلى بضم الجولان سنة 1982 ـ كما أنها ووفقا أيضا لنفس الحسابات لا
تستطيع إغضاب الدول العربية التى تمدها بالبترول ـ وتحاول استمالة هذه الدول بقدر الإمكان وهذه المحاولة تتناسب عكسيا مع
كميات البترول المطروحة فى السوق العالمى ولذلك تنتهى السياسة اليابانية إلى التذبذب من وقت لأخر بهدف الحفاظ على أفضل موقع
ممكن مع كل من الولايات المتحدة البلاد العربية انطلاقا من رؤية العالم بالمعايير الاقتصادية دون غيرها

الهوامش:

المراجع:
(1) د أسامة الغزالى حرب التحدى اليابانى الأهرام 1986/9/5 .
(2) د ياسومازا كورودا، الرؤى اليابانية للعالم العربى، المستقبل العربى عدد 82 ديسمبر 1985 ص 75
.
(3) د. رءوف عباس حامد الدراسات العربية فى اليابان المستقبل الربى عدد 22 نوفمبر 1981 ص 51 و 52
.
(4) د ياسومازا كورودا مرجع سابق ص 76
.
(5) صلاح منتصر حرب البترول الأولى، فبراير 1975 ص 91
.
(6) عبد الخبير محمود عطا، النظام السياسى فى اليابان، رؤية عربية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام ـ
ـ 22 ـ 1979، ص 105
.
(7) THE JAPAN TODAY P 145
.
(8) د ياسومازا كورودا مرجع ص 77
.
(9) JAPAN 1985 AN INTERNATIONAL COMPARISON KEIZAI KOHO CENTER JAPAN INSTITUTE FOR SOCIAL AND ECONOMIC AFFAIRS P 65
.
(10) د محمد السيد سعيد الشركات عابرة القومية ومستقبل الظاهرة القومية، سلسة كتب عالم المعرفة ـ 107 ـ نوفمبر
ـ 1986 ص 242
ـ يفسر د ياسومازا كورودا ذلك بأنه لا يرجع إلى الضغط المصرى بقدر ما هو يرجع إلى دور الولايات المتحدة التى هى ستكون
راضية لرؤية اليابان تزيد من مساعدتها لمصر.